لا نكاح إلا بولي "وإنما معنى قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:" الأيم أحق بنفسها من وليها "عند أكثر أهل العلم: أن الولي لا يزوجها إلا برضاها وأمرها. فإن زوجها فالنكاح مفسوخ على حديث خنساء بنت خِدام حيث زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهت ذلك فرد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نكاحها" . انتهى. في أحاديث الباب نهي عن إجبار البكر البالغ على النكاح لأن الاستئذان مناف للإجبار، ولكن وقع التفريق بين الثيب والبكر، فإن الثيب يجوز أن تخطب إلى نفسها وتأمر وليها بتزويجها بخلاف البكر فإنها تستحي أن تخطب إلى نفسها، وتتكلم في أمر نكاحها فجعل إذنها صماتها. • عن عبد اللَّه بن عمر، قال: تُوفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد اللَّه: وهما خالاي، قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوجنيها ودخل المغيرة بن شعبة -يعني إلى أمها- فأرغبها في المال، فحطت إليه، وحطّت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال قدامة بن مظعون: يا رسول اللَّه، ابنة أخي، أوصى بها إليّ، فزوّجتها ابن عمتها عبد اللَّه بن عمر، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة وإنما حطّت إلى هوى أمها. قال: ف قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها" قال: فانتزعت واللَّه مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة. حسن: رواه الإمام أحمد (٦١٣٦) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن حسين بن عبد اللَّه مولى آل حاطب، عن نافع مولى عبد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. ورواه أيضًا الدارقطني (٣/ ٢٣٠) وعنه البيهقي (٧/ ١٢٠) من وجه آخر عن محمد بن إسحاق به مثله. وتابعه ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين بإسناده مختصرًا ليس فيه ذكر قصة المغيرة بن شعبة وإنما فيه: إن أمها ذهبت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: إن ابتي تكره ذلك. فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يفارقها. ففارقها وقال: "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن، فإذا سكتت فهو إذنها" . فتزوّجها بعد عبد اللَّه المغيرةُ بن شعبة. رواه الدارقطني من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، نا ابن أبي ذئب، والحاكم (٢/ ١٦٧) وعنه البيهقي (٧/ ١٢١) كلاهما من حديث ابن أبي فديك به مثله. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" . وإذا صحّ هذا فلا يضر إن كان ابن إسحاق في رواية يرويه عن نافع، عن ابن عمر فإن الصحيح أنه يرويه عن عمر بن حسين، عن نافع. وعمر بن حسين ثقة، وثقه النسائي وغيره. وكذلك لا يضر اختلافه على ابن أبي ذئب، فرواية ابن أبي فديك عنه لا علة فيه، وقد صحّحه الحاكم كما سبق. وأما ما رواه الوليد بن مسلم وصدقة بن عبد اللَّه، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، فالصواب فيه عن عمر بن حسين، عن نافع، عن ابن عمر. وقد أشار إلى هذه العلة الدارقطني في سننه، ونقل عنه ابن عبد الهادي في التنقيح (٤/ ٣٠٩) كما نقل ابن الجوزي في التحقيق مع التنقيح (٤/ ١١٣) قوله: وقد سئل عن هذا الحديث أحمد فقال: "باطل" فلعله يقصد به القصة التي ذكره ابن إسحاق، فإن غيره اقتصر على ذكر المرفوع دون قصة المغيرة بن شعبة، فإن فيها ما ينكر عليه، واللَّه تعالى أعلم. • عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنتْ، وإن أبتْ لم تُكره" . حسن: رواه أحمد (٩٥١٦) ، والبزّار - كشف الأستار (١٤٢٣) ، وصحّحه ابن حبان (٤٠٨٥) والحاكم (٢/ ١٦٦) وعنه البيهقي (٧/ ١٢٢) كلهم من حديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في يونس بن أبي إسحاق غير أنه حسن الحديث، وإن كان ابنه إسرائيل بن يونس أوثق عنه في أبي إسحاق غير أن الأئمة احتملوا روايته عن أبيه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ويونس بن أبي إسحاق ليس من رجال البخاري. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذْنها، وإن أبتْ فلا جواز عليها "يعني إذا أدركت فردّتْ. حسن: رواه أبو داود (٢٠٩٣) والترمذي (١١٠٩) والنسائي (٢٣٧) وأحمد (٧٥٧٢) وصحّحه ابن حبان (٤٠٧٩، ٤٠٨٦) كلهم رووه عن جماعة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن كما قال الترمذي من أجل الكلام في محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي وهو حسن الحديث. ورواه أبو داود (٢٠٩٤) عن محمد بن العلاء، حدثنا ابن إدريس عن محمد بن عمرو بهذا الحديث بإسناده وزاد فيه: قال:" فإن بكتْ أو سكتتْ "زاد" بكتْ ". قال أبو داود:" وليس "بكتْ" بمحفوظ، وهو وهم في الحديث، والوهم من ابن إدريس، أو من محمد بن العلاء ". • عن ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" الأيم أولى بأمرها، واليتيمة تُستأمر في نفسها، وإذنها صماتها ". حسن: رواه النسائي (٣٢٦٢) عن أحمد بن سعيد الرباطي، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان، عن عبد اللَّه بن الفضل بن عباس بن ربيعة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس فذكره. ورواه أيضًا أحمد (٢٣٦٥) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٦) والدارقطني (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩) كلهم من حديث ابن إسحاق. وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق. قال الدارقطني: تابعه سعيد بن سلمة عن صالح بن كيسان وخالفهما معمر، فأسقط منه رجلا، وخالفهما أيضًا في متنه، فأتى بلفظ آخر وهم فيه، لأن كل من رواه عن عبد اللَّه بن الفضل، وكل من رواه عن نافع بن جبير مع عبد اللَّه بن الفضل خالفوا معمرًا. واتفاقهم على خلافه دليل على وهمه. ثم رواه من حديث سعيد بن سلمة بن أبي الحسام بالإسناد الذي سبق ذكره ولفظه مثله. وأما ما أشار إليه من مخالفة معمرٍ ابنَ إسحاق وسعيدَ بن سلمة فهو ما رواه عبد الرزاق (١٠٢٩٩) ومن طريقه أبو داود (٢١٠٠) والنسائي (٣٢٦٣) والدارقطني عن معمر، عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر، فصمتها إقرارها". وصحّحه ابن حبان (٤٠٨٩) ورواه من حديث عبد اللَّه بن المبارك، عن معمر، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث. ثم قال الدارقطني: والذي قبله أصح في الإسناد والمتن، لأن صالحًا لم يسمعه من نافع بن جبير، وإنما سمعه من عبد اللَّه بن الفضل عنه، اتفق على ذلك ابن إسحاق وسعيد بن سلمة، عن