إِنَّ §مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي الْخَدَمِ أَوْلِيَاءُ غَيَّبَهُمُ الْحَقُّ فِيهِ عَنِ الْأَعْيَانِ وَمَحَا أَسْمَاءَهُمْ وَأَنْسَابَهُمْ عَنِ الِاشْتِهَارِ وِالِادِّكَارِ جَعَلَهُمْ أَمَانًا لِسُكَّانِ الْمَمَالِكِ وَبِإِقْسَامِهِمْ عَلَيْهِ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْمَهَالِكِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْهَرَوِيُّ , ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , ثنا ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: "§إِنِّي لَلَيْلَةً مُوَاجِهٌ هَذَا الْمِنْبَرَ أَدْعُو فِي جَوْفِ اللَّيْلِ إِذَا إِنْسَانٌ عِنْدَ أُسْطُوَانَةٍ مُقَنِّعٌ رَأْسَهُ فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ , إِنَّ الْقَحْطَ قَدِ اش ْتَدَّ عَلَى عِبَادِكَ وَإِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ , إِلَّا سَقَيْتَهُمْ , قَالَ: فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَةٌ إِذَا سَحَابَةٌ قَدْ أَقْبَلَتْ ثُمَّ أَرْسَلَهَا اللَّهُ , وَكَانَ عَزِيزًا عَلَى ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنْ يخْفَى عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْخَيْرِ فَقَالَ: هَذَا بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا لَا أَعْرِفُهُ , فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ تَقَنَّعَ وَانْصَرَفَ وَاتَّبَعَهُ وَلَمْ يَجْلِسْ لِلْقَاصِّ حَتَّى أَتَى دَارَ أَنَسٍ فَأَخْرَجَ مِفْتَاحًا فَفَتَحَ ثُمَّ دَخَلَ , قَالَ: وَرَجَعْتُ فَلَمَّا سَبَّحْتُ أَتَيْتُهُ فَإِذَا أَنا أَسْمَعُ نَجْرًا فِي بَيْتِهِ , فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: أَدْخُلُ؟ قَالَ: ادْخُلْ فَإِذَا هُوَ يَنْجُرُ أَقْدَاحًا يَعْمَلُهَا , قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: فَاسْتَشْهَرَهَا وَاسْتَعْظَمَهَا مِنِّي , فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ إِقْسَامَكَ الْبَارِحَةَ عَلَى اللَّهِ , يَا أَخِي , هَلْ لَكَ فِي نَفَقَةٍ تُغْنِيكَ عَنْ هَذَا وَتُفَرِّغُكَ لَمَّا تُرِيدُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا تَذْكُرْنِي لِأَحَدٍ وَلَا تَذْكُرْ هَذَا لِأَحَدٍ حَتَّى أَمُوتَ وَلَا تَأْتِنِي يَا ابْنَ الْمُنْكَدِرِ , فَإِنَّكَ إِنْ تَأْتِنِي شَهَرْتَنِي لِلنَّاسِ , قُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَلْقَاكَ , قَالَ: الْقَنِي فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ فَارِسِيًّا قَالَ: فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ حَتَّى مَاتَ الرَّجُلُ , قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ فَلَمْ يُرَ وَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ ذَهَبَ , فَقَالَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ: اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ , أَخْرَجَ عَنَّا الرَّجُلَ الصَّالِحَ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , ثنا أَبُو أُسَيْدٍ , ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَرِيرِ بْنِ جَبَلَةَ , ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , ثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى , ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: "§خَرَجْتُ مَعَ أَبِي مِنْ قَرْيَةٍ نُرِيدُ قَرْيَةً فَضَلَلْنَا الطَّرِيقَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ يُصَلِّي فَدَنَوْنَا مِنْهُ فَإِذَا حَوْضٌ يَابِسَةٌ وَقِرْبَةٌ يَابِسَةٌ وَقَدِ انْتَظَرْنَاهُ لِيَنْفَتِلَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَنْفَتِلْ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبِي فَقَالَ: يَا هَذَا , إِنَّا قَدْ ضَلَلْنَا الطَّرِيقَ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الطَّرِيقِ , فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَلَا تَجْعَلُ فِي قِرْبَتِكَ مَاءً؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ لَا , فَمَا بَرِحْنَا أَنْ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَأَمْطَرَتْ فَإِذَا ذَلِكَ الْحَوْضُ مَلْآنُ فَمَضَيْنَا - [١٧٣] - حَتَّى أَتَيْنَا الْقَرْيَةَ فَذَكَرْنَا لَهُمْ شَأْنَ الرَّجُلِ فَقَالُوا: ذَاكَ فُلَانٌ لَا يَكُونُ بِأَرْضٍ إِلَّا سُقُوا , فَقَالَ لِي أَبِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمْ مِنْ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ لَا نَعْرِفُهُ" أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ ضَمْرَةُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ هِلَالٍ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ الْبَصْرِيُّ , قَدِمَ عَلَيْنَا ثنا أَبِي , ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: "§احْتَبَسَ عَنَّا الْمَطَرُ بِالْبَصْرَةِ فَخَرَجْنَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ نَسْتَسْقِي فَلَمْ نَرَ أَثَرَ الْإِجَابَةِ فَخَرَجْتُ أَنَا وَعَطَاءٌ السُّلَيْمِيُّ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ , وَيَحْيَى الْبَكَّاءُ , وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ , وَأَبُو مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِيُّ , وَحَبِيبٌ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ , وَحَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ , وَعُتْبَةُ الْغُلَامُ , وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ حَتَّى صِرْنَا إِلَى مُصَلًّى بِالْبَصْرَةِ وَخَرَجَ الصِّبْيَانُ مِنَ الْمُكَاتَبِ وَاسْتَسْقَيْنَا فَلَمْ نَرَ أَثَرَ الْإِجَابَةِ وَانْتَصَفَ النَّهَارُ وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَبَقِيَتُ أَنَا وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ فِي الْمُصَلَّى فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ إِذَا بِأَسْوَدَ صَبِيحِ الْوَجْهِ دَقِيقِ السَّاقَيْنِ عَظِيمِ الْبَطْنِ عَلَيْهِ مِئْزَرَانِ مِنْ صُوفٍ فَقَوَّمْتِ جَمِيعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ فَجَاءَ إِلَى مَاءٍ فَتَمَسَّحَ ثُمَّ دَنَا مِنَ الْمِحْرَابِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ سَوَاءً خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: سَيِّدِي إِلَى كَمْ تَرْدُدْ عِبَادَكَ فِيمَا لَا يَنْقُصُكَ أَنَفَدَ مَا عِنْدَكَ أَمْ فَقَدْتَ خَزَائِنَ قُدْرَتِكَ؟ سَيِّدِي أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحُبِّكَ لِي إِلَّا سَقَيْتَنَا غَيْثَكَ السَّاعَةَ السَّاعَةَ , قَالَ: مَالِكٌ: فَمَا أَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى تَغَيَّمَتِ السَّمَاءُ وَأَخَذَتْنَا كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ وَمَا خَرَجْنَا مِنَ الْمُصَلَّى حَتَّى خُضْنَا الْمَاءَ إِلَى رُكَبِنَا , قَالَ: فَبَقِيَتْ أَنا وَثَابِتٌ مُتَعَجِّبِينَ مِنَ الْأَسْوَدِ , ثُمَّ انْصَرَفَ فَتَبِعْنَاهُ , قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَسْوَدُ , أَمَا تَسْتَحِي مِمَّا قُلْتَ؟ قَالَ: فَقَالَ: وَمَاذَا قُلْتُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَوْلُكُ بِحُبِّكَ لِي , وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ يُحِبُّكَ؟ قَالَ: تَنَحَّ عَنْ هِمَمٍ لَا تَعْرِفُهَا يَا مَنِ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ أَيْنَ كُنْتُ أَنَا حِينَ خَصَّنِي بِالتَّوْحِيدِ وَبِمَعْرِفَتِهِ؟ أَفَتُرَاهُ بَدَأَنِي بِذَلِكَ إِلَّا بِمَحَبَّتِهِ لِي عَلَى قَدْرِهِ وَمَحَبَّتِي لَهُ عَلَى قِدْرِي؟ قَالَ: ثُمَّ بَادَرَ يَسْعَى , فَقُلْتُ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ ارْفُقْ بِنَا , قَالَ: أَنا مَمْلُوكٌ عَلَى فَرْضٍ مِنْ طَاعَةِ مَالِكِي الصَّغِيرِ , قَالَ: فَجَعَلْنَا نَتَّبِعُهُ مِنَ الْبُعْدِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ نَخَّاسٍ وَقَدْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ فَطَالَ عَلَيْنَا النِّصْفُ - [١٧٤] - الْبَاقِي , فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَيْتُ النَّخَّاسَ فَقُلْتُ لَهُ: عِنْدَكَ غُلَامٌ تَبِيعَنِيهِ لِلْخِدْمَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ عِنْدِي مِائَةُ غُلَامٍ كُلُّهُمْ لِذَلِكَ , قَالَ: فَجَعَلَ يُخْرِجُ إِلَيَّ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ وَأَنَا أَقُولُ: غَيْرُ هَذَا حَتَّى عَرَضَ عَلَيَّ تِسْعِينَ غُلَامًا ثُمَّ قَالَ: مَا بَقِيَ عِنْدِي غَيْرُهَا وَلَا وَاحِدٌ قَالَ: فَلَمَّا أَرَدْنَا الْخُرُوجَ دَخَلْتُ أَنا حُجْرَةً خَرِبَةً فِي خَلْفِ دَارِهِ فَإِذَا أَنا بِالْأَسْوَدِ نَائِمٌ , فَكَانَ وَقْتُ الْقَيْلُولَةِ , فَقُلْتُ: هُوَ هُوَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَخَرَجْتُ إِلَى عِنْدِ النَّخَّاسِ فَقُلْتُ لَهُ: بِعْنِي ذَلِكَ الْأَسْوَدَ , فَقَالَ لِي: يَا أَبَا يَحْيَى ذَاكَ غُلَامٌ مَشْئُومٌ نِكِدٌ لَيْسَتْ لَهُ بِاللَّيْلِ هِمَّةٌ إِلَّا الْبُكَاءُ وَبِالنَّهَارِ إِلَّا الصَّلَاةُ وَالنَّوْمُ , فَقُلْتُ لَهُ: وَلِذَلِكَ أُرِيدُهُ , قَالَ: فَدَعَا بِهِ وَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَ نَاعِسًا فَقَالَ لِي: خُذْهُ بِمَا شِئْتَ بَعْدَ أَنْ تُبْرِيَنِي مِنْ عُيُوبِهِ كُلِّهَا فَاشْتَرَيْتُهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ , فَقُلْتُ: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: مَيْمُونٌ , قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ إِلَى الْمَنْزِلِ فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي مَعِي إِذْ قَالَ لِي: يَا مَوْلَايَ الصَّغِيرَ , لِمَاذَا اشْتَرَيْتَنِي وَأَنَا لَا أَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الْمَخْلُوقِينَ؟ قَالَ: مَالِكٌ: فَقُلْتُ لَهُ: حَبِيبِي إِنَّمَا اشْتَرَيْنَاكَ لِنَخْدُمَكَ نَحْنُ بِأَنْفُسِنَا وَعَلَى رُءُوسِنَا , فَقَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ أَنْتَ صَاحِبَنَا الْبَارِحَةَ؟ فِي الْمُصَلَّى فَقَالَ: وَقَدِ اطِّلَعْتُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: أَنا الَّذِي اعْتَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي الْكَلَامَ , قَالَ: فَجَعَلَ يَمْشِي حَتَّى صَارَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَدَخَلَهُ وَصَفَّ قَدَمَيْهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي سِرٌّ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَظْهَرْتَهُ لِلْمَخْلُوقِينَ وَفَضَحْتَنِي فِيهِ فَكَيْفَ يَطِيبُ لِي الْآنَ عَيْشٌ وَقَدْ وَقَفَ عَلَى مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ غَيْرُكَ؟ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا قَبَضْتَ رُوحِي السَّاعَةَ السَّاعَةَ , ثُمَّ سَجَدَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَانْتَظَرْتُهُ سَاعَةً فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ قَالَ: فَمَدَدْتُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَإِذَا وَجْهٌ ضَاحِكٌ وَقَدِ ارْتَفَعَ السَّوَادُ وَصَارَ وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ وَإِذَا بِشَابٍّ قَدْ أَقْبَلَ مِنَ الْبَابِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرْنَا فِي أَخِينَا , هَاكُمُ الْكَفَنَ فَكَفِّنُوهُ فِيهِ فَنَاوَلَنِي ثَوْبَيْنِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُمَا ثُمَّ خَرَجَ فَكَفَّنَّاهُ فِيهِمَا , قَالَ مَالِكٌ: فَقَبْرُهُ يُسْتَسْقَى بِهِ وَتُطْلَبُ الْحَوَائِجُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا" حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ بَحْرٍ الْأَسَدِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ - [١٧٥] - بْنَ الْمُبَارَكِ الصُّورِيَّ يَقُولُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ: " §خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَإِذَا نَحْنُ بِشَابٍّ لَيْسَ مَعَهُ زَادٌ وَلَا رَاحِلَةٌ فَقُلْتُ: حَبِيبِي فِي مِثْلِ هَذَا الطَّرِيقِ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ؟ فَقَالَ لِي: تُحْسِنُ تَقْرَأُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَرَأْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {كهيعص} [مريم: ١] فَشَهِقَ شَهْقَةً خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: وَيْحَكَ تَدْرِي مَا قَرَأْتَ؟ كَافٌّ مِنْ كَافٍ وَهَا مِنْ هَادٍ , وَعَيْنٌ مِنْ عَلِيمٍ , وَصَادٌ مِنْ صَادِقٍ , فَإِذَا كَانَ مَعِي كَافٍ وَهَادٍ وَعَلِيمٌ وَصَادِقٌ مَا أَصْنَعُ بِزَادٍ وَرَاحِلَةٍ؟ ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: [البحر المنسرح] يَا طَالِبَ الْعِلْمِ هَاهُنَا وَهُنَا ... وَمَعْدِنُ الْعِلْمِ بَيْنَ جَنْبَيْكَا إِنْ كُنْتَ تَرْجُو الْجِنَانَ تَسْكُنُهَا ... فَمَثِّلِ الْعَرْضَ نُصْبَ عَيْنَيْكَا إِنْ كُنْتَ تَرْجُو الْحِسَانَ تَخْطُبُهَا ... فَأَسْبِلِ الدَّمْعَ فَوْقَ خَدَّيْكَا وَقُمْ إِذْ قَامَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ ... وَادْعُوهُ كَيْمَا يَقُولَ لَبَّيْكَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ بَحْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَيْضِ , بِأَخْمِيمَ يَقُولُ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ: قَالَ: "§كُنْتُ فِي تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أُرِيدُ الْحَجَّ فَرَأَيْتُ غُلَامًا أَمْرَدَ مَاشِيًا أَمَامِي عَلَى الْمِحَجَّةِ يَؤُمُّ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ فَقُلْتُ لِرَفِيقِي: إِنَّا لِلَّهِ إِنْ كَانَ مَعَ هَذَا الْغُلَامِ يَقِينٌ وَإِلَّا هَلَكَ فَلَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: يَا فَتَى , فَقَالَ: لَبَّيْكَ , فَقُلْتُ: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا شَيْخُ , ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ هَلْ تَرَى غَيْرَهُ؟ , فَقُلْتُ: يَا حَبِيبِي , اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ" حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْعَلَاءِ , ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ: قَالَ ذُو النُّونِ: " §حَجَجْتُ سَنَةً إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَضَلَلْتُ عَنِ الطَّرِيقِ وَلَمْ يَكُنْ مَعِي مَاءٌ وَلَا زَادٌ وَإِنِّي لَمُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَكَةِ وَآيِسٌ مِنَ الْحَيَاةِ فَلَاحَتْ لِي أَشْجَارٌ كَثِيرَةٌ وَإِذَا أَنَا بِمِحْرَابٍ قَدْ كَانَ عَهْدُهُ مِنْ مُتَعَاهِدِهِ قَرِيبًا فَطَرَحَتْ نَفْسِي تَحْتَ فَيْءِ شَجَرَةٍ مُتَوَقِّعًا لِنَسْيمِ بَرْدِ اللَّيْلِ فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ إِذَا أَنَا بِشَابٍّ مُتَغَيِّرِ اللَّوْنِ نَحِيلِ الْجِسْمِ يَؤُمُّ نَحْوَ الْمِحْرَابِ فَرَكَلَ بِرِجْلِهِ رَبْوَةً مِنَ الْأَرْضِ فَظَهَرَ عَيْنٌ أَبْيَضُ بِمَاءٍ عَذْبٍ فَشَرِبَ وَتَوَضَّأَ بِهِ وَقَامَ فِي مِحْرَابِهِ فَقُمْتُ إِلَى الْعَيْنِ - [١٧٦] - فَشَرِبْتُ مَاءً عَذْبًا وَسَوِيقَ السُّلْتِ وَسُكَّرَ الطِّبْرَزْدِ فَشَبِعْتُ وَرَوِيتُ وَتَوَضَّأْتُ فَقُمْتُ إِلَيْهِ أُصَلِّي بِصَلَاتِهِ حَتَّى بَرَقَ عَمُودُ الصُّبْحِ فَلَمَّا رَأَى الصُّبْحَ أَقْبَلَ وَثَبَ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ ذَهَبَ اللَّيْلُ بِمَا فِيهِ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ خِدْمَتِكَ وَطَرًا وَلَا مِنْ عَذْبِ مَاءِ مُنَاجَاتِكَ شَطْرًا إِلَهِي خَسِرَ مَنْ أَتْعَبَ لِغَيْرِكَ بَدَنَهُ وَأَلْجَأَ إِلَى سِوَاكَ هِمَّتَهُ , فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَمْضِيَ نَادَيْتُهُ بِالَّذِي مَنَحَكَ لَذِيذَ الرَّغَبِ وَأَذْهَبَ عَنْكَ مَلَالَ التَّعَبِ إِلَّا حَفَفْتَنِي بِجَنَاحِ الرَّحْمَةِ وَأَمَّنْتَنِي مِنْ جَنَاحِ الذِّلَّةِ فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ أُرِيدُ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ فَضَلَلْتُ عَنِ الطَّرِيقِ , وَلَيْسَ مَعِي مَاءٌ وَلَا زَادٌ وَلَا رَاحِلَةٌ وَإِنِّي مُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَكَةِ آيسٌ مِنَ الْحَيَاةِ , فَقَالَ: اسْكُتْ يَا بَطَّالُ , وَهَلْ مِنْ مُوفُودٍ وَفَدَ إِلَيْهِ فَقَطَعَ بِهِ دُونَ الْبَلَاغِ إِلَيْهِ؟ لَوْ صَحَّحْتَ لَهُ فِي الْمُعَامَلَةِ لَصَحَّحَ لَكَ فِي الدَّلَالَةِ , ثُمَّ قَالَ: اتْبَعْنِي , فَرَأَيْتُ الْأَرْضَ تُطْوَى مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِنَا حَتَّى رَأَيْتُ الْحَجَّةَ وَسَمِعْتُ ضَجَّةً , فَقَالَ: هَذِهِ بَكَّةُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: وَمَنْ عَامَلَ اللَّهَ بِتَقْوَاهُ ... وَكَانَ فِي الْخَلْوَةِ يَرْعَاهُ سَقَاهُ كَأْسًا مِنْ صَفَا حُبِّهِ ... تَسْلُبُهُ لَذَّةَ دُنْيَاهُ فَأَبْعَدَ الْخَلْقَ وَأَقْصَاهُمْ ... وَانْفَرَدَ الْعَبْدُ بِمَوْلَاهُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَشِيُّ , ثنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ النَّسَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُرْجُلَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّامِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: "§رَكِبْنَا فِي الْبَحْرِ نُرِيدُ مَكَّةَ وَمَعَنَا فِي الْمَرْكَبِ رَجُلٌ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ رَثَّةٌ فَوَقَعَ فِي الْمَرْكَبِ تُهْمَةٌ فَدَارَتْ حَتَّى صَارَتْ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنَّ الْقَوْمَ اتَّهَمُوكَ , فَقَالَ: أَنَا تَعْنِي؟ , فَقُلْتُ: نَعَمْ , قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ , ثُمَّ قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا أَخْرَجَتْ مَا فِيهِ مِنْ حُوتٍ بِجَوْهَرَةٍ , قَالَ: فَلَقَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ مَا فِي الْبَحْرِ سَمَكَةٌ إِلَّا وَقَدْ خَرَجَتْ فِي فِيهَا لُؤْلُؤَةٌ أَوْ جَوْهَرَةٌ ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ فَذَهَبَ" حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَوْثَرٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , ثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ , ثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ قَالَ: "§كُنْتُ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ فَإِذَا أَنا بِشَابَّيْنِ عَلَيْهِمَا الْعَبَاءَةُ الْقَطْوَانِيَّةُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: كَيْفَ أَنْتَ - [١٧٧] - يَا حَبِيبُ؟ فَأَجَابَهُ الْآخَرُ: لَبَّيْكَ يَا مُحِبٌّ , قَالَ: فَقَالَ: أَتَرَى أَنَّ الرَّبَّ الَّذِي تَوَادَدْنَا فِيهِ وَتَحَابَبْنَا فِيهِ يُعَذِّبُنَا غَدًا فِي الْقِيَامَةِ؟ فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ سَمِعَتْهُ الْآذَانُ وَلَمْ تَرَهُ الْأَعْينُ: لَيْسَ بِفَاعِلٍ لَيْسَ بِفَاعِلٍ" سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الدِّينَوَرِيَّ الطُّوسِيَّ بِمَكَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ شَيْبَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ يَقُولُ: "§خَرَجْتُ حَاجًّا فَبَيْنَا أَنَا فِي بَرِّيَّةِ تَبُوكَ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ بِلَا يَدَيْنِ وَلَا رِجْلَيْنِ وَلَا عَيْنَيْنِ فَتَعَجَّبْتُ مِنْهَا فَقُلْتُ: يَا أَمَةَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ عِنْدِهِ , قُلْتُ: وَمَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: إِلَيْهِ , قُلْتُ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ بَادِيَةُ تَبُوكَ وَلَيْسَ فِيهَا مُغِيثٌ وَأَنْتِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ؟ فَقَالَتْ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ غَمَّضْ عَيْنَيْكَ فَغَمَضْتُهُمَا ثُمَّ قَالَتِ: افْتَحْ عَيْنَيْكَ فَفَتَحْتُهُمَا فَإِذَا أَنَا بِهَا مُتَعَلِّقَةً بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَتَعَجَّبُ مِنْ ضَعِيفٍ حَمَلَهُ قَوِيٌّ , ثُمَّ سَارَتْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ رُفَيْلٍ الشَّيْخَ الْأَمِينَ بِجُرْجَانَ , وَسَمِعْتُ مِنْهُ , وَحَدَّثَنِي بِهَذَا عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ بِمَكَّةَ قَالَ: حَكَى الشَّيْخُ الشِّبْلِيُّ §أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْجُلُوسُ فِي مَنْزِلِهِ لَا يَخْرُجُ إِلَّا لَعَظِيمٍ لَا يَسَعُهُ الْقُعُودُ عَنْهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ يَوْمًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَخَلَعَ قَمِيصَهُ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَخَرَجَ الْفَقِيرُ فَغَلَبَ عَلَى حَمْزَةَ الْوَجْدِ فَخَرَجَ مُجَرَّدًا فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي فِي صَحْرَاءَ إِذْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ فَأَرَادَ أَنْ يَصِيحَ فَذَكَرَ الْعَقْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَكَانَ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَسْتَغِيثَ بِمَخْلُوقٍ فَبَيْنَا هُوَ فِي الْبِئْرِ مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى جَادَّةٍ الطَّرِيقِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: يَا أَخِي هَذَا الْبِئْرُ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ لَوْ مَرَّ بِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ لَهَوَى فِيهِ فَامْضِ أَنْتَ وَجِئْنِي بِقَصَبٍ وَأَنَا أَنْقُلُ الْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ فَفَعَلَا وَسَدَّا رَأْسَ الْبِئْرِ وَمَضَيَا فَأَرَدْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُمَا لِضَعْفِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ أَخْرِجَانِي ثُمَّ طُمُّوهُ فَمَنَعَنِي الْعَقْدُ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ سَيِّدِي فَقُلْتُ: سَيِّدِي وَعِزَّتِكَ لَا أَسْتَغِيثُ بِغَيْرِكَ , فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكُ , وَقَدْ مَضَى بَعْضُ اللَّيْلِ إِذَا التُّرَابُ يَتَنَاثَرُ عَلَيَّ مِنْ رَأْسِ الْبِئْرِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يَنْبِشُهُ فَسَمِعْتُ قَائِلًا , يَقُولُ: لَا تَرْفَعْ رَأْسَكَ لَا يَسْقُطْ عَلَيْكَ التُّرَابُ , ثُمَّ نَادَانِي: يَا أَبَا حَمْزَةَ تَعَلَّقْ بِرِجْلِي فَتَعَلَّقْتُ بِرِجْلِهِ فَإِذَا هُوَ خَشِنُ - [١٧٨] - الْمَلْمَسِ فَلَمَّا صَعِدْتُ وَصِرْتُ فَوْقَ الْبِئْرِ عَلَى الْأَرْضِ إِذَا أَنَا بِسَبُعٍ عَظِيمِ الْهَيْئَةِ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَسَمِعْتُ قَائِلًا , يَقُولُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ نَجَيَّنَاكَ مِنَ التَّلَفِ بِالتَّلَفِ وَوَلَّى عَنِّي فِي الصَّحْرَاءِ فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ: أَهَابُكَ أَنْ أُبْدِي إِلَيْكَ الَّذِي أُخْفِي وَطَرْفُكَ يَدْرِي مَا يَقُولُ لَهُ طَرْفِي [البحر الطويل] نَهَانِي حَيَائِي مِنْكَ أَنْ أَكْشِفَ الْهَوَى ... وَأَغْنَيْتَنِي بِالْفَهْمِ مِنْكَ عَنِ الْكَشْفِ تَرَاءَيْتَ لِي بِالْغَيْبِ حَتَّى كَأَنَّمَا ... تُبَشِّرُنِي بِالْغَيْبِ أَنَّكَ فِي كَفِّي أَرَاكَ وَبِي مِنْ هَيْبَتِي لَكَ حِشْمَةٌ ... فَتُؤْنِسُنِي بِالْعَطْفِ مِنْكَ وَبِاللُّطْفِ وَتُحْيِي مُحِبًّا أَنْتَ فِي الْحُبِّ حَتْفُهُ ... وَذَا عَجَبٌ كَوْنُ الْحَيَاةِ مِنَ الْحَتْفِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ النَّاقِدَ يَقُولُ: قَالَ لِي بَعْضُ شُيوخِنَا: "§كُنْتُ بِبَعْضِ سَوَاحِلِ الشَّامِ فَرَأَيْتُ شَابًّا عَلَيْهِ طِمْرَانِ فَأَدَمْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: شِدَّةُ الشَّوْقِ وَالْهَوَى صَيَّرَتْنِي كَمَا تَرَى فَقُلْتُ لَهُ: زِدْنِي فَقَالَ: [البحر السريع] مَا قَرَّ لِي جَنْبٌ عَلَى مَضْجَعٍ ... كَمْ يَلْبَثُ الْجَنْبُ عَلَى الْجَمْرِ وَاللَّهِ لَا زِلْتُ لَهُ عَاشِقًا ... وَإِنْ أَمُتْ أَذْكُرْهُ فِي الْقَبْرِ فَمَضَى وَتَرَكَنِي" سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ السَّلَامِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُخَرِّمِيَّ الصُّوفِيَّ , بِمَكَّةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْهَرِيُّ: "§كُنْتُ بِعَسْقَلَانَ عَلَى بُرْجِ الْخَضِرِ أَحْرُسُ فَمَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ مُتَخَرِّقَةٌ فَقُمْتُ إِلَيْهِ مُسَلِّمًا وَعَانَقْتُهُ وَأَجْلَسْتُهُ وَجَارَيْتُ مَعَهُ فِي فُنُونٍ مِنَ الْعِلْمِ وَكَانَ قَدَمَاهُ حَافِيَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ لَا تَسْأَلُ أَصْحَابَنَا فِي نَعْلٍ يَقِيكَ الْحَفَاءَ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَخِي: لَرَدُّ أَمْسِ مِنِّي بِالْحِبَالْ ... وَحَبْسُ عَيْنِ الشَّمْسِ بِالْعِقَالْ وَنَقْلُ مَاءِ الْبَحْرِ بِالْغِرْبَالْ ... أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالْ وَاقِفًا بِبَابِ مِثْلِي ... أَرْتَجِي مِنْهُ النَّوَالْ ثُمَّ أَخْرَجَنِي مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ فَانْتَهَى بِي إِلَى صَخْرَةٍ مَنْقُورَةٍ فَإِذَا عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: كُلْ بِيَمِينِكَ مِنْ عَرَقِ جَبِينِكَ فَإِنْ ضَعُفَ يَقِينُكَ فَسَلِ الْمَوْلَى يُعِينُكُ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى الْوَشَّاءَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: "§خَرَجْتُ فِي طَلَبِ الْمُبَاحَاتِ فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ , فَعَدَلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ , قَدْ غَاصَ فِي بَحْرِ الْوَلَهِ وَخَرَجَ عَلَى سَاحِلِ الْكَمَدِ وَهُوَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَعَ الْإِصْرَارِ" , الْحِكَايَةُ بِطُولِهَا فِي تَرْجَمَةِ ذِي النُّونِ , وَكَذَلِكَ الَّتِي تَلِيهَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، ثنا حَيْدَرَةُ بْنُ عُبَيْدَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: "§دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْعُبَّادِ نَعُودُهُ فَقُلْنَا لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ وَنَفَسٌ ضَعِيفَةٌ وَحَسَنَاتٌ قَلِيلَةٌ وَسَفْرَةٌ طَوِيلَةٌ وَغَايَةٌ مَهُولَةٌ، قَالَ: قُلْنَا: مَا مَعَكَ مِنَ الزَّادِ لِمَا ذَكَرْتَهُ؟ قَالَ: مَعِي الْأَمَلُ فِي السَّيِّدِ الْكَرِيمِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَقْطَعْ بِمُؤَمِّلِكَ فِي تِلْكَ الْغَمَرَاتِ وَارْحَمْهُ فِي تِلْكُ الْحَيْرَةِ وَالْحَسَرَاتِ إِذَا انْخَلَعَتِ الْقُلُوبُ يَوْمَ النَّدَامَاتِ وَجَعَلَ يَتَشَهَّدُ حَتَّى مَاتَ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ، ثنا أَبُو الْعَيْنَاءِ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: " §مَنْ عَرَفَ فَضْلَ مَنْ فَوْقَهُ عَرَفَ فَضْلَهُ مَنْ دُونَهُ فَإِنْ جَحَدَ جَحْدَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ السَّرِيَّ بْنَ جَابِرٍ دَخَلَ بِلَادَ الزِّنْجِ قَالَ: فَرَأَيْتُ زِنْجِيَّةً تَدُقُّ الْأُرْزَ وَتَبْكِي وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ بِكَلَامِهَا مَالَا أَقِفُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: لَيْتَنِي أَقِفُ عَلَى تَرْجَمَتِهَا، فَلَقِيتُ شَيْخًا فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ هِيَ تَقُولُ: رَمَقْتُ بِعَيْنَيَّ يُمْنَةً ثُمَّ يُسْرَةً فَلَمْ أَرَ غَيْرَ اللَّهِ يَأْمَلُهُ قَلْبِي [البحر الطويل] فَجِئْتُ بِإِدْلَالٍ إِلَى مَنْ عَرَفْتُهُ ... فَبِالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ يَغْفِرُ لِي ذَنْبِي أَيَادِيكَ لَا تُحْصَى وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا ... وَإِحْسَانُكَ الْمَبْذُولُ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يَحْيَى الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي خَالِدِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَامِرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَاهِبًا، مِنْ رُهْبَانِ الْقُدَمَاءِ سَأَلَ اللَّهَ حَاجَةً فَبَعُدَ قَضَاؤُهَا عَلَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ §حَبَسْتَنِي فِي أَضْيَقِ الْمَحَابِسِ وَجَعَلْتَنِي وَحِيدًا لَا أَسْتَطِيعُ مُذَاكَرَةَ غَيْرِكَ فَلَيْسَ لِي رَاحَةٌ - [١٨٠] - إِلَّا عِنْدَكَ وَقَدْ صَحَّتْ لِي الظُّنُونُ فِيكَ إِلَهِي فَمَا بَالُ حَاجَتِي مُحْتَبَسَةً وَأَنْتَ لَا تُخْلِفُ الظُّنُونَ؟ قَالَ: فَنُودِيَ: هَاكَ حَاجَتَكَ، فَلِهَذَا الْكَلَامِ حُبِسَتْ حَاجَتُكَ، قَالَ: فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمْ يَفُقْ أَيَّامًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: إِلَهِي أَكُلَّ هَذَا تَفْعَلُ بِالْمُذْنِبِينَ؟ فَصَعِقَ وَخَرَّ مَيِّتًا " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: قَالَ: ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: "§وُصِفَ لِي بِالْيَمَنِ رَجُلٌ قَدْ بَرَزَ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ وَذُكِرَ لِي بِاللُّبِّ وَالْحِكْمَةِ فَخَرَجْتُ حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلَمَّا قَضَيْتُ نُسُكِي أَتَيْتُهُ لِأَسْمَعَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَنْتَفِعَ بِمَوْعِظَتِهِ فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ أَيَّامًا حَتَّى ظَفِرْتُ بِهِ وَكَانَ أَصْفَرَ اللَّوْنِ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ أَعْمَشَ الْعَيْنَيْنِ مِنْ غَيْرُ عَمَشٍ نَاحِلَ الْجِسْمِ مِنْ غَيْرِ سَقَمٍ يُحِبُّ الْخَلْوَةَ وَيَأْنَسُ إِلَى الْوَحْدَةِ تَرَاهُ كَأَنَّهُ قَرِيبُ عَهْدٍ بِمُصِيبَةٍ قَالَ: فَخَرَجَ الشَّيْخُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَاتَّبَعْنَاهُ بِأَجْمَعِنَا لِنُكَلِّمَهُ فَبَادَرَ إِلَيْهِ شَابٌّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَصَافَحَهُ وَأَبْدَى لَهُ التَّرْحِيبَ وَالْبِشْرَ فَقَالَ لَهُ الشَّابُّ: إِنَّ اللَّهَ بَمَنِّهِ وَفَضْلِهِ جَعَلَكَ وَمِثْلَكَ أَطِبَّاءَ لِسِقَامِ الْقُلُوبِ وَمُعَالِجِينَ لِأَوْجَاعِ الذُّنُوبِ وَبِي جُرْحٌ قَدْ نَغَلَ وَدَاءٌ قَدِ اسْتَطَالَ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتَلَطَّفَ بِبَعْضِ مَرَاهِمِكَ وَتُعَالِجَنِي بِرِفْقِكَ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ: مَا عَلَامَةُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤَمِّنَ نَفْسَكَ مِنْ كُلِّ خَوْفٍ إِلَّا الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، فَاضْطَرَبَ الشَّابُّ كَمَا تَضْطَرِبُ السَّمَكَةُ فِي شَبَكَةِ الصَّيَّادِ وَالشَّيْخُ قَائِمٌ بِإِزَائِهِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّابَّ رَجَّعَ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَتَى يَتَبَيَّنُ لِلْعَبْدِ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا أَنْزَلَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ السَّقِيمِ وَهُوَ يَحْتَمِي مِنْ كُلِّ الطَّعَامِ مَخَافَةَ طُولِ الْأَسْقَامِ، قَالَ: فَصَاحَ الشَّابُّ صَيْحَةً ثُمَّ قَالَ: أَوِّهْ عَاقَبْتَ فَأَوْجَعْتَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: بَلْ دَاوَيْتُ فَأَحْسَنْتُ وَعَالَجْتُ فَرَفَقْتُ، فَمَكَثَ الشَّابُّ سَاعَةً لَا يَحِيرُ جَوَابًا، ثُمَّ إِنَّ الشَّابَّ أَفَاقَ فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ فَمَا عَلَامَةُ الْمُحِبِّ لِلَّهِ؟ قَالَ: فَانْتَفَضَ الشَّيْخُ فَزَعًا وَجَرَتِ الدُّمُوعُ عَلَى وَجْهِهِ كَنِظَامِ اللُّؤْلُؤِ ثُمَّ قَالَ: يَا شَابُّ إِنَّ دَرَجَةَ الْحُبِّ دَرَجَةٌ سَنِيَّةٌ بَهِيَّةٌ رَفِيعَةٌ، قَالَ: فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَصِفَهَا لِي، قَالَ: إِنَّ الْمُحِبِّينَ لِلَّهِ شَقَّ لَهُمْ عَنْ قُلُوبِهِمْ - [١٨١] -، فَأَبْصَرُوا بِنُورِ الْقُلُوبِ عَظَمَةَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَصَارَتْ أَبْدَانُهُمْ دُنْيَوِيَّةً وَقُلُوبُهُمْ سَمَاوِيَّةً وَأَرْوَاحُهُمْ حُجُبِيَّةً وَعُقُولُهُمْ نُورَانِيَّةً تَسْرَحُ بَيْنَ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ بِالْعِيَانِ وَتُشَاهِدُ تِلْكَ الْأُمُورَ بِالتَّحْقِيقِ وَالْبَيَانِ فعَبْدُوا اللَّهَ بِمَبْلِغَ اسْتِطَاعَتِهِمْ لَا لِجَنَّةٍ وَلَا لِنَارٍ، قَالَ: فَصَاحَ الشَّابُّ صَيْحَةً ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَحَرَّكْنَاهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا فَانْكَبَّ الشَّيْخُ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: هَذَا مَصْرَعُ الْخَائِفِينَ وَهَذِهِ دَرَجَةُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهَذِهِ مَنَازِلُ الْمُتَّقِينَ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ بَحْرٍ الْأَسَدِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ، يَقُولُ: "§بَيْنَا أَنَا ذَاتَ، يَوْمٍ فِي بِلَادِ الشَّامِ فِي قُبَّةٍ مِنْ قِبَابِ الْمَقَابِرِ لَيْسَ عَلَيْهَا بَابٌ إِلَّا كِسَاءً قَدْ أَسْبَلْتُهُ فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَدُقُّ عَلَى بَابِ الْحَائِطِ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: ضَالَّةٌ دُلَّنِي عَلَى الطَّرِيقِ رَحِمَكَ اللَّهُ، قُلْتُ رَحِمَكِ اللَّهُ عَنْ أَيِّ الطَّرِيقِ تَسْأَلِينَ؟ فَبَكَتْ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ، قُلْتُ: هَيْهَاتَ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ طَرِيقِ النَّجَاةِ عِقَابًا وَتِلْكَ الْعِقَابُ لَا تُقْطَعُ إِلَّا بِالسَّيْرِ الْحَثِيثِ وَتَصْحِيحِ الْمُعَامَلَةِ وَحَذْفِ الْعَلَائِقِ الشَّاغِلَةِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ: فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَحْمَدُ، سُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ جَوَارِحَكَ فَلَمْ تَتَقَطَّعْ وَحِفْظِ عَلَيْكَ فُؤَادَكَ فَلَمْ يَتَصَدَّعْ، ثُمَّ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَقُلْتُ لِبَعْضِ النِّسَاءِ: انْظُرُوا، أَيُّ شَيْءٍ حَالُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ؟ قَالَ أَحْمَدُ: فَقُمْنَ إِلَيْهَا فَفَتَّشْنَهَا فَإِذَا وَصِيَّتُهَا فِي جَيْبِهَا: كَفِّنُونِي فِي أَثْوَابِي هَذِهِ فَإِنْ كَانَ لِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ فَهُوَ أَسْعَدُ لِي وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَبُعْدًا لِنَفْسِي قُلْتِ: مَا هِيَهْ؟ فَحَرَّكُوهَا فَإِذَا هِيَ مَيِّتَةٌ فَقُلْتُ لِلْخَدَّامِ: لِمَنْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ؟ قَالُوا: جَارِيَةٌ مُصَابَةٌ وَكَانَ الَّذِي مَعَهَا يَمْنَعُهَا مِنَ الطَّعَامِ وَكَانَتْ تَشْكُو إِلَيْنَا وَجَعًا بِجَوْفِهَا فَكُنَّا نَصِفُهَا لِمُتَطَبِّبِي الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَكَانَتْ تَقُولُ: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ الطَّبِيبِ الرَّاهِبِ تَعْنِي أَحْمَدَ أَشْكُو إِلَيْهِ بَعْضَ مَا أَجِدُ مِنْ بَلَائِي لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شِفَائِي" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ: قَالَ رَجُلٌ: "§بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ، فِي أَرْضِ الرُّومِ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَمِعْتُ هَاتِفًا فَوْقَ رَأْسِ الْجَبَلِ وَهُوَ - [١٨٢] - يَقُولُ: يَا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ كَيْفَ يَرْجُو أَحَدًا غَيْرَكَ؟، ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا رَبِّ عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ كَيْفَ يَسْتَعِينُ عَلَى أَمْرِهِ أَحَدًا غَيْرَكَ؟ ثُمَّ عَادَ الثَّالِثَةَ: فَقَالَ: يَا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ غَضَبِكَ بِرِضَاءِ غَيْرِكَ؟ قَالَ: فَنَادَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَجِنِّيٌّ أَمْ إِنْسُيًّ؟ قَالَ: بَلْ إِنْسِيٌّ اشْغَلْ نَفْسَكَ بِمَا يَعْنِيكَ عَمَّا لَا يَعْنِيكَ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبَانَ، ثنا أَبِي، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ بِالْمَصِّيصَةِ ذَاهِبٌ نِصْفُهُ الْأَسْفَلُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا رُوحُهُ فِي بَعْضِ جَسَدِهِ طَرِيحًا عَلَى سَرِيرٍ مَثْقُوبٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: مُلْكُ الدُّنْيَا مُنْقَطِعٌ إِلَيْهِ، §مَالِي إِلَيْهِ مِنْ حَاجَةٍ إِلَّا أَنْ يَتَوَّفَانِي عَلَى الْإِسْلَامِ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَلَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاودَ الْوَاسِطِيَّ، يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ، بِعَرَفَاتٍ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ، وَهِيَ تَقُولُ: §مَنْ يهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتِ: امْرَأَةٌ ضَالَّةٌ، فَنَزَلْتُ عَنْ بَعِيرِي، وَقُلْتُ لَهَا: يَا هَذِهِ، مَا قِصَّتُكِ؟ فَقَرَأْتُ: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: حَرُورِيَّةٌ لَا تَرَى كَلَامَنَا، فَقُلْتُ لَهَا: فَمِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ فَقَالَتْ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: ١] ، فَأَرْكَبْتُهَا بَعِيرِي وَقَدْتُ بِهَا أُرِيدُ بِهَا رِحَالَ الْمَقْدِسِيِّينَ فَلَمَّا تَوَسَّطْتُ الرَّحْلَ قُلْتُ: يَا هَذِهِ بِمَنْ أُصَوِّتُ؟ فَقَرَأَتْ: {يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} ، {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ} [مريم: ٧] ، {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: ١٢] فَنَادَيْتُ: يَا دَاودُ، يَا زَكَرِيَّا، يَا يَحْيَى، فَخَرَجَ إِلَيَّ ثَلَاثَةُ فَتَيَانٍ مِنْ بَيْنِ الرِّحَالَاتِ، فَقَالُوا: أُمُّنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ضَلَّتْ مُنْذُ ثَلَاثَةٍ، فَأَنْزَلُوهَا فَقَرَأَتْ: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} [الكهف: ١٩] فَغَدَوْا فَاشْتَرَوْا تَمْرًا وَفُسْتُقًا وَجَوْزًا وَسَأَلُونِي قَبُولَهُ فَقَبِلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالُوا: هَذِهِ أُمُّنَا لَا تَتَكَلَّمُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا بِالْقُرْآنِ مَخَافَةَ أَنْ تَزِلَّ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عُمَرُ بْنُ بَحْرٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: "رَأَيْتُ زَحْلَةَ الْعَابِدَةَ فِي الْمَوْقِفِ وَهِيَ تَدْعُو وَهِيَ تَقُولُ: §أَثْقَلَتْنِي الْآثَامُ وَنَهَّضَتْنِي الْأَيَّامُ يَا سَيِّدَ الْأَنَامِ، كَحَّلْتُ عَيْنِي بِكُحُولِ الْحُزْنِ فَوَعَهْدِكَ لَا نَعِمْتُ بِضَحِكٍ أَبَدًا حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ مَحَلُّ قَرَارِي؟ وَإِلَى أَيِّ الدَّارَيْنِ دَارِي؟ فَلَمَّا رَأَتْ أَيْدِي النَّاسِ مَبْسُوطَةً بِالدُّعَاءِ قَالَتْ: يَا رَبِّ، أَقَامَهُمْ هَذَا الْمُقَامَ خَوْفُ النَّارِ يَا قُرَّةَ عَيْنِ الْأَبْرَارِ يَلْتَمِسُونَ نَائِلَكَ وَيَرْجُونَ فَضَائِلَكَ فَاجْعَلْ زُخْرُفَ الطَّاعَةِ لِي شِعَارًا وَمَرْضَاتِكَ لِي دِثَارًا وَزِدْ قَلْبِي كَمَدًا بِخَوْفِكَ وَاعْصِمْنِي مِنْ سَخَطِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الْإِمَامُ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى خَدِّهَا فَقَالَتِ: انْصَرَفَ النَّاسُ وَلَمْ أُشْعِرْ قَلْبِي مِنْكَ الْإِيَاسَ ثُمَّ صَرَخَتْ وَغُشِيَ عَلَيْهَا" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الدَّيْنَوَرِيُّ الْمُفَسِّرُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشِّمْشَاطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ عَلَى شاطيءِ نِيلِ مِصْرَ إِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ، تَدْعُو وَهِيَ تَقُولُ فِي دُعَائِهَا: §يَا مَنْ هُوَ عِنْدَ أَلْسُنِ النَّاطِقِينَ وَيَا مَنْ هُوَ عِنْدَ قُلُوبِ الذَّاكِرِينَ، وَيَا مَنْ هُوَ عِنْدَ فِكْرَةِ الْحَامِدِينَ، وَيَا مَنْ هُوَ عَلَى نُفُوسِ الْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ قَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ مِنِّي، يَا أَمَلَ الْمُؤَمِّلِينَ، قَالَ: ثُمَّ صَرَخَتْ صَرْخَةً خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عُمَرُ بْنُ بَحْرٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيَّ ثُمَّ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ جِمَاعُ بْنُ سَمَاعَةَ الِكَتَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ فَارِسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَعْرَابِيٌّ، بِنَجْدٍ قَالَ: " كَانَ لِي جَارٌ فَمَرِضَ فَعُدْتُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: §أَجِدُنِي أَسْمَعُ حَادِيَ الْمَوْتِ قَدْ غَرَّدَ وَهَاتِفَ النُّقْلَةِ قَدْ رَدَّدَ، وَلِي نَفْسٌ تَوَّاقَةٌ تَشْرَهُ إِلَى الدُّنْيَا فَهِيَ تَشْغَلُنِي عَنْ سَمَاعِ النِّدَاءِ وَتُثَبِّطُنِي بِتَطْوِيلِ الْأَمَلِ عَنْ إِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَذِيرَايَ، شَيْبِي وَسَقَمِي يُؤَيِّسَانِي وَخَادِعَايَ حِرْصِي وَأَمَلِي يُطَمِّعَانِي وَأَنَا كَذَا نَفَسَيْنِ: نَفْسٌ تَكْرَهُ الْحِمَامَ وَتُحِبُّ الْمُقَامَ وَنَفْسٌ مُتَوَطِّنَةٌ بِالِارْتِحَالِ وَلِهَةً بِالِانْتِقَالِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ يَغْلِبُ الْبَاطِلَ كَمَا يَغْلِبُ حِلْمُ الْحَلِيمِ سَفَهَ الْجَاهِلِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر السريع] - [١٨٤] - صَاحَ بِيَ الشَّيْبُ لَا مُقَامْ ... وَبَيْنَ الرَّجْعَةِ السِّقَامْ صَوْتَانِ قَدْ أَزْعَجَا وَحَثًا ... عُمْرِي وَرَاعَنِي الْحِمَامْ لَا آمَنُ الدَّهْرَ وَالْمَنَايَا ... إِذْ كُلُّ عُمْرٍ لَهُ انْصِرَامْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَرَأْتُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَاتِمٍ الْعَلْكِيِّ: حَدَّثَكُمْ عَبْدُ الْجَبَّارِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَتًى يَتَنَسَّكُ وَيَلْزَمُ الْمَسْجِدَ فَعَشِقَتْهُ جَارِيَةٌ فَجَاءَتْهُ فَكَلَّمَتْهُ سِرًّا فَقَالَ: يَا نَفْسُ تُكَلِّمِينَهَا سِرًّا فَتَلْقَيْنَ اللَّهَ زَانِيَةً فَصَرَخَ صَرْخَةً غُشِيَ عَلَيْهِ فَجَاءَ عَمٌّ لَهُ فَحَمَلَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهُ: يَا عَمِّ الْقَ عُمَرَ فَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: مَا جَزَاءُ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ؟ فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ §جَزَاؤُهُ جَنَّتَانِ جَزَاؤُهُ جَنَّتَانِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الدَّيْنَوَرِيُّ الْمُفَسِّرُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشِّمْشَاطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا فِي، سَوَادِ مِصْرَ إِذَا أَنَا بِأَسْوَدَ، تُقَاسُ دِقَّةُ سَاقَيْهِ بِالْخِلَالِ فِي نَحَافَتِهِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا ذَا النُّونِ، قُلْتُ: عَافَاكَ اللَّهُ كَيْفَ عَرَفْتَنِي وَلَمْ أَتَعَاهَدْكَ قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: يَا بَطَّالُ §اتَّصَلَتِ الْمَعْرِفَةُ بِحَرَكَاتِ الْعَارِفِينَ فَعَرَفْتُكَ بِمَعْرِفَةِ الْمَحْبُوبِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الخفيف] إِنَّ عِرْفَانَ ذِي الْجَلَالِ لِعِزٌّ ... وَبَهَاءٌ وَبَهْجَةٌ وَسُرُورُ وَعَلَى الْعَارِفِينَ أَيْضًا بَهَاءٌ ... وَعَلَيْهِمْ مِنَ الْجَلَالَةِ نُورُ فَهَنِيئًا لِمَنْ أَطَاعَكَ رَبِّي ... فَهْوَ فِي الْخَيْرِ كُلِّهِ مَغْمَورُ لَيْسَ لِلْخَائِفِينَ غَيْرُكَ رَبِّي ... أَنْتَ سُؤْلِي وَمُنْيَتِي يَا غَفُورُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُفَسِّرُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشِّمْشَاطِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَامِرٍ: " كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِغُلَامٍ أَسْوَدَ قَدْ جَاءَنِي بِرُقْعَةٍ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: §مَتَّعَكَ اللَّهُ بِمُسَامَرَةِ الْفِكْرَةِ وَنَعَّمَكَ بِمُؤَانَسَةِ الْعَبْرَةِ وَأَفْرَدَكَ بِحُبِّ الْخَلْوَةِ أَنَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِكَ بَلَغَنِي قُدُومُكَ الْمَدِينَةَ فَسُرِرْتُ - [١٨٥] - بِذَلِكَ فَأَحْبَبْتُ زِيَارَتَكَ فَحُجِبْتُ عَنْ ذَلِكَ فَالْتَمَسْتُ مَخْرَجَ الْعُذْرِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَوَجَدْتُ اللَّهَ قَدْ مَنَحَنِي ثَلَاثَ خِصَالٍ: أَذْهَبَ عَنِّي حَرَجَ أَهْلِهَا وَبِي مِنَ الشَّوْقِ إِلَى مُجَالَسَتِكَ وَالِاسْتِمَاعِ لِمُحَادَثَتِكَ مَا لَوْ كَانَ فَوْقِي لَأَظَلَّنِي وَلَوْ كَانَ تَحْتِي لَأَقَلَّنِي فَأَسْأَلُكَ إِلَّا أَلْحَقْتَنِي جَنَاحَ الْمُتَفَضِّلِ عَلَيَّ بِزِيَارَتِكَ، وَالسَّلَامُ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَقُمْتُ مَعَ الْغُلَامِ حَتَّى أَتَى بِي مَنْزِلًا رَحْبًا خَرِبًا فَقَالَ لِي: قِفْ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ، فَوَقَفْتُ حَتَّى خَرَجَ فَقَالَ لِي: لُجْ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِبَيْتٍ لَهُ بَابٌ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ فَإِذَا أَنَا بِكَهْلٍ مُسْتَقْبِلٍ الْقِبْلَةَ تَخَالُهُ مِنَ الْوَرَعِ مَكْرُوبًا وَمِنَ الْخَشْيَةِ مَحْزُونًا قَدْ ظَهَرَتْ فِي وَجْهِهِ أَحْزَانُهُ وَقَدْ قَرِحَتْ مِنَ الْبُكَاءِ عَيْنَاهُ وَمَرِضَتْ أَجْفَانُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ثُمَّ تَخَلْخَلَ فَلَمْ يُطِقِ الْقِيَامَ فَإِذَا هُوَ أَعْرَجُ أَعْمَى مِسْقَامٌ فَقَالَ لِي: مَتَّعَ اللَّهُ بِالْأَحْزَانِ لُبَّكَ وَغَسَلَ مِنْ رَانِ الذُّنُوبِ قَلْبَكَ لَمْ تَزَلْ نَفْسِي إِلَيْكَ مُشْتَاقَةً وَقَلْبِي إِلَيْكَ تَوَّاقًا، وَبِي جُرْحٌ قَدْ أَعْيَا النَّاسَ دَوَاؤُهُ وَالْمُتَطَبِّبِينَ شِفَاؤُهُ فَلَاقِ لَهُ أَجْوَدَ التِّرْيَاقِ وَإِنْ كَانَ مُرَّ الْمَذَاقِ فَإِنِّي مِمَّنْ أَصْبِرُ عَلَى مَضَضِ الدَّوَاءِ مَخَافَةَ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ، قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا وَرَأَيْتُ مَنْظَرًا أَفْظَعَنِي فَأَطْرَقْتُ طَوِيلًا ثُمَّ تَأَتَّى مِنْ كَلَامِي مَا تَأَتَّى فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ، ارْمِ بِبَصَرِ قَلْبِكَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ فَتَمَثَّلْ بِحَقَيقَةِ إِيمَانِكَ جَنَّةَ الْمَأْوَى فَسَتَرَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ لِلْأَوْلِيَاءِ ثُمَّ أَشْرِفْ بِقَلْبِكَ نَارًا تَتَلَظَّى فَسَتَرَى مَا أَعَدَّ فِيهَا لِلْأَشْقِيَاءِ شَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَالدَّارَيْنِ شَتَّانَ، أَلَيْسَ الْفَرِيقَانِ فِي الْمَوْتِ سَوَاءً؟ قَالَ: فَأَنَّ أَنَّةً وَزَفَرَ زَفْرَةً وَالْتَوَى ثُمَّ قَالَ: قَدْ وَقَعَ دَوَاؤُكَ عَلَى دَائِي وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ عِنْدَكَ شِفَائِي، زِدْنِي يَرْحَمُكُ اللَّهُ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ عَالِمٌ بِخَفَيَاتِكَ مُطَّلِعٌ عَلَى سَرَائِرِكَ، قَالَ: فَصَرَخَ صَرْخَةً خَرَّ مَيِّتًا، فَإِذَا أَنا بِجَارِيَةٍ قَدْ رَفَعَتِ الْعَبَاءَةَ عَلَيْهَا جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ قَدْ أَقْرَعَ السُّجُودُ حَاجِبَيْهَا وَأَنْفَهَا فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ قَالَتْ: أَحْسَنْتَ يَا هَادِيَ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ وَمُثِيرَ أَحْزَانِ الْمَحْزُونِينَ لَا أَنْسَى لَكَ هَذَا الْمَوْقِفَ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا أَبِي مُبْتَلًى مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً: صَلَّى حَتَّى انْحَنَى وَصَامَ حَتَّى أُقْعِدَ وَبَكَى حَتَّى عَمِيَ وَكَانَ يَتَمَّنَاكَ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَقُولُ: سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي عَامِرٍ - [١٨٦] - مَرَّةً فَأَحْيَا اللَّهُ مَوَاتَ قَلْبِي فَإِنْ سَمِعْتُهُ ثَانِيًا قَتَلَنِي، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ لَيَالٍ كَأَنَّهُ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا صَنَعَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر السريع] أَنْتَ شَرِيكِي فِي الَّذِي نِلْتُهُ ... مُسْتَأْهِلًا ذَاكَ أَبَا عَامِرِ وَكُلُّ مَنْ أَيْقَظَ ذَا غَفَلَةٍ ... فَنِصْفُ مَا يُعْطَاهُ لِلْآمِرِ مَنْ رَدَّ عَبْدًا آبِقًا مَرَّةً ... كَانَ كَالْمُجْتَهِدِ الصَّابِرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، ثنا أَبُو قُرَّةَ قَالَ: "كَانَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يَقُولُ: §اللَّهُمَّ، أَنْتَ تُعْطِيَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَكَ فَكَيْفَ تَحْرِمُنِي وَأَنَا أَسْأَلُكُ؟ اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُسْكِنَ عَظَمَتَكَ قَلْبِي وَأَنْ تَسْقِيَنِي شَرْبَةً مِنْ كَأْسِ حُبِّكَ" قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يَقُولُ: «§اللَّهُمَّ، أَمِتْ قَلْبِي بِخَوْفِكَ وَخَشْيَتِكَ وَأَحْيِهِ بِحُبِّكَ وَذِكْرِكَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَبُو حَاتِمٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، قَامَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ لَيَالِيَ مِنًى لَيْلًا فَنَادَى: «يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ §أَتَاكَ الْخَاطِئُونَ طَامِعِينَ فِي رَحْمَتِكَ رَاجِينَ تَائِبِينَ فَاقْبَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مَغْفُورِينَ وَلَا تَرُدَّنَا وَإِيَّاهُمْ خَائِبِينَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ: كَانَ بَعْضُ الْعُبَّادِ يَقُولُ: "§أَحْيُوا قُلُوبَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَأَمِيتُوهَا بِالْخَشْيَةِ وَنَوِّرُوهَا بِحُبِّ اللَّهِ وَفَرِّحُوهَا بِالشَّوْقِ إِلَيْهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِالْمَحَبَّةِ تَرْتَفِعُونَ وَبِالْمَغْفِرَةِ تَرْهَبُونَ وَبِالشَّوْقِ تَرْغَبُونَ وَبُحُسْنِ النِّيَّةِ تَقْهَرُونَ الْهَوَى وَبِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ تَصْفُو أَعْمَالُكُمْ حَتَّى يُوَرِّثَكُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ فِي عِلِّيِّينَ فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الرَّاحَةَ فَلْيَعْمَلْ فِي مَنَازِلِ أَهْلِ الْمَحَبَّةِ وَإِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ كَثْرَةُ الذِّكْرِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَإِنْ أُمْسِكَ اللِّسَانُ فَالْقَلْبُ فَإِنَّ ذِكْرَ الْقَلْبِ أَبْلَغُ وَأَنْفَعُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ: قَالَ بَعْضُ الْعُبَّادِ: وَجَدْتُ اللَّهَ غَيُورًا يَمْنَعُنِي مِنْ كُلِّ مَنْ أَرْجُوهُ وَإِذَا سَبَّحَ قَلْبِي فِي مَوَدَّتِهِ أُجْرِيَ - [١٨٧] - ذِكْرَهُ عَلَى لِسَانِي فَوَاشَوْقَاهُ ثُمَّ وَاشَوْقَاهُ، ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَقَدْ نَفِدَ بَعْضُ نَفَقَتِي فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: مَنْ تُؤَمِّلُ لِمَا نَزَلَ بِكَ؟ قُلْتُ: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: إِذًا لَا تُقْضَى حَاجَتُكَ وَلَا تَنْجَحُ طِلْبَتُكَ قَالَ: وَمَا عِلْمُكَ؟ قَالَ: لِأَنِّي قَرَأْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَجُودِي وَكَرَمِي وَارْتِفَاعِي فِي مَكَانِي §لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمَّلٍ يُؤَمِّلُ غَيْرِي بِالْإِيَاسِ وَلَأَكْسُوَنَّهُ ثَوْبَ الْمَذَلَّةَ عِنْدَ النَّاسِ وَلَأُنَحِّيَنَّهُ مِنْ قُرْبِي وَلَأُبْعِدَنَّهُ مِنْ وَصْلِي أَيُؤَمِّلُ غَيْرِي فِي الشَّدَائِدِ وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي وَيَرْجُو غَيْرِي وَيَقْرَعُ بِالْفَقْرِ بَابَ غَيْرِي وَبِيَدِي مَفَاتِيحُ الْأَبْوَابِ، وَهِيَ مُغْلَقَةٌ وَبَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي مَنْ ذَا الَّذِي أَمَّلَنِي لِنَوَائِبِهِ فَقَطَعْتُ بِهِ دُونَهَا وَمَنْ ذَا الَّذِي رَجَانِي لَعَظِيمِ جُرْمِهِ فَقَطَعْتُ رَجَاءَهُ وَمَنْ ذَا الَّذِي دَعَانِي فَلَمْ أَفْتَحْ لَهُ جَعَلْتُ آمَالَ عِبَادِي مُتَّصِلَةً بِي فَقُطِعَتْ مِنْ غَيْرِي وَجَعَلْتُ رَجَاءَهُمْ مُدَّخَرًا عِنْدِي فَلَمْ يَرْضَوْا بِحِفْظِي وَمَلَأْتُ سَمَاوَاتِي مِمَّنْ لَا يَمَلُّونَ مِنْ تَسْبِيحِي وَأَمَرْتُهُمْ أَلَّا يُغْلِقُوا الْأَبْوَابَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِبَادِي فَلَمْ يَثِقُوا بِقَوْلِي، أَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ طَرَقَتْهُ نَائِبَةٌ مِنْ نَوَائِبِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَشْفَهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِي فَمَالِي أَرَاهُ بِآمَالِهِ مُعْرِضًا عَنِّي؟ وَمَالِي أَرَاهُ لَاهِيًا عَنِّي؟ أَعْطَيْتُهُ بِجُودِي مَا لَمْ يَسْأَلْنِي ثُمَّ انْتَزَعْتُهُ مِنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْنِي رَدَّهُ وَسَأَلَ غَيْرِي، أَنَا أَبْدَأُ بِالْعَطِيَّةِ قَبْلَ أَنْ أُسْأَلَ، ثُمَّ أُسْأَلُ فَلَا أُخَيِّبُ سَائِلِي، أَبَخِيلٌ أَنَا فَيُبَخِّلْنِي عِبَادِي؟ أَوَلَيْسَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ لِي؟ أَوَلَيْسَ الْفَضْلُ وَالرَّحْمَةُ بِيَدِي؟ أَوَلَيْسَ الْجُودُ وَالْكَرَمُ لِي؟ أَوَلَيْسَ أَنَا مَحَلُّ الْآمَالِ؟ فَمَنْ يَقْطَعُهَا دُونِي، أَوَمَا يُحْسِنُ الْمُؤَمِّلُونَ أَنْ يُؤَمِّلُونِي؟ وَلَوْ جَمَعْتُ أَهْلَ سَمَاوَاتِي وَأَرْضِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الْفِكْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْجَمِيعَ فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمِّلُونِي فَأَمَّلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ لَمْ يَنْقُصْ مِمَّا عِنْدِي عُضُوَّ ذَرَّةٍ وَكَيْفَ يَنْقُصُ مُلْكٌ أَنا قَيِّمُهُ؟ فَيَا بُؤْسًا لِلْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَيَا سَوْأَةَ مَنْ عَصَانِي فَلَمْ يُرَاقِبْنِي" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ - [١٨٨] - بْنَ مُوسَى الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: "حَجَجْتُ حَجَّةً فَنَزَلْتُ سِكَّةً مِنْ سِكَكِ الْكُوفَةِ فَخَرَجْتُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ طَخْيَاءَ مُطَلْخَمَةٍ مُسْتَحْلَكَةٍ فَإِذَا أَنَا بِصَارِخٍ يَصْرُخُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ: §إِلَهِي وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخَالَفَتَكَ وَلَقَدْ عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَمَا أَنَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ، وَلَكِنَّ خَطِيئَتِي عَرَضَتْ وَأَعَانَنِي عَلَيْهَا شَقَائِي وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمَرْخِيُّ عَلَيَّ وَقَدْ عَصَيْتُكَ بِجَهْدِي وَخَالَفْتُكَ بِجَهْلِي فَإِلَى مَنْ أَحْتَمِي؟ وَمَنْ مِنْ عَذَابِكَ يَسْتَنْقِذُنِي؟ وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِذَا أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي؟ وَاشَبَابَاهُ وَاشَبَابَاهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ تَلَوْتُ عَلَيْهِ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: ٦] الْآيَةَ، فَسَمِعْتُ دَكْدَكَةً لَمْ أَسْمَعْ بَعْدَهَا حِسًّا فَمَضَيْتُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ رَجَعْتُ فِي مِدْرَجَتِي فَإِذَا أَنَا بِجِنَازَةٍ قَدْ أُخْرِجَتْ وَإِذَا أَنَا بِعَجُوزٍ قَدْ ذَهَبَ مَتْنُهَا يَعْنِي قُوَّتَهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِ الْمَيِّتِ وَلَمْ تَكُنْ عَرَفَتْنِي فَقَالَتْ: هَذَا رَجُلٌ لَا جَزَاهُ اللَّهُ إِلَّا جَزَاءَهُ مَرَّ بِابْنِي الْبَارِحَةَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَتَلَا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَتَفَطَّرَتْ مَرَارَتُهُ فَوَقَعَ مَيِّتًا" قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيِّ بِهَذِهِ الْحِكَايَةِ، وَحَدَّثَنَا أَبِي، ثنا خَالِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: "خَرَجْتُ فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي وَظَنَنْتُ أَنَّ النَّهَارَ قَدْ أَضَاءَ فَإِذَا الصُّبْحُ عَلَيَّ فَقَعَدْتُ إِلَى دِهْلِيزٍ مُشْرِفٍ فَإِذَا أَنَا بِصَوْتِ شَابٍّ يَدْعُو وَيَبْكِي وَهُوَ يَقُولُ: §اللَّهُمَّ وَجَلَالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخَالَفَتَكَ وَلَقَدْ عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَمَا أَنَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ وَلَا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ وَلَا بِنَظَرِكَ مُسْتَخِفٌّ وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فَأَعَانَتْنِي عَلَيْهَا شِقْوَتِي وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمَرْخِيُّ عَلَيَّ فَقَدْ عَصَيْتُكَ وَخَالَفْتُكَ بِجَهْلِي فَمَنْ مِنْ عَذَابِكَ يَسْتَنْقِذُنِي؟ وَمِنْ أَيْدِي زَبَانِيَتِكَ مَنْ يُخَلِّصُنِي؟ وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِذَا أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي؟ وَاسَوْأَتَاهُ إِذَا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ: جُوزُوا، وِلِلْمُثْقِلِينَ: حُطُّوا فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَعَ الْمُثْقِلِينَ نَحُطُّ أَمْ مَعَ الْمُخِفِّينَ نَجُوزُ وَنَنْجُو؟ كُلَّمَا طَالَ عُمْرِي وَكَبُرَ سِنِّي كَثُرَتْ ذُنُوبِي وَكَثُرَتْ خَطَايَايَ، فَيَا وَيْلِي كَمْ أَتُوبُ وَكَمْ أَعُودُ وَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَبِّي، قَالَ مَنْصُورٌ: فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْكَلَامَ، وَضَعْتُ فَمِي عَلَى بَابِ دَارِهِ وَقُلْتُ: أَعُوذُ - [١٨٩] - بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: ٦] الْآيَةَ، قَالَ مَنْصُورٌ: ثُمَّ سَمِعْتُ لِلصَّوْتِ اضْطِرَابًا شَدِيدًا وَسَكَنَ الصَّوْتُ فَقُلْتُ: إِنَّ هُنَاكَ بَلِيَّةً، فَعَلَّمْتُ عَلَى الْبَابِ عَلَامَةً وَمَضَيْتُ لِحَاجَتِي فَلَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْغَدِ إِذْ أَنَا بِجِنَازَةٍ مَنْصُوبَةٍ وَأَكْفَانٍ تُصَلَّحُ وَعَجُوزٍ تَدْخُلُ الدَّارَ وَتَخْرُجُ بَاكِيَةً فَقُلْتُ: يَا أَمَةَ اللَّهِ مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ؟ قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي لَا تُجَدِّدْ عَلَيَّ أَحْزَانِي، قُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ أَخْبِرِينِي قَالَتْ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ غَرِيبٌ مَا أَخْبَرْتُكَ هَذَا وَلَدِي وَمَنْ زَلَّ عَنْ كَبِدِي وَمَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ سَيَدْعُو لِي مِنْ بَعْدِي كَانَ وَلَدِي مِنْ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ إِذَا جِنَّ عَلَيْهِ قَامَ فِي مِحْرَابِهِ يَبْكِي عَلَى ذُنُوبِهِ وَكَانَ يَعْمَلُ هَذَا الْخُوصَ فَيَقْسِمُ كَسْبَهُ أَثْلَاثًا فَثُلُثُ يُطْعِمُنِي وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ وَثُلُثٌ يُفْطِرُ عَلَيْهِ، فَمَرَّ عَلَيْنَا الْبَارِحَةَ رَجُلٌ لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَقَرَأَ عِنْدَ وَلَدِي آيَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ فَلَمْ يَزَلْ يَضْطَرِبُ وَيَبْكِي حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ مَنْصُورٌ: فَهَذِهِ صِفَةُ الْخَائِفِينَ إِذَا خَافُوا السَّطْوَةَ" قَالَ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ أَحْوَالِ مَنْ أَخْفَاهُمُ الْحَقُّ عَنِ الْخَلْقِ وَخَصَّهُمْ بِالْأُنْسِ بِهِ وَلَمْ يُنَصِّبْهُمْ أَعْلَامًا يُقْتَدَى بِهِمْ وَنَعُودُ إِلَى ذِكْرِ بَعْضِ مَنْ نَصَّبَهُمُ الْحَقُّ لِلْقُدْوَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالدَّعْوَةِ وَالتَّفْهِيمِ وَجَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَئِمَّةَ الْأَصْفِيَاءِ مُقْتَصِرِينَ عَلَى ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ وَاللَّهُ خَيْرُ مُعِينٍ وَمُوَفِّقٍ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عُدْنَا مُسْتَعِينِينَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُقْتَصِرِينَ عَلَى ذِكْرِ جَمَاعَةٍ نُصِبُوا وَشُهِرُوا لِلْقُدْوَةِ وَطُهِّرُوا مِنَ الْأَكْدَارِ وَجُرِّدُوا مِنَ الْأَغْيَارِ وَهُذِّبُوا بِصُحْبَةِ السَّادَّةِ وَالْأَخْيَارِ وَاقْتَبَسُوا عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ الْآثَارِ وَأُيِّدُوا بِالْأَنْوَارِ وَحُفِظُوا مِنْ تَلْوِينِ الْأَسْرَارِ وَخُصُّوا بِصَافِي الْأَذْكَارِ وَعُصِمُوا مِنْ مُسَامَرَةِ الْأَشْرَارِ وَمُلَاحَظَةِ الْأَوْزَارِ