التحيات الطيبات، الصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم" . صحيح: رواه مالك في الصلاة (٥٩، ٦٠) من وجهين: عن عبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري كلاهما عن القاسم بن محمد ... فذكر الحديث. قال البيهقي بعد أن رواه من طريق مالك: وروي عن محمد بن صالح بن دينار، عن القاسم بن محمد مرفوعًا. والصحيح موقوف. ولا خلاف بين أهل العلم على أن المصلي بالخيار من هذه التشهدات يختار ما يشاء، وإنما الخلاف في الأفضلية. فاختار أكثر أهل العلم تشهد ابن مسعود، ومن هؤلاء: سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب الشافعي إلى تشهد ابن عباس. وذهب مالك إلى تشهد عمر بن الخطاب لأنه علّمه الناس على المنبر. انظر شرح السنة (٣/ ١٧٣) . • عن أبي حُميد الساعدي قال: قالوا: يا رسول الله! كيف نُصلِّي عليك؟ فقال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وأزواجِه وذريتِه، كما صليتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجِه وذريتِه، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" . متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٦٦) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيم الزرقي، أنه قال: أخبرني أبو حُميد الساعدي ... فذكره. ورواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٩) ، ومسلم في الصلاة (٤٠٧) كلاهما من طريق مالك بن أنس به مثله. • عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتانا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس سعد بن عبادة: فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نُصلي عليك يا رسول الله! فكيف نُصلي عليك؟ قال: فسكت رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تمنَّينا أنه لم يسأله ثم قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم" . صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة (٦٧) عن نعيم بن عبد الله المُجْمِر، عن محمد بن عبد الله بن زيد، أنه أخبره عن أبي مسعود الأنصاري ... فذكر مثله. ورواه مسلم في الصلاة (٤٠٥) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به مثله. وزاد ابنُ خزيمة وغيره: "كيف نصلي عليك إذا نحن صلّينا عليك في صلاتنا" . • عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرة فقال: ألا أهدي لك هديةً؟ إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا فقلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نُسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: "فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليَّت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" . متفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٥٧) ، ومسلم في الصلاة (٤٠٦) كلاهما من طريق شعبة، حدَّثنا الحكم، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره. وفي رواية عند البخاري (٣٣٧٠) من طريق عبد الله بن عيسى، سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعبُ بن عُجرة. فقال: ألا أهدي لك هديةً سمعتُها من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقلتُ: بلى، فأَهْدِها لي. فقال: سألنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاةُ عليكم أهل البيت، فإن الله قد علَّمنا كيف نُسلم؟ فذكر مثله إلا أنه زاد فيه: "كما صليت على إبراهيم" "كما باركت على إبراهيم" ولم يذكر الحكم في حديثه: "إبراهيم" وإنما ذكر فيه: "آل إبراهيم" في الموضعين. والأحاديث الصحيحة مصرحة بثلاثة ألفاظ: "إبراهيم" وحده، "وآل إبراهيم" وحده، والجمع بينهما "إبراهيم وآله" وذلك يعود إلى الرواة اختصارًا وتفصيلًا، وليس فيه شيء من النكارة. قوله: "قد عرفنا كيف نسلم عليك" أي عَلِمناه في التشهد وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" . • عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله! هذا السلام عليك، فكيف نُصَلِّي؟ قال: "قولوا: اللَّهم صَلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صلَّيتَ على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم" . صحيح: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٥٨) عن إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد (هو ابن الهاد) ، عن عبد الله بن خَبَّاب، عن أبي سعيد الخدري فذكره. • عن فَضالة بن عُبيد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: سمع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يدعو في صلاته، لم يُمجّد اللهَ، ولم يُصلِّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "عَجِل هذا" ثم دعاه فقال له، أو لغيره: "إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يُصَلِّي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يدعو بعد بما شاء" . صحيح: رواه أبو داود (١٤٨١) ، والترمذي (٣٤٧٧) كلاهما من طريق عبد الله بن يزيد المُقرئ، ثنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانيء حُميد بن هانئ، أن أبا علي عمرو بن مالك الجَنْبيَّ أخبره، أنه سمع فَضالة بن عبيد ... فذكر مثله. واللفظ لأبي داود، وإسناده صحيح. ورجاله رجال مسلم غير عمرو بن مالك إلا أنه أيضًا ثقة. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحَّحه ابن خزيمة (٧١٠) ، والحاكم (١/ ٢٣٠) ، كلاهما من طريق المقرئ به مثله. ورواه النسائي (١٢٨٤) عن محمد بن سلمة قال: حدثنا ابن وهب، عن أبي هانيء به وفيه: سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يدعو في الصلاة، لم يحمدِ الله، ولم يُصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "عَجِلتَ أيها المُصلِّي" ثم علَّمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يصلي فمجَّد الله، وحَمِده، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "ادعُ تُجَب، وسَلْ تُعط" . ورواه أيضًا الترمذي (٣٤٧٦) عن قتيبة بن سعيد، ثنا رشدين بن سعد، عن أبي هانئ به وفيه: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد إذ دخل رجل فصلَّى فقال: اللهم اغفر لي، وارحمني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "عجِلت أيها المصلي، إذا صلَّيت فقعدتَ فاحمد الله بما هو أهلُه، وصَلِّ عليَّ ثم ادعه" قال: ثم صلَّى رجل آخر بعد ذلك فحمِد الله، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم "أيها المصلي ادعُ تُجب" . قال الترمذي: حسن، ثم أشار إلى حديث حيوة بن شريح. قلت: رشدين بن سعد - بكسر الراء وسكون المعجمة ضعيف. ولكن تابعه حيوة بن شريح، وابن وهب، كما مضى، وتابعهم أيضًا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب القرشي، عن عمه، قال: حدثني أبو هانئ به نحوه، رواه ابن خزيمة (٧٠٩) وأحمد بن عبد الرحمن ضعيف تغير بآخره، ولكن لا بأس به في المتابعات، ولعل الترمذي حسن إسناده لأجلها. • عن طلحة بن عُبيد الله قال: قلنا يا رسول الله! كيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللَّهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" . حسن: رواه النسائي (١٢٩٠) عن إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا محمد بن بشر، قال: حدثنا مجمع بن يحيى، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه فذكر الحديث ورجاله ثقات غير مجمع بن يحي فإنه صدوق، ولذا حَسّنَ الحافظ إسناده في التلخيص (١/ ٢٦٨) . • عن أبي هريرة قال: سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف نُصلِّي عليك؟ قال: "قولوا: اللَّهم صَلِّ على محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم" . صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٥٦٥) حدثنا أحمد بن عبدة، أنبأ سُلَيم بن أخضر، ثنا داود بن قيس، عن نُعيم، عن أبي هريرة ... فذكر الحديث. قاله البزار: لا نعلمه إلا من حديث داود، عن نعيم، عن أبي هريرة. قلت: داود بن قيس هو: الفراء الدباغ، ولا يضر تفرده فإنه ثقة، وثقه أحمد وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وهو من رجال مسلم. ونُعيم هو: ابن عبد الله المجمر أبو عبد الله المدني مولى آل عمر بن الخطاب، كان يُجمِّر المسجد، ثقة روى له الجماعة؛ ولذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢٨٧٠) : "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح" . وقال الحافظ في طنتائج الأفكار "(٢/ ٢٠٨):" هذا حديث صحيح، أخرجه البزار عن أحمد بن عبدة به، وعلَّق على قول البزار قائلًا: "رجاله رجال الصّحيح" . • عن زيد بن خارجة، قال: سألت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كيف الصلاة عليك؟ قال: "صلوا واجتهدوا، ثم قولوا: اللَّهم باركْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" . صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧١٤) حدثنا علي بن بَحْر، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا عثمان ابن حكيم، حدثنا خالد بن سلمة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة حين عرَّس على ابنه فقال: يا أبا عيسى كيف بلغك في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال موسى: سألتُ زيد بن خارجة عن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال زيد: أنا سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسي: كيف الصلاة عليك؟ ... فذكر الحديث. ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (٥١٤٣) من طريق عثمان بن حكيم، وليس فيه أن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة، وفيه: قد عرفنا كيف نُسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؟ فذكر مثله، ورواه أيضًا النسائي (١٢٩٢) من طريق عثمان بن حكيم إلا أنه اخنصره. ورجاله ثقات وإسناده صحيح. وأما أحاديث فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عمومًا فستأتي في كتاب الدعوات. فقه الباب: أحاديث هذا الباب تدلُّ على مشروعية الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة في التشهد، وهو أمر لا خلاف فيه بين أهل العلم، وإنما الخلاف في وجوبها فقال جماعة من الصّحابة والتابعين، والإمامان الشّافعي وأحمد: إنّها واجبة، واستدلوا بقوله: "قولوا" . وقال جمهور أهل العلم: إنها ليست بواجبة، لأنّها ليست جزءًا من الصلوات التي أمر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن نصليها كما نراه. ثم اختلف القائلون بوجوبها فمن رأى أنه لا تخصيص للتشهد الثاني قال بوجوبها في التّشهدين. ومن رأى أن التّشهد الأوّل ليس محلًّا للصّلاة على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأنّه شرع فيه التخفيف كما جاء في صفة صلاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - "أنّه إذا كان في الرّكعتين الأوّليين كأنّه على الرّصف (الحجارة المحماة) حتى يقوم" . قال بعدم وجوبها في التّشهّد الأوّل. رواه أبو داود والترمذي والنسائي. قال الترمذي: "حسن" . والصّواب أنّه منقطع؛ لأنّه من رواية أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وقالوا أيضًا: في تشهد عبد الله بن مسعود، قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم "ثم يتخيّر من الدّعاء أعجبه إليه فيدعو" . إشارة إلى أنّ التّشهّد الأوّل ليس فيه من الأدعية؛ لأنّ المقصود منه التّخفيف والإسراع. ولكن من صلّى على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في التشهّد الأول لا ينكر عليه؛ لأنّ الصّلاة على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من أفضل القربات. وعقد الحافظ ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام" فصلين: فصل في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر التشهد وقال: هو أهمها وآكدها، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته، واختلفوا في وجوبه فيها، ثم ذكر أدلة المانعين والموجبين وأطال. والفصل الثاني: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول. وقال: "وقد اختُلف فيه، فقال الشافعي رحمه الله في" الأم "(١/ ١٠٢) يصلي على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول. هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد. لكنه يستحب وليس بواجب. وقال في القديم: لا يزيد على التشهد. وهذه رواية المزني عنه، وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة ومالك رحمهم الله تعالى وغيرهم" . ثم ذكر الأحاديث التي استدلّ بها للشافعي في وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، وخلص إلى القول بأن المراد من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث وغيرها هو التشهد الأخير دون الأول. قلت: أما الأحاديث في الصلاة على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول فمع ضعفها إنها غير مقيدة بالتشهد الأول، ومن هذه الأحاديث: ١ - حديث ابن عمر، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التّشهد: "التحيات الطيبات، الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله" ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. رواه الدارقطني (١٣٣٠) من طرق عن خارجة بن مصعب، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. قال الدارقطني: موسى بن عبيدة وخارجة ضعيفان.