لا تمسها" فقلت: لأعودن حتى أبصِر ما يقول، ثم مسستها فقال: "ألم تُنه عن هذا؟" قال: فوالذي أكرمه! وأنزل عليه الكتاب ما مس منها صنمًا، حتى أكرمه الله، وأنزل عليه الكتاب. حسن: رواه الطبراني في الكبير (٥/ ٨٨) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا أبو أسامة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، فذكره. رواه أيضًا البزار - كشف الأستار (٢٧٥٥) وأبو يعلى (٧٢١٢) والنسائي في الكبرى (٨١٣٢) والحاكم (٣/ ٢١٦ - ٢١٧) كلهم من حديث أبي أسامة بإسناده منهم من أطال ومنهم من اقتصر كما ذكرت. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" . قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٦) : رجاله رجال الصحيح. قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنه حسن الحديث. • عن عروة قال: حدثني جار لخديجة بنت خويلد أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم يقول لخديجة: "أي خديجة! والله! لا أعبد اللات، والله! لا أعبد العزّى أبدًا" قال: فتقول خديجة: خلّ اللات خلّ العزّى. قال: "كانت صنمهم التي كانوا يعبدون ثم يضطجعون" صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٩٤٧) عن أبي أسامة حماد بن أسامة، حدثنا هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه قال: فذكره. وإسناده صحيح. والمخبِر هو صحابي ولا يضر إبهام اسمه. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٥) وقال: "رجاله رجال الصحيح" . والأظهر أن القصة وقعت قبل البعثة، لأن بعد البعثة كان أمر اللات والعرّى معروفًا. • عن جبير بن مطعم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ينزل عليه، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس، حتى يدفع معهم منها. توفيقًا من الله له. حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٧٥٧) والطبراني في الكبير (٢/ ١٤٢ - ١٤٣) وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٥٧) والحاكم (١/ ٤٦٤) كلهم من طريق محمد ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن عمه، نافع ابن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" . الحديث في نسخة سيرة ابن إسحاق المطبوعة من رواية أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق وزاد فيه: "وهو على دين قومه" . وهذه زيادة منكرة لم يذكرها أصحاب ابن إسحاق غير يونس بن بكير، ثم اختلف عليه أيضًا فلم يذكرها إلا أحمد بن عبد الجبار، ولم يذكرها أبو كريب عن يونس بن بكير، فلا نشتغل بتأويله بل يجب الإنكار عليه. وأحمد بن عبد الجبار العطاردي ضعيف لكن سماعه في السيرة صحيح، فلعله هذا مما أخطأ فيه حيث خالفه ثقة وهو أبو كريب. قال حنبل بن إسحاق: "قلت لأبي عبد الله من زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على دين قومه قبل أن يبعث؟ فقال:" هذا قول سوء ينبغي لصاحب هذه المقالة تحذّر كلامه، ولا يجالس "قلت له:" إن جارنا الناقد أبو العباس يقول هذه المقالة. فقال: "قاتله الله! أي شيء أبقى إذا زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على دين قومه، وهم يعبدون الأصنام" اهـ. انظر: السنة للخلال (٢١٣) . • عن عائشة قالت: كانت قريش ومن يدين دينها وهم الحُمس يقفون عشية عرفة بالمزدلفة يقولون: نحن قطن البيت. وكان بقية الناس والعرب يقفون بعرفات فأنزل الله عز وجل {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} [البقرة: ١٩٩] فتقدموا فوقفوا مع الناس بعرفات. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٥٢٠) ومسلم في الحج (١٢١٩) كلاهما من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. وأخرجه البيهقي في "الدلائل: ٢/ ٣٦ واللفظ له. فوفّق الله رسوله أن يقف في عرفات على رسم دين إبراهيم قبل أن يبعث. و" الحُمس" جمع أحمس. وهو الشديد الصلب من الحماسة إنما سموا به لأنهم اشتدوا في دينهم حسب زعمهم. قال عروة: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمس. والحُمس من قريش وما ولدتْ. وكانت الحُمس يحتبسون على الناس. يُعطي الرجلُ الرجلَ الثياب يطوف فيها، وتُعطي المرأةُ المرأةَ الثياب تطوف فيها. فمن لم يُعْطه الحُمس طاف عريانًا. وكان يفيض جماعة الناس من عرفات. ويُفيض الحُمس من جمع (أي المزدلفة) ذكره البخاري (١٦٦٥) ومسلم (١٢١٩) . ٣٠ - مِن آثار الحُمس في الجاهلية الطواف عريانًا • عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرُني تِطوافًا؟ تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله. فما بدا منه فلا أحلّه فنزلت هذه الآية: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٣١] . صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٨) من طرق عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. قال ابن إسحاق: وقد كان قريش - لا أدري قبل الفيل أم بعده - ابتدعت رأى الحُمس رأيًا رأوه وأرداوه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطان مكة وسكانها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظّمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظّموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم عليه السلام ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحُمس، والحُمس أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم، بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. فكان لغير الحُمس أن لا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في لباس الحُمس، فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا بالبيت عراة، فكانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كلّه وما بدا منه فلا أحله. قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه القرآن ردًا عليهم فيما ابتدعوه فقال: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: ١٩٩] أي جمهور العرب من عرفات. سيرة ابن هشام (١/ ١٩٩ - ٢٠٣) . ٣١ - حجب الجن من علامات قرب بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن إسحاق: "وكانت الأحبار من يهود والرهبان من النصارى، والكهان من العرب، قد تحدثوا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه لما تقارب من زمانه. أما الأحبار من يهود والرهبان من النصارى، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه. وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم. وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره لا تلقي العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها. فلما تقارب أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله في العباد تبارك وتعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا، وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا" . اهـ. • عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم على الرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال : ما رأيت كاليوم استُقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني،