كسِرتْ رُباعيتُه يومَ أحد، وشُجَّ في رأسه فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه ويقول: "كيف يُفْلح قوم شجوا نبيَّهم، وكسروا رُباعيتَه، وهو يدعوهم إلى الله" فأنزل الله عز وجل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [سورة آل عمران: ١٢٨] . وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع. ولكن قصة رِعْل وذكوان كانت بعد أحد في غزوة بئر مَعونة قال الحافظ في "الفتح" (٧/ ٣٦٦) : "وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخَى عن قِصَّة أحد، لأنَّ قِصَّة رِعْلٍ وذكوان كانت بعدها. ثمَّ قال: وفيه بُعْدٌ. والصواب أنَّها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قِصَّة أُحُد. ويُؤيِّد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي يقتلهم {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أي يخزيهم، ثم قال: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي: فَيُسلِموا {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} أي: إن ماتوا كُفَّارًا" . انتهى. قلت: لنا أن نفرق بين الدُّعاء على الكُفَّار، وبين القنوت. فلعل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دعا على الكفار يوم أحد بالهلاك في غير القنوت. وأما القنوت فكان بدؤه كما قال أنس بعد بئر مَعونة فإنه قال: "وذلك بدؤ القنوت، وما كُنَّا نقنتُ" ولعل الآية نزلت مرتين. وقوله: "كَسِنِي يوسف" أي اجعلها سِنين شِدادًا ذوات قَحط وغلاء. والسَّنَة - كما ذكره أصحاب اللغة: الجدب يقال: أخذتهم السَّنة، إذا أجدبوا وأقحطوا. • عن خُفَاف بنِ إيماء الغِفاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة: "اللهم العَنْ بني لَحيان ورِعْلًا وذكوانَ، وعُصَيَّةَ عَصَوا الله ورسوله. غِفار غَفَر الله لها، وأسلم سالمها الله" . صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٧٩) من حديث ابن وهب، عن الليث، عن عِمران بن أبي أَنَس، عن حنظلة بن علي، عن خُفاف بن إيماء فذكره. وفي رواية: ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم رفع رأسه فقال: "غِفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصَيَّة عصى الله ورسولَه. اللهم العَنْ بني لَحيان. والعَنْ رِعْلًا وذكوان" ثم وقع ساجدًا، قال خُفاف: فَجُعِلتْ لعنةُ الكفرة من أجل ذلك. • عن ابن عمر أنه سمع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العَن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمِده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْء ٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [سورة آل عمران: ١٢٨] . صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٩) عن يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله (وهو ابن المبارك) أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه فذكره. ثم قال: وعن حنظلة بن أبي سفيان، سمعتُ سالم بن عبد الله يقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو على صفوان بن أمية، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . قوله: وعن حنظلة - هو عطف على معمر، والراوي عنه هو عبد الله بن المبارك، إلا أنه مرسل، فإن سالم بن عبد الله بن عمر لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، والثلاثة الذين سماهم قد أسلموا يوم الفتح، ولعل هذا هو السر في نزول قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} انظر: الفتح. ووصله الترمذي (٣٠٠٤) بذكر "عن أبيه" وذكر فيه "أبا سفيان" بدلًا من "سهيل بن عمرو" ولكن في إسناده عمر بن حمزة الراوي عن سالم، وهو: عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ضعَّفه النسائي وقال: أحمد: أحاديثه مناكير، والخُلاصة كما في التقريب: "ضعيف" . قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب يُستغرب من حديث عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه. وقد رواه الزهري عن سالم، عن أبيه، لم يعرفه محمد بن إسماعيل من حديث عمر بن حمزة، وعرفه من حديث الزهري" . انتهى. • عن ابن عمر أنه سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الأخيرة قال: "اللهمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا" يدعو على أُناس من المنافقين. فأنزل الله عز وجل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [سورة آل عمران: ١٢٨] . صحيح: رواه النسائي (١٠٧٨) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح، والحديث في مصنف عبد الرزاق (٤٠٢٧) وعنه رواه الإمام أحمد (٦٣٤٩) ، وابن خزيمة (٦٢٢) ، وابن حبان (١٩٨٧) . فقه الباب: لا خلاف بين أهل العلم بأنَّه إذا نزلت بالمسلمين نازلةٌ يستحب لها القنوت في جميع الصلوات. ويُترك عند عدمها إلَّا الشافعي فإنَّه يرى استمرار القنوت في صلاة الصبح دائمًا، وتأوَّل الجمهور قوله: "ثمَّ تركه، أي: ترك اللَّعن والدعاء على أولئك القبائل المذكورة في الحديث. وتأوَّل الشافعيُّ ومن وافقه بأنَّه تركه في الصلوات الأربع، ولم يتركه في صلاة الصبح لما رُويَ عن أنسٍ في حديثٍ ضعيفٍ:" ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنُتُ في صلاة الصبح حتَّى فارق الدنيا" كما سيأتي في باب ترك القنوت. قال الإمام أحمد: لا يقنت في صلاة الفجر إلَّا عند نازلةٍ تنزِلُ بالمسلمين، فيدعو الإمام لجيوش المسلمين. وقال سفيان: إن قنت في الصبح فحسنٌ، وأختار ترك القنوت فيها. ٣٠ - القنوت في الصبح والمغرب • عن البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقنتُ في الصبح والمغرب.