الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
وقول ابن عمر: "من السنة" أي من المرفوع، كما عن جمهور أهل العلم بأن قول الصحابي
أنّه ادّهن بزيت غير مقتّت وهو محرم" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٩٦٢) ، وابن ماجه (٣٠٨٣) ، والإمام أحمد (٤٧٨٢) وابن خزيمة (٢٦٥٢) كلّهم من طريق حماد بن سلمة، عن فرقد السّبخيّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، فذكره.
المقتّت: المطيّب. قاله الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من حديث فرقد السّبخيّ عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخيّ، وروى عنه الناس" .
قلت: وهو كما قال فإنه تكلم فيه غير واحد من أهل العلم.
قال ابن خزيمة: أنا خائف أن يكون فرقد السبخيّ واهمًا في رفعه هذا الخبر. فإنّ الثوريّ روي عن منصور، عن سعيد بن جبير، قال: "كان ابن عمر يدهن بالزيت حين يريد أن يحرم" .
ومن هذا الوجه أخرجه البخاريّ في الحجّ (١٥٣٧) ، وابن خزيمة في صحيحه (٢٦٥٣) وقال: "ومنصور بن المعتمر أحفظ وأعلم بالحديث وأتقن من عدد مثلي فرقد السبخي، وهكذا رواه حجاج بن منهال، عن حماد" انتهى.
ثم قال: ورواه وكيع بن الجراح، عن حماد بن سلمة، فقال: "عند الإحرام" . ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد فقال: "إذا أراد أن يحرم" .
وردّ عليه ابن خزيمة فقال: "اللّفظة التي ذكرها وكيع والتي ذكرها الهيثم ابن جميل لو كان الدُّهن مقتّتًا بأطيب الطيب جاز الادّهان به إذا أراد الإحرام، إذ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد تطيّب حين أراد الإحرام بطيب فيه مسك، والمسك أطيب الطيب على ما خبّر المصطفي - صلى الله عليه وسلم -" .
وفي صحيح البخاريّ (١٥٣٧) عن سعيد بن جبير، قال: "كان ابن عمر يدّهن بالزيت" فذكرته لإبراهيم: فقال: ما تصنع بقوله: حدثني الأسود، عن عائشة، قالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم" .
والخلاصة فيه أن حديث ابن عمر موقوف عليه؛ لأنّ أصحاب حماد بن سلمة اختلفوا عليه، فوهم فرقد السّبخيّ فرفعه وغيره وقفوه.
كان ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكره استدامة الطيب بعد الإحرام، وابنه عبد الله يتبعه في ذلك، وكانت عائشة تنكر عليه.
روي سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر، أنّ عائشة كانت تقول: "لا بأس بأن يمس الطيب عند الإحرام" قال: "فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر، فأرسلته إليها،
وقد علمت قولها ولكن أحببتُ أن يسمعه أبي، فجاءني رسولي، فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإحرام فأصبْ ما بدا لك. قال: فسكت ابن عمر ".
وكذلك كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك لحديث عائشة.
قال ابن عيينة: أخبرنا عمرو بن دينار، عن سالم، أنه ذكر قول عمر في الطيب، ثم قال: قالت عائشة (فذكر الحديث) .
قال سالم:" سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن نتبع "ذكره الحافظ في" الفتح ".
٣ - باب ما جاء فيما لا يلبس المحرم من الثياب وأن من لم يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين
• عن يعلى بن أمية أنه كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْه، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالْجِعْرَانَةِ وَعَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٍ مُتَضَمِّخٌ بِطيبٍ فَقَال: يَا رَسُول اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَي بْنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَي فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَال:" أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَن الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ ". فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم " أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٣٦) ، ومسلم في ا لحج (١١٨٠: ٨) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى ابن أمية أخبره، أن يعلي كان يقول لعمر بن الخطاب، فذكره. واللفظ لمسلم.
وزاد النسائيّ (٢٦٦٨) في آخر الحديث:" ثم أحدث إحرامًا ". وقال:" ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب (شيخه) ولا أحسبه محفوظًا "انتهى.
• عن عبد الله بن عمر، أَنَّ رَجُلل سَأَلَ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم " لا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إِلا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا الْوَرْسُ".
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (٨) عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه البخاريّ في الحج (١٥٤٢) ، ومسلم في الحج (١١٧٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. قوله: "الورْس" نبت أصفر طيب الريح يصبغ به.
قال ابن العربي: "ليس الورْس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشّم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيّب" . فتح الباري (٣/ ٤٠٤) .
وقوله: "ولا تلبسوا من الثياب شيئًا ... " فيه دليل على أنّ المحرم ممنوع عن استعمال الطيب في بدنه وثيابه رجلًا كان أو امرأة.
وكذلك لا يجوز له أن يشم شيئًا من نبات الأرض مما يعدّ طيبًا كالورد والزّعفران والورس.
واختلفوا في الرّيحان، سئل عثمان عن المحرم: هل يدخل البستان؟ قال: "نعم ويشم الرّيحان" . وقال جابر: "لا يشم" .
والعُصفر ليس بطيب روي ذلك عن جابر، وإن عائشة لبست الثياب المعصفرة وهي محرمة. ويجوز للمحرم الادّهان إذا لم يكن فيه خلط من الطيب.
• عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بورْس أو بزعفران، وقال: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" .
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٩) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (١١٧٧: ٣) من طريق مالك بإسناده، مثله.
ورواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤٧) من حديث سفيان، عن عبد الله بن دينار، بإسناده، مثله إلّا أنه لم يذكر فيه قوله: "من لم يجد نعلين ..." .
• عن ابن عمر، أَنَّهُ وَجَدَ الْقُرَّ فَقَال: أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا. فَقَال: تُلْقِي عَلَيَّ هَذَا! وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ.
صحيح: رواه أبو داود (١٨٢٨) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده صحيح، وقد رواه أيضًا الإمام أحمد (٦٢٦٦) عن محمد بن عبد الرحمن الطّفاويّ، حدّثنا أيوب، بإسناده، نحوه.
وهذه متابعة قوية لحماد وهو ابن سلمة فإنه تغيّر في آخره.
وعند الإمام أحمد (٤٨٥٦) إسناد آخر. رواه عن يزيد، أخبرنا جرير بن حازم، حدّثنا نافع، قال: وجد ابن عمر القُرّ وهو محرم، فذكر نحوه.
والقرّ: البرد.
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
وقول ابن عمر: "من السنة" أي من المرفوع، كما عن جمهور أهل العلم بأن قول الصحابي
ثم لبس ثيابه، فلما أتي ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج.
رواه الدارقطني (٢٤٣٢)، والحاكم (١/ ٤٤٧) وعنه البيهقي (٥/ ٣٣) عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
قال البيهقي: يعقوب بن عطاء غير قوي.
قلت: وهو كما قال، فقد ضعّفه أبو زرعة والنسائي، وابن معين وغيرهم. وقال أحمد: "منكر الحديث" لأنّ الصحيح الثابت أنّ النبيّ ﷺ بات في ذي الحليفة فأصبح واغتسل ولبس الإحرام.
وأحاديث الباب تدل على مشروعية الغسل للإحرام، وهو سنة مؤكدة لدى الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء، فإن توضأ ولم يغتسل فلا بأس به.
وأما الحائض والنفساء ففي حقهنّ الغسل آكد من غسل الرجال والنساء الطاهرات وليس بواجب. انظر: "المنة الكبري" (٣/ ٥٣٨).
• عن عائشة، أنها قالت: كنتُ أطيّب رسولَ الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٧) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، به.
ورواه البخاريّ في الحج (١٥٣٩)، ومسلم في الحج (١١٨٩: ٣٣) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن عائشة قالت: كأنّي أنظر إلى وَبيص الطّيب في مَفْرَق رسول الله ﷺ وهو محرم.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥٣٨)، ومسلم في الحج (١١٩٠: ٣٩) كلاهما من طريق منصور، عن إبراهيم النخعيّ، عن الأسود، عن عائشة، به، واللفظ لمسلم.
وقولها: "وبيص الطيب" وفي رواية أخرى: "وبيص المسك" أي بريقه. يقال: وبص الشيء وبصَّ بصيصًا إذا برق. ذكره الخطابيّ.
وفي الحديث دليل على أن الطيب لو بقي أثره على المحرم في حال إحرامه لا يضره خلافًا لمن كره استعمال الطيب عند الإحرام، أو لمن كره بقاء أثره بعد الإحرام.
وأما ما رواه ابن ماجه (٢٩٢٨) من طريق شريك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن
عائشة، قالت: "كأني أرى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ بعد ثلاثة، وهو محرم" فهو ضعيف؛ لسوء حفظ شريك فإن أحدًا لم يتابعه على قوله "بعد ثلاثة".
وفي الإسناد أيضًا أبو إسحاق وهو مدلّس مختلط، وتابعه إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، ولكن الراوي عنه عطاء بن السائب وهو مختلط أيضًا.
رواه البيهقيّ في الكبرى (٥/ ٣٥)، والصغرى -المنة الكبرى (١٥٠٧) - من حديث سعيد بن زيد، عن عطاء بن السائب.
ولم يكن سعيد بن زيد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط.
• عن عائشة، قالت: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلا يَنْهَاهَا.
صحيح: رواه أبو داود (١٨٣٠) عن الحسين بن الجنيد الدامغانيّ، حدّثنا أبو أسامة، أخبرني عمر بن سويد الثقفيّ، حدثتني عائشة بنت طلحة، أنّ عائشة أمّ المؤمنين حدّثتها قالت (فذكرته).
وإسناده حسن من أجل شيخ أبي داود وهو الحسين بن الجنيد فإنه لا بأس به، ولم يرتق إلى الثقات الضابطين.
وحسّن إسناده أيضًا المنذريّ في "مختصره".
ولكن رواه الإمام أحمد (٢٤٥٠٢) عن محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا عمر بن سويد، قال: سمعت عائشة بنت طلحة تذكر -أو ذكر عندها- المحرم يتطيب، فذكرت عن عائشة أم المؤمنين: "أنهن كنّ يخرجن مع رسول الله ﷺ عليهن الضِّماد، قد اضطمدن قبل أن يحرمن، ثم يغتسلن وهو عليهنّ، يعرقن ويغتسلن لا ينهاهنّ عنه".
وهذا إسناد رجاله ثقات، وبهذا صحَّ الحديث.
• عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بن عُمَرَ ﵄ عَن الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا؟ فَقَال: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا لأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ. فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَأَخْبَرْتُهَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا لأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُول اللهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٧٠)، ومسلم في الحج (١١٩٢: ٤٧) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، به. واللفظ لمسلم.
• عن نافع، قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إذا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ
بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَاِئمَةً أَحْرَمَ ثُمَّ قَال: "هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ".
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥٤) عن سليمان بن داود أبي الربيع، حدّثنا فليح، عن نافع، به.
وأما ما رُوي عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ "أنّه ادّهن بزيت غير مقتّت وهو محرم" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٩٦٢)، وابن ماجه (٣٠٨٣)، والإمام أحمد (٤٧٨٢) وابن خزيمة (٢٦٥٢) كلّهم من طريق حماد بن سلمة، عن فرقد السّبخيّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، فذكره.
المقتّت: المطيّب. قاله الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من حديث فرقد السّبخيّ عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخيّ، وروى عنه الناس".
قلت: وهو كما قال فإنه تكلم فيه غير واحد من أهل العلم.
قال ابن خزيمة: أنا خائف أن يكون فرقد السبخيّ واهمًا في رفعه هذا الخبر. فإنّ الثوريّ روي عن منصور، عن سعيد بن جبير، قال: "كان ابن عمر يدهن بالزيت حين يريد أن يحرم".
ومن هذا الوجه أخرجه البخاريّ في الحجّ (١٥٣٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٦٥٣) وقال: "ومنصور بن المعتمر أحفظ وأعلم بالحديث وأتقن من عدد مثلي فرقد السبخي، وهكذا رواه حجاج بن منهال، عن حماد" انتهى.
ثم قال: ورواه وكيع بن الجراح، عن حماد بن سلمة، فقال: "عند الإحرام". ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد فقال: "إذا أراد أن يحرم".
وردّ عليه ابن خزيمة فقال: "اللّفظة التي ذكرها وكيع والتي ذكرها الهيثم ابن جميل لو كان الدُّهن مقتّتًا بأطيب الطيب جاز الادّهان به إذا أراد الإحرام، إذ النبيّ ﷺ قد تطيّب حين أراد الإحرام بطيب فيه مسك، والمسك أطيب الطيب على ما خبّر المصطفي ﷺ".
وفي صحيح البخاريّ (١٥٣٧) عن سعيد بن جبير، قال: "كان ابن عمر يدّهن بالزيت" فذكرته لإبراهيم: فقال: ما تصنع بقوله: حدثني الأسود، عن عائشة، قالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم".
والخلاصة فيه أن حديث ابن عمر موقوف عليه؛ لأنّ أصحاب حماد بن سلمة اختلفوا عليه، فوهم فرقد السّبخيّ فرفعه وغيره وقفوه.
كان ابن عمر بن الخطاب ﵁ يكره استدامة الطيب بعد الإحرام، وابنه عبد الله يتبعه في ذلك، وكانت عائشة تنكر عليه.
روي سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر، أنّ عائشة كانت تقول: "لا بأس بأن يمس الطيب عند الإحرام" قال: "فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر، فأرسلته إليها،
وقد علمت قولها ولكن أحببتُ أن يسمعه أبي، فجاءني رسولي، فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإحرام فأصبْ ما بدا لك. قال: فسكت ابن عمر".
وكذلك كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك لحديث عائشة.
قال ابن عيينة: أخبرنا عمرو بن دينار، عن سالم، أنه ذكر قول عمر في الطيب، ثم قال: قالت عائشة (فذكر الحديث).
قال سالم: "سنة رسول الله ﷺ أحق أن نتبع" ذكره الحافظ في "الفتح".
٣ - باب ما جاء فيما لا يلبس المحرم من الثياب وأن من لم يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين
• عن يعلى بن أمية أنه كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْه، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بالْجِعْرَانَةِ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٍ مُتَضَمِّخٌ بِطيبٍ فَقَال: يَا رَسُول اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَي بْنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَي فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَال: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَن الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ ". فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٣٦)، ومسلم في الحج (١١٨٠: ٨) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى ابن أمية أخبره، أن يعلي كان يقول لعمر بن الخطاب، فذكره. واللفظ لمسلم.
وزاد النسائيّ (٢٦٦٨) في آخر الحديث: "ثم أحدث إحرامًا". وقال: "ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب (شيخه) ولا أحسبه محفوظًا" انتهى.
• عن عبد الله بن عمر، أَنَّ رَجُلل سَأَلَ رَسُول اللهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إِلا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا ا لْوَرْسُ".
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (٨) عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه البخاريّ في الحج (١٥٤٢)، ومسلم في الحج (١١٧٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. قوله: "الورْس" نبت أصفر طيب الريح يصبغ به.
قال ابن العربي: "ليس الورْس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشّم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيّب". فتح الباري (٣/ ٤٠٤).
وقوله: "ولا تلبسوا من الثياب شيئًا ... " فيه دليل على أنّ المحرم ممنوع عن استعمال الطيب في بدنه وثيابه رجلًا كان أو امرأة.
وكذلك لا يجوز له أن يشم شيئًا من نبات الأرض مما يعدّ طيبًا كالورد والزّعفران والورس.
واختلفوا في الرّيحان، سئل عثمان عن المحرم: هل يدخل البستان؟ قال: "نعم ويشم الرّيحان". وقال جابر: "لا يشم".
والعُصفر ليس بطيب روي ذلك عن جابر، وإن عائشة لبست الثياب المعصفرة وهي محرمة. ويجوز للمحرم الادّهان إذا لم يكن فيه خلط من الطيب.
• عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بورْس أو بزعفران، وقال: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٩) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (١١٧٧: ٣) من طريق مالك بإسناده، مثله.
ورواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤٧) من حديث سفيان، عن عبد الله بن دينار، بإسناده، مثله إلّا أنه لم يذكر فيه قوله: "من لم يجد نعلين ... ".
• عن ابن عمر، أَنَّهُ وَجَدَ الْقُرَّ فَقَال: أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا. فَقَال: تُلْقِي عَلَيَّ هَذَا! وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ.
صحيح: رواه أبو داود (١٨٢٨) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده صحيح، وقد رواه أيضًا الإمام أحمد (٦٢٦٦) عن محمد بن عبد الرحمن الطّفاويّ، حدّثنا أيوب، بإسناده، نحوه.
وهذه متابعة قوية لحماد وهو ابن سلمة فإنه تغيّر في آخره.
وعند الإمام أحمد (٤٨٥٦) إسناد آخر. رواه عن يزيد، أخبرنا جرير بن حازم، حدّثنا نافع، قال: وجد ابن عمر القُرّ وهو محرم، فذكر نحوه.
والقرّ: البرد.