حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
أبو بكر محمد بن محمد بن عبيد الله عن أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء عن أبو عثمان سعيد بن الحكم تلميذ ذى النون عن سئل ذو النون

فَإِنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الصِّدِّيقِينَ §سَبَبُ الذَّنْبِ النَّظْرَةُ، وَمِنَ النَّظْرَةِ الْخَطْرَةُ، فَإِنْ تَدَارَكْتَ الْخَطْرَةَ بِالرُّجُوعِ إِلَّى اللَّهِ ذَهَبَتْ، وَإِنْ لَمْ تُذَكِّرْهَا امْتَزَجَتْ بِالْوَسَاوِسِ فَتَتَوَلَّدَ مِنْهَا الشَّهْوَةُ وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدُ بَاطِنٌ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى الْجَوَارِحِ، فَإِنْ تَذَكَّرْتَ الشَّهْوَةَ، وَإِلَّا تَوَلَّدَ مِنْهَا الطَّلَبُ، فَإِنْ تَدَارَكْتَ الطَّلَبَ وَإِلَّا تَوَلَّدَ مِنْهُ الْعَقْلُ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَيْضِ ذَا النُّونِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فِي جِبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا حَزِينًا وَبُكَاءً جَهِيرًا وَهُوَ يَقُولُ: §يَا وَحْشَتَاهُ بَعْدَ أُنْسِنَا يَا غُرْبَتَاهُ عَنْ وَطَنِنَا وَا فَقْرَاهُ بَعْدَ غِنَانَا وَا ذُلَّاهُ بَعْدَ عِزِّنَا، فَتَتَّبْعُتُ الصَّوْتَ حَتَّى قَرُبْتُ مِنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَبْكِي لِبُكَائِهِ حَتَّى أَصْبَحْنَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَجُلٌ نَاحِلٌ كَالشَّنِّ الْمُحْتَرِقِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَقُولُ مِثْلَ الْكَلَامِ فَقَالَ: دَعْنِي فَقَدْ كَانَ ليِ قَلْبٌ فَقَدْتُهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر السريع] قَدْ كاَنَ لِي قَلْبٌ أَعِيشُ بِهِ ... بَيْنَ الْهَوَى فَرَمَاُه الْحُبُّ فَاحْتَرَقَا لِمَ تَشْتَكِي أَلَمَ الْبِلَا ... وَأَنْتَ تَنْتَحِلُ الْمَحَبَّةْ إِنَّ الْمُحِبُّ هُوَ الصَّبُو ... رُ عَلَى الْبَلَاءِ لِمَنْ أَحَبَّهُ حُبُّ الْإِلَهِ هُوَ السُّرُو ... رُ مَعَ الشِّفَاءِ لِكُلِّ كُرْبَةْ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: §إِنْ سَكَتَّ - [٣٤٦] - عَلِمَ مَا تُرِيدُ، وَإِنْ نَطَقْتَ لَمْ تَنَلْ بِنُطْقِكَ مَا لَا يُرِيدُ، وَعِلْمُهُ بِمُرَادِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْنِيَكَ عَنْ مَسْأَلَتِهِ أَوْ يُنْجِيَكَ عَنْ مُطَالَبَتِهِ " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْمُتَعَبِّدِينَ بَسَاحِلِ بَحْرِ الشَّامِ يَقُولُ: إِنَّ §لِلَّهِ عِبَادًا عَرَفُوهُ بِيَقِينٍ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَشَمَّرُوا قَصْدًا إِلَيْهِ، احْتَمَلُوا فِيهِ الْمَصَائِبَ لِمَا يَرْجُونَ عِنْدَهُ مِنَ الرَّغَائِبِ، صَحِبُوا الدُّنْيَا بِالْأَشْجَانِ، وَتَنَعَّمُوا فِيهَا بِطُولِ الْأَحْزَانِ فَمَا نَظَرُوا إِلَيْهَا بِعَيْنِ رَاغِبٍ، وَلَا تَزَوَّدُوا مِنْهَا إِلَّا كَزَادِ الرَّاكِبِ، خَافُوا الْبَيَاتَ فَأَسْرَعُوا، وَرَجَوُا النَّجَاةَ فَأَزْمَعُوا، بِذِكْرِهِ لَهِجَتْ أَلْسِنَتُهُمْ فِي رِضَا سَيِّدِهِمْ، نَصَبُوا الْآخِرَةَ نُصْبَ أَعْيِنِهِمْ، وَأَصْغَوْا إِلَيْهَا بِآذَانِ قُلُوبِهِمْ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ رَأَيْتَ قَوْمًا ذُبْلًا شِفَاهُهُمْ، خُمْصًا بُطُونُهُمْ، حَزِينَةً قُلُوبُهُمْ، نَاحِلَةً أَجْسَامُهُمْ، بَاكِيَةً أَعْيُنُهُمْ، لَمْ يَصْحَبُوا الْمَلَلَ وَالتَّسْوِيفَ، وَقَنِعُوا مِنَ الدُّنْيَا بَقُوتٍ طَفِيفٍ لَبِسُوا مِنَ اللِّبَاسِ أَيَارًا بَالِيَةً، وَسَكَنُوا مِنَ الْبِلَادِ قِفَارًا خَالِيَةً، هَرَبُوا مِنَ الْأَوْطَانِ وَاسْتَبْدَلُوا الْوَحْدَةَ مِنَ الْإِخْوَانِ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ لَرَأَيْتَ قَوْمًا قَدْ ذَبَحَهُمُ اللَّيْلُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ، وَفَصَلَ الْأَعْضَاءَ مِنْهُمْ بِخَنَاجِرِ التَّعَبِ، خُمْصٌ لِطُولِ السُّرَى شُعْثٌ لِفَقْدِ الْكَرَا، قَدْ وَصَلُوا الْكَلَالَ بِالْكَلَالِ لِلنُّقْلَةِ وَالِارْتِحَالِ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ يَقُولُ: حَضَرْتُ ذَا النُّونِ فِي الْحَبْسِ وَقَدَ دُخِلَ الْجِلْوَاذَ بِطَعَامٍ لَهُ، فَقَامَ ذَو النُّونِ فَنَفَضَ يَدَهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَخَاكَ جَاءَ بِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ مَرَّ عَلَى يَدَيْ ظَالِمٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ ذَا النُّونِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَا الَّذِي أَنْصَبَ الْعِبَادَ وَأَضْنَاهُمْ فَقَالَ: ذِكْرُ الْمُقَامِ، وَقِلَّةُ الزَّادِ، وَخَوْفُ الْحِسَابِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كَلَامِهِ: وَلِمَ لَا تَذُوبُ أَبْدَانُ الْعُمَّالِ وَتَذْهَلُ عُقُولُهُمْ وَالْعَرْضُ عَلَى اللَّهِ أَمَامَهُمْ، وَقِرَاءَةُ كُتُبِهِمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَالْمَلَائِكَةُ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ يَنْتَظِرُونَ أَمْرَهُ فِي الْأَخْيَارِ وَالْأَشْرَارِ، ثُمَّ قَالَ: مَثَلُوا هَذَا فِي نُفُوسِهِمْ وَجَعَلُوهُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، قَالَ: وَسَمِعْتُ - [٣٤٧] - ذَا النُّونِ يَقُولُ: قَالَ الْحَسَنُ: §مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَنْعَ الْإِجَابَةِ إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَنْعَ الدُّعَاءِ " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الصَّيْرَفِيُّ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «إِنَّ §الطَّبِيعَةَ النَّقِيَّةَ هِيَ الَّتِي يَكْفِيهَا مِنَ الْعَظَمَةِ رَائِحَتُهَا، وَمِنَ الْحِكْمَةِ إِشَارَةٌ إِلَيْهَا» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ يَقُولُ: أَنْشَدَنَا ذُو النُّونِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِيُّ فَقَالَ: [البحر الطويل] §تَوَجَّعْ بِأَمْرَاضٍ وَخَوْفِ مَطَالِبِ ... وَإِشْفَاقِ مَحْزُونٍ وَحُزْنِ كَئِيبِ وَلَوْعَةِ مُشْتَاقٍ وَزَفْرَةِ وَالِهٍ ... وَسَقْطَةِ مِسْقَامٍ بِغَيْرِ طَبِيبِ وَفِطْنَةِ جَوَّالٍ وَبَطْأَةِ غَائِصٍ ... لِيَأْخُذَ مِنْ طَيبِ الصَّفَا بِنَصِيبِ أَلِمْتُ بِقَلْبٍ حَيَّرَتْهُ طَوَارِقٌ ... مِنَ الشَّوْقِ حَتَّى ذَلَّ ذُلَّ غَرِيبِ يُكَاتِمُ لِي وَجْدًا وَيَخُطُّ حَمِيَّةً ... ثَوَتْ فَاستْكَنَّتْ فِي قَرَارِ لَبِيبِ خَلَا فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِهِ لِحُضُورِهِ ... فَمِنْ فَهْمِهِ فَهْمٌ عَلَيْهِ رَقِيبُ يَقُولُ إِذَا مَا شَفَّهُ الشَّوْقُ وَأَجْدَى ... بِكَ الْعَيْشُ يَا أُنْسَ الْمُحَبِّ يَطِيبُ فَهَذَا لَعَمْرِي عَبْدُ صِدْقٍ مُهَذَّبٌ ... صَفَى فَاصْطَفَى فاَلرَّبُّ مِنْهُ قَرِيبُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى عَالِمٍ: مَا الَّذِي أَكْسَبَكَ عِلْمًا مِنْ رَبِّكَ، وَمَا أَفَادَكَ فِي نَفْسِكَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْعَالِمُ: §أَثْبَتُ الْعِلْمِ الْحُجَّةُ، وَقَطْعُ عَمُودِ الشَّكِّ وَالشُّبْهَةِ، وَشَغَلْتُ أَيَّامَ عُمْرِي بِطَلَبِهِ، وَلَمْ أُدْرِكْ مِنْهُ مَا فَاتَنِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ: الْعِلْمُ نُورٌ لِصَاحِبِهِ، وَدَلِيلٌ عَلَى حَظِّهِ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى دَرَجَاتِ السُّعَدَاءِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْعَالِمِ: أَبْلَيْتُ إِلَيْهِ فِي طَلَبِهِ جُدَّةَ الشَّبَابِ وَأَدْرَكَنِي حِينَ عَلِمْتُ الضَّعْفَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ، وَلَوِ اقْتَصَرْتُ مِنْهُ عَلَى الْقَلِيلِ كَانَ لِي فِيهِ مَرْشَدٌ إِلَى السَّبِيلِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ عَنْ سُؤَالٍ، فَقَالَ لَهُ ذُو النُّونِ: «§قَلْبِي لَكَ مُقْفَلٌ، فَإِنْ فَتَحَ لَكَ - [٣٤٨] - أَجَبْتُكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَحْ لَكَ فَاعْذُرْنِي وَاتَّهِمْ نَفْسَكَ» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشِّكْلِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: §كُنْتُ مَعَ ذِي النُّونِ فِي تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا بِشَخْصٍ قَدْ أَقْبَلَ فَقُلْتُ: أُسْتَاذٌ شَخَصَ، فَقَالَ لِي: انْظُرْ فَإِنَّهُ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ إِلَّا صِدِّيقٌ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ، فَقُلْتُ إِنَّهَا امْرَأَةٌ فَقَالَ: صِدِّيقَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَابْتَدَرَ إِلَيْهَا وَسَلَّمَ عَلَيْهَا فَرَدَّتِ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِلرَّجُلِ وَمُخَاطَبَةِ النِّسَاءِ؟ فَقَالَ لَهَا: إِنِّي أَخُوكِ ذُو النُّونِ وَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ فَقَالَتْ: مَرْحَبًا حَيَّاكَ اللَّهُ بِالسَّلَامِ فَقَالَ لَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ؟ فَقَالَتْ: آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء: ٩٧] فَكُلَّمَا دَخَلْتُ إِلَى مَوْضِعٍ يُعْصَى فِيهِ لَمْ يَهْنِنِي الْقَرَارُ فِيهِ بِقَلْبٍ قَدْ أَبْهَلَت ْهُ شِدَّةُ مَحَبَّتِهِ، وَهَامَ بِالشَّوْقِ إِلَى رُؤْيَتِهِ فَقَالَ لَهَا: صِفِي لِي، فَقَالَتْ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَنْتَ عَارِفٌ تَكَلَّمَ بِلِسَانِ الْمَعْرِفَةِ تَسْأَلُنِي؟ فَقَالَ: يَحِقُّ لِلسَّائِلِ الْجَوَابُ فَقَالَتْ: نَعَمْ، الْمَحَبَّةُ عِنْدِي لَهَا أَوَّلُ وَآخِرُ، فَأَوَّلُهَا لَهْجُ الْقَلْبِ بِذِكْرِ الْمَحْبُوبِ، وَالْحُزْنُ الدَّائِمُ، وَالتَّشَوُّقُ اللَّازِمُ، فَإِذَا صَارُوا إِلَى أَعْلَاهَا شَغَلَهُمْ وُجْدَانُ الْخَلَوَاتِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ، ثُمَّ أَخَذَتْ فِي الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: [البحر المتقارب] أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ حُبَّ الْهَوَى ... وَحُبًّا لِأَنَّكَ أَهْلٌ لِذَاكَا فَأَمَّا الَّذِي هُوَ حُبُّ الْهَوَى ... فَذِكْرٌ شُغِلْتُ بِهِ عَنْ سِوَاكَا وَأَمَّا الَّذِي أَنْتَ أَهْلٌ لَهُ ... فَكَشْفُكَ لِلْحُجْبِ حَتَّى أَرَاكَا فَمَا الْحَمْدُ فِي ذَا وَلَا ذَاكَ لِي ... وَلَكِنْ لَكَ الْحَمْدُ فِي ذَا وَذَاكَا ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَإِذَا هِيَ قَدْ فَارَقَتِ الدُّنْيَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: وُصِفَ لِي رَجُلٌ بِشَاهَرْتَ فَقَصَدْتُهُ فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي هَرَبَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُ: سَأَلْتُكَ بِمَعْبُودِكَ إِلَّا وَقَفْتَ عَلَيَّ وَقْفَةً، فَقُلْتُ سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ §بِمَ عَرَفْتَ - [٣٤٩] - اللَّهَ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعَرَّفَ إِلَيْكَ اللَّهُ حَتَّى عَرَفْتَهُ؟ فَقَالَ لِي: نَعَمْ، رَأَيْتُ لِي حَبِيبًا إِذَا قَرُبْتُ مِنْهُ قَرَّبَنِي وَأَدْنَانيِ، وَإِذَا بَعَدْتُ صَوَّتَ بِي وَنَادَانِي، وَإِذَا قُمْتُ بِالْفَتْرَةِ رَغَّبَنِي وَمَنَّانِي، وَإِذَا عَمِلْتُ بِالطَّاعَةِ زَادَنِي وَأَعْطَانِي، وَإِذَا عَمِلْتُ بِالْمَعْصِيَةِ صَبِرَ عَلَيَّ وَتَأَنَّانِي، فَهَلْ رَأَيْتَ حَبِيبًا مِثْلَ هَذَا؟ انْصَرِفْ عَنِّي وَلَا تَشْغَلْنِي ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: [البحر البسيط] حَسْبُ الْمُحِبِّينَ فِي الدُّنْيَا بَأَنَّ لَهُمْ ... مِنْ رَبِّهِمْ سَبَبًا يُدْنِي إِلَى سَبَبِ قَوْمٌ جُسُومُهُمُ فِي الْأَرْضِ سَارِيَةٌ ... نَعَمْ وَأَرْوَاحُهُمْ تَخْتَالُ فِي الْحُجُبِ لَهْفِي عَلَى خَلْوَةٍ مِنْهُ تُسَدِّدُنِي ... إِذَا تَضَرَّعْتُ بِالْإِشْفَاقِ وَالرَّغَبِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ أَنْتَ اللَّهُ مُعْتَمَدِي ... مَتَّى أَرَاكَ جِهَارًا غَيْرَ مُحْتَجِبِ حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: §مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّوْقَ لِنُورِهِ السَّمَاوَاتِ، وَأَنَّى لِوَجْهِهِ الظُّلُمَاتُ؟ وَحَجَبَهُ بِجَلَالَتِهِ عَنِ الْعُيُونِ، وَوَصَلَ بِهَا مَعَارِفَ الْعُقُولِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَبْصَارَ الْقُلُوبِ، وَنَاجَاهُ عَلَى عَرْشِهِ أَلْسِنَةُ الصُّدُورِ؟ إِلَهِي لَكَ تُسَبِّحُ كُلُّ شَجَرَةٍ، وَلَكَ تُقَدِّسُ كُلُّ مَدَرَةٍ بَأَصْوَاتٍ خَفِيَّةٍ وَنَغَمَاتٍ زَكِيَّةٍ، إِلَهِي قَدْ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْكَ قَدَمِي، وَرَفَعْتُ إِلَيْكَ بَصَرِي، وَبَسَطْتُ إِلَى مَوَاهِبِكَ يَدِي، وَصَرَخَ إِلَيْكَ صَوْتِي وَأَنْتَ الَّذِي لَا يُضْجِرُهُ النِّدَا ولَاَ تُخَيِّبُ مَنْ دَعَاكَ، إِلَهِي هَبْ لِي بَصَرًا يَرْفَعُهُ إِلَيْكَ صِدْقُهُ، فَإِنَّ مَنْ تَعَرَّفَ إِلَيْكَ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَمَنْ يَلُوذُ بِكَ غَيْرُ مَخْذُولٍ، وَمَنْ يَبْتَهِجُ بِكَ مَسْرُورٌ وَمَنْ يَعْتَصِمُ بِكَ مَنْصُورٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدٌ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: إِنَّ §لِلَّهِ خَالِصَةً مِنْ عِبَادِهِ، وَنُجَبَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَصَفْوَةً مِنْ بَرِيَّتِهِ صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ، أَرْوَاحُهَا فِي الْمَلَكُوتِ مُعَلَّقَةٌ، أُولَئِكَ نُجَبَاءُ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، وَأُمَنَاءُ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَالْوَسِيلَةُ إِلَى دِينِهِ، هَيْهَاتَ بَعُدُوا وَفَاتُوا، وَوَارَتْهُمْ بُطُونُ الْأَرْضِ وَفِجَاجُهَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ فِيهَا بِحُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَيْنَ؟ أَولَئِكَ قَوْمٌ حَجَبَهُمُ اللَّهُ مِنْ عُيُونِ خَلْقِهِ، وَأَخْفَاهُمْ عَنْ آفَاتِ الدُّنْيَا وَفِتَنِهَا، أَلَا وَهُمُ - [٣٥٠] - الَّذِينَ قَطَعُوا أَوْدِيَةَ الشُّكُوكِ بِالْيَقِينِ، وَاسْتَعَانُوا عَلَى أَعْمَالِ الْفَرَائِضِ بِالْعِلْمِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِ أَعْمَالِهِمْ بِالْمَعْرِفَةِ، وَهَرَبُوا مِنْ وَحْشَةِ الْغَفْلَةِ وَتَسَرْبَلُوا بِالْعِلْمِ لِاتِّقَاءِ الْجَهَالَةِ، وَاحْتَجَزُوا عَنِ الْغَفْلَةِ بِخَوْفِ الْوَعِيدِ، وَجَدُّوا فِي صِدْقِ الْأَعْمَالِ لِإِدْرَاكِ الْفَوْتِ، وَخَلَوْا عَنْ مَطَامِعِ الْكَذِبِ وَمُعَانَقَةِ الْهَوَى، وَقَطَعُوا عُرَى الِارْتِيَابِ بَرَوْحِ الْيَقِينِ وَجَاوَزُوا ظُلَمَ الدُّجَا وَدَحَضُوا حَجِيجَ الْمُبْتَدِعِينَ بِاتِّبَاعِ السُّنَنِ، وَبَادَرُوا إِلَى الِانْتِقَالِ عَنِ الْمَكْرُوهِ قَبْلَ فَوْتِ الْإِمْكَانِ، وَسَارَعُوا فِي الْإِحْسَانِ تَعْرِيضًا لِلْقُعُودِ عَنِ الْإِسَاءَةِ وَلَاقَوُا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ اسْتِجْلَالًا لِمَزِيدِهِ، وَجَعَلُوهُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ عِنْدَ خَوَاطِرِ الْهِمَمِ وَحَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَغُرُورِهَا، فَزَهِدُوا فِيهَا عَلَانًا، وَأَكَلُوا مِنْهَا قَصْدًا وَقَدَّمُوا فَضْلًا، وَأَحْرَزُوا ذُخْرًا، وَتَزَوَّدُوا مِنْهَا التَّقْوَى، وَشَمَّرُوا فِي طَلَبِ النَّعِيمِ بِالسَّيْرِ الْحَثِيثِ وَالْأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ بَلْ لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَقَلُوا فَعَرَفُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَتَفَكَّرُوا فَاعْتَبَرُوا حَتَّى أَبْصَرُوا، فَلَمَّا أَبْصَرُوا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ طُرُقَاتُ أَحْزَانِ الْآخِرَةِ، فَقَطَعَ بِهِمُ الْحُزْنُ حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ عَنِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ هَيٍّ خَوْفًا مِنَ التَّزْيِينِ فَيَسْقُطُوا مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، فَأَمْسَكُوا وَأَصْبَحُوا فِي الدُّنْيَا مَغْمُومِينَ وَأَمْسَوْا فِيهَا مَكْرُوبِينَ، مَعَ عُقُولٍ صَحِيحَةٍ، وَيَقِينٍ ثَابِتٍ، وَقُلُوبٍ شَاكِرَةٍ، وَأَلْسُنٍ ذَاكِرَةٍ وَأَبْدَانٍ صَارَّةٍ وَجَوَارِحَ مُطِيعَةٍ، أَهْلُ صِدْقٍ وَنُصْحٍ وَسَلَامَةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرِضًا وَإِيمَانٍ، عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ فَشَغَلُوا الْجَوَارِحَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ، وَذِكْرٍ وَحَيَاءٍ، وَقطَعُوا الدُّنْيَا بِالصَّبْرِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ وَهَجَرُوا الْهَوَى بِدَلَّاتِ الْعُقُولِ وَتَمَسَّكُوا بِحُكْمِ التَّنْزِيلِ وَشَرَائِعِ السُّنَنِ وَلَهُمْ فِي كُلِّ ثَارَةٍ مِنْهَا دَمْعَةٌ وَلَذَّةٌ وَفِكْرٌ وَعِبْرَةٌ، وَلَهُمْ مَقَامٌ عَلَى الْمَزِيدِ لِلزِّيَادَةِ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالصَّالِحِينَ "قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَعْرِفَةِ مُدَّعِيًا وَتَكُونَ بِالزُّهْدِ مُحْتَرِفًا وَتَكُونَ بِالْعِبَادَةِ مُتَعَلِّقًا، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَسِّرْ لَنَا ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ إِذَا أَشَرْتَ فِي الْمَعْرِفَةِ إِلَى نَفْسِكَ بِأَشْيَاءَ وَأَنْتَ مُعَرًّى مِنْ حَقَائِقِهَا كُنْتَ مُدَّعِيًا؟ وَإِذَا كُنْتَ فِي الزُّهْدِ مَوْصُوفًا بِحَالَةٍ وَبِكَ دُونَ الْأَحْوَالِ كُنْتَ مُحْتَرِفًا وَإِذَا عَلَّقْتَ بِالْعِبَادَةِ قَلْبَكَ وَظَنَنْتَ أَنَّكَ تَنْجُو مِنَ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ لَا بِاللَّهِ كُنْتَ بِالْعِبَادَةِ مُتَعَلِّقًا لَا بِوَلِيِّهَا وَالْمَنَّانِ عَلَيْكَ؟" قَالَ: وَسَمِعْتُ - [٣٥١] - ذَا النُّونِ يَقُولُ: «مُعَاشَرَةُ الْعَارِفِ كَمُعَاشَرَةِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ عَنْكَ وَيَحْلُمُ عَنْكَ تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ الْجَمِيلَةِ» ، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «أَهْلُ الذِّمَّةِ يَحْمِلُونَ عَلَى الْحَالِ الْمَحْمُودَةِ وَالْمُبَاحِ مِنَ الْفِعْلِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَنِيفِيِّ، الْحَنِيفِيُّ أَوْلَى بِالْحِلْمِ وَالصَّفْحِ وَالِاحْتِمَالِ» حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي الْفَيْضِ ذِي النُّونِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: §أَصْبَحْتُ تَعِبًا إِنْ نَفَعَنِي تَعَبِي وَالْمَوْتُ يَجِدُّ فِي طَلَبِي وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مُقِيمًا عَلَى ذَنْبٍ وَنِعْمَةٍ، فَلَا أَدْرِي مِنَ الذَّنْبِ أَسْتَغْفِرُ أَمْ عَلَى النِّعْمَةِ أَشْكُرُ، وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ أَصْبَحْتُ بَطَّالًا عَنِ الْعِبَادَةِ مُتَلَوِّثًا بِالْمَعَاصِي أَتَمَنَّى مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ وَأَعْمَلُ عَمَلَ الْأَشْرَارِ، وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «إِلَهِي لَوْ أَصَبْتُ مُوْئِلًا فِي الشَّدَائِدِ غَيْرَكَ أَوْ مَلْجَأً فِي الْمَنَازِلِ سِوَاكَ لَحَقَّ لِي أَنْ لَا أَعْرِضَ إِلَيْهِ بِوَجْهِي عَنْكَ، وَلَا أَخْتَارَهَ عَلَيْكَ، لِقَدِيمِ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ وَحَدِيثِهِ، وَظَاهِرِ مِنَّتِكَ عَلَيَّ وَبَاطِنِهَا، وَلَوْ تَقَطَّعْتُ فِي الْبِلَادِ إِرَبًا إِرَبًا، وَأُنْصِبْتُ عَلَى الشَّدَائِدِ صَبًّا صَبًّا، وَلَا أَجِدُ مُشْتَكًى غَيْرَكَ، وَلَا مَفْرَجًا لِمَا بِي عَنْ سِوَاكَ فَيَا وَارِثَ الْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَيَا بَاعِثَ جَمِيعَ مَنْ فِيهَا، وَرِّثْ أَمَلِي فِيكَ مِنِّي أَمَلِي، وَبَلِّغْ هَمِّي فِيكَ مُنْتَهَى وَسَائِلِي» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الرَّازِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: يَا خُرَاسَانِيُّ §احْذَرْ أَنْ تَنْقَطِعَ عَنْهُ فَتَكُونَ مَخْدُوعًا قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْمَخْدُوعَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى عَطَايَاهُ فَيَنْقَطِعَ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِ بِالنَّظَرِ إِلَى عَطَايَاهُ، ثُمَّ قَالَ: تَعَلَّقَ النَّاسُ بِالْأَسْبَابِ وَتَعَلَّقَ الصِّدِّيقُونَ بِوَلِيِّ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَامَةُ تَعَلُّقِ قُلُوبِهِمْ بِالْعَطَايَا طَلَبُهُمْ مِنْهُ الْعَطَايَا، وَمِنْ عَلَامَةِ تَعَلُّقِ قَلْبِ الصِّدِّيقِ بَوَلِي الْعَطَايَا انْصِبَابُ الْعَطَايَا عَلَيْهِ وَشغْلُهُ عَنْهَا بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَكُنِ اعْتِمَادُكَ عَلَى اللَّهِ فِي الْحَالِ لَا عَلَى الْحَالِ مَعَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: اعْقِلْ فَإِنَّ هَذَا مِنْ صَفْوَةِ التَّوْحِيدِ " حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحًمَّدٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ - [٣٥٢] -، ثنا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيَم الْخَوَّاصُ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: §مَنْ أَدْرَكَ طَرِيقَ الْآخِرَةِ فَلْيُكْثِرْ مَسْأَلَةَ الْحُكَمَاءِ وَمشَاوَرَتَهُمْ، وَلَكِنْ أَوًّلُ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالْعَقْلِ، وَمَتى أَرَدْتَ الْخِدْمَةَ لِلَّهِ فَاعْقِلْ لِمَ تَخْدُمُ ثُمُّ أَخْدِمْ " حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَحْمَدُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ذَا النُّونِ فَسَأَلَهُ: §مَتَى تَصِحُّ لِي عُزْلَةُ الْخَلْقِ؟ قَالَ: إِذَا قَوِيتَ عَلَى عُزْلَةِ نَفْسِكَ، قَالَ: فَمَتَى يَصِحُّ طَلَبِي لِلزُّهْدِ؟ قَالَ: إِذَا كُنْتَ زَاهِدًا فِي نَفْسِكَ هَارِبًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَشْغَلُكَ عَنِ اللَّهِ لَأَنَّ جَمِيعَ مَا شَغَلَكَ عَنِ اللَّهِ هِيَ دُنْيَا قَالَ يُوسُفُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِطَاهِرٍ الْقُدْسِيِّ فَقَالَ: هَذَا نُزُلُ أَخْبَارِ الْمُرْسَلِينَ حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ وَسُئِلَ §أَيُّ الْحِجَابِ أَخْفَى الَّذِي يَحْتَجِبُ بِهِ الْمُرِيدُ عَنِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ: مُلَاحَظَةُ النَّفْسِ وَتَدْبِيرُهَا، وَقَالَ ذُو النُّونِ وَقاَلَ بَعْضُهُمْ: عَلِمَ الْقَوْمِ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُمْ عَلَى حَالِ فَاحْتَرَزُو لِلَّهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَقَالَ لَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الزُّهَّادِ وَكَانَ حَاضِرًا بِمَجْلِسِهِ، يُقَالُ لَهُ طَاهِرٌ - يَا أَبَا الْفَيْضِ رَحِمَكَ اللَّهُ بَلْ نَظَرُوا بِعَيْنِ الْيَقِينِ إِلَى مَحْبُوبِ الْقُلُوبِ فَرَأَوْهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مَوْجُودًا، وَفِي كُلِّ لَمْحَةٍ وَلَحْظَةٍ قَرِيبًا بِكُلِّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ عَلِيمًا، وَعَلَى كُلِّ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ شَهِيدًا، وَعَلَى مَكْرُوهٍ وَمَحْبُوبٍ قَائِمًا، وَعَلى تَقْرِيبِ الْبَعِيدِ وَتَبْعِيِدِ الْقَرِيبِ مُقْتَدِرًا وَلَهُمْ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ سَائِسًا، وَلِمَا يُرِيدُهُمْ بِهِ مُوَفِّقًا، فَاسْتَغْنَوْا بِسَيَاسَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَقْوِيَتِه عَنْ تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ، وَخَاضُوا الْبِحَارَ وَقَطَعُوا الْقِفَارَ بِرَوْحِ النَّظَرِ إِلَى نَظَرِهِ الْبَهِيجِ، وَخَرَقُوا الظُّلُمَاتِ بِنُورِ مُشَاهَدِتِه، وَتَجَرَّعُوا الْمَرَارَاتِ بِحَلَاوَةِ وُجُودِهِ، وَكَابَدُوا الشَّدَائِدَ وَاحْتَمَلُوا الْأَذَى فِي جَنْبِ قُرْبِهِ وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَخَاطَرُوا بِالنُّفُوسِ فِيمَا يَعْلَمُونَ وَيَحْمِلُونَ ثِقَةً مِنْهُمْ بِاجْتِيَازِهِ، وَرَضُوا بِمَا يَضَعُهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ مَحَبَّةً مِنْهُمْ لِإِرَادَتِهِ وَمُوَافَقَةً لِرِضَاهُ سَاخِطِينَ عَلَى أَنُفُسِهِمْ مَعْرِفَةً مِنْهُمْ بِحَقِّهِ، وَاسْتِعْدَادًا لِلْعُقُوبَةِ - [٣٥٣] - بِعَدْلِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَدَّاهُمْ ذِلِكَ إِلَى الِابْتِلَاءِ مِنْهُ فَلَمْ تَسَعْ عُقُولُهُمْ وَمَفَاصِلُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ مَحَبَّةً لِغَيْرِهِ، وَلَمْ تَبْقَ زِنَةُ خَرْدَلَةٍ مِنْهُمْ خَالِيَةً مِنْهُ وَلَا بَاقِيًا فِيهِمْ سِوَاهُ، فَهُمْ لَهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، وَهُوَ لَهُمْ حَظُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَحَبَّهُمْ فَأَحَبُّوهُ، وَكَانُوا لَهُ وَكَانَ لَهُمْ، وَآثَرُوهُ وَآثَرَهُمْ، وَذَكَرُوهُ فَذَكَرَهُمْ {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: ٢٢] فَصَاحَ عِنْدَ ذَلِكَ ذُو النُّونِ وَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ؟ وَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِمْ وَكَيْفَ الْمَسْلَكُ؟ فَصَاحَ بِه: يَا أَبَا الْفَيْضِ الطَّرِيقُ مُسْتَقِيمٌ، وَالْحُجَّةُ وَاضِحَةٌ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتُ وَاللَّهِ يَا أَخِي، فَالْهَرَبَ إِلَيْهِ وَلَا تُعَرِّجْ إِلَى غَيْرِهِ حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: وَيْحَكَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ عَلَى حَقِيقَةٍ نَسِيَ فِي حُبِّهِ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَنْ نَسِيَ فِي حُبِّهِ كُلَّ شَيْءٍ حَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ وَكَانَ لَهُ عِوَضًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَيْضِ دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصِّدْقِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ: يَا أَخِي §أَدِّ إِلَى اللَّهِ صِدْقَ حَالَتِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا تَرْقَ حَيْثُ لَمْ نَرْقَ فَتَزِلَّ قَدَمُكَ فَإِنَّهُ إِذَا زَلَّ بِكَ لَمْ تَسْقُطْ، وَإِذَا ارْتَقَيْتَ أَنْتَ تَسْقُطُ وَإِيَّاكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا تَرَاهُ يَقِيناً لِمَا تَرْجُوهُ شَكًّا، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ وَسُئِلَ: مَتَى يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولُ: أَرَانِي اللَّهُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ذُو النُّونِ: أَكْثَرُ النَّاسِ إِشَارَةً إِلَى اللَّهِ فِي الظَّاهِرِ أَبْعَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ، وَأَرْغَبُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْفَاهُمْ لَهَا طَلَبًا أَكْثَرُهُمْ لَهَا ذَمًّا عِنْدَ طِلَابِهَا، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كُلَّتْ أَلْسِنَةُ الْمُحَقِّقِينَ لَكَ عَنِ الدَّعَاوَى وَنَطَقَتْ أَلْسِنَةُ الْمُدَّعِينَ لَكَ باِلدَّعَاوَى قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: لَا يَزَالُ الْعَارِفُ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْفَقْرِ وَالْفَخْرِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ افْتَخَرَ وَإِذَا ذَكَرَ نَفْسَهُ افْتَقَرَ، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ وَسُئِلَ: بِمَ عَرَفَ الْعَارِفُونَ رَبَّهُمْ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ بِشَيْءٍ فَبِقَطْعِ الطَّمَعِ وَالْإِشْرَافِ مِنْهُمْ عَلَى الْيَأْسِ مَعَ التَّمَسُّكِ مِنْهُمْ باِلْأَحْوَالِ التَّي أَقَامَهُمْ عَلَيْهَا وَبَذَلَ الْمَجهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ وَصَلُوا بَعْدُ إِلَى اللَّهِ بِاللَّهِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ - [٣٥٤] - يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ وَذُكِرَ يَوْمًا عُلُوُّ الْمَرَاتِبِ وَقُرْبُ الْأَوْلِيَاءِ وَفَوَائِدُ الْأَصْفِيَاءِ وَأُنْسُ الْمُحِبِّينَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: « [البحر الخفيف] §وَمُحِبُّ الْإِلَهِ فِي غَيْبِ أُنْسِ ... مَلِكِ الْقَدَرِ خَادِمُ الزِّيِّ عَبْدُ هُوَ عَبْدٌ وَرَبُّهُ خَيْرُ رَبٍّ ... مَا لِقَلْبِ الْفَتَى عَنِ اللَّهِ ضِدُّ»

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.