إن سليمان بن داود - صلى الله عليه وسلم - لما بنى بيت المقْدِس سأل الله عز وجل خلالًا ثلاثةً: سأل الله عز وجل حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئتَه كيوم ولدته أمه" . صحيح: رواه النسائي (٦٩٣) عن عمرو بن منصور، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثنا سعيد ابن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن ابن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وإسناده صحيح، وابن الديلمي هو: عبد الله بن فيروز الديلمي أبو بُسر وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم. ورواه الأوزاعي عن ربيعة بن يزيد ولم يذكر بينه وبين ابن الديلمي "أبا إدريس الخولاني" . ومن طريقه روا الإمام أحمد (٦٦٤٤) في حديث طويل، وابن حبان (١٦٣٣) ، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٤) كلهم من طرق عن الأوزاعي، وقد جزم البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢٨٨) بسماع ربيعة بن يزيد من عبد الله الديلمي، وفي رواية الحاكم التصريح بسماعه منه. ورواه الحاكم أبضًا (١/ ٣٠) وقرن يحيى بن أبي عمرو الشيباني بربيعة بن يزيد كلاهما قالا: ثنا عبد الله بن فيروز الديلمي في حديث طويل وقال: هذا حديث صحيح، وقد تداوله الأئمة، وقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علة. فإذا صحَّ هذا فيحمل كما هو معروف في علم الحديث أن ربيعة بن يزيد سمع هذا الحديث أوَّلًا من أبي إدريس الخولاني، عن عبد الله الديلمي، ثم تيسر له أن يسمع من عبد الله الديلمي فروى على وجهين. وللحديث طرق أخرى والذي ذكرته هو أجودها، منها ما رواه ابن ماجه (١٤٠٨) ، وابن خزيمة (١٣٣٤) كلاهما عن عبيدالله بن الجهم الأنْماطي، حدثنا أيوب بن سُويد، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، حدثنا ابن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو فذكر مثله. قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف أيوب بن سُويد متفق على تضعيفه، وعبيد الله بن الجهم لا يُعرف" . • عن أبي ذر قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو مسجد بيت المقدس؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلي، وليوشكن أن لا يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا "أو قال:" خير من الدنيا وما فيها ". حسن: رواه الحاكم (٤/ ٥٠٩) والطبراني في الأوسط (٦٩٧٩) كلاهما من حديث حفص بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، فذكره. قال الحاكم: صحيح الإسناد" . قلت: إسناده حسن من أجل حفص بن عبد الله وهو ابن راشد السلمي، فإنه حسن الحديث وهو من رجال الصحيح. والحجاج بن الحجاج هو الباهلي، وأبو الخليل هو صالح بن أبي مريم، وكلاهما من رجال الصحيح. قوله: "شطن فرسه" أي حبله. ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٦٠٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٤٨٦/ ٣) كلاهما من وجه آخر عن قتادة، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، فذكر نحوه إلا قوله: "ولنعم المصلى" ، فقال: "ولنعم المصلي في أرض المحشر وأرض المنشر" كذا عند الطحاوي، وزاد البيهقي بعده: "وليأتين على الناس زمان، ولقيد سوط -أو قال-: قوس الرجل حيث يرى منه بيت المقدس خير له أو أحب إليه من الدنيا جميعا" . قال الطحاوي: فكان ما في هذا الحديث يدل على أن الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كمئتي صلاة وخمسين صلاة في المسجد الأقصى. إلا أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن الصامت، ولذا قال الدارقطني في علله (٦/ ٢٦٤) : "وقول حجاج بن حجاج، عن قتادة، عن أبي الخليل أشبه بالصواب" . وأما ما رُوي عن أبي الدرداء مرفوعا: "فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة" فهو ضعيف. رواه البزار "كشف الأستار" (٤٢٢) والطحاوي في مشكله (٦٠٩) وابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٣٤) والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤٨٥) كلهم من حديث سعيد بن سالم القداح، ثنا سعيد بن بشير، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، فذكره. وسعيد بن بشير هو: الأزدي مولاهم، أبو عبد الرحمن الشامي ضعَّفه ابن معين وأبو داود والنسائي وغيرهم، ولذا أطلق عليه الحافظ في "التقريب" بأنه "ضعيف" والراوي عنه سعيد بن سالم القداح "صدوق يهم" . ثم هو مخالف لما ثبت من حديث أبي ذر: "مائتان وخمسون صلاة" ورجاله ثقات ضابطون. وأما قول الهيثمي في المجمع (٤/ ٧) : "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن" ففيه نظر؛ فإن فيه مخالفة من سعيد بن بشير لما ثبت من حديث أبي ذر، وإنْ كان بعض أهل العلم حسن الرأي فيه، قال شعبة: كان صدوق اللسان، ووثقه دحيم. وكذلك لا يصح ما رواه أبو داود (٤٥٧) ، وابن ماجه (١٤٠٧) ، وأحمد (٢٧٦٢٦) كلهم من طريق زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله! أفْتِنا في بيت المقدس قال: "أرض المحْشَرِ والمنْشَر، ائتُوه فصلوا فيه، فإن صلاةً فيه كألْف صلاةٍ في غيره" قلت: أرأيت إن لم أَستطع أن أتحمل إليه؟ قال: "فتهدي له زيتًا يسرجُ فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه" فهو منكر. قال الحافظ ابن رجب في فضائل الشام (٣٣١) : "وإسناده قوي لأن رواته ثقات، لكن قد قيل: إن إسناده منقطع، وفي متنه غرابة" . قلت: وفي إسناده علل منها: زياد بن أبي سودة وإن قال فيه الحافظ: "ثقة" فقد تكلم فيه الذهبي في "الميزان" وأورد له هذا الحديث وقال: في النفس شيء من الاحتجاج به، وقال: هذا حديث منكر جدًّا ونقل عن عبد الحق: ليس هذا الحديث بقوي، وعن ابن القطان: زياد وعثمان ممن يجب التوقف في روايتهما. ومنها: ميمونة لا يُدري من هي، ولا يعرف لعثمان سماع منها. ومنها: الاختلاف في ذكر عثمان أبي سودة بين زياد وميمونة، فرواه ابن ماجه وأحمد كما مضى، ورواه أبو داود ولم يذكر عثمان بينهما. ومنها: أن معنى الحديث لا يستقيم، فإن ألف صلاة خاصة لمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت ذلك بالتواتر، ولم يثبت ذلك لأي مسجد آخر. وكذلك لا يصح ما رواه البهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤٨٦) من طريق إبراهيم بن أبي حية، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة" . فإن فيه إبراهيم بن أبي حية ضعيف جدًّا. قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن حبان في المجروحين (١٣) : "واسم أبي حية اليسع بن أسعد من أهل مكة، يروي عن جعفر بن محمد وهشام بن عروة مناكير وأوابد، يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها" . تنبيه: وقع في النسخة المطبوعة للبيهقي: "ابن أبي يحيي" وهو خطأ. وفي معناه أحاديث أخرى، وكلها معلولة، والصحيح فيه حديث أبي ذر كما سبق، والله تعالى أعلم. ٢١ - باب ما جاء في فضل مسجد قباء، وإتيانه راكبًا وماشيًا، وأداء الركعتين فيه، وأن الصلاة فيه تعدل عمرة قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. [سورة التوبة: ١٠٧، ١٠٨] . • عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير في قصة هجرته ... فلبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة. وأسس المسجد الذي أسِّس على التقوي، وصلَّى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتي بركت عند مسجد رسول الله بالمدينة ... صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل قال: ابن شهاب فذكره. قال الحافظ: صورته مرسل، لكنه وصله الحاكم (٣/ ١١) أيضًا من طريق معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة، أنه سمع الزبير به وقال أيضًا: والمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قُباء قال: فهو أول مسجد بني بالمدينة، وهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه بأصحابه جماعة ظاهرًا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة. وقال: فالجمهور على أن المراد به مسجد قُباء، هذا هو الظاهر من الآية، ثم قال: والحق أن كلًّا منهما أُسِّس على التقوى وقوله تعالى: ... { ... فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} يؤيد كون المراد مسجد قُباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت: { ... فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} . في أهل قُباء، وعلى هذا فالسر في جوابه بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده، رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قُباء، قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافًا، لأن كلا منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي. وزاد غيره أن قوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} يقتضي أنه مسجد قُباء، لأن تأسيسه كان في أول يوم حلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بدار الهجرة "، انظر:" الفتح "(٧/ ٢٤٥). • عن ابن عمر قال: كان رسول الله يأتي مسجد قُباء راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين. متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٩٩/ ٥١٦) عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله. والبخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٤) من طريق يحيي (بن سعيد القطان) عن عبيدالله به إلا أنه لم يذكر ركعتين. قال البخاري:" زاد ابن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع فيصلي فيه ركعتين" وهو موصول من طريق مسلم. ورواه البخاري أيضًا (١١٩١) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يُصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم مكة، فإنه كان يقدمها ضُحى فيطوف بالبيت، ثم يُصلي ركعتين خلف المقام، ويوم يأتي مسجد قُباء، فإنه يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يُصلي فيه وكان يُحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزوره راكبًا وماشيًا. • عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي قُباء راكبًا وماشيًا. متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٧١) عن نافع، عن ابن عمر، وفي رواية أبي مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله. شرح السنة "(٤٥٨). ورواه مسلم في الحج (١٣٩٩/ ٥١٨) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله ابن دينار به مثله، هكذا رواه مسلم عن يحيى، ولم أجد في رواية يحيى طريق عبد الله بن دينار، وإنما فيه طريق نافع كما مضى. ورواه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٤) عن مسدد، عن يحيي (بن سعيد القطان) عن عبد الله، عن نافع به مثله. • عن عبد الله بن عمر قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي قُباء كلَّ سبتٍ ماشيًا وراكبًا، وكان عبد الله يفعله. متفق عليه: رواه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٣) ، ومسلم في الحج (١٣٩٩/ ٥٢٠) كلاهما من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر فذكر الحديث. • عن سهل بن حُنَيف قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم " من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قُباء، فصلى فيه كان له عدلَ عمرةٍ ". • حسن: رواه النسائي (٦٩٩) عن قتيبة، قال: حدثنا مجمع بن يعقوب، عن محمد بن سليمان الكرماني، قال: سمعتُ أبا أمامة بن سهل بن حُنيف قال: قال أبي، فذكره. ورواه ابن ماجه (١٤١٢) من وجه آخر عن محمد بن سليمان الكرماني به ولفظه:" من تطهَّر في بيِتِه، ثم أتي مسجد قُباء فصلَّى فيه صلاة، كان له كأجر عمرةٍ "، وإسناده حسن لأجل محمد بن سليمان الكرماني القباني ذكره ابن حبان في ثقاته (٧/ ٣٧٢) وروى عنه عدد كبير وإن لم أجد من وثَّقه. ورواية العدد الكثير ترفع عنه جهالةَ العين، والنفس تطمئنُّ بقبول روايته، لأنه لم يأت بخبر منكر وقال فيه الذهبي: وُثِّق، وتابعه عبيد بن محصن الأزدي وعقبة بن ميسرة أبو إسماعيل وغيرهما وله أسانيد أُخرى والذي ذكرته أمثلها. ولذا قال الحاكم في المستدرك" (٣/ ١٢) : "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" . وفي الموضوع أحاديث عن أسيد بن ظُهير الأنصاري، وابن عمر، وكعب بن عُجرة، وظهير بن رافع الحارثي الأوسي، وأنس بن مالك، وعمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم إلا أنَّها لا تخلو من ضعيف أو مجهول، وموقوف وإرسال، وإن البعض منها يُستشهد به عند بعض أهل العلم.