الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمْسِرِّ بالصدقة" . صحيح: رواه أبو داود (١٣٣٣) ، والترمذي (٢٩١٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن عياش، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجُهني فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير إسماعيل بن عياش فهو ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، وصدوق في روايته عن أهل بلده وهذا منها، كما أنَّه لم ينفرد به فقد تابعه معاوية بن صالح، عن بحير بن سعد، ومن طريقه رواه النسائي (٢٥٦١) ، وابن حبان (٧٣٤) ، وأحمد (١٧٣٦٨، ١٧٤٤٤) وأبو يعلى (١٧٣٧) وهذا إسناد حسن فإن معاوية بن صالح وهو: ابن حُدير الحضرمي مختلف فيه فوثقه جماعة، وتكلم فيه يحيى بن سعيد وابن معين غير أنه حسن الحديث وخاصَّة إذا توبع. وتحرف في النسائي: "بحير بن سعد" إلى "يحيى بن سعيد" ، ورواه أيضًا النسائي (١٦٦٣) من وجه آخر عن كثير بن مرة به، وأمَّا ما رواه الحاكم (١/ ٥٥٥) من طريق يحيى بن أيوب، عن بحير ابن سعد، فإنه جعل الحديث من مسند معاذ بن جبل وأخطأ فيه يحيى بن أيوب وهو الغافقي وقد وصف بأنَّه سيء الحفظ، ووهم الحاكم وصحَّح الحديث وجعله على شرط البخاري. وكراهية الجهر محمول على رفع الصوت عاليا. لأن فيه رياءً وإيذاء للآخرين، وأما الاعتدال والاقتصاد فلا حرج في ذلك لحديث أبي قتادة وأبي هريرة. وقال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث - أن الذي يُسِرُّ بقراءة القرآن أفضلُ من الذي يجهر بقراءة القرآن، لأن صدقة السِر أفضلُ عند أهل العلم من صدقة العلانية، وإنَّما معنى هذا عند أهل العلم لكي يأمن الرجل من العُجْب، لأن الذي يُسِرُّ العملَ لا يخاف عليه العجب ما يُخاف عليه في العلانية "انتهى. وقيل: معناه الجهر مع الإمام. وأما ما رُوي عن أبي أمامة مرفوعًا:" إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة، والذي يُسِر بالقرآن كالذي يُسر بالصدقة "فهو ضعيف جدًّا، لا يصلح أن يكون شاهدًا لحديث عقبة بن عامر. رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في" المجمع "(٢/ ٢٦٦):" رواه الطبراني في الكبير من طريقين في إحداهما بشير بن نمير وهو متروك، وفي الأخرى إسحاق بن مالك ضعفه الأزدي "انتهى. قلت: الطريق الأول أخرجه الطبراني (٨/ ٢٨٥) عن خلف بن عمرو العكبري، ثنا غسان بن الفضل الغلابي، ثنا عمرو بن علي المقدمي، عن بشير بن نُمير، عن القاسم، عن أبي أمامة فذكر مثله. والطريق الثَّاني رواه الطبراني (٨/ ٢٠٩) عن أحمد بن النضر العسكري، ثنا سليمان بن سلمة الخبائري، ثنا بقية بن الوليد، عن إسحاق بن مالك الحضرمي، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة فذكر مثله. كذا" بشير بن نمير "في الطبراني ومجمع الزوائد، والصواب:" بشر بن نمير - بدون الياء - وهو القشيري من أهل البصرة، يَرِوي عن القاسم بن عبد الرحمن. قال ابن حبان في "المجروحين" (١٣١) : منكر الحديث جدًّا، فلا ادري التخليط في حديثه من القاسم، أو منهما، لأن القاسم ليس بشيء في الحديث، وأكثر رواية بشر عن القاسم، فمن هذا وقع الاشتباه فيه ". وقال ابن عدي في" الكامل "(٢/ ٤٤١):" عامة ما يرويه عن القاسم وعن غيره لا يتابع عليه، وهو ضعيف كما ذكروه ". وأمَّا إسحاق بن مالك الحضرمي شامي، فهو ضعيف أيضًا كما قال الأزديّ، وقال ابن القطان: لا يعرف، انظر ترجمته في" الميزان، و "اللسان" . • عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فسمِعَهم يُجهرون بالقراءةِ، فكشف الستر وقال: "أَلّا إنَّ كُلَّكُم مناجٍ ربَّه، فلا يُؤْذِينَّ بعضُكم بعضًا، ولا يَرفعُ بعضُكم على بعض في القراءة" أو قال: "في الصلاة" . صحيح: رواه أبو داود (١٣٢٢) عن الحسن بن علي، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن إسماعيل ابن أمية، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد فذكره، وإسناده صحيح. والحديث في مصنف عبد الرزاق (٤٢١٦) ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١١٨٩٦) وصحّحه ابن خزيمة (١١٦٢) ، والحاكم (١/ ٣١٠، ٣١١) وقال: "على شرط الشيخين" . • عن ابن عمر قال: اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر من رمضان، فاتُّخِذ له فيه بيتٌ من سَعَفٍ، قال: فأخرج رأسه ذات يومٍ فقال: "إن المصلِّي يُناجي ربَّه عزَّ وجلَّ فلينظر أحدكم بما يناجي ربَّه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة" . حسن: رواه الإمام أحمد (٥٣٤٩) عن عتَّاب، حدّثنا - أبو حمزة - يعني السكري -، عن ابن أبي ليلى، عن صدقة المكي، عن ابن عمر فذكره. وأخرجه البزار - كشف الأستار - (٧٢٦) ، وابن خزيمة في صحيحه (٢٢٣٧) كلاهما عن طريق ابن أبي ليلى به، وابن أبي ليلى هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي سيء الحفظ، إلا أنه توبع، فقد رواه الإمام أحمد (٤٩٢٨) من وجه آخر عن معمر، عن صدقة المكي به، ومعمر هو: ابن راشد الصنعاني. وأما صدقة فقال ابن خزيمة: هو ابن يسار، أي الجزري وهو ثقة، ولكن لم ينص أحد أنه سمع ابن عمر، وجعله الحافظ في التقريب في المرتبة الرابعة مات في أَوَّل خلافة بني العباس وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين، أي بعد المائة. وعبد الله بن عمر مات سنة ثلاث وسبعين فيكون بين وفاتيهما تسع وخمسون سنة. ولقاؤهما ممكن لو عرفنا عُمْرَ صدقةَ بنِ يسارِ عند وفاته. • عن البياضي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على النَّاس وهم يُصلون، وقد علتْ أصواتُهم بالقراءة فقال: "إن المُصلِّي يُناجي ربَّه، فلينظُر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعضٍ بالقرآن" . حسن: رواه مالك في الصلاة (٢٩) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي حازم التَّمَّار، عن البياضي فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٩٠٢٢) ، والنسائي في "الكبرى" (٣٣٦٤، ٨٠٩١) والبغوي في "شرح السنة" (٦٠٨) كلهم من طريق مالك به. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٣٠٩) : "حديث البياضي وحديث أبي سعيد ثابتان صحيحان" . ولم أقف على اسم البياضي، وهو رجل من بني بياضة من الأنصار ولا يضر ذلك في صحة الحديث، لأنه صحابي وأبو حازم التمار جعله الحافظ في مرتبة "مقبول" أي إذا توبع، فقد تابعه عطاء بن يسار كما رواه ابن أبي عاصم في "الأحاد والمثاني" (٢٠٠٧) مقرونًا بأبي حازم، ورواه النسائي في "الكبرى" (١٣٦٠، ١٣٦١) من طريق عطاء بن يسار وحده، عن رجل من بني بياضة من الأنصار، وتابعه أيضًا أبو سلمة كما رواه النسائي في "الكبرى" (٣٣٦٣) وبهذه المتابعات ترتفع الإسناد إلى الحسن لغيره، وفي أبي التمار كلام غير هذا انظر "تهذيب التهذيب" . إلا أن البغوي حمل النهي عن الجهر في هذا الحديث أن يكون مع الإمام فقال: "السنةُ في