لِأَجَلِّ أَصْفِيَائِهِ وَسَيِّدِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ: {وَلَا تُمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زُهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنِفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: ١٣١] ، الْآيَةَ، أَفَشَاهِدٌ أَنْتَ لِفَهْمِ الْخِطَابِ وَإِمْكَانِ رَدِّ الْجَوَّابِ؟ فَتَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ مِمَّا فَاتَهُ، وَمُصَافَاتُهُ وَمُكَافَأَتُهُ وَمَكَانُهُ مِنْهُ وَمُوَالَاتُهُ أَنْ يُوَادَّ مَنْ لَا يُوَادُّهُ أَوْ يَأْلَفَ مَنْ لَا يُوَافِقُهُ، غُضَّ يَا أَخِي بَصَرَ سِرِّكَ وَبَصِيرَةَ قَلْبِكَ عَنِ الْإِيمَاءِ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْهِمْ دُونَ الْمُوَاصَلَةِ لَهُمْ وَصُنْ بِالْمَضْمُونِ مِنْ ضَمِيرِكَ عَنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ بِالْقَوْمِ مُؤَالَفَةٌ، فَوَاللَّهِ لَا وَالَى اللَّهُ مَنْ يُحَادُّهُ وَلَا أَقْبَلَ عَلَى مَنْ يُبْغِضُهُ وَلَا عَظَّمَ مَنْ يُعَظِّمُ مَا صَغَّرَهُ وَقَلَّلَهُ إِلَّا أَنْ يَنْزِعَ عَنْ ذَلِكَ فَكُنْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى يَقِينٍ وَكُنْ لِأَمَاكِنِ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ - [٢٧٧] - الْحَقِّ مُسْتَهِينًا، وَبَعْدُ يَا أَخِي فَتَفَضَّلْ بِاحْتِمَالِي إِنْ غَلُظَ عَلَيْكَ مَقَالِي وَتَجَشَّمِ الصَّبْرَ عَلَى أَنْ يُوَافِقَ قَلْبُكَ مَا فِي كِتَابِي فَإِنَّ الْمُنَاصَحَةَ وَالْمُفَاصَحَةَ خَيْرٌ مِنَ الْإِغْضَاءِ مَعَ الْمُتَارَكَةِ وَإِنِّي أَخْتِمُ كِتَابِي وَأَسْتَدْعِي جَوَابِي بِقَوْلِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا" سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ هَانِئٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، قُلْتُ: مَتَى يَكُونُ الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِالْعَقْلِ؟ قَالَ: "§إِذَا كَانَ لِلْأُمُورِ مُمَيِّزًا وَلَهَا مُتَصَفِّحًا وَعَمَّا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ بَاحِثًا: يَبْحَثُ يَلْتَمِسُ بِذَلِكَ طَلَبَ الَّذِي هُوَ بِهِ أَوْلَى لَيَعْمَلَ بِهِ وَيُؤْثِرَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِنْ صِفَتِهِ رُكُوبُ الْفَضْلِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ بَعْدَ إِحْكَامِ الْعَمَلِ بِمَا قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ صِفَةِ الْعُقَلَاءِ إِغْفَالُ النَّظَرِ لِمَا هُوَ أَحَقُّ وَأَوْلَى وَلَا مِنْ صِفَتِهِمُ الرِّضَا بِالنَّقْصِ وَالتَّقْصِيرِ فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ بَعْدَ إِحْكَامِهِ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِهِ تَرَكَ التَّشَاغُلَ بِمَا يَزُولُ وَتَرَكَ الْعَمَلَ بِمَا يَفْنَى وَيَنْقَضِي وَذَلِكَ صِفَةُ كُلِّ مَا حَوَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ لَا يَرْضَى أَنْ يَشْغَلَ نَفْسَهِ بِقَلِيلٍ زَائِلٍ وَيَسِيرٍ حَائِلٍ يَصُدُّهُ التَّشَاغُلُ بِهِ وَالْعَمَلُ لَهُ عَنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ الَّتِي يَدُومُ نَعِيمُهَا وَنَفْعُهَا وَيَتَّصِلُ بِقَاؤُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَدُومُ نَفْعُهُ وَيَبْقَى عَلَى الْعَامِلِ لَهُ حَظُّهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ زَائِلٌ مَتْرُوكُ مَفَارِقُ مَوْرُوثٌ يَخَافُ مَعَ تَرْكِهِ سُوءُ الْعَاقِبَةِ فِيهِ وَمُحَاسَبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ صِفَةُ الْعَاقِلِ لِتَصَفُّحِهِ الْأُمُورَ بِعَقْلِهِ وَالْأَخْذِ مِنْهَا بِأَوْفَرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} ، كَذَلِكُ وَصَفَهُمُ اللَّهُ وَذَوُو الْأَلْبَابِ هُمْ ذَوُو الْعُقُولِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ بِمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ لِلْأَخْذِ بِأَحْسَنِ الْأُمُورِ عِنْدَ اسْتِمَاعِهَا، وَأَحْسَنُ الْأُمُورِ وَهُوَ أَفْضَلُهَا وَأَبْقَاهَا عَلَى أَهْلِهَا نَفْعًا فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ وَإِلَى ذَلِكَ نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ عَقَلَ فِي كِتَابِهِ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: "§مَا أَخَذْنَا - [٢٧٨] - التَّصَوُّفَ عَنِ الْقَالِ وَالْقِيلِ، لَكِنْ عَنِ الْجُوعِ وَتَرْكِ الدُّنْيَا، وَقَطْعِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَالْمُسْتَحْسَنَاتِ،؛ لِأَنَّ التَّصَوُّفَ هُوَ صَفَاءُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ اللَّهِ، وَأَصْلُهُ الْعُزُوفُ عَنِ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ حَارِثَةُ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لِيَلِي وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ لِرَجُلٍ ذَكَرَ الْمَعْرِفَةَ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ يَصِلُونَ إِلَى تَرْكِ الْحَرَكَاتِ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: «إِنَّ §هَذَا قَوْلُ قَوْمٍ تَكَلَّمُوا بِإِسْقَاطِ الْأَعْمَالِ، وَهَذِهِ عِنْدِي عَظِيمَةٌ وَالَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الَّذِي يَقُولُ هَذَا وَإِنَّ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ أَخَذُوا الْأَعْمَالَ عَنِ اللَّهِ، وَإِلَيْهِ رَجَعُوا فِيهَا وَلَوْ بَقِيَتْ أَلْفَ عَامٍ لَمْ أُنْقِصْ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ذَرَّةً إِلَّا أَنْ يُحَالَ بِي دُونَهَا وَإِنَّهُ لَأَوْكَدُ فِي مَعْرِفَتِي وَأَقْوَى فِي حَالِي» أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِي كِتَابِهِ، وَحَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: "§حَاجَةُ الْعَارِفِينَ إِلَى كَلَاءَتِهِ وَرِعَايَتِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الأنبياء: ٤٢] ، وَنُجْحُ قَضَاءِ كُلِّ حَاجَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَرْكُهَا وَفَتْحُ كُلِّ بَابٍ شَرِيفٍ بَذْلُ الْمَجْهُودِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ الْجُنَيْدَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ إِشَارَاتٌ عَنْ مُشَاهَدَاتٍ , فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ بِنَاءٌ عَنْ حُضُورٍ، وَكَلَامُ الصِّدِّيقِينَ إِشَارَاتٌ عَنْ مُشَاهَدَاتٍ، قَالَ: وَكَتَبَ الْجُنَيْدُ إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ: مَنْ أَشَارَ إِلَى اللَّهِ وَسَكَنَ إِلَى غَيْرِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ وَحَجَبَ ذِكْرَهُ عَنْ قَلْبِهِ وَأَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِهِ فَإِنَّهُ انْتَبَهَ وَانْقَطَعَ عَمَّنْ سَكَنَ إِلَيْهِ وَرَجَعَ إِلَى مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ، كَشَفَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْمِحَنِ وَالْبَلْوَى فَإِنْ دَامَ نَزَعَ اللَّهُ عَلَى سُكُونِهِ مِنْ قُلُوبِ الْخَلْقِ الرَّحْمَةَ عَلَيْهِ وَأُلْبِسَ لِبَاسَ الطَّمَعِ لِتَزْدَادَ مُطَالَبَتُهُ مِنْهُمْ مَعَ فُقْدَانِ الرَّحْمَةِ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَتَصِيرُ حَيَاتُهُ عَجْزًا وَمَوْتُهُ كَدًّا وَمَعَادُهُ أَسَفًا، وَنَحْنُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ السُّكُونِ إِلَى غَيْرِهِ"