الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: ٣٣] ، وَعَلِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ كَيِدَ الْأَعْدَاءِ مَعَ قُوَّةِ الْهَوَى لَا يَنْصَرِفُ بِقُوَّةِ النَّفْسِ: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: ٣٤] ، وَأَمَّا الْمَوْطِنُ الَّذِي يَسْتَحْضِرُ فِيهِ عَقْلَهُ لِرُؤْيَةِ مَجَارِي الْأَحْكَامِ، وَكَيْفَ يُقَلِّبُهُ التَّدْبِيرُ؟ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَمَاكِنِ وَأَعْلَى الْمَوَاطِنِ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ أَنْ يُوَاصِلُوا عِبَادَتَهُ وَلَا يَسْأَمُوا خِدْمَتَهُ فَقَالَ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦] ، فَأَلْزَمَهُمْ دَوَامَ عِبَادَتِهِ وَضَمِنَ لَهُمْ عَلَيْهَا فِي الْعَاجِلِ الْكِفَايَةَ وَفِي الْأُخْرَى جَزِيلَ الثَّوَابِ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: ٧٧] ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تَلْزَمُ كُلَّ الْخَلْقِ، وَوَقَفَ لِيرَى كَيْفَ تُصَرَّفُ الْأَحْكَامُ؟ وَقَدْ عَرَضَ لِرَفِيعِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، أَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: ٢٩] ؟، يَعْنِي شَأْنَ الْخَلْقِ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الْوَاقِفُ أَتَرَى أَنَّكَ مِنَ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ فِي شَأْنِهِمْ؟ أَوْ تَرَى شَأْنَكَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ؟ وَلَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى اسْتِحْضَارِ عَقْلِهِ إِلَّا بِانْصِرَافِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا عَنْهُ وَخُرُوجِهَا مِنْ قَلْبِهِ فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّنْيَا وَبَادَتْ وَبَادَ أَهْلُهَا وَانْصَرَفَتْ عَنِ الْقَلْبِ خَلَا بِمُسَامَرَةِ - [٢٧٣] - رُؤْيَةِ التَّصَرُّفِ وَاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ وَتَفْصِيلِ الْأَقْسَامِ وَلَنْ يَرْجِعَ قَلْبُ مَنْ هَذَا وَصْفُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِمَا فِي هَذِهِ الَّتِي عَنْهَا خَرَجَ وَلَهَا تَرَكَ وَمِنْهَا هَرَبَ أَلَا تَرَى إِلَى حَارِثَةَ حِينَ يَقُولُ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا وَكَأَنِّي بِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ وَكَأَنِّي وَهَذِهِ بَعْضُ أَحْوَالِ الْقَوْمِ " أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «§كَانَ يُعَارِضُنِي فِي بَعْضِ أَوْقَاتِي أَنْ أَجْعَلَ نَفْسِي كَيُوسُفَ وَأَكُونَ أَنَا كَيَعْقُوبَ فَأَحْزَنَ عَلَى نَفْسِي لِمَا فَقَدْتُ مِنْهَا كَمَا حَزِنَ يَعْقُوبُ عَلَى فَقْدِهِ لِيُوسُفَ فَمَكَثْتُ أَعْمَلُ مُدَّةً فِيمَا أَجِدُهُ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ» أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ، فِي كِتَابِهِ، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ مُحَمَّدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " §كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ السَّرِيِّ بْنِ الْمُغَلِّسِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِمِئْزَرٍ، وَكُنَّا خَالِيَيْنِ، فَنَظَرْتُ إِلَى جَسَدِهِ كَأَنَّهُ جَسَدٌ سَقِيمٌ دَنِفٌ مُضْنًى وَأَجْهَدُ مَا يَكُونُ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى جَسَدِي هَذَا فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ إِنَّ مَا بِي هَذَا مِنَ الْمَحَبَّةِ كَانَ كَمَا أَقُولُ، وَكَانَ وَجْهُهُ يَصْفَرُّ ثُمَّ اشْرَأَبَّ حُمْرَةً حَتَّى تَوَرَّدَ ثُمَّ اعْتَلَّ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ أَعُودُهُ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ أَشْكُو مَا بِي إِلَى طَبِيبِي؟ وَالَّذِي أَصَابَنِي مِنْ طَبِيبِي، فَأَخَذْتُ الْمِرْوَحَةَ أُرَوِّحُهُ فَقَالَ: كَيْفَ يَجِدُ رَوْحَ الْمِرْوَحَةِ مَنْ جَوْفُهُ يَحْتَرِقُ مِنْ دَاخِلٍ؟ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر البسيط] الْقَلْبُ مُحْتَرِقٌ وَالدَّمْعُ مُسْتَبِقُ ... وَالْكَرْبٌ مُجْتَمِعٌ وَالصَّبْرُ مُفْتَرِقُ كَيْفَ الْقَرَارُ عَلَى مَنْ لَا قَرَارَ لَهُ؟ ... مِمَّا جَنَاهُ الْهَوَى وَالشَّوْقُ وَالْقَلَقُ يَا رَبِّ إِنْ كَانْ شَيْءٌ فِيهِ لِي فَرَجٌ ... فَامْنُنْ عَلَيَّ بِهِ مَا دَامَ لِي رَمَقُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُفِيدُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «§أَعْلَى دَرَجَةِ الْكِبْرِ وَشَرُّهَا أَنْ تَرَى نَفْسَكَ، وَدُونَهَا وَأَدْنَاهَا فِي الشَّرِّ أَنْ تَخْطُرَ بِبَالِكَ» أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الْغَلَّابَ - [٢٧٤] -، يَقُولُ: قِيلَ لِلْجُنَيْدِ: هَلْ عَايَنْتَ أَوْ شَاهَدْتَ؟ قَالَ: «§لَوْ عَايَنْتُ تَزَنْدَقْتُ، وَلَوْ شَاهَدْتُ تَحَيَّرْتُ وَلَكِنْ حَيْرَةٌ فِي تِيهٍ وَتِيهٌ فِي حَيْرَةٍ» قَالَ: وَسَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «§حَرَّمَ اللَّهُ الْمَحَبَّةَ عَلَى صَاحِبِ الْعَلَاقَةِ»