حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
عثمان بن محمد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان الدمشقي عن أبا جعفر محمد بن خلف بن ضوء الرقي

أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيَّ، يَقُولُ: سُئِلَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ عَنِ الْمَحَبَّةِ فَقَالَ: "§هِيَ الَّتِي لَا تَزِيدُهَا مَنْفَعَةٌ، وَلَا تَنْقُصُهَا مَضَرَّةٌ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الطويل] شَوَاهِدُ أَهْلِ الْحَبِّ بَادٍ دَلِيلُهَا ... بِأَعْلَامِ صِدْقٍ مَا يَضِلُّ سَبِيلُهَا جُسُومُ أُولِي صِدْقِ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى ... تَبِينُ عَنْ صِدْقِ الْوِدَادِ نُحُولُهَا إِذَا نَاجَتِ الْأَفْهَامُ أُنْسَ نُفُوسِهِمْ ... بأَلْسِنَةٍ تَخْفَى عَلَى النَّاسِ قيْلَهَا وَضَجَّتْ نُفُوسُ الْمُسْتَهَامِينَ وَاشْتَكَتْ ... جَوًى كَانَ عَنْ أَجْسَامِهَا شَربيلُهَا يَحِنُّونَ حُزْنًا ضَاعَفَ الْخَوْفَ شَجْوُهُ ... وَنِيرَانُ شَوْقٍ كَالسَّعِيرِ عَلِيلُهَا وَسَارُوا عَلَى حُبِّ الرَّشَادِ إِلَى الْعُلَى ... قَوْمٌ بِهِمْ تَقْوَاهُ وَهُوَ دَلِيلُهَا فَحَطُّوا بِدَارِ الْقُدْسِ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ ... وَفَازَ بِزُلْفَى ذِي الْجَلَالِ حُلُولُهَا" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِذِي النُّونِ: كَمِ الْأَبْوَابُ إِلَى الْفِطْنَةِ؟ قَالَ "أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: §أَوَّلُهَا الْخَوْفُ، ثُمَّ الرَّجَا ثُمَّ الْمَحَبَّةُ، ثُمَّ الشَّوْقُ. وَلَهَا أَرْبَعَةُ مَفَاتِيحَ: فَالْفَرْضُ مِفْتَاحُ بَابِ الْخَوْفِ، وَالنَّافِلَةُ مِفْتَاحُ بَابِ الرَّجَاءِ، وَحُبُّ الْعِبَادَةِ وَالشَّوْقُ مِفْتَاحُ بَابِ الْمَحَبَّةِ، وَذِكْرُ اللَّهِ الدَّائِمُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مِفْتَاحُ بَابِ الشَّوْقِ، وَهِيَ دَرَجَةُ الْوَلَايَةِ، فَإِذَا هَمَمْتَ بِالِارْتِقَاءٍ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَتَنَاوَلْ مِفْتَاحَ بَابِ الْخَوْفِ، فَإِذَا فَتَحْتَهُ اتَّصَلْتَ إِلَى بَابِ الْفِطْنَةِ مَفْتُوحًا لَا غُلُقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا دَخَلْتَهُ فَمَا أَظُنُّكَ تُطِيقُ مَا تَرَى فِيهِ حِينَئِذٍ يَجُوزُ شَرَفُكَ بِالْإِشْرَافِ وَيَعْلُو مُلْكُكَ مُلْكَ الْمُلُوكِ، وَاعْلَمْ أَيْ أَخِي أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخَوْفِ يُنَالُ الْفَرْضُ، وَلَكِنْ بِالْفَرْضُ يُنَالُ الْخَوْفُ، وَلَا بِالرَّجَاءِ تُنَالُ النَّافِلَةُ وَلَكِنْ بِالنَّافِلَةِ يُنَالُ الرَّجَاءُ، كَمَا - [٣٧٩] - أَنَّهُ لَيْسَ بِالْأَبْوَابِ تُنَالُ الْمَفَاتِيحُ وَلَكِنْ بِالْمَفَاتِيحِ تُنَالُ الْأَبْوَابُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ تَكَامَلَ فِيهِ الْفَرْضُ فَقَدْ تَكَامَلَ فِيهِ الْخَوْفُ، وَمَنْ جَاءَ بِالنَّافِلَةِ فَقَدْ جَاءَ بِالرَّجَاءِ، وَمَنْ جَاءَ بِمَحَبَّةِ الْعِبَادَةِ، فَقَدْ وَصَلَ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ شَغَلَ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ بِالذِّكْرِ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ نُورُ الِاشْتِيَاقِ إِلَيْهِ، وَهَذَا سِرُّ الْمَلَكُوتِ فَاعْلَمْهُ وَاحْفَظْهُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي يُنَاوِلُهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِيلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْفَضْلَ بْنَ صَدَقَةَ الْوَاسِطِيُّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: «§إِذَا اطَّلَعَ الْخَبِيرُ عَلَى الضَّمِيرِ فَلَمْ يَجِدْ فِي الضَّمِيرِ غَيْرَ الْخَبِيرِ جَعَلَ فِيهِ سِرَاجًا مُنِيرًا» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ جَمِيلٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشِّمْشَاطِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: "§أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَا مُوسَى كُنْ كَالطَّيْرِ الْوَحْدَانِيِّ يَأْكُلُ مِنْ رُءُوسِ الْأَشْجَارِ وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْقَرَاحِ، إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ آوَى إِلَى كَهْفٍ مِنَ الْكُهُوفِ اسْتِئْنَاسًا بِي وَاسْتِيحَاشًا مِمَّنْ عَصَانِي، يَا مُوسَى إِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُتِمَّ لَمَّةَ أَيِّ بِرٍّ مِنْ دُونِي عَمَلًا، يَا مُوسَى لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ يُؤَمِّلُ غَيْرِي، وَلَأَقْصِمَنَّ ظَهْرَ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى سِوَايَ، وَلَأُطِيلَنَّ وَحْشَةَ مَنِ اسْتَأْنَسَ بِغَيْرِي، وَلَأُعْرِضَنَّ عَنْ مَنْ أَحَبَّ حَبِيبًا سِوَايَ، يَا مُوسَى إِنَّ لِي عِبَادًا إِنْ نَاجَوْنِي أَصْغَيْتُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ نَادَوْنِي أَقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَقْبَلُوا عَلَيَّ أَدْنَيْتُهُمْ، وَإِنْ دَنَوْا مِنِّي قَرَّبْتُهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبُوا مِنِّي اكْتَنَفْتُهُمْ، وَإِنَّ وَالُونِي وَالَيْتُهُمْ وَإِنْ صَافُونِي صَافَيتُهُمْ وَإِنْ عَمِلُوا لِي جَازَيْتُهُمْ، هُمْ فِي حِمَايَ وَبِي يَفْتَخِرُونَ، وَأَنَا مُدَبِّرُ أُمُورِهِمْ وَأَنَا سَائِسُ قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا مُتَوَلِّي أَحْوَالِهِمْ، لَمْ أَجْعَلْ لِقُلُوبِهِمْ رَاحَةً فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي ذِكْرِي فَذِكْرِي لَأَسْقَامِهِمْ شِفَاءٌ، وَعَلَى قُلُوبِهِمْ ضِيَاءٌ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ إِلَّا بِي، وَلَا يَحُطُّونَ رِحَالَ قُلُوبِهِمْ إِلَّا عِنْدِي، وَلَا يَسْتَقِرُّ قَرَارُهُمْ فِي الْإِيوَاءِ إِلَّا إِلَيَّ. ثُمَّ قَالَ ذُو النُّونِ: هُمْ يَا أَخِي قَوْمٌ قَدْ ذَوَّبَ الْحُزْنُ أَكْبَادَهُمْ، وَأَنْحَلَ الْخَوْفُ أَجْسَامَهُمْ، وَغَيَّرَ السَّهَرُ أَلْوَانَهُمْ، وَأَقْلَقَ خَوْفُ الْبَعْثِ قُلُوبَهُمْ، قَدْ سَكَنَتْ - [٣٨٠] - أَسْرَارُهُمْ إِلَيْهِ، وَتَذَلَّلَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَيْهِ، فَنُفُوسُهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ لَا تَسْلُو، وَقُلُوبُهُمْ عَنْ ذِكْرِهِ لَا تَخْلُو، وَأَسْرَارُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ تَعْلُو، الْخُشُوعُ يَخْشَعُ لَهُمْ إِذَا سَكَتُوا، وَالدُّمُوعُ تُخْبِرُ عَنْ خَفِيِّ حُرْقَتِهِمْ إِذَا كَمَدُوا، قَدَّسُوا فَرَجَ الشَّهَوَاتِ بِحَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ، فَلَيْسَ لِلْغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ مَدْخَلٌ، وَلَا لِلَّهْوِ فِيهِمْ مَطْمَعٌ وَقَدْ حَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْآفَاتِ وَحَالَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّذَّاتِ، فَهُمْ عَلَى بَابِهِ يَبْكُونَ، وَإِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَمِنْهُ يَبْكُونَ، فَيَا طُوبَى لِلْعَارِفِينَ، مَا أَغْنَى عَيْشِهِمْ، وَمَا أَلَذَّ شُرْبِهِمْ، وَمَا أَجَلَّ حَبِيبِهِمْ" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «§مَنْ ذَبَحَ خِنْجَرَ الطَّمَعِ بِسَيْفِ الْإِيَاسِ، وَرَدَمَ خِنْدَقِ الْحِرْصِ ظَفَرَ بِكِيمِيَاءِ الْحِزْمَةِ، وَمَنِ اسْتَقَى بِحَبْلِ الزُّهْدِ عَلَى دَلْو الْغُرُوفِ اسْتَقَى مِنْ حُبِّ الْحِكْمَةِ، وَمَنْ سَلَكَ أَوْدِيَةَ الْكَمَدِ بِحَيَاءِ حَيَاةِ الْأَبَدِ، وَمَنْ حَصَدَ عُشْبَ الذُّنُوبِ بِمِنْجَلِ الْوَرَعِ أَضَاءَ لَهُ رَوْضَةَ الِاسْتِقَامَةِ، وَمَنْ قَطَعَ لِسَانَهُ بِشَفْرَةِ الصَّمْتِ وَجَدَ طَعْمَ عُذُوبَةِ الرَّاحَةِ، وَمَنْ تَدَرَّعَ بِدِرْعِ الصِّدْقِ قَوِيَ عَلَى مُجَاهَدَةِ عَسْكَرِ الْبَاطِلِ وَاعْتَدَلَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ، وَحَسُنَ فِي الْآخِرَةِ مَثْوَاهُ، وَمَنْ فَرِحَ بِمَدْحَةِ الْجَاهِلِ الشَّيْطَانُ ثَوَّبَهُ الْحَمَاقَةَ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدٌ، قَالَ ذُو النُّونِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَيْضِ مَا التَّوَكُّلُ؟ فَقَالَ لَهُ: «خَلْعُ الْأَرْبَابِ وَقَطْعُ الْأَسْبَابِ» . فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي فِيهِ حَالَةً أُخْرَى، فَقَالَ: «§إِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَإِخْرَاجُهَا مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ» قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «§طُوبَى لِمَنْ تَطَهَّرَ وَلَزِمَ الْبَابَ، طُوبَى لِمَنْ تَضَمَّرَ لِلسِّبَاقِ، طُوبَى لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَيَّامَ حَيَاتِهِ» قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «§مَنْ وَثِقَ بِالْمَقَادِيرِ اسْتَرَاحَ، وَمَنْ صَحَّحَ اسْتَرَاحَ، وَمَنْ تَقَرَّبَ قُرِّبَ، وَمَنْ صَفَى صُفِيَ لَهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ وُفِّقَ، وَمَنْ تَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيهِ ضَيَّعَ مَا يَعْنِيهِ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: "§بَيْنَا أَنَا سَائِرٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَى عَرِيشٍ مِنَ الْبَلُّوطِ وَعِنْدَهُ عَيْنُ مَاءٍ تَجْرِي فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَهُ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ - [٣٨١] - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: شَهِدَ قَلْبِي لِلَّهِ بِالنَّوَازِلِ، وَكَيْفَ لَا يَشْهَدُ قَلْبِي بِذَلِكَ، وَكُلُّ أُمُورِهِمْ إِلَيْكَ، فَحَسْبُ مَنِ اغْتَرَّ بِكَ أَنْ يَأْلَفَ قَلْبُهُ غَيْرَكَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، لَقَدْ خَابَ لَدَيْكَ الْمُقَصِّرُونَ، سَيِّدِي مَا أَحْلَى ذِكْرِكَ، أَلَيْسَ قَصَدَكَ مُؤَمِّلُوكَ فَنَالُوا مَا أَمَّلُوا، وَجُدْتَ لَهُمْ مِنْكَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا طَلَبُوا. فَقُلْتُ لَهُ: يَا حَبِيبِي إِنِّي مُقِيمٌ عَلَيْكَ مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ كَلَامِكَ. فَقَالَ لِي قَدْ رَأَيْتُكَ بِأَبْطَالٍ حِينَ أَ قْبَلْتَ، وَلَكِنْ مَا ذَهَبَ رَوْعُكَ مِنْ قَلْبِي إِلَى الْآنَ. فَقُلْتُ لَهُ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ وَمَا الَّذِي أَفْزَعَكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: بِطَالَتُكَ فِي يَوْمِ عَمَلِكَ، وَشُغْلُكَ فِي يَوْمِ فَرَاغِكَ، وَتَرْكُكَ الزَّادَ لِيَوْمِ مَعَادِكَ، وَمُقَامُكَ عَلَى الْمَظْنُونِ. فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ مَا ظَنَّ بِهِ أَحَدٌ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَكَذَلِكَ إِذَا وَافَقَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالتَّوْفِيقُ، فَقُلْتُ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا حَبِيبِي، مَا هَاهُنَا فِتْيَةٌ تَسْتَأْنِسُ بِهِمْ؟ فَقَالَ: بَلَى هَاهُنَا فِتْيَةٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ. قُلْتُ: فَمَا طَعَامُهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ؟ قَالَ: أَكْلُهُمُ الْفِلَقُ مِنْ خُبْزِ الْبَلُّوطِ، وَلِبَاسُهُمُ الْخِرَقُ مِنَ الثِّيَابِ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الدُّنْيَا وَيَئِسَتِ الدُّنْيَا مِنْهُمْ قَدْ لَصَقُوا بِمَقَامِ الْأَرْضِ، وَتَلفَّفُوا بِالْخِرَقِ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ رِجَالًا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا حَبِيبِي فَمَا مَعَ الْقَوْمِ دَوَاءٌ يَتَعَالَجُونَ بِهِ مِنَ الْأَلَمِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ الدَّوَاءُ؟ قَالَ: إِذَا أَكَلُوا أَضَافُوا مِنَ الْكَلَالِ بِالْكَلَالِ، وَجَدُّوا بِالْارْتِحَالٍ، فَتَسْكُنُ الْعُرُوقُ وَيَهْدَأُ الْأَلَمُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا حَبِيبِي فَلَا يَسِيرُونَ بِجِدٍّ، فَقَالَ: هَذَا تَقَوُّلٌ يَا بَطَّالُ، إِنَّ الْقَوْمَ أَعْطَوُا الَجُهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا دَبَرَتِ الْمَفَاصِلُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَقَرَحَتِ الْجِبَاهُ مِنَ السُّجُودِ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَلْوَانُ مِنَ السَّهَرِ ضَجُّوا إِلَى اللَّهِ بِالِاسْتِعَانَةِ، فَهُمْ أَحْلَافُ اجْتِهَادٍ يَهِيمُونَ فَلَا تُقَرِّبُهُمُ الْأَوْطَانُ، وَلَا يَسْكُنُونَ إِلَى غَيْرِ الرَّحْمَنِ. فَقُلْتُ لَهُ: حَبِيبِي أَوْصِنِي، فَقَالَ لِي: عَلَيْكَ بِمَعَاقَبَةِ نَفْسِكَ إِذَا دَعْتَكَ إِلَى بَلِيَّةٍ، وَمُنَابَذَتِهَا إِذَا دَعْتَكَ إِلَى الْفَتْرَةِ، فَإِنَّ لَهَا مَكْرًا وَخِدَاعًا فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا الْفِعْلَ أَغْنَاكَ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ وَسَلَاكَ عَنْ مُجَالَسَةِ الْفَاسِقِينَ" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «§أَسْفَرَتْ مَنَازِلُ الدُّجَى وَثَبَتَتْ حِجَجُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ فَآخِذٌ بِحَظِّهِ وَمُضَيِّعٌ لِنَفْسِهِ - [٣٨٢] -، فَمَنَارَهُ حِكْمَتُهُ وَحُجَّتُهُ كِتَابُهُ. فَقَامَتِ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا فَأَقْعَدَتِ الْمُرِيدَ وَأَلْهَتِ الْغَافِلَ فَلَا الْمُرِيدُ طَلَبَ دَوَاءَهُ وَلَا الْغَافِلُ عَرَفَ دَاءَهُ. ثُمَّ خَصَّ اللَّهُ خَصَائِصَ مِنْ خَلْقِهِ فَعَرَّفَهُمْ حِكْمَتَهُ فَنَظَرُوا مِنْ أَعْيُنِ الْقُلُوبِ إِلَى مَحْجُوبٍ فَسَاحَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِمْ بِأَطْيَبِ جَنَى ثِمَارِ السُّرُورِ فَعِنْدَ ذَلِكَ صَيَّرُوا الدُّنْيَا مَعْبَرًا وَالْآخِرَةَ مَنْزِلًا هِمَّتُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَأَوَّلُ ابْتِدَاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى مَنِ اخْتَصَّ اللَّهَ مِنْ خَلْقِهِ إِهَاجَةُ النُّفُوسِ عَلَى مَنَاظِرِ الْعُقُولِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ لَهَا شَوَاهِدُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ تَقِفُ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ وَهُمَا حَالَانِ يُوَرِّثَانِ الْهَمَّ وَيَحُثَّانِ عَلَى الطَّلَبِ وَلَنْ تَغْنَى النَّفْسُ إِلَّا بِالْعِلْمِ بِاللَّهِ» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى ذِي النُّونِ يَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ذُو النُّونِ: «§مَا لِي حَالٌ أَرْضَاهَا وَلَا لِي حَالٌ لَا أَرْضَاهَا، كَيْفَ أَرْضَى حَالِي لِنَفْسِي إِذْ لَا يَكُونُ مِنِّي إِلَّا مَا أَرَادَ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلَسْتُ أَدْرِي أَيًّا أَحْسَنُ؟ حَالِي فِي حُسْنِ إِحْسَانِهِ إِلَيَّ أَمْ حُسْنُ حَالِي فِي سُوءِ حَالِي إِذْ كَانَ هُوَ الْمُخْتَارُ لِي غَيْرَ أَنِّي فِي عَافِيَةٍ مَا دُمْتُ فِي الْعَافِيَةِ الَّتِي أَظُنُّ أَنَّهَا عَافِيَةٌ إِلَّا أَنِّي أَجِدُ طَعْمَ مَا عِنْدَهُ لِلَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ مَرَارَةِ الْقَدِيمِ، وَمَا حَاجَتِي إِلَى أَنْ أَعْلَمَ مَا هُوَ إِذَا كَانَ هُوَ قَدْ عَلِمَ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَهُوَ الْمُكَوِّنُ لِلْأَشْيَاءِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ لِي» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: "§مَنْ وُجِدَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ رَجَوْتُ لَهُ السَّعَادَةَ وَلَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ قِيلَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: سُوءُ الْخُلُقِ عَنْهُ وَخِفَّةُ الرُّوحِ، وَغَزَارَةُ الْعَقْلِ وَصَفَاءُ التَّوْحِيدِ وَطِيبِ الْمَوْلِدِ" حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّازِيُّ بِنَيْسَابُورَ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: قُلْتُ لِذِي النُّونِ لَمَّا أَرَدْتُ تَوْدِيعَهُ: أَوْصِنِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ بِوَصِيَّةٍ أَحْفَظُهَا عَنْكَ. فَقَالَ: «§لَا تَكُنْ خَصْمًا لِنَفْسِكَ عَلَى رَبِّكَ مُسْتَزِيدَهُ فِي رِزْقِكَ وَجَاهِكَ، وَلَكِنْ خَصْمًا لِرَبِّكَ عَلَى نَفْسِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَكَ وَعَلَيْكَ، وَلَا تَلْقَيَنَّ أَحَدًا بِعَيْنِ الِازْدِرَاءِ وَالتَّصْغِيرِ، وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا خَوْفًا مِنْ - [٣٨٣] - عَاقِبَتِكَ وَعَاقِبَتِهِ فَلَعَلَّكَ تُسْلَبُ الْمَعْرِفَةَ وَيُرْزَقُهَا» سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ «§لَا يَتَفَكَّرُ الْقَلْبُ لِغَيْرِ اللَّهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «§اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَظَلُّوا تَحْتَ رِوَاقِ الْحُزْنِ، وَقَرَءُوا صُحُفَ الْخَطَايَا، وَنَشَرُوا دَوَاوِينَ الذُّنُوبِ، فَأَوْرَثَهُمُ الْفِكَرُ الصَّالِحَةَ فِي الْقَلْبِ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ أَدَّبُوا أَنْفُسَهُمْ بِلَذَّةِ الْجُوعِ وَتَزَيَّنُوا بِالْعِلْمِ، وَسَكَنُوا حَظِيرَةَ الْوَرَعِ، وَغَلَّقُوا أَبْوَابَ الشَّهَوَاتِ، وَعَرَفُوا مَسِيرَ الدُّنْيَا بِمُوقِنَاتِ الْمَعْرِفَةِ حَتَّى نَالُوا عُلُوَّ الزُّهْدِ فَاسْتَعْذَبُوا مَذَلَّةَ النُّفُوسِ فَظَفَرُوا بِدَارِ الْجَلَالِ وَتَوَاسَوْا بَيْنَهُمْ بِالسَّلَامِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ فَتَقْتَ لَهُمْ رَتْقَ غَوَاشِي جُفُونِ الْقُلُوبِ، حَتَّى نَظَرُوا إِلَى تَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ وَشَوَاهِدِ حُجَجِ تِبْيَانِكَ فَعَرَفُوكَ بِمَوْصُولِ فِطَنِ الْقُلُوبِ، فَرَقِيَتْ أَرْوَاحُهُمْ عَنْ أَطْرَافِ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ، فَسَمَّاهُمْ أَهْلُ الْمَلَكُوتِ زُوَّارًا وَأَهْلُ الْجَبَرُوتِ عُمَّارًا، وَتَرَدَّوْا فِي مَصَافِّ الْمُسَبِّحِينَ وَلَاذُوا بِأَفْنِيَةِ الْمُقَدَّسِينَ فَتَعَلَّقُوا بِحِجَابِ الْعِزَّةِ وَنَاجَوْا رَبَّهُمْ عِنْدَ مُطَارَفَةِ كُلِّ شَهْوَةٍ حَتَّى نَظَرُوا بِأَبْصَارِ الْقُلُوبِ إِلَى عِزِّ الْجَلَالِ إِلَى عَظِيمِ الْمَلَكُوتِ، فَرَجَعَتِ الْقُلُوبُ إِلَى الصُّدُورِ عَلَى الثَّبَاتِ بِمَعْرِفَةِ تَوْحِيدِكَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، فِي صَحْنِ مَسْجِدِ ذِي النُّونِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: « [البحر الرجز] §حُبُّكَ قَدْ أَرَّقَنِي ... وَزَادَ قَلْبِي سَقَمَا كَتَمْتُهُ فِي الْقَلْبِ ... وَالْأَحْشَا حَتَّى انْكَتَمَا لَا تَهْتِكْ سِتْرِيَ ... الَّذِي أَلْبَسْتَنِي تَكَرُّمَا ضَيَعْتُ نَفْسِي سَيِّدِي ... فَرُدَّهَا مُسَلِّمَا» ثُمَّ قَالَ: «سَقَى اللَّهُ أَرْوَاحَ قَوْمٍ مُنَاهَا إِنْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَنَسُوا النُّفُوسَ لَمْ يَذْكُرُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ» . ثُمَّ قَالَ: «هُمْ وَاللَّهِ مُرَادُونَ قَدْ خُصُّوا وَصُفُّوا وَطُيِّبُوا فَعَاشُوا - [٣٨٤] - بِرَوْحِ اللَّهِ فِي أَعْظَمِ الْقَدْرِ» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ،: قَالَ ذُو النُّونِ: « [البحر الخفيف] §لَذَّ قَوْمٌ فَأَسْرَفُوا ... وَرِجَالٌ تَقَشَّفُوا جَعَلُوا إِلَهَهُمْ وَاحِدًا ... وَمَضَوْا مَا تَخَلَّفُوا طَالِبِينَ جَنَّةً ... آثَرَوُهَا فَأُسْعِفُوا» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «إِلَهِي §الشَّيْطَانُ لَكَ عَدُوٌّ وَلَنَا عَدُوٌّ، وَلَنْ تَغِيظَهُ بِشَيْءٍ أَنْكَأَ لَهُ مِنْ عَفْوِكَ عَنَّا فَاعْفُ عَنَّا» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، ثنا يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: قَالَ ذُو النُّونِ «§مَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ إِلَّا بِطَلَبِ أَمْرٍ قَدْ أَخْفَاهُ أَوْ إِنْكَارِ أَمْرٍ قَدْ أَبْدَاهُ» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، ثنا يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: قَالَ ذُو النُّونِ: "دَخَلْتُ عَلَى بَعْضِ مُتَعَبِدِّي الْعَرَبِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: §أَصْبَحْتُ فِي بَحَابِحَ نِعَمِهِ أَجُولُ، وَبِلِسَانِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ أَقُولُ، نَعْمَاؤُهُ عَلَيَّ بَاطِنَةٌ وَظَاهِرَةٌ، وَغُصُونُ رِيَاضِ مَوَاهِبِهِ عَلَيَّ مُشْرِقَةٌ زَاهِرَةٌ" قَالَ: وَقَالَ ذُو النُّونِ: "دَخَلْتُ عَلَى مُتَعَبِّدَةٍ، فَقُلْتُ لَهَا: كَيْفَ أَصْبَحْتِ؟ فَقَالَتْ: §أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى وَقَارٍ مُبَادَرَةً فِي أَخْذِ الْجِهَازِ، مَتَأَهِّبَةً لِهَوْلِ يَوْمِ الْجَوَازِ لَهُ عَلَيَّ نِعَمٌ أَعْتَرِفُ بِتَقْصِيرِي عَنْ شُكْرِها، وَأَتَّصِلُ عَنْ ضَعْفِي عَنْ إِحْصَائِهَا وَذِكْرِهَا، فَقَدْ غَفَلَتِ الْقُلُوبُ عَنْهُ، وَهُوَ مُنْشِيهَا، وَأَدْبَرَتِ النُّفُوسُ عَنْهُ وَهُوَ يُنَادِيهَا فَسُبْحَانَهُ مَا أَمْهَلَهُ فَلَا نَامَ مَعَ تَوَاتُرِ الْأَيَادِي وَالْإِنْعَامِ" قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «§أَنْتَ مَلِكٌ مُقْتَدِرٌ، وَأَنَا عَبْدٌ مُفْتَقِرٌ، أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ تَذَلُّلًا فَأَعْطِنِيهِ تَفَضُّلًا» قَالَ وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: "§مِنَ المُحَالِ أَنْ يَحْسُنَ مِنْكَ الظَنُّ وَلَا يَحْسُنَ مِنْهُ المَنُّ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَيْفَ أَفْرَحُ بِعَمَلِي وَذُنُوبِي مُزْدَحِمَةٌ، أَمْ كَيْفَ أَفْرَحُ بِأَمَلِي وَعَاقِبَتِي مُبْهَمَةٌ" قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «§الْكَيِّسُ مَنْ بَادَرَ بِعَمَلِهِ وَسَوَّفَ بِأَمَلِهِ وَاسْتَعَدَّ لِأَجَلِهِ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «§إِلَهِي إِنْ كَانَ صَغُرَ فِي جَنْبِ طَاعَتِكَ عَمَلِي فَقَدْ كَبُرَ فِي جَنْبِ رَجَائِكَ أَمَلِي، إِلَهِي كَيْفَ أَنْقَلِبُ مِنْ عِنْدَكَ مَحْرُومًا وَقَدْ كَانَ حُسْنُ ظَنِّي بِكَ مَنُوطًا، إِلَهِي فَلَا تُبْطِلْ صِدْقَ رَجَائِي لَكَ بَيْنَ الْآدِمِيِّينَ، إِلَهِي سَمِعَ الْعَابِدُونَ بِذِكْرِكَ فَخَضَعُوا وَسَمِعَ الْمُذْنِبُونَ بِحُسْنِ عَفْوِكَ فَطَمِعُوا، إِلَهِي إِنْ كَانَتْ أَسْقَطَتْنِي الْخَطَايَا مِنْ مَكَارِمِ لُطْفِكَ فَقَدْ آنَسَنِي الْيَقِينُ إِلَى مَكَارِمِ عَطْفِكَ، إِلَهِي إِنْ أَمَّنَتْنِي الْغَفْلَةُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلِقَائِكَ فَقَدْ نَبَّهَتْنِي الْمَعْرِفَةُ لِكَرَمِ آلَائِكَ. إِلَهِي إِنْ دَعَانِي إِلَى النَّارِ أَلِيمُ عِقَابِكَ فَقَدْ دَعَانِي إِلَى الْجَنَّةِ جَزِيلُ ثَوَابِكَ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْخَيَّاطُ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ وَسَأَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صِفَةِ الْمُهْمُومِينَ، فَقَالَ لَهُ ذُو النُّونِ: "§لَوْ رَأَيْتَهُمْ لَرَأَيْتَ قَوْمًا لَهُمْ هُمُومٌ مَكْنُونَةٌ خُلِقَتْ مِنْ لُبَابِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِذَا وَصَلَتِ الْمَعْرِفَةُ إِلَى قُلُوبِهِمْ سَقَاهُمْ بِكَأْسِ سِرِّ السِّرِّ مِنْ مُؤَانَسَةِ سِرِّ مَحَبَّتِهِ فَهَامُوا بِالشَّوْقِ عَلَى وُجوهِهِمْ فَعِنْدَهَا لَا يَحُطُّونَ رِحَالَ الْهَمِّ إِلَّا بِفَنَاءِ مَحْبُوبِهِمْ فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ لَرَأَيْتَ قَوْمًا أَزْعَجَهُمُ الْهَمُّ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَثَبَتَتِ الْأَحْزَانُ فِي أَسْرَارِهِمْ فَهِمَمُهُمْ إِلَيْهِ سَائِرَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الشَّوْقِ طَائِرَةٌ، فَقَدْ أَضْجَعَهُمُ الْخَوْفُ عَلَى فُرُشِ الْأَسْقَامِ، وَذَبَحَهُمُ الرَّجَاءُ بِسَيْفِ الِانْتِقَامِ، وَقَطَعَ نِيَاطَ قُلُوبِهِمْ كَثْرَةُ بُكَائِهِمْ عَلَيْهِ، وَزَهَقَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْوَلَهِ إِلَيْهِ، قَدْ هَدَّ أَجْسَامَهُمُ الْوَعِيدُ، وَغَيَّرَ أَلْوَانَهُمُ السَّهَرُ الشَّدِيدُ إِلَى الْهَرَبِ مِنَ الْمَوَاطِنِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْأَعْلَاقِ إِلَى أَنْ تَفَرَّقُوا فِي الشَّوَاهِقِ وَالْمَغَائِصِ وَالْآكَامِ، أَكْلُهُمُ الْحَشِيشُ، وَشُرْبُهُمُ الْمَاءُ الْقَرَاحُ، يَتَلَذَّذُونَ بِكَلَامِ الرَّحْمَنِ يَنُوحُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ نُواحَ الْحَمَامِ، فَرِحِينَ فِي خَلَوَاتِهِمْ لَا يَفْتُرُ لَهُمْ جَارِحَةٌ فِي الْخَلَوَاتِ، وَلَا تَسْتَرِيحُ لَهُمْ قَدَمٌ تَحْتَ سُتُورِ الظُّلُمَاتِ، فَيَا لَهَا نُفُوسٌ طَاشَتْ بِهِمَمِهَا وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى مَحَبَّتِهَا لِمَا أَمَّلَتْ مِنِ اتِّصَالِ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهَا، فَنَظَرَتْ فَآنَسَتْ وَوَصَلَتْ فَأَوْصَلَتْ، وَعَرَفَتْ مَا أَرَادَ بِهَا فَرَكِبَتِ النُّجُبَ وَفَتَقَتِ الْحُجُبَ حَتَّى كَشَفَتْ - [٣٨٦] - عَنْ هَمِّهَا الْكُرَبُ، فَنَظَرَتْ بِهِمَمِ مَحَبَّتِهَا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، ثُمَّ أَنْشَأَ ذُو النُّونِ يَقُولُ: [البحر الطويل] رِجَالٌ أَطَاعُوا اللَّهَ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ ... فَمَا بَاشَرُوا اللَّذَّاتِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ أُنَاسٌ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللَّهِ أُنْزِلَتْ ... فَظَلُّوا سُكُونًا فِي الْكُهُوفِ وَفِي الْقَفْرِ يُرَاعُونَ نَجْمَ اللَّيْلِ مَا يَرْقُدُونَهُ ... فَبَاتُوا بِإِدْمَانِ التَّهَجُّدِ وَالصَّبْرِ فَدَاخَلَ هُمُومَ الْقَوْمِ لِلْخَلْقِ وَحْشَةٌ ... فَصَاحَ بِهِمْ أُنْسُ الْجَلِيلِ إِلَى الذِّكْرِ فَأَجْسَادُهُمْ فِي الْأَرْضِ هَوْنًا مُقِيمَةٌ ... وَأَرْوَاحِهِمْ تَسْرِي إِلَى مَعْدِنِ الْفَخْرِ فَهَذَا نَعِيمُ الْقَوْمِ إِنْ كُنْتَ تَبْتَغِي ... وَتَعْقِلُ عَنْ مَوْلَاكَ آدَابَ ذَوِي الْقَدْرِ" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، وَقِيلَ لَهُ: مَتَى يَأْنَسُ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ؟ قَالَ: «§إِذَا خَافَهُ أَنِسَ بِهِ، إِنَّمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَنْ وَاصَلَ الذُّنُوبَ نُحِّيَ عَنْ بَابِ الْمَحْبُوبِ» حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: "§بَلَغَنِي أَنَّ ذَا النُّونِ، يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَخَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ قَاصِدًا إِلَيْهِ حَتَّى وَافَيْتُهُ فِي جِيزَةِ مِصْرَ، فَأَوَّلُ مَا بَصُرَ بِي وَرَآنِي وَأَنَا طَوِيلُ اللِّحْيَةِ وَفِي يَدِي رَكْوَةٌ طَوِيلَةٌ مُتَّزِرٌ بِمِئْزَرٍ وَعَلَى كَتِفَيَّ ِمِئْزَرٌ، وَفِي رِجْلِي نَامُوسَةٌ فَاسْتَشْنَعَ مَنْظَرِي، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ ازْدَرَانِي وَلَمْ أَرَ مِنْهُ تِلْكَ الْبَشَاشَةَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا تَدْرِي مَعَ مَنْ وَقَعْتَ؟ قَالَ: فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَبْرَحْ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُتُكَلِّمِينَ فَنَاظَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ فَاسْتَظْهَرَ عَلَى ذِي النُّونِ وَعَلَيْهِ، فَاغْتَنَمْتُ ذَلِكَ وَبَرَكْتُ بَيْنَ يَدَيْهِمَا وَاسْتَلَبْتُ الْمُتَكَلِّمَ إِلَيَّ وَنَاظَرْتُهُ حَتَّى قَطَعْتُهُ. ثُمَّ نَاظَرْتُهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامِي، قَالَ: فَتَعَجَّبَ ذُو النُّونِ - وَكَانَ شَيْخًا وَأَنَا شَابٌّ - قَالَ: فَقَامَ مِنْ مَكَانِهِ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيَّ وَقَالَ: اعْذُرْنِي فَإِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَحَلَّكَ مِنَ الْعِلْمِ وَأَنْتَ آثَرُ النَّاسِ عِنْدِي. قَالَ فَمَا زَالَ بَعْدَ ذَلِكَ يُجِلُّنِي وَيُكْرِمُنِي وَيَرْفَعُنِي عَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَقِيتُ عَلَى ذَلِكَ سَنَةً، فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا أَسْتَاذُ أَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ، وَقَدِ اشْتِقْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدْ خَدَمْتُكَ سَنَةً، وَقَدْ وَجَبَ حَقِّي عَلَيْكَ وَقِيلَ لِي إِنَّكَ تَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ - [٣٨٧] - الْأَعْظَمَ وَقَدْ جَرَّبْتَنِي وَعَرَفْتَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ فَإِنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ فَعَلِّمْنِي إِيَّاهُ. قَالَ: فَسَكَتُّ ذُو النُّونِ عَنِّي وَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ وَأَوْهَمَنِي أَنَّهُ لَعَلَّهُ يَقُولُ لِي وَيُعَلِّمُنِي ثُمَّ سَكَتَ عَنِّي سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ مَسْأَلَتِي إِيَّاهُ قَالَ لِي: يَا أَبَا يَعْقُوبَ أَلَيْسَ تَعْرِفُ فُلَانًا صَدِيقَنَا بِالْفُسْطَاطِ الَّذِي يَجِيئُنَا - وَسَمَّى رَجُلًا -؟ فَقُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَأَخْرَجَ إِلَيَّ مِنْ بَيْتِهِ طَبَقًا فَوْقَهُ مِكَبَّةٌ مَشْدُودٌ بِمِنْدِيلٍ، فَقَالَ لِي: أَوْصِلْ هَذَا إِلَى مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ بِالْفُسْطَاطِ. قَالَ فَأَخَذْتُ الطَّبَقَ لِأُوَدِّيَهُ فَإِذَا طَبَقٌ خَفِيفٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا بَلَغْتُ الْجِسْرَ الَّذِي بَيْنَ الْفُسْطَاطِ وَالْجِيزَةِ قُلْتُ فِي نَفْسِي: ذُو النُّونِ يُوَجِّهُ إِلَى رَجُلٍ بِهَدِيَّةٍ وَهَذَا أَرَى طَبَقًا خَفِيفًا لَأُبْصِرَنَّ أَيَّ شَيْءٍ فِيهِ. قَالَ: فَحَلَلْتُ الْمِنْدِيلَ وَرَفَعْتُ الْمَكَبَّةَ فَإِذَا فَأْرَةٌ قَدْ قَفَزَتْ مِنَ الطَّبَقِ فَمَرَّتْ. قَالَ: فَاغْتَظْتُ وَقُلْتُ إِنَّمَا سَخِرَ بِي ذُو النُّونِ وَلَمْ يَذْهَبْ وَهْمِي إِلَى مَا أَرَادَ فِي الْوَقْتِ، قَالَ: فَجِئْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا مُغْضَبٌ فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ وَعَرَفَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ: يَا مَجْنُونُ ائْتَمَنْتُكَ فِي فَأْرَةٍ فَخُنْتَنِي أَأَئتَمِنُكَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، قُمْ عَنِّي فَارْتَحِلْ وَلَا أَرَاكَ بَعْدَ هَذَا" حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَذَّاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عِيسَى الْبَغْدَادِيُّ، يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ زرافةَ، صَاحِبِ الْمُتَوَكِّلِ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ ذُو النُّونِ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ دَخَلَ عَلَيَّ لِيُوَدِّعَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: اكْتُبْ لِي دَعْوَةً. فَفَعَلَ فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ جَامَ لَوْزَيَنْجَ فَقُلْتُ لَهُ: كُلْ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَرْزِنُ الدِّمَاغَ وَيَنْفَعُ الْعَقْلَ. فَقَالَ: «يَنْفَعُهُ غَيْرُ هَذَا» . قُلْتُ: وَمَا يَنْفَعُهُ قَالَ: " §اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءُ عَنْ نَهْيِهِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ» فَقُلْتُ: أَكْرِمْنِي بِأَكْلِهِ، فَقَالَ: «أُرِيدُ غَيْرَ هَذَا» . قُلْتُ: وَأَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: «هَذَا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْحُلْوَ وَلَا يَعْرِفُ أَكْلَهُ، وَإِنَّ أَهْلَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ يَتَحَذَّرُونَ خِلَافَ هَذَا اللَّوْزَيَنْجِ» . قُلْتُ: لَا أَظُنُّ أَحَدًا فِي الدُّنْيَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَّخِذَ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا، وَإِنَّ هَذَا مِنْ مَطْبَخِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ: «أَنَا أَصِفُ لَكَ لَوْزَيَنْجَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ» . قُلْتُ: هَاتِ لِلَّهِ أَبُوكَ. قَالَ: «خُذْ لُبَابَ مَكْنُونٍ مَحْضِ طَعَامِ الْمَعْرِفَةِ وَاعْجِنْهُ - [٣٨٨] - بِمَاءِ الِاجْتِهَادِ وَانْصُبْ أَثْفِيَةَ الِانْكِمَادِ، وَطَابِقْ صَفْوَ الْوِدَادِ، ثُمَّ اخْبِزْ خُبْزَ لَوْزَيَنْجَ الْعُبَّادِ بِحَرِّ نِيرَانِ نَفْسِ الزُّهَّادِ، وَأَوْقِدْهُ بِحَطَبِ الْأَسَى حَتَّى تَرْمِيَ نِيرَانَ وُفُودِهَا بِشَرَرِ الضَّنَا ثُمَّ احْشُ ذَلِكَ بِقَيْدِ الرِّضَا وَلَوْزِ الشَّجَا مِنْ ضَوْضَانَ بِمِهْرَاسِ الْوَفَا، مُطَيِّبًا بِطِينَةِ رِقَّةِ عِشْقِ الْهَوَى، ثُمَّ اطْوِهِ طَيَّ الْأَكْيَاسِ لَلْأَيَّامِ بِالْعَرَا، وَقَطِّعْهُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ فِي جَوْفِ الدُّجَا، وَارْفُضْ لَذِيذَ الْكَرَا وَنَضِّدْهُ عَلَى جَامَاتِ الْقَلَقِ وَالسَّهَرِ، وَانْتَثِرْ عَلَيْهِ سُكَّرًا بِعَسَلٍ مِنْ زَفَرَاتِ الْحُرَقِ ثُمَّ كُلْهُ بِأَنَامِلِ التَّفْويِضِ فِي وَلَائِمِ الْمُنَاجَاةِ بِوِجْدَانِ خَوَاطِرِ الْقُلُوبِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَفْرِيجُ كُرَبِ الْقُلُوبِ، وَمَحَلُّ سُرُورِ الْمُحِبِّ بِالْمَلَكِ الْمَحْبُوبِ ثُمَّ وَدَّعَنِي» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، - فِي كِتَابِهِ وَقَدْ رَأَيْتُهُ - وَحَدَّثَنِي عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: أَنْشِدْنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ لِذِي النُّونِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى « [البحر البسيط] §الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا نَفَادَ لَهُ ... حَمْدًا يَفُوتُ مَدَى الْإِحْصَاءِ وَالْعَدَدِ وَيُعْجِزُ اللَّفْظَ وَالْأَوْهَامَ مَبْلَغُهُ ... حَمْدًا كَثِيرًا كَإِحْصَاءِ الْوَاحِدِ الصَّمَدِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ مُذْ خُلِقَتْ ... وَوَزْنَهُنَّ وَضِعْفُ الضِّعْفِ فِي الْعَدَدِ وَضِعْفُ مَا كَانَ وَمَا قَدْ يَكُونُ إِلَى ... بَعْدَ الْقِيَامَةِ أَوْ يَفْنَى مَدَى الْأَبَدِ وَضِعْفُ مَا دَارَتِ الشَّمْسُ الشُّرُوقَ بِهِ ... وَمَا اخْتَفَى فِي سَمَاءٍ أَوْ ثَرًى جُرْدِ وَضِعْفُ أَنْعُمِهِ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ ... وَكُلِّ نَفْسَةِ نَفْسٍ وَاكْتِسَابِ يَدِ شُكْرًا لِمَا خَصَّنَا مِنْ فَضْلِ نِعْمَتِهِ ... مِنَ الْهُدَى وَلَطِيفِ الصُّنْعِ وَالرَّفَدِ رَبِّ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ يُحِيطُ بِهِ ... وَهُوَ الْمُحِيطُ بِنَا فِي كُلِّ مُرْتَصَدِ لَا الْأَيْنَ وَالْحَيْثُ وَالْكَيْفُ يُدْرِكُهُ ... وَلَا يُحَدُّ بِمِقْدَارٍ وَلَا أَمَدِ وَكَيْفَ يُدْرِكُهُ حَدُّ وَلَمْ تَرَهُ عَيْنٌ ... وَلَيْسَ لَهُ فِي الْمِثْلِ مِنْ أَحَدِ أَمْ كَيْفَ يَبْلُغُهُ وَهْمٌ بِلَا شَبَهٍ ... وَقَدْ تَعَالَى عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْوَلَدِ مَنْ أَنْشَأَ قَبْلَ الْكَوْنِ مُبْتَدِعًا ... مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قَدِيمٍ كَانَ فِي الْأَبَدِ وَدَهَرَ الدَّهْرَ وَالْأَوْقَاتَ وَاخْتَلَفَتْ ... بِمَا يَشَاءُ فَلَمْ يَنْقُصْ وَلَمْ يَزِدِ إِذْ لَا سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا شَبَحٌ ... فِي الْكَوْنِ سُبْحَانَهُ مِنْ قَاهِرٍ صَمَدِ مَا ازْدَادَ بِالْخَلْقِ مُلْكًا حِينَ أَنْشَأَهُمْ ... وَلَا يُرِيدُ بِهِمْ دَفْعًا لِمُضْطَهِدِ وَكَيْفَ وَهْوَ غَنِيٌّ لَا افْتِقَارَ بِهِ ... وَالْخَلْقُ تُضْطَرُّ بِالتَّصْرِيفِ وَالْأَوَدِ وَلَمْ يَدَّعِ خَلْقَ مَا لَمْ يُبْدِ خَلَقْتَهُ ... عَجْزًا عَلَى سُرْعَةٍ مِنْهُ وَلَا تُؤَدِ إِحَاطَةً بِجَمِيعِ الْغَيْبِ عَنْ قَدَرٍ ... أَحْصَى بِهَا كُلَّ مَوْجُودٍ وَمُفْتَقَدِ وَكُلُّهُمْ بِافْتِقَارِ الْفَقْرِ مُعْتَرِفٌ ... إِلَى فَوَاضِلِهِ فِي كُلِّ مُعْتَمَدِ الْعَالِمُ الشَّيْءَ فِي تَصْرِيفِ حَالَتِهِ ... وَمَا عَادَ مِنْهُ وَمَا يَمْضِي فَلَمْ يَعُدِ وَيَعْلَمُ السِّرَ مِنْ نَجْوى الْقُلُوبِ ... وَمَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَفِيٌّ جَالَ فِي خَلَدِ وَيَسْمَعُ الْحِسَّ مِنْ كُلِّ الْوَرَى وَيَرَى ... مَدَارِجَ الذَّرِّ فِي صَفْوَانِهِ الْجَلْدِ وَمَا تَوَارَى مِنَ الْأَبْصَارِ فِي ظُلَمٍ ... تَحْتَ الثَّرَى وَقَرَارِ الْغَمِّ وَالثَّمَدِ الْأَوَّلُ الْآخَرُ الْفَرْدُ الْمُهَيْمِنُ لَمْ ... يَعْزُبْ وَلَمْ يَدَّكِرْ قُرْبٌ وَلَا بُعْدِ عَالٍ عَلِيٌّ عَلِيمٌ لَا زَوَالَ لَهُ ... وَلَمْ يَزَلْ أَزَلِيًّا غَيْرَ ذِي فَقَدِ وَجَلَّ فِي الْوَصْفِ عَنْ كُنْهِ الصِّفَاتِ ... وَعَنْ مَقَالِ ذِي الشَّكِّ وَالْإِلْحَادِ وَالْعَنَدِ مَنْ لَا يُجَازَى بِنُعْمًى مِنْ فَوَاضِلِهِ ... وَلَمْ يَنَلْهُ بِمَدْحٍ وَصْفُ مُجْتَهِدِ وَكُلُّ فِكْرَةِ مَخْلُوقٍ إِذَا اجْتَهَدَتْ ... بِمَدْحِهِ لَمْ تَنَلْ إِلَّا إِلَى الْأَبَدِ مُسَبَّحٌ بِلُغَاتِ الْعَارِفَاتِ بِهِ ... لَمْ تَدْرِ مَا غَيْرُهُ رَبًّا وَلَمْ تَجِدِ الْفَالِقُ النُّورَ وَالظَّلْمَاءَ وَهْيَ عَلَى ... مَا تَقَاذَفَ بِالْأَمْوَاجِ وَالزَّبَدِ إِذَا مَدَّهَا فَوْقَ الرِّيحِ مُنْشِئُهَا ... فَسَبَّحَتْ وَهْيَ فَوْقَ الْمَاءِ فِي مَيَدِ وَشَدَّهَا بِالْجِبَالِ الصُّمِّ فَاضْطَأَدَتْ ... أَرْكَانُهَا بِشِدَادِ الصَّخْرِ وَالْجَلَدِ بَرَا السَّمَوَاتِ سَقْفًا ثُمَّ أَنْشَأَهَا ... سَبْعًا طِبَاقًا بِلَا عَوْنٍ وَلَا عُمُدِ تُقُلُّهُنَّ مَعَ الْأَرَضِينَ قُدْرَتُهُ ... وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَثْقُلْ وَلَمْ يَؤُدِ وَبَثَّ فِيهَا صُنُوفًا مِنْ بَدَائِعِهِ ... مِنَ الْخَلَائِقِ مِنْ مَثْنًى وَمِنْ وَهَدِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ بَرَا أَصْنَافَهُ وَذَرَا ... أَشْبَاحَهُ بَيْنَ مَكْسُورٍ وَمُنْجَرِدِ فِيهَا الْمَلَائِكُ بِالتَّسْبِيحِ خَاضِعَةٌ ... لَا يَسْأَمُونَ لِطُولِ الدَّهْرِ وَالْأَمَدِ فَمِنْهُمْ تَحْتَ سُوقِ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ ... كَالثَّوْرِ وَالنَّسْرِ وَالْإِنْسَانِ وَالْأَسَدِ فَكُلُّ ذِي خِلْقَةٍ يَدْعُو لِمُشْبِهِهِ ... فِي الْخَلْقِ بِالْعِيشَةِ الْمُرْضِيَّةِ الرَّغَدِ بَرَا السَّمَاءَ بُرُوجًا مِنْ كَوَاكِبِهَا ... تَجْرِينَ مِنْ فَلَكِ الْأَفْلَاكِ فِي كَبَدِ مِنْهَا جِوَارٍ وَمِنْهَا رَاكِدٌ أَبَدًا ... وَالْقُطْبُ فِي مَرْكَزٍ مِنْهُنَّ كَالْوَتَدِ وَالشُّهْبُ تُحْرِقُ فِيهَا يَبْنِينَ إِلَى ... قَذْفِ الشَّيَاطِينِ مِنْ جِنَّاتِهَا الْمُرُدِ وَكُلُّ مُسْتَرِقٍ لِلسَّمْعِ يَتْبَعُهُ ... مِنْهَا شِهَابُ نُجُومٍ دَائِمُ الرَّصَدِ وَيَرْفَعُ الْغَيْمَ إِعْصَارُهَا فَتَرَى ... فِيهَا الصَّوَاعِقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْبَرَدِ عَلَى هَوَاءٍ رَقِيقٍ فِي لَطَافَتِهِ ... يُحْيِي بِهِ كُلَّ ذِي رُوحٍ وَذِي جَسَدِ وَصَيَّرَ الْمَوْتَ فَوْقَ الْخَلْقِ لَا لَجَأٌ ... مِنْهُ وَلَا هَرَبٌ إِلَى سَنَدِ فَالْمَوْتُ مَيِّتٌ وَكُلٌّ هَالِكُونَ خَلَا ... وَجْهَ الْإِلَهِ الْكَرِيمِ الدَّائِمِ الصَّمَدِ أَفْنَى الْقُرُونَ وَأَفْنَى كُلَّ ذِي عُمُرِ ... كَعُمْرِ نُوحٍ وَلُقْمَانَ أَخِي لَبَدِ يَا رَبِّ إِنَّكَ ذُو عَفْوٍ وَمَغْفِرَةٍ ... فَنَجِّنَا مِنْ عَذَابِ الْمَوْقِفِ النَّكِدِ وَاجْعَلْ إِلَى جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ مَوْئِلَنَا ... مَعَ النَّبِيِّينَ وَالْأَبْرَارِ فِي الْخُلْدِ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزِّ مِنْ مَلِكٍ ... مَنِ اهْتَدَى بِهُدَى رَبِّ الْعَالَمِينَ هُدِي» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: « [البحر الطويل] §أَمُوتُ وَمَا مَاتَتْ إِلَيْكَ صَبَابَتِي ... وَلَا رَوَيْتُ مِنْ صِدْقِ حُبِّكَ أَوْطَارِي مُنَادِي الْمُنَا كُلَّ الْمُنَا أَنْتَ لِي مُنًى ... وَأَنْتَ الْغَنِيُّ كُلَّ الْغِنَى عِنْدَ إِقْصَارِي وَأَنْتَ مَدَى سُؤْلِي وَغَايَةُ رَغْبَتِي ... وَمَوْضِعُ شَكْوَايَ وَمَكْنُونُ إِضْمَارِي تَحَمَّلَ قَلْبِي فِيكَ مَا لَا أَبُثُّهُ ... وَإِنْ طَالَ سَقَمِي فِيكَ أَوْ طَالَ إِضْرَارِي وَبَيْنَ ضُلُوعِي مِنْكَ مَا لَوْلَاكَ قَدْ بَدَا ... وَلَمْ يَبْدُ بَادِيَةٌ لِأَهْلِي وَلَا جَارِي وَبِي مِنْكَ فِي الْأَحْشَاءِ دَاءٌ مُخَامِرٌ ... فَقَدْ هَدَّ مِنِّي الرُّكْنَ وَأَثْبَتُّ أَسْرَارِي أَلَسْتَ دَلِيلَ الرَّكْبِ إِنْ هُمْ تَحَيَّرُوا ... وَمُنْقِذَ مَنْ أَشْفَى عَلَى جُرُفٍ هَارِي أَنَرْتَ الْهُدَى لِلْمُهْتَدِينَ وَلَمْ يَكُنْ ... مِنَ النُّورِ فِي أَيْدِيهِمْ عُشْرُ مِعْشَارِي فَنَلْنِي بِعَفْوٍ مِنْكَ أَحْيَى بِقُرْبِهِ ... وَاغْشَ بِيُسْرٍ مِنْكَ فَقْرِي وَإِعْسَارِي» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي إِسْرَافِيلُ: أَنْشَدَنِي ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: « [البحر الطويل] - [٣٩١] - §مَجَالُ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِرَوْضَةٍ ... سَمَاوِيَّةٍ مِنْ دُونِهَا حُجُبِ الرَّبِ مُعَسْكَرُهَا فِيهَا مَجْنَى ثِمَارِهَا ... تَنَسَّمُ رُوحُ الْأُنْسِ لِلَّهِ مِنْ قُرْبِ يَكْنِفُهَا مِنْ عَالِمِ السِّرِّ قُرْبُهُ ... فَلَوْ قَدَّرَ الْآجَالَ ذَابَتْ مِنَ الْحَبِّ وَأَرْوَى صَدَاهَا صَرْفُ كَاسَاتِ حُبِّهِ ... وَبَرْدُ نَسِيمٍ جَلَّ عَنْ مُنْتَهَى الْخَطْبِ فَيَا لِقُلُوبٍ قُرِّبَتْ فَتَقَرَّبَتْ ... لِذِي الْعَرْشِ مِمَّنْ زَيَّنَ الْمُلْكَ بِالْقُرْبِ رَضَاهَا فَأَرْضَاهَا فَحَازَتْ مَدَى الرِّضَى ... وَحَلَّتْ مِنَ الْمَحْبُوبِ بِالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ لَهَا مِنْ لَطِيفِ الْحُبِّ عَزْمٌ سَرَتْ بِهِ ... وَيُهْتَكُ بِالْأَفْكَارِ مَا دَاخِلَ الْحُجُبِ فَإِنْ فَقَدَتْ خَوْفَ الْفِرَاقِ لِإِلْفِهَا ... أَدَامَتْ حَنِينًا تَطْلُبُ الْأُنْسَ بِالْقُرْبِ سَرَى سِرُّهَا بَيْنَ الْحَبِيبِ وَبَيْنَهَا ... فَأَضْحَى مَصُونًا مِنْ سِوَى الرَّبِّ فِي الْقَلْبِ» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ، يَقُولُ: قَالَ ذُو النُّونِ: "§حَقِيقَةُ السَّخَاءِ أَنْ تَلْزَمَ الْبَخِيلَ فِي مَنْعِهِ إِيَّاكَ لَوْمًا لِأَنَّكَ إِنَّمَا لُمْتَهُ وَاشْتَغَلْتَ بِهِ لِوُقُوعِ مَا مَنَعَكَ فِي قَلْبِكَ، وَلَوْ هانَ ذَلِكَ عَلَيْكَ لَمْ تَشْتَغِلْ بِلَوْمِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الطويل] كَرِيمٌ كَصَفْوِ الْمَاءِ لَيْسَ بِبَاخِلٍ ... بِشَيْءٍ وَلَا مُهْدٍ مَلَامًا لِبَاخِلِ" حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمُذَكِّرَ، يَذْكُرُ عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ عَنْ ذِي النُّونِ، قَالَ: "§صَحِبْتُ زِنْجِيًّا فِي التِّيهِ وَكَانَ مُفْلَفْلَ الشَّعْرِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ ابْيَضَّ فَوَرَدَ عَلَيَّ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقُلْتُ: لِمَ يَا هَذَا إِنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَ اللَّهَ تَحَوَّلَ لَوْنُكَ وَانْقَلَبَتْ عَيْنَاكَ؟ قَالَ: فَجَعَلَ يَخْطِرُ فِي التِّيهِ وَيَقُولُ: ذَكَرْنَا وَمَا كُنَّا لِنَنْسَى فَنَذْكُرُ ... وَلَكِنْ نَسِيمَ الْقُلُوبِ يَبْدُو فَيَظْهَرُ وَأَذْكُرُ أَصْنَافًا مِنَ الذِّكْرِ حَشْوُهَا ... وِدَادٌ وَشَوْقٌ يَبْعَثَانِ عَلَى الذِّكْرِ فَذِكْرُ أَلِيفِ الْحَبِّ مُمْتَزِجٌ بِهَا ... يَحِلُّ مَحَلَّ الرُّوحِ فِي طَرَفِهَا يَسْرِي وَذِكْرٌ يُعِزُّ النَّفْسَ مِنْهَا لِأَنَّهُ ... لَهَا مُتْلِفٌ مِنْ حَيْثُ يَدْرِي وَلَا تَدْرِي وَذِكْرٌ عَلَا مِنِّي الْمَفَاوِزَ وَالذُّرَى ... يَجِلُّ عَنِ الْأَوْصَافِ بِالْوَهْمِ وَالْفِكْرِ" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، - فِي كِتَابِهِ - وَحَدَّثَنِي عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ أَبَا الْفَيْضِ، وَسَأَلْتُهُ قُلْتُ: مَتَى تَخْلُصُ لِلَّهِ صَلَاتِي؟ قَالَ: «§إِذَا سَكَّنْتَ مَعَادِنَ الْأَنْوَارِ مِنْ قَلْبِكَ، وَنَفَذْتَهُ فِي مَلَكُوتِ هَمِّكَ» . قُلْتُ: مَتَى يَتِمُّ زُهْدِي بَعْدَ وَرَعِي؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الْفَرْضَ لَكَ مُعَلِّمًا، وَأَقَمْتَ الطَّاعَةَ لَكَ مُفَهِّمًا» . قُلْتُ: فَمَتَى أَوْ مِنْ؟ قَالَ: «إِذَا اشْتَمَلَ الْفَرْضُ عَلَى أَمْرِكَ وَمَلَكْتَ الطَّاعَةَ عَلَى نَفْسِكَ» قُلْتُ: فَمَتَى أَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «الْيَقِينُ إِذَا تَمَّ سُمِّيَ تَوَكُّلًا» قُلْتُ: مَتَى يُتِمُّ حُبِّي لِرَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا سَمَجَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِكَ، وَقَذَفْتَ أَمَلَكَ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْكَ» . قُلْتُ: فَمَتَى أَخَافُ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا سَرَّحْتَ بَصَرَكَ فِي عَظَمَتِهِ، وَمَثَّلْتَ لِنَفْسِكَ أَمْثَالَ نِقْمَتِهِ» . قُلْتُ: فَمَتَى يَتِمُّ صَوْمِي؟ قَالَ: «إِذَا جَوَّعْتَ نَفْسَكَ مِنَ الْبَغْضَاءِ، وَأَمَتَّ لِسَانَكَ مِنَ الْفَحْشَاءِ» . قُلْتُ: فَمَتَى أَعْرِفُ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ لَكَ جَلِيسًا، وَلَمْ تَرَ لِنَفْسِكَ سِوَاهُ أَنِيسًا» ، قُلْتُ: فَمَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ مَا أَسْخَطَهُ عِنْدَكَ أَمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ» قُلْتُ: فَمَتَى أَشْتَاقُ إِلَى رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الْآخِرَةَ لَكَ قَرَارًا وَلَمْ تُسَمِّ الدُّنْيَا لَكَ مَسْكَنًا وَدَارًا» ، قُلْتُ: فَمَتَى يُشْتَدُّ فِي بُغْضِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الدُّنْيَا طَرِيقَ مَخَافَةٍ لَا تَتَلَفَّتْ إِلَى مَا قَطَعْتَ مِنْهَا، وَجَعَلْتَ الْآخِرَةَ سَاحَةً مَأْمُونَةً لَا تَأْمَنُ إِلَّا بِالنُّزُولِ فِيهَا» . قُلْتُ: فَمَتَى أُحِبُّ لِقَاءَ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا كُنْتَ تُقْدِمُ عَلَى حَبِيبٍ وَتَصِيرُ عَنْ أَمَرٍ قَرِيبٍ» . قُلْتُ: فَمَتَى أَسْتَلِذُّ الْمَوْتَ؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِكَ وَجَعَلْتَ الْآخِرَةَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ» . قُلْتُ: فَمَتَى أَتَّقِي شَهَوَاتِ مَطَاعِمِ الْأَرْضِ؟ قَالَ: «إِذَا خَالَطَ قَلْبَكَ الْمَلَكُوتُ وَمُزِجَ فِي سَرَائِرِ الْجَبَرُوتِ» ، قُلْتُ: فَمَتَى تَطِيبُ مَعْرِفَتِي، قَالَ: «إِذَا اسْتَوْحَشْتَ مِنَ الدُّنْيَا وَاشْتَدَّ فَرَحُكَ بِنُزُولِ الْبَلَاءِ» . قُلْتُ: فَمَتَى أَسْتَقْبِحُ الدُّنْيَا؟ قَالَ: «إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ زِينَتَهَا فَسَادُ كُلِّ مَعْنًى، وَأَنَّ مَحَاسِنَهَا تُفْضِي إِلَى كُلِّ حَسْرَةٍ» . قُلْتُ: فَمَتَى أَكْتَفِي بِأَهْوَنِ الْأَغْذِيَةِ؟ قَالَ: «إِذَا عَرَفْتَ هَلَاكَ الشَّهَوَاتِ وَسُرْعَةَ انْقِطَاعِ عُذُوبَةِ اللَّذَّاتِ» . قُلْتُ: فَمَتَى قُنُوعُ التَّمَامِ؟ قَالَ: «إِذَا - [٣٩٣] - كَانَ زُخْرُفُ الدُّنْيَا عِنْدَكَ صَغِيرًا، وَكَانَ خَوْفُ الْآخِرَةِ لَكَ ذِكْرًا» . قُلْتُ: فَمَتَى أسْتَحِقُّ تَرْكَ الْجَمْعِ؟ قَالَ: «إِذَا عَرَفْتَ أَنَّكَ مَنْقُولٌ إِلَى مَعَادٍ، وَأَنَّكَ مَأْخُوذٌ بِتَبِعَاتِ الْعِبَادِ» . قُلْتُ: فَمَتَى آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ شَفَقَتُكَ عَلَى غَيْرِكَ، وَخَالَفْتَ الْعِبَادَ لِمَحَبَّةِ رَبِّكَ» . قُلْتُ: فَمَتَى أُوثِرُ اللَّهَ وَلَا أُوثِرُ عَلَيْهِ سِوَاهُ؟ قَالَ: «إِذَا أَبْغَضْتَ فِيهِ الْحَبِيبَ وَجَانَبْتَ فِيهِ الْقَرِيبَ» . قُلْتُ: فَمَتَى أَفْزَعُ إِلَى ذِكْرِهِ وَآنَسُ بِشُكْرِهِ؟ قَالَ: «إِذَا سُرِرْتَ بِبَلَائِهِ، وَفَرِحْتَ بِنُزُولِ قَضَائِهِ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «§الْمُسْتَأْنِسُ بِاللَّهِ فِي وَقْتِ اسْتِئْنَاسِهِ يَسْتَأْنِسُ بِجَمِيعِ مَا يَرَى وَيَسْمَعُ وَيُحِسُّ بِهِ فِي مَلَكُوتِ رَبِّهِ، وَالْمُهِيبُ لَهُ يَهَابُ جَمِيعَ مَا يَرَى وَيَسْمَعُ وَيُحِسُّ بِهِ فِي مُلْكِ رَبِّهِ وَيَسْتَأْنِسُ بِالذَّرِّ فَمَا دُونَهُ وَيَهَابُهُ»

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.