من أمَّ هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله، فإذا أهلّ ووضع رجله في الغَرْز (أي الركاب) وانبعثت به راحلته وقال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزورًا غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك، وإذا خرج الرجل حاجًا بمال حلال، ووضع رجله في الركاب، وانبعثت به راحلته وقال: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك قد أجبتك، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال، فارجع غير مأزور، وأبشر بما يسرّك" . رواه البزار -كشف الأستار (١٠٧٩) - عن محمد بن مسكين، ثنا سعيد، عن سليمان بن داود، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. قال البزار: "الضّعف بيّن علي أحاديث سليمان، ولا يتابعه عليها أحد، وهو ليس بالقوي" . وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠) فقال: "ضعيف" . وأما ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "وفدُ الله ثلاثةٌ: الغازي، والحاجُّ، والمعتمر" ، فهو موقوف على كعب الأحبار. رواه النسائي (٢٦٢٥) ، وابن خزيمة (٢٥١١) ، وابن حبان (٣٦٩٢) ، والحاكم (١/ ٤٤١) كلّهم من حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سهيل بن أبي صالح، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول (فذكره) . ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن شاهين في "الترغيب" (٣٢١) ، والبيهقيّ (٥/ ٢٦٢) وقال: "وكذا رُوي عن موسى بن عقبة، عن سهيل" . قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" . قلت: مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، وإنما وجد كتابه فروى عنه، ولم يسمع منه؛ ولذا قال ابن حبان في "الثقات" : "يحتج بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه" . وهذا تناقض! لأنه أخرج حديثه في صحيحه على القاعدة الأصلية بأن الوجادة من أنواع تحمل الحديث، فلعلّ ذهل عنه لما تكلّم في "الثقات" وهو متقدم في تأليفه على الصّحيح. لكنه خولف في رفعه إلى أبي هريرة. وقد أشار إلى هذا الاختلاف أبو حاتم فقال: "ورواه سليمان بن بلال، عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس الجندعيّ، عن كعب قوله. وقال: ورواه عاصم عن كعب قوله" . العلل (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠) . وقال الدّارقطني في "العلل" (١٠/ ١٢٥) بعد أن سئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: "يرويه سهيل بن أبي صالح، واختلف عنه. فرواه بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. تفرّد به عنه ابنه مخرمة بن بكير. وخالفه روح بن القاسم، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن المختار، والدراوردي، وابن أبي حازم، ووهيب بن خالد، رووه عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس الجندعيّ، عن كعب الأحبار، قوله. وهو الصحيح" . ثم أسند رواية روح بن القاسم، ووهيب بن خالد، وسليمان بن بلال كلّهم عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن مرداس، عن كعب، قال: "وفد الله ثلاثة: الغازي في سبيل الله وافد على الله، والحاج إلى بيت الله وافد على الله، والمعتمر وافد على الله" انتهى. وأخرجه أيضًا البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥) من حديث وهيب بن خالد وقال: "وحديث خالد أصح" . وكذلك أعلّه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٢٨) فقال: "غريب، تفرّد به مخرمة، عن أبيه، عن سهيل" . وللقائل أن يقول: لعلّ سهيلًا روى هذا الحديث من وجهين: مرفوعًا من حديث أبي هريرة، رواه عنه اثنان: بكير بن عبد الله بن الأشجّ وعنه ابنه مخرمة. وموسى بن عقبة عن سهيل، كما قال البيهقي ولم أقف على إسناده. ورواه روح بن القاسم، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن المختار وغيرهم -الذين ذكرهم الدارقطني- كلّهم عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس، عن كعب من قوله. فيجاب بأنّ الحكم للأكثر، وكلام أهل العلم يؤيد ذلك. أو لأنّ مخرمة بن بكير كان يروي عن أبيه وجادة من كتاب ولم يسمع منه، فلعلّه انتقل بصره من هذا المتن إلى إسناد آخر، فحدّث به كذلك. وأما أصحاب الصِّحاح ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، فمشوا على الجادة بأن من رفع عنده زيادة علم، ولم ينظروا إلى اختلاف الرواة قلة وكثرة. وكذلك لا يصح أيضًا ما رواه ابن ماجه (٢٨٩٢) عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحجاج والعُمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروا غفر لهم" . رواه من طريق صالح بن عبد الله بن صالح مولى بني عامر، حدّثني يعقوب بن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا البيهقيّ (٥/ ٢٦٢) وقال: "صالح بن عبد الله منكر الحديث" . قلت: وهو كما قال، وقد قال مثله البخاريّ، وابن عدي، وفي التقريب: "مجهول" . ووهم الحافظ المنذريّ فعزاه في "الترغيب والترهيب" (١٧٢٣) للنسائيّ أيضًا. والصّواب حديث النسائيّ هو كما مضى، وهذا اللفظ تفرّد به ابن ماجه؛ ولذا ذكره البوصيريّ في زوائد ابن ماجه. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم" . رواه ابن ماجه (٢٨٩٣) ، وصحّحه ابن حبان (٤٦١٣) كلاهما من حديث عمران بن عيينة، حدّثنا عطاء بن السّائب، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره. وعمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولكن علته شيخه عطاء بن السائب فإنه مختلط، وهو روي عنه بعد الاختلاط، كما أنه خولف فيه. وأمّا البوصيريّ فحسّن إسناده وقال: "عمران مختلف فيه. وقال: رواه البيهقي من هذا الوجه فوقفه ولم يرفعه" . ولم يشر إلى اختلاط عطاء واضطرابه في الرفع والوقف فتنبّه. وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر مرفوعًا: "الحجّاج والعمّار وفد الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم" . رواه البزار -كشف الأستار (١١٥٣) - عن الوليد بن عمرو، ثنا أبو عاصم، ثنا محمد بن أبي حميد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره. قال البزار: "لا نعلمه عن جابر إلا عن ابن المنكدر. ورواه عنه ابن أبي حميد وطلحة بن عمرو" . ومحمد بن أبي حميد هو إبراهيم الأنصاريّ الزرقي اتفق أهل العلم على أنه ضعيف منكر الحديث. وأما طلحة بن عمرو فهو ابن عثمان الحضرمي المكي أضعف من محمد بن أبي حميد قال فيه الحافظ: "متروك" .