ابن عبد البر: "ظاهر هذا الحديث الوقوف على معاذ بن جبل من قوله، إلّا أنّ في قوله: أنه لم يسمع من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيما دون الثلاثين والأربعين من البقر شيئًا دليلًا واضحًا على أنه قد سمع منه عليه السّلام في الثلاثين وفي الأربعين ما عمل به في ذلك، مع أن مثله لا يكون رأيًا إنّما هو توقيف ممن أمر بأخذ الزكاة من الذين يطّهرهم ويزكّيهم بها - صلى الله عليه وسلم -. ولا خلاف بين العلماء أنّ السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ هذا وأنه النّصاب المجتمع عليه فيها. وحديث طاوس هذا عندهم عن معاذ غير متصل والحديث عن معاذٍ ثابتٌ متصّل من رواية معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بمعنى حديث مالك" . "الاستذكار" (٩/ ١٥٧) . قلت: وقد رُوي أيضًا مثله عن ابن مسعود مرفوعًا: "في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنّة" . ولكن فيه انقطاع وضعف. رواه الترمذيّ (٦٢٢) ، وابن ماجه (١٨٠٤) كلاهما من حديث عبد السلام بن حرب، عن خُصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، فذكره. قال الترمذي: هكذا رواه عبد السلام بن حرب، عن خصيف، وعبد السلام ثقة حافظ، وروى شريك هذا الحديث عن خُصيف، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عن عبد الله، وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من عبد الله "يعني أبيه" . قلت: وفيه خصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري ضعّفه الإمام أحمد، وقال أبو حاتم: صالح يخلط، وتكلّم في سوء حفظه، وقال ابن حبان: كان شيخًا صالحًا، فقيهًا عابدًا إلّا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، ويتفرّد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته. ومن طريقه أخرجه الإمام أحمد (٣٩٠٥) بأطول من هذا. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس قال: "لما بعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، جذعًا أو جذعة، ومن كلّ أربعين بقرة بقرة مسنّة" . رواه البزّار (٨٩٢) ، والدّارقطنيّ (١٩٢٨) من طريق بقية، حدثني المسعوديّ، عن الحكم، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" : "وهذا موصول، ولكن المسعوديّ اختلط، وتفرّد بوصله عنه بقية بن الوليد، وقد رواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، ولكن الحسن ضعيف" انتهى. وقال البزّار: "إنّما يرويه الحفاظ عن الحكم، عن طاوس مرسلًا. ولم يتابع بقية على هذا أحد. ورواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن طاوس، عن ابن عباس، والحسن لا يحتجُّ بحديثه إذا تفرّد" . والخلاصة في هذا الباب أنه لا خلاف بين أهل العلم أن السّنة في زكاة البقر على ما جاء في حديث معاذ هذا، وأنه النصاب المجمع عليه فيها. وفيه ردٌّ على ابن جرير الطّبريّ الذي ادّعى الإجماع المتيقن المقطوع به أن في كلّ خمسين بقرة بقرة، ولم يرد في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف في كلّ خمسين بقرة بقرة، وإنما الصّحيح الذي لا خلاف فيه أنّ في كلّ أربعين مسنّة، وفي كلّ ثلاثين تبيعة. كما في حديث معاذ بن جبل، فيجب الأخذ به. وقوله: "تبيعًا" وهي ما دخل في الثانية، وسمي تبيعًا لأنه فطم عن أمِّه، فهو يتبعها. وقوله: "مسنّة" وهي ما دخلتْ في الثالثة، وقيل: الرابعة. وأمّا في أوقاص البقر، فروي عن معاذ بن جبل قال: "لم يأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوقاص البقر شيئًا" فهو مرسل. رواه الإمام أحمد (٢٢٠١٠) ، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ (٣٤٨) كلاهما من حديث حماد ابن زيد، حدّثنا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن معاذ بن جبل، فذكره. وطاوس لم يدرك معاذًا (كما في "المراسيل لابن أبي حاتم" (٩٩ "ولذا أخرجه أبو داود في" المراسيل "(١٠٧) من وجه آخر عن طاوس قال:" إنّ معاذًا أتى باليمن "فذكره وزاد فيه:" والعسل ". وأمّا ما رواه الدّارقطنيّ (٢/ ٩٤) من طريق طاوس، عن ابن عباس، قال:" لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن". فذكره، ففيه الحسن بن عمارة ضعيف جدًّا. والوقص في الزّكاة ما بين النّصابين.