الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
أنس: أن ناسا من الأنصار قالوا ل
مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ" .
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣١٣) عن أبي طاهر أحمد بن عمرو بن سرْح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب فذكره.
ورواه الترمذيّ (٦٦٦) من طريق يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية، قال: فذكره مختصرًا.
قال الترمذيّ: "وحديث صفوان رواه معمر وغيره عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، أنَّ صفوان بن أمية، قال:" أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وكأنَّ هذا الحديث أصح وأشبه، إنّما هو سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية" .
وفيه إشارة إلى أن سعيد بن المسيب لم يسمع هذا الحديث من صفوان بن أمية؛ لأنَّ الصواب فيه: "أن صفوان قال" بخلاف "عن" فإنها تدل على اتصال الإسناد إذا لم يكن الراوي من المدلسين.
ثمّ قال الترمذيّ: "وقد اختلف أهل العلم في إعطاء المؤلفة قلوبهم، فرأى أكثر أهل العلم أن لا يُعطَوا، وقالوا: إنّما كانوا قومًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يتألّفهم على الإسلام حتّى أسلموا، ولم يروا أن يُعطوا اليوم من الزّكاة على مثل هذا المعنى. وهو قول سفيان الثوريّ، وأهل الكوفة وغيرهم. وبه يقول أحمد وإسحاق.
وقال بعضهم: من كان اليوم على مثل حال هؤلاء ورأى الإمام أن يتألّفهم على الإسلام فأعطاهم جاز ذلك وهو قول الشافعيّ "انتهى.
قال ابن العربي في شرح الترمذيّ (٣/ ١٧٢) :" وقال قوم: إذا احتاج الإمام إلى ذلك الآن فعله، وهو الصَّحيح عنديّ، وبه قال الشافعيّ، وقد قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا" فكلّ ما فعله النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لحكمة وحاجة وسبب، فوجب أن السبب والحاجة إذا ارتفعت أن يرتفع الحكم، وإذا عادت أن يعود ذلك ". انتهى.
قال الزهري: لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلفة.
وقد بلغ من أعطاهم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وهم المؤلفة نحو خمسين نفسًا، عدَّهم ابن الجوزي في التنقيح" ، ثمّ الصّغاني في جزء مفرد. انظر: "التلخيص" (١٤١٧) .
٣٧ - باب يجوز للإمام أن يُعطي المظاهر من الصّدقة ما يكفِّر به عن ظهاره إذا لم يكن واجدًا للكفّارة
• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِيّ، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقًا مِنْ أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا فِي لَيْلَتِي فَأَتَتَابَعَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدُمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم فَأُخْبِرَهُ بِأَمْرِيّ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ! لَا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِيّ، فَقَالَ: "أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ:" أَنْتَ بِذَاكَ؟ "قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ. قَالَ:" أَنْتَ بِذَاكَ؟ "قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، وَهَا أَنَا ذَا فَأَمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللهِ فَإِنِّي صَابِرٌ لِذَلِكَ. قَالَ:" أَعْتِقْ رَقَبَةً ". قَالَ: فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِيّ، فَقُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا. قَالَ:" صُمْ شَهْرَيْنِ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلَاّ فِي الصِّيَامِ؟ ! قَالَ:" فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ". قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وَحْشَى مَا لَنَا عَشَاءٌ! قَالَ: اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ: فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًا سِتِّينَ مِسْكِينًا ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى عِيَالِكَ" قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِيّ، فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّعَةَ وَالبَرَكَةَ، أَمَرَ لِي
بِصَدَقَتِكُمْ فَادْفَعُوهَا إِلَيَّ فَدَفَعُوهَا إِلَيَّ ".
حسن: رواه أبو داود (٢٢١٤) ، والتِّرمذيّ (٣٢٩٩) ، وابن ماجة (٢٠٢٦) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضيّ، فذكره، واللّفظ للترمذيّ.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٧٨) ، والحاكم (٢/ ٢٠٣) ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٦٤٢١) كلّهم من هذا الطريق.
قال الترمذيّ: هذا حديث حسن، قال محمد: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر. قال: ويقال: سلمة بن صخر، ويقال: سلمان بن صخر" انتهى.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" .
قلت: وفيه علّة أخرى وهي عنعنة محمد بن إسحاق، فإني لم أقف له على التصريح بالتحديث.
ولكن رُوي هذا الحديث من طرق، أخرى منها ما رواه الترمذيّ (١٢٠٠) من طريق يحيي بن أبي كثير، أنبأنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاريّ - أحد بني بياضة - جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتَّى يَمْضِيَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفٌ مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلًا فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَعْتِقْ رَقَبَةً" . قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" . قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: "أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا" . قَالَ: لَا أَجِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو: "أَعْطِهِ ذَلِكَ العَرَقَ -وَهُوَ مِكْتَلٌ- يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٠٤) وقال:" على شرط الشيخين ".
قلت: وفيه أن أبا سلمة وهو ابن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن وهو ابن ثوبان لم يسمعا من سلمة بن صخر.
قال البيهقيّ (٧/ ٣٩٠) :" المشهور عن يحيي (هو ابن أبي كثر) مرسل ".
قلت: هذا المرسل يقويّ المرسل الأوّل لاختلاف المخرجين، وقد أشار إليه البيهقيّ أيضًا بقوله:" فهذه الرواية عن سليمان موافقة لرواية أبي سلمة بن عبد الرحمن وابن ثوبان في قصة سلمة ابن صخر فهي أولى". يعني من حديث أوس بن الصَّامت، وسيأتي في كتاب الظهار.
والطريق الآخر الذي روي به هذا الحديث هو ما رواه أبو داود (٢٢١٧) عن ابن السرح، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار بهذا الخبر. قال: فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا. فقال:
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
أنس: أن ناسا من الأنصار قالوا ل
أَنَسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ ". قَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو آرَائِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُ الأَنْصَارَ، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَاللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الحَوْضِ". قَالَ أَنَسٌ فَلَمْ نَصْبِرْ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٤٧)، ومسلم في الزّكاة (١٠٥٩) كلاهما من طريق الزّهريّ، عن أنس، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
ولفظ مسلم نحوه إِلَّا أنه قال بعد قوله: "فاصبروا حتّى تلقوا الله تعالى ورسوله ﷺ على الحوض" قالوا: سنصبر. ولم يقل: قال أنس: "فلم نصبر".
• عن أنس، قال: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ فَقَالَ: "أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ " قَالُوا: لَا، إِلَّا ابْنَ أُخْتٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ". فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ، لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ".
متفق عليه: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٥٩: ١٣٣) عن محمد بن المثنى وابن بشار - قال ابن
المثنى: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر (غندر)، أخبرنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس بن مالك، فذكره.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٤) عن محمد بن بشار، به نحوه مختصرًا.
ورواه في مواضع أخرى بإسناد آخر نحو رواية مسلم.
• عن عبد الله بن زيد بن عاصم، قال: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ ، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ ". قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا! أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ. لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٠)، ومسلم في الزّكاة (١٠٦١) كلاهما من طريق عمرو بن يحيى بن عُمارة، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، فذكر الحديث.
• عن عبد اللَّه، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ رسول الله ﷺ نَاسًا فِي القِسْمَةِ فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ وآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ. قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ! إِنَّ هَذِهِ لقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ! قال: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ "فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ" قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٥٠)، ومسلم في الزّكاة (١٠٦٢) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكر الحديث، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن رافع بن خديج، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ
الإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ"، فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْـ ... ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي المَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَخْفِضِ اليَوْمَ لَا يُرْفَعِ
قَالَ: "فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِائَةً".
صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٦٠) عن محمد بن أبي عمر المكيّ، ثنا سفيان، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، فذكره.
قال بعض أهل العلم: إن النَّبِيّ ﷺ أعطى المؤلفة من خمس الخمس.
• عن ابن شهاب، قال: غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ الفَتْحِ -فَتْحِ مَكَّةَ-, ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَاقْتَتَلُوا بِحُنَيْنٍ فَنَصَرَ اللهُ دِينَهُ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِنَ النَّعَمِ ثُمَّ مِائَةً ثُمَّ مِائَةً".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سعيد بن المُسَيِّبِ، أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ: "وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣١٣) عن أبي طاهر أحمد بن عمرو بن سرْح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب فذكره.
ورواه الترمذيّ (٦٦٦) من طريق يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية، قال: فذكره مختصرًا.
قال الترمذيّ: "وحديث صفوان رواه معمر وغيره عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، أنَّ صفوان بن أمية، قال: "أعطاني رسول الله ﷺ " وكأنَّ هذا الحديث أصح وأشبه، إنّما هو سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية".
وفيه إشارة إلى أن سعيد بن المسيب لم يسمع هذا الحديث من صفوان بن أمية؛ لأنَّ الصواب فيه: "أن صفوان قال" بخلاف "عن" فإنها تدل على اتصال الإسناد إذا لم يكن الراوي من المدلسين.
ثمّ قال الترمذيّ: "وقد اختلف أهل العلم في إعطاء المؤلفة قلوبهم، فرأى أكثر أهل العلم أن لا يُعطَوا، وقالوا: إنّما كانوا قومًا على عهد رسول الله ﷺ، وكان يتألّفهم على الإسلام حتّى أسلموا، ولم يروا أن يُعطوا اليوم من الزّكاة على مثل هذا المعنى. وهو قول سفيان الثوريّ، وأهل الكوفة وغيرهم. وبه يقول أحمد وإسحاق.
وقال بعضهم: من كان اليوم على مثل حال هؤلاء ورأى الإمام أن يتألّفهم على الإسلام فأعطاهم جاز ذلك وهو قول الشافعيّ" انتهى.
قال ابن العربي في شرح الترمذيّ (٣/ ١٧٢): "وقال قوم: إذا احتاج الإمام إلى ذلك الآن فعله، وهو الصَّحيح عنديّ، وبه قال الشافعيّ، وقد قال النَّبِيّ ﷺ: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا" فكلّ ما فعله النَّبِيُّ ﷺ لحكمة وحاجة وسبب، فوجب أن السبب والحاجة إذا ارتفعت أن يرتفع الحكم، وإذا عادت أن يعود ذلك". انتهى.
قال الزهري: لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلفة.
وقد بلغ من أعطاهم النَّبِيّ ﷺ وهم المؤلفة نحو خمسين نفسًا، عدَّهم ابن الجوزي في التنقيح"، ثمّ الصّغاني في جزء مفرد. انظر: "التلخيص" (١٤١٧).
٣٧ - باب يجوز للإمام أن يُعطي المظاهر من الصّدقة ما يكفِّر به عن ظهاره إذا لم يكن واجدًا للكفّارة
• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِيّ، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقًا مِنْ أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا فِي لَيْلَتِي فَأَتَتَابَعَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدُمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأُخْبِرَهُ بِأَمْرِيّ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ! لَا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِيّ، فَقَالَ: "أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ: "أَنْتَ بِذَاكَ؟ " قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ. قَالَ: "أَنْتَ بِذَاكَ؟ " قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، وَهَا أَنَا ذَا فَأَمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللهِ فَإِنِّي صَابِرٌ لِذَلِكَ. قَالَ: "أَعْتِقْ رَقَبَةً". قَالَ: فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِيّ، فَقُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا. قَالَ: "صُمْ شَهْرَيْنِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلَاّ فِي الصِّيَامِ؟ ! قَالَ: "فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا". قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وَحْشَى مَا لَنَا عَشَاءٌ! قَالَ: اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ: فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًا سِتِّينَ مِسْكِينًا ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى عِيَالِكَ" قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِيّ، فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ السَّعَةَ وَالبَرَكَةَ، أَمَرَ لِي
بِصَدَقَتِكُمْ فَادْفَعُوهَا إِلَيَّ فَدَفَعُوهَا إِلَيَّ".
حسن: رواه أبو داود (٢٢١٤)، والتِّرمذيّ (٣٢٩٩)، وابن ماجة (٢٠٢٦) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضيّ، فذكره، واللّفظ للترمذيّ.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٧٨)، والحاكم (٢/ ٢٠٣)، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٦٤٢١) كلّهم من هذا الطريق.
قال الترمذيّ: هذا حديث حسن، قال محمد: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر. قال: ويقال: سلمة بن صخر، ويقال: سلمان بن صخر" انتهى.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: وفيه علّة أخرى وهي عنعنة محمد بن إسحاق، فإني لم أقف له على التصريح بالتحديث.
ولكن رُوي هذا الحديث من طرق، أخرى منها ما رواه الترمذيّ (١٢٠٠) من طريق يحيي بن أبي كثير، أنبأنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاريّ - أحد بني بياضة - جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتَّى يَمْضِيَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفٌ مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلًا فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَعْتِقْ رَقَبَةً". قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ". قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: "أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا". قَالَ: لَا أَجِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِفَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو: "أَعْطِهِ ذَلِكَ العَرَقَ -وَهُوَ مِكْتَلٌ- يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٠٤) وقال: "على شرط الشيخين".
قلت: وفيه أن أبا سلمة وهو ابن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن وهو ابن ثوبان لم يسمعا من سلمة بن صخر.
قال البيهقيّ (٧/ ٣٩٠): "المشهور عن يحيي (هو ابن أبي كثر) مرسل".
قلت: هذا المرسل يقويّ المرسل الأوّل لاختلاف المخرجين، وقد أشار إليه البيهقيّ أيضًا بقوله: "فهذه الرواية عن سليمان موافقة لرواية أبي سلمة بن عبد الرحمن وابن ثوبان في قصة سلمة ابن صخر فهي أولى". يعني من حديث أوس بن الصَّامت، وسيأتي في كتاب الظهار.
والطريق الآخر الذي روي به هذا الحديث هو ما رواه أبو داود (٢٢١٧) عن ابن السرح، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار بهذا الخبر. قال: فأتي رسول الله ﷺ بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا. فقال: