يلتفت إليهم ويقول: السّكينة ..." وهذا هو الصحيح بدون "لا" النافية؛ لأن المعنى لا يستقيم بإثباتها، فالظاهر أن يحيي بن آدم أخطأ فيه، فذكر فيه "لا يلتفت" . والبيهقيّ (٥/ ١٢٢) أيضًا ممن وهم في إثبات "لا" النافية في رواية محمد بن عبد الله الزبيري الأسدي، والصواب بدونها. قال محبّ الدّين الطّبريّ في "القرى" (ص ٤١٤) قال بعضهم: رواية من روي "يلتفت إليهم" بإسقاط "لا" أصح، فإنه كان ينظر إليهم، وهم يضربون الإبل، يشير إليهم يمينًا وشمالًا: "السّكينة السّكينة" . • عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّي المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٩٦) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، فذكره. ورواه مسلم في الحج (٧٠٣: ٢٨٦) من طريقه مالك، ورواه البخاري في الحج (١٦٧٣) من وجه آخر عن سالم نحوه. • عن أبي أيوب الأنصاريّ، أنّه صلّى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجّة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا. متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٩٨) عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاري) ، عن عدي بن ثابت الأنصاريّ، أنّ عبد الله بن يزيد الخطمي أخبره، أنّ أبا أيوب الأنصاريّ أخبره، فذكره. ورواه البخاريّ في المغازي (٤٤١٤) عن القعنبيّ، عن مالك، به، مثله. ورواه أيضًا في الحج (١٦٧٤) هو ومسلم في الحجّ (١٢٨٧) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حدثنا يحيى بن سعيد، به، نحوه. • عن أسامة بن زيد، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب، فقضى حاجته. قال أسامة بن زيد: فجعلت أصب عليه ويتوضأ. فقلت: يا رسول الله، أتصلي؟ فقال: "المصلي أمامك" . متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٨١) ومسلم في الحج (١٢٨٠) كلاهما من حديث كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم أطول. ٩٠ - باب الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في مزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولا يتنفّل بينهما ولا على إثرهما • عن جابر بن عبد الله قال: حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر ... الحديث. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر حديث حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - بطوله. وبهذا قال الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد وهو اختيار الطحاوي قياسًا على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة. وأما قولُ الشّافعيّ الجديد فهو كما يدل عليه حديث أسامة بن زيد الآتي. وحديث جابر هذا في صلاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المزدلفة هو العمدة، ومن خالفه فإما أن يكون شاذًا فلا يلتفت إليه، وإما أن يكون صحيحًا فيحتاج إلى تأويل لئلا يتضارب فعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حجّه الذي لم يتكرّر. وأما ما ذكره الزيلعيّ في نصب الراية (٣/ ٦٨) بأنّ ابن أبي شيبة رواه في مصنفه بهذا الإسناد، وجاء فيه: "بأذان وإقامة واحدة" ، وقال: "هذا حديث غريب فإنّ الذي في حديث جابر الطويل عند مسلم أنه صلاهما بأذان وإقامتين" . قلت: كذا قال، والذي في طبعتي الحوت (١٤٠٥٠) واللّحام (٤/ ٣٤٧) : "بأذان واحد وإقامتين" مثل رواية مسلم؛ فلعلّ هذا يعود إلى اختلاف نسخ المصنف، والله تعالى أعلم. • عن ابن عمر، قال: جمع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبّح بينهما ولا على إثر كلّ واحدة منهما. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٧٣) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، به، نحوه وزاد: "كلُّ واحدة منهما بإقامة، ولم يسبِّح بينهما، ولا على إثر كلّ واحدة منهما" . ورواه مسلم (١٢٨٨: ٢٨٧) من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه قال: جمع رسولُ - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة، وصلّى المغرب ثلاث ركعات، وصلّى العشاء ركعتين، فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله تعالي. • عن سعيد بن جبير، أنه صلّى المغرب بجمع والعشاء بإقامة، ثم حدّث عن ابن عمر أنه صلّى مثل ذلك، وحدّث ابن عمر أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل ذلك. صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٨٨: ٢٨٨) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن الحكم وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، فذكره. وقال: وحدثنيه زهير بن حرب، حدثنا وكيع، حدثنا شعبة بهذا الإسناد، وقال: صلاهما بإقامة واحدة. • عن عبد الله بن مالك، أنّ ابن عمر صلّى بجمع، فجمع بين الصلاتين بإقامة. وقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل مثل هذا في هذا المكان. حسن: رواه الترمذي (٨٨٧) ، وأبو داود (١٩٢٩) كلاهما من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، فذكره. واللّفظ للترمذيّ. وأما أبو داود فلم يذكر قوله: "بإقامة" بل اكتفي فقط بذكر الجمع بين الصلاتين. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" . قلت: هو حسن فقط؛ لأن عبد الله بن مالك وهو الهمداني أو الأسدي الكوفي لم يوثقه غير ابن حبان، وروى عنه اثنان، فهو "مقبول" كما في "التقريب" . وهو كذلك لأنه توبع كما سبق. • عن ابن عمر قال: إنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة المغرب والعشاء بإقامة إقامة جمع بينهما. صحيح: رواه أبو داود (١٩٢٧) عن الإمام أحمد -وهو في المسند (٦٤٧٣) - وفيه قال (أي عبد الله بن أحمد) : قرأت على أبي: حدثنا حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، فذكره. وقال أبو داود: قال أحمد: قال وكيع: "صلّي كل صلاة بإقامة" . إلا أنّ هذا لم يذكره أحمد. ولكن رواية وكيع هذه أخرجها مسلم (١٢٨٨: ٢٨٨) وقال: "صلاهما بإقامة واحدة" . • عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة فلم يكن يفتر من التكبير والتهليل حتى أتينا المزدلفة، فأذّن وأقام أو أمر إنسانًا فأذّن وأقام فصلّى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا فقال: الصّلاة فصلّي بنا العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه. صحيح: رواه أبو داود (١٩٣٣) عن مسدد، حدثنا أبو الأحوص، حدثنا أشعث بن سليم، فذكره. قال (أي أشعث) : وأخبرني علاج بن عمرو بمثل حديث أبي، عن ابن عمر، قال: فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات غير علاج بن عمرو وهو لا يعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات" ، وروى عنه اثنان فهو "مقبول" حب اصطلاح ابن حجر، وهو كذلك لأنه توبع. وهذه الروايات عن ابن عمر كلها صحيحة، فإما أن نؤوِّل، وإما أن نحكم على بعضها بالشّذوذ. وذهب الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى إلى الحكم بالاضطراب في أحاديث ابن عمر، فقال: "والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين: أحدهما: أنّ الأحاديث سواه مضطربة مختلفة، فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب -كما تقدم-، فروي عن ابن عمر من فعله: الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه مرفوعًا الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضًا مرفوعًا: الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعًا الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة، وهذه الروايات صحيحة عنه، فيسقط الأخذ بها؛ لاختلافها واضطرابها. والوجه الثاني: أنه قد صحّ من حديث جابر في جمعه - صلى الله عليه وسلم - بعرفة، أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين، ولم يأت في حديث ثابت قطّ خلافه، والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلّا في التقديم والتأخير. وقال: ومذهب أحمد والشافعي في الأصح عنه وأبي ثور، وعبد المالك الماجشون، والطحاوي أنه يصليهما بأذان وإقامتين، وحجتهم حديث جابر الطويل. وقال: وقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وهو مذهب ابن مسعود. وقال ابن المنذر: وروي هذا عن عمر رضي الله عنه قال ابن عبد البر:" ولا أعلم ذلك مرفوعًا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بوجه من الوجوه، ولكنه روي عن عمر ابن الخطاب أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك "انتهى كلام ابن القيم. وفيه تقديم وتأخير. انظر:" تهذيب السنن" (٢/ ٤٠٠) . ٩١ - باب من قال: يجمع بينهما بإقامتين فقط بدون أذان • عن أسامة بن زيد أنه قال: دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة حتى إذا كان بالشِّعْب