. قلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب؟ فقبض النّبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يده، وظنّ أني مشترط شيئا لا يُعطينيه. قال: قلت: نحلُّ منها حيث شئنا، ولا يجني امرؤ إلا على نفسه، فبسط يده، وقال:" لك ذلك تَحُلُّ حيث شئتَ، ولا يجني عليك إلا نفسُك ". قال: فانصرفنا عنه، ثم قال:" إنّ هذَيْن لَعَمْرُ إلهك من أتقى الناس في الأولى والآخرة ". فقال له كعب بن الخدارية؛ أحدُ بني بكر بن كلاب: مَنْ هم يا رسول اللَّه؟ قال:" بنو المنتفق أهل ذلك ". قال: فانصرفنا وأقبلتُ عليه، فقلت: يا رسول اللَّه، هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ قال: قال رجل من عُرْضِ قريش: واللَّه إنّ أباك المنتفق لفي النّار. قال: فلكأنّه وقع حر بين جلدي ووجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس النّاس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول اللَّه؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلتُ: يا رسول اللَّه، وأهلك؟ قال:" وأهلي لَعَمْرُ اللَّه ما أتيتَ عليه من قبر عامريّ، أو قرشيّ من مشرك قُلْ: أرسلني إليك محمّدٌ، فأبشرُكَ بما يسوؤك، تُجَرُّ على وجهك وبطنك في النّار ". قال: قلت: يا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلّا إيّاه، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال -صلى اللَّه عليه وسلم-:" ذلك لأن اللَّه عز وجل بعث في آخر كلِّ سَبْع أُمم -يعني- نبيًّا، فمن عصى نبيَّه كان من الضّالين، ومن أطاع نبيَّه كان من المهتدين ". أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (١٦٢٠٦) ، وفي كتابه" السنة "(١١٢٠) قال:" كتب إليَّ إبراهيم بن حمزة الزبيريّ: كتبتُ إليك بهذا الحديث، وقد عرفته وسمعته على ما كتبت به إليك، فحدِّث بذلك عني، حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزاميّ، حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعيّ الأنصاريّ القبائيّ -من بني عمرو بن عوف- عن دُلهم بن الأسود بن عبد اللَّه بن حاجب بن عامر ابن المنتفق العقيليّ، عن أبيه، عن عمّه لقيط بن عامر. قال دُلْهم: وحدثنيه ابن أبي الأسود، عن عاصم بن لقيط، أنّ لقيطًا خرج وافدًا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعه صاحب له يقال له: نُهيل بن عاصم ابن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجتُ وصاحبي حتى قدمنا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة انسلاخ رجب، فأتينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبًا، فقال (فذكر الحديث) . ولقيط هو أبو رزين العقيليّ. ورواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢١١) ، وصحّحه ابن خزيمة في التوحيد (٣٨٢) ، والحاكم (٤/ ٥٦٠) كلهم من طريق عبد الرحمن بن المغيرة، بإسناده، مع أغلاط وقعتْ في المستدرك في قلب الأسانيد. قال الحاكم: "هذا حديث جامع في الباب، صحيح الإسناد كلّهم مدنيّون" . وتعقبّه الذهبي فقال: "يعقوب بن محمد بن عيسى الزهريّ ضعيف" . وهو الرّاوي عن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد توبع كما في رواية عبد اللَّه بن أحمد، وابن أبي عاصم في "السّنة" (٥٢٤، ٦٣٦) إلّا أنّ فيه: "عن دلهم بن الأسود، عن جدّه" . بدل "عن أبيه" . وذكره الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٤٠) وقال: "رواه عبد اللَّه، والطبراني بنحوه، وأحد طريقي عبد اللَّه إسنادها متصل، ورجالها ثقات" . وهو يقصد بقوله: "ثقات" توثق ابن حبان، وإلّا فعبد الرحمن بن عياش وشيخه دُلهم، وأبوه أسود لا يعرفون إلّا بهذا الإسناد. وقال الذّهبيّ: "دلهم بن الأسود، وجدّه عبد اللَّه بن حاجب لا يُعرفان" . وعبد الرحمن بن عايش ذكره ابن حبان في "الثقات" ، وقال الحافظ في "التقريب" : "مقبول" . أي إذا توبع وإلّا فليّن الحديث. وقد توبع على قوله: "لن نعدم من رب يضحك خيرًا يا رسول اللَّه" ، كما سبق في باب الضّحك. وأمّا الحافظ ابن القيم فقوّى هذا الحديث قائلًا في "زاد المعاد" (٣/ ٦٧٧) : "هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالتُه وفخامتُه وعظمتُه على أنّه قد خرج من مشكاة النّبوة، لا يُعرف إلّا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدنيّ، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيريّ وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتجّ بهما في الصحيح، احتجّ بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاريّ، ورواه أئمة السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وقابلوه بالتّسليم والانقياد، ولم يطعن منهم فيه ولا في أحد من رواته" . فذكر من أخرجه منهم عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، وابن أبي عاصم في السنة (٤٥٩، ٤٦٠) ، وأبو أحمد العسال في "المعرفة" والطبراني -كما مضى-، وأبو الشيخ في "السنة" ، وابن منده، وأبو نعيم الأصبهانيّ. وقال: "جماعة من الحفّاظ سواهم يطول ذكرهم. . . إلخ" . واللَّه أعلم. وقوله: "تهضِبُ" أي تُمطر، والأصواء: القبور. والشَّرَبة -بفتح الرّاء-: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسّكون والياء: الحنظلة، يريد أنّ الماء قد كثر، فمن حيث شئت تشرب. وعلى رواية السكون والياء: يكون قد شبّه الأرض بخُضرتها بالنّبات بخضرة الحنظلة واستوائها. وقوله: "حس" : كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه غفلةً ما يحرقه أو يؤلمه. قال الأصمعيّ: وهي مثل أوه. وقوله: يقول ربُّك عزّ وجلّ "أو أنه" . قال ابن قتية: فيه قولان: أحدهما: أن يكون "أنه" بمعنى "نعم" . والآخر: أن يكون الخبر محذوفًا كأنه قال: أنتم كذلك، أو أنّه على ما يقول. وفي الحديث: لا "يُصَلِّ أحدُكم، وهو يدافع الطَّوْف والبَوْل" . والطّوف: الغائط. والجسر: الصّراط. وقوله: "فيقول ربُّك. مَهيم" . أي: ما شأنُك وما أمرُك، وفيم كنتَ. وقوله: "يشرف عليكم أَزْلين" : الأزْل -بسكون الزّايْ- الشّدة، والأَزِل على وزن كَتِف: هو الذي قد أصابه الأزل، واشتد به حتى كاد يقنط. وقوله: "فيظلّ يضحك" هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيءٌ من مخلوقاته، كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصّفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردّها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها، وكذلك "فأصبح ربُّك يطوف في الأرض" ، هو من صفات فعله، كقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [سورة الفجر: ٢٢] . {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [سورة الأنعام: ١٥٨] ، و "ينزلُ ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى السّماء الدُّنيا" ، و "يدنُو عشيّة عرفة، فيباهي بأهلِ الموقف الملائكة" . والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تحريف وتعطيل ". وقوله:" والملائكة الذين عند ربّك ": لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلّا هذا، وحديث إسماعيل بن رافع الطّويل، وهو حديث الصُّور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [سورة الزمر: ٦٨] " . انتهى بما في الزاد. وفي الباب ما رُوي عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على اللَّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة" . ثم قرأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة: ٢٢ - ٢٣] ". رواه الترمذيّ (٢٥٥٣) ، وأحمد (٢/ ١٣) ، وابن منده في الرّد على الجهميّة (٩١) ، وصحّحه الحاكم (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠) كلهم من طريق ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر، فذكره. قال الحاكم:" هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة، وثوير بن أبي فاختة وإن لم يخرجاه، فلم يُنقم عليه غير التشيّع ". وتعقبه الذهبي فقال:" بل هو واهي الحديث ". وبه أعلّه الهيثميّ في" المجمع "(١٠/ ٤٠١) فقال:" وفي أسانيدهم ثوير بن أبي فاختة، وهو مجمع على ضعفه ". وفي الباب ما رُوي أيضًا عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" يجمعُ اللَّه عزّ وجلّ الأمم في صعيد واحد يوم القيامة، فإذا بدا للَّه عزّ وجلّ أن يصْدع بين خلقه، مُثِّل لكلِّ قوم ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يُقَحِّمونهم النّار، ثم يأتينا ربُّنا عزّ وجلّ ونحن على مكان رفيع، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون. فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا عزّ وجلّ . قال: "فيقول: وهل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعم، إنّه لا عِدْل له. فيتجلّى لنا ضاحكًا يقول: أبشروا أيّها المسلمون، فإنّه ليس منكم أحدٌ إلّا جعلتُ مكانه في النار يهوديًّا أو نصرانيًّا" . رواه الإمام أحمد (١٩٦٥٤) ، والآجريّ في الشريعة (٦٠٧) ، وابن خزيمة (٤٦٤) ، والدارميّ في الرّد على الجهمية (١٨٠) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عُمارة، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، فذكر مثله، واللّفظ لأحمد. وفي لفظ عند الدّارميّ ونحوه عند الآجريّ عن عمارة القرشيّ أنه كان عند عمر بن عبد العزيز، فأتاه أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، فقضى له حوائجه، فلما خرج رجع. فقال عمر: أذكر الشيخ؟ فقال له عمر: ما ردّك؟ ألم تق ضِ حوائجك؟ قال: بلى، ولكن ذكرتُ حديثًا حدثناه أبو موسى الأشعريّ، أنّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال (فذكر الحديث) . وفيه علّتان: الأولى: علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف عند جماهير أهل العلم. والثانية: شيخه عمارة وهو القرشيّ، نقل الذهبي عن الأزديّ أنه قال: "ضعيف جدًّا. روى عنه علي بن زيد بن جدعان وحده" ، وأورد جزءًا من الحديث المذكور. الميزان (٣/ ١٧٨) . ولكن لبعض فقراته شواهد صحيحة، مثل قوله: "أبشروا أيّها المسلمون، فإنّه ليس منكم أحدٌ إلّا جعلتُ مكانه في النار يهوديًّا أو نصرانيًّا" . رواه مسلم في التوبة (٢٧٦٧) من وجه آخر عن عون وسعيد بن أبي بردة، حدّثاه أنّهما شهدا أبا بردة يُحدّث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يموت رجل مسلم ولا أدخل اللَّه مكانه النار يهوديًّا أو نصرانيًّا" . قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز باللَّه الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات، أن أباه حدّثه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: فحلف له، قال: فلم يحدّثني سعيد أنه استحلفه ولم ينكر على عون قوله. قال ابن خزيمة رحمه اللَّه تعالى: "إنّ اللَّه عزّ وجلّ إنّما تراءى لهذه الأمة برّها وفاجرها ومنافقها بعد ما تساقط أولئك في النار، فاللَّه تعالى كان محتجبًا عن جميعهم لم يره منهم أحد، كما قال تعالى {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [سورة المطففين: ١٤ - ١٧] ، فأعلمنا عزّ وجلّ أن مَنْ حُجب عنه يومئذ هم المكذِّبون بذلك في الدنيا، ألا تسمع قوله تعالى: {هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} . وأمّا المنافقون، فإنّما كانوا يكذّبون بذلك بقلوبهم، ويقرّون به بألسنتهم رياءٌ وسُمعةٌ، فقد تراءى لهم رؤية امتحان واختبار، وليكون حجبه إياهم بعد ذلك عن رؤيته حسرة عليهم وندامة، إذ لم يصدّقوا به بقلوبهم وضمائرهم، ويوعده ووعيده، وما أمر به ونهى عنه، وبيوم الحسرة والنّدامة" .