إنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلَّا أنِّي كنت على غير وضوء" . ورجاله ثقات. وحُضين - بمهملة ثم معجمة مصغرًا - ابن المنذر بن الحارث الرقاشي، وأبو ساسان لقبه، وكنيته أبو محمد، صاحب راية عليّ يوم صفين، لا يعرف حضين غيره، ثقة من رجال مسلم. والحسن هو البصري الإمام التابعي المشهور، ووصفه النسائي وغيره بالتدليس، إلَّا أنَّ الحافظ جعله في المرتبة الثانية الذين احتمل الأئمّة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح. كما أنه وُصِف بالإرسال، إلَّا أنه يَروي هنا عن التابعي؛ فلا يضر كونه مُرسِلًا. وصحّحه ابن خُزيمة (٢٠٦) وابن حبان (٨٠٣) والحاكم (١/ ١٦٧) كلُّهم من هذا الوجهِ، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظِ ..." . • عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة في سفر فقال: أمعك ماء؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته فمشى حتى تواري عنّي في سواد اللّيل، ثم جاء فأفرغت عليه الإدارة، فغسل وجهه ويديه، وعليه جبّة من صوف، فلم يستطعْ أن يخرج ذراعيه منها، حتى أخرجهما من أسفل الجبة، فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه، ثم أهويتُ لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. متفق عليه: رواه البخاري في اللباس (٥٧٩٩) ، ومسلم في الطهارة (٢٧٤: ٧٩) كلاهما من طريق زكريا، عن عامر، أخبرني عروة بن المغيرة، عن أبيه، فذكره. تنبيه: رواه مالك في الطهارة (٤١) عن ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد - من ولد المغيرة بن شعبة - عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة فذكر الحديث. ولم يورد الشيخان رواية مالك في صحيحيهما، وإنما أوردا من أوجه أُخرى مُختصرًا ومفصلا؛ وذلك - والله أعلم - لما وقع من الوهم من مالك في إسناده في موضعين كما قال الدارقطني: أحدهما قوله: عباد من ولد المغيرة، والصواب هو مولى المغيرة، قاله الشافعي ومصعب الزبيري وغيرهما، والثاني: إسقاط عروة وحمزة ابني المغيرة. انتهى. لأن عبّادا لم يسمع من المغيرة ولا رآه، وإنما يرويه الزهري عن عبّاد، عن عروة وحمزة ابني المغيرة، عن أبيهما، وربما حدّث الزهريّ به عن عروة وحده دون حمزة. وله طرق أُخرى عن المغيرة بن شعبة. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٧٠ - ١٧١) . وفي رواية عند مسلم قال: "دعهما! فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما" . وفي رواية عنده: "فمسح على الخفين ومقدِّم رأسه، وعلى عمامته" . وفي رواية عنده: "ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه" . ولفظ النسائي (١٠٩) قال المغيرة بن شعبة: "خصلتان لا أسأل عنهما أحدًا بعد ما شهدتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: كنا معه في سفر، فبرز لحاجته، ثم جاء فتوضأ، ومسح بناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه، قال: وصلاة الإمام خلف الرجل عن رعيته، فشهدت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان في سفر فحضرت الصلاة، فاحتبس عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأقاموا الصلاة وقدموا ابن عوف فصلي بهم، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلي خلف ابن عوف ما بقي من الصلاة، فلما سلم ابن عوف قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى ما سُبق به" . قال الترمذي بعد أن أخرج الحديث "مسح على الخفين والعمامة" : وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم أبو بكر وعمر وأنس، وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على العمامة. وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين: لا يمسح على العمامة إلَّا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي. قال: وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إنْ مسح على العمامة يجزئه للأثر. انتهى ونقل الخطابي عن الإمام أحمد في المسح على العمامة بأنه جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من خمسة أوجه، وقال: وشرط من جوَّز المسح على العمامة: أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة، كما يفعله من يريد المسح على الخفين. وقال: وأبي المسح على العمامة أكثر الفقهاء. وتأولوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عمامته من رأسه، ولا ينقضها. وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة كالمفسر له، وهو أنه وصف وضؤه ثم قال: "ومسح بناصبه وعلى عمامته" فوصل مسح الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية، إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعًا له ". انتهى. وقوله" دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين "فيه دليل على أن المسح على الخفين لا يجوز إلَّا إذا لبس الخف بعد الطهارة، أي: بعد الوضوء، وهو أمر يكاد يكون مُتَّفقًا عليه لدى كل من أجاز المسح على الخفين إلَّا داود الظاهري؛ فإنه حمل الطهارة بمعنى الطهارة من النجاسة وإن لم يكن مُستبيحًا للصلاة. انظر: المازري - المُعلِم (١/ ٢٣٩) . • عن جرير بن عبد الله البجليّ أنه بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هذا؟ فقال: نعم؛ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ثم توضّأ ومسح على خفيه. قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٨٧) ومسلم في الطهارة (٢٧٢) واللفظ له، كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: رأيت جريرًا بال، وذكر الحديث. وفي رواية عند الترمذي: قيل لجرير: متى أسلمت؟ فقال: بعد المائدة. • عن عمرو بن أمية الضَّمْري أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين. صحيح: رواه البخاري (٢٠٤) من حديث أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمَّية الضَّمري، أنَّ أباه أخبره .. فذكر الحديث. وفي رواية عنده:" رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على عمامته وخفيه". • عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين، فسأل ابن عمر أباه عن ذلك؟ فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا فلا تسأل عنه غيره. صحيح: رواه البخاري في الوضوء (٢٠٢) ، عن أصبغ بن الفرج المصري، عن ابن وهب، قال: حدثني عمرو، حدثني أبو النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص .. فذكر الحديث .. وفيه: دليل على أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقبل خبر الواحد، وما نُقِل عنه من التوقف إنما كان عند وقوع ريبة له في بعض المواضع. وفيه: دليل على تفاوت رُتَب العدالة، ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض. وفيه: تعظيمٌ عظيمٌ من عمرَ لسعيدٍ. وفيه: أن الصحابي القديم الصحية قد يخفى عليه من الأمور الجلية في الشرع ما يطلع عليه غيره؛ لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قديم صحبته وكثرة روايته. روي مالك في الطهارة (٤٢) عن نافع وعبد الله بن دينار، أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص، وهو أميرها، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سَلْ أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله، فنسي أن يسأل عمر عن ذلك، حتَّى قدم سعد فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامْسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال: نعم وإن جاء أحدكم من الغائط. انظر للمزيد: "فتح الباري" (١/ ٣٠٦) . • عن بلال بن رباح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين والخمار. صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٥) ، من طريق الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال .. فذكره. والمراد بالخمار: العمامة، كما في سنن أبي داود (١٥٣) : يمسح على عمامته وموقيه. والموق: نوع من الخفاف معروف، وساقه إلى القصر. وبعض أهل العلم ذكروا هذا الحديث في مسند أسامة بن زيد؛ فإنه قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبلال الأسواق، فذهب لحاجته ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالًا ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين ثم صلَّى. رواه النسائي (١٢٠) من حديث ابن نافع، عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد. ورجاله ثقات غير ابن نافع، وهو: عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ، قال الحافظ: "ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين" . والصواب أن يكون هذا الحديث من مسند بلال؛ لأنه هو راوي الحديث، وإن كان أسامة قد حضر بعض القصة. قال ابن خزيمة - بعد أن روى الحديث من طريق عبد ا لله بن نافع: الأسواق: حائط بالمدينة. وقال: أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر، قال: سمعت يونس يقول: ليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر أنه مسح على الخفين في الحضر غير هذا. (١/ ٩٤) . • عن بُرَيدة بن الحصيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على فيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه! فقال: "عمدًا