فِي دُعَائِهِ: «§اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَقْصِدُ رَغْبَتِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ حَاجَتِي، وَمِنْكَ أَرْجُو نَجَاحَ طَلِبَتِي، وَبِيَدِكَ مَفَاتِيحُ مَسْأَلَتِي لَا أَسْأَلُ الْخَيْرَ إِلَّا مِنْكَ، وَلَا أَرْجُوهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَلَا أَيْأَسُ مِنْ رَوْحِكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِي بِفَضْلِكَ، يَا مَنْ جَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ حِكْمُتُهُ، وَيَا مَنْ نَفَذَ فِي كُلُّ شَيْءٍ - [٣٣٤] - حُكْمَهُ، يَا مَنِ الْكَرِيمُ اسْمُهُ، لَا أَحَدٌ لِي غَيْرُكَ فَأَسْأَلُهُ، وَلَا أَثِقُ بِسِوَاكَ فَآمُلُهُ، وَلَا أَجْعَلُ لِغَيْرِكَ مَشِيئَةً مِنْ دُونَكِ أَعْتَصِمُ بِهَا وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَسْأَلُ إِنْ جَهِلْتُكَ، وَبِمَنْ أَثِقُ بَعْدَ إِذْ عَرَفْتُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّ ثِقَتِي بِكَ وَإِنْ أَلْهَتْنِي الْغَفَلَاتُ عَنْكَ وَأَبْعَدَتْنِي الْعَثَرَاتُ مِنْكَ بِالِاغْتِرَارِ، يَا مُقِيلَ الْعَثَرَاتِ إِنْ لَمْ تَتَلَافَنِي بِعِصْمَةٍ مِنَ الْعَثَرَاتِ فَإِنِّي لَا أَحُولُ بِعَزِيمَةٍ مِنْ نَفْسِي، وَلَا أَرُومُ عَلَى خَلِيفَةٍ بِمَكَانٍ مِنْ أَمْرِي. أَنَا نِعْمَةٌ مِنْكَ وَأَنَا قَدَرٌ مِنْ قَدَرِكَ، أَجْرِي فِي نِعَمِكَ وَأَسْرَحُ فِي قَدَرِكَ، أَزْدَادُ عَلَى سَابِقَةِ عِلْمِكَ وَلَا أَنْتَقِصُ مِنْ عَزِيمَةِ أَمْرِكَ، فَأَسْأَلُكَ يَا مُنْتَهَى السُّؤَالَاتِ، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ يَا مَوْضِعَ الْحَاجَاتِ سِوَاكَ، مَنْ قَدْ كَذَبَ كُلُّ رَجَاءٍ إِلَّا مِنْكَ، وَرَغْبَةِ مَنْ رَغِبَ عَنْ كُلِّ ثِقَةٍ إِلَّا عَنْكَ أَنْ تَهَبَ لِي إِيمَانًا أَقْدَمُ بِهِ عَلَيْكَ، وَأُوصِلُ بِهِ عِظَمَ الْوَسِيلَةِ إِلَيْكَ وَأَنْ تَهَبَ لِي يَقِينًا لَا تُوهِنُهُ بِشُبْهَةٍ إِفْكٍ، وَلَا تَهِنُهُ خَطْرَةُ شَكٍّ تُرَحِّبُ بِهِ صَدْرِي وَتُيَسِّرُ بِهِ أَمْرِي وَيَأْوِي إِلَى مَحَبَّتِكَ قَلْبِي حَتَّى لَا أَلْهُوَ عَنْ شُكْرِكَ وَلَا أَنْعَمُ إِلَّا بِذِكْرِكَ، يَا مَنْ لَا تَمَلُّ حَلَاوَةَ ذِكْرِهِ أَلَسْنُ الْخَائِفِينَ، وَلَا تَكِلُّ مِنَ الرَّغَبَاتِ إِلَيْهِ مَدَامِعُ الْخَاشِعِينَ، أَنْتَ مُنْتَهَى سَرَائِرِ قَلْبِي فِي خَفَايَا الْكَتْمِ، وَأَنْتَ مَوْضِعُ رَجَائِي بَيْنَ إِسْرَافِ الظُّلْمِ. مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِكَ فَلَهَا بِمَرْضَاةِ بَشَرٍ عَنْ طَاعَتِكَ وَمَرْضَاتِكَ. رَبِّ أَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي شِدَّةِ السَّهْوِ عَنْكَ، وَأَبْلَيْتُ شَبَابِي فِي سَكْرَةِ التَّبَاعُدِ مِنْكَ، ثُمَّ لَمْ أَسْتَبْطِئْ لَكَ كَلَاءَةً وَمَنَعَةً فِي أَيَّامِ اغْتِرَارِي بِكَ وَرُكُونِي إِلَى سَبِيلِ سَخَطِكَ وَعَنْ جَهْلٍ، يَا رَبِّ قَرَّبَتْنِي الْغِرَّةُ إِلَى غَضَبَكِ، وَأَنَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَوَسِّلٌ بِكَرَمِكَ إِلَيْكَ، فَلَا يُزِلْنِي عَنْ مُقَامِ أَقَمْتَنِي فِيهِ غَيْرُكَ، وَلَا يَنْقِلُنِي مِنْ مَوْقِفِ السَّلَامَةِ مِنْ نِعَمِكَ إِلَّا أَنْتَ، أَتَنَصَّلُ إِلَيْكَ بِمَا كُنْتُ أُوَاجِهُكَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ اسْتِحْيَائِي مِنْ نَظَرِكَ، وَأَطْلُبُ الْعَفْوَ مِنْكَ يَا رَبِّ إِذِ الْعَفْوُ نِعْمَةٌ لِكَرَمِكَ، يَا مَنْ يُعْصَى وَيُتَابُ إِلَيْهِ فَيَرْضَى كَأَنَّهُ لَمْ يُعْصَ بِكَرَمٍ لَا يُوصَفُ وَتَحَنُّنٍ لَا يُنْعَتُ، يَا حَنَّانُ بِشَفَقَتِهِ يَا مُتَجَاوِزًا بِعَظَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِي حَوْلٌ فَأَنْتَقِلُ عَنْ مَعْصِيَتِكَ إِلَّا فِي وَقْتِ أَيْقَظْتَنِي فِيهِ لِمَحَبَّتِكَ، وَكَمَا أَرَدْت َ أَنْ أَكُونَ كُنْتُ، وَكَمَا رَضِيتَ أَنْ أَقُولَ قُلْتُ، خَضَعْتُ لَكَ وَخَشَعْتُ لَكَ - [٣٣٥] - إِلَهِي لِتُعِزَّنِي بِإِدْخَالِي فِي طَاعَتِكَ، وَلْتَنْظُرْ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ وَاسْتَعْمَلْتَهُ بِمَعُونَتِكَ فَأَطَاعَكَ، يَا قَرِيبٌ لَا تَبْعُدُ عَنَ الْمُعْتَزِّينَ، وَيَا وَدُودُ لَا تَعْجَلُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءُ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: "§خَرَجْتُ فِي طَلَبِ الْمُنَاجَاةِ، فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ فَعَدَلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَنا بِرَجُلٍ قَدْ غَاصَ فِي بَحْرِ الْوَلَهِ وَخَرَجَ عَلَى سَاحِلِ الْكَمَهِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَعَ الْإِصْرَارِ لُؤْمٌ وَأَنَّ تَرْكِي الِاسْتِغْفَارَ مَعَ مَعْرِفَتِي بِسِعَةِ رَحْمَتِكَ لَعَجْزٌ، إِلَهِي أَنْتَ الَّذِي خَصَّصْتَ خَصَائِصَكَ بِخَالِصِ الْإِخْلَاصِ، وَأَنْتَ الَّذِي سَلَّمْتَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ مِنِ اعْتِرَاضَ الْوَسْوَاسِ، وَأَنْتَ آنَسْتَ الْآنِسِينَ مِنْ أَوْلِيَائِكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ كِفَايَةَ رِعَايَةِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ تَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ وَتَطَّلِعُ عَلَى سَرَائِرِهِمْ، وَسِرِّي عِنْدَكَ مَكْشُوفٌ وَأَنَا إِلَيْكَ مَلْهُوفٌ. قَالَ: ثُمَّ سَكَنَتْ صَرْخَتُهُ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا" حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ أَبَا الْفَيْضِ، يَقُولُ: «§اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ تَفَكَّرُوا فَاعْتَبَرُوا، وَنَظَرُوا فَأَبْصَرُوا، وَسَمِعُوا فَتَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْمُنَازَعَةِ إِلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ حَتَّى أَنَاخَتْ وَانْكَسَرَتْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَفَتَقُوا بِنُورِ الْحِكَمِ مَا رَتَقَهُ ظُلْمُ الْغَفَلَاتِ وَفَتَحُوا أَبْوَابَ مَغَالِيقِ الْعَمَى بِأَنْوَارِ مَفَاتِيحِ الضِّيَاءِ، وَعَمَّرُوا مَجَالِسَ الذَّاكِرِينَ بِحُسْنِ مُوَاظَبَةِ اسْتِيدَامِ الثَّنَاءِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ تَرَاسَلَتْ عَلَيْهِمْ سُتُورُ عِصْمَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَحُصِّنَتْ قُلُوبُهُمْ بِطَهَارَةِ الصَّفَاءِ، وَزَيَّنْتَهَا بِالْفَهْمِ وَالْحَيَاءِ، وَطَيَّرْتَ هُمُومَهُمْ فِي مَلَكُوتِ سَمَاوَاتِكَ حِجَابًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَيْكَ فَرَدَدْتَهَا بِظَرَائِفِ الْفَوَائِدِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ سَهُلَ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الطَّاعَةِ، وَتَمَكَّنُوا فِي أَزِمَّةِ التَّقْوَى، وَمُنِحُوا بِالتَّوْفِيقِ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ فَزُيِّنُوا وَقُرِّبُوا وَكُرِّمُوا بِخِدْمَتِكَ» وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «§لَكَ الْحَمْدُ يَا ذَا الْمَنِّ وَالطَّوْلِ وَالْآلَاءِ وَالسَّعَةِ، إِلَيْكَ تَوَجَّهْنَا وَبِفِنَائِكَ أَنَخْنَا، وَلَمْعُرُوفِكَ تَعَرَّضْنَا، وَبُقْرِبَكَ نَزَلْنَا، يَا حَبِيبَ التَّائِبِينَ، وَيَا سُرُورَ - [٣٣٦] - الْعَابِدِينَ، وَيَا أَنِيسَ الْمُنَفِّرِينَ وَيَا حِرْزَ اللَّاجِئِينَ وَيَا ظَهْرَ الْمُنْقَطِعِينَ، وَيَا مَنْ حَبَّبَ إِلَيْهِ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ وَبِهِ آنَسَتْ أَفْئِدَةُ الصِّدِّيقِينَ، وَعَلَيْهِ عَطَفَتْ رَهْبَةُ الْخَائِفِينَ، يَا مَنْ أَذَاقَ قُلُوبَ الْعَابِدِينَ لَذِيذَ الْحَمْدِ وَحَلَاوَةَ الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ، يَا مَنْ يَقْبَلُ مَنْ تَابَ وَيَعْفُو عَمَّنْ أَنَابَ، وَيَدْعُو الْمُوَلِّينَ كَرَمًا وَيَرْفَعُ الْمُقْبِلِينَ إِلَيْهِ تَفَضُّلًا، يَا مَنْ يَتَأَنَّى عَلَى الْخَاطِئِينَ وَيَحْلُمُ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَيَا مَنْ حَلَّ عُقْدَةَ الرَّغْبَةِ مِنْ قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ، وَمَحَا شَهْوَةَ الدُّنْيَا عَنْ فِكْرِ قُلُوبِ خَاصَّتِهِ وَأَهْلِ مَحَبَّتِهِ، وَمَنَحَهُمْ مَنَازِلَ الْقُرْبِ وَالْوِلَايَةِ، وَيَا مَنْ لَا يُضَيِّعُ مُطِيعًا وَلَا يَنْسَى صَبِيًّا، يَا مَنْ مَنَحَ بِالنَّوَالِ، وَيَا مَنْ جَادَ بِالِاتِّصَالِ، يَا ذَا الَّذِي اسْتَدْرَكَ بِالتَّوْبَةِ ذُنُوبَنَا وَكَشَفَ بِالرَّحْمَةِ غُمُومَنَا وَصَفَحَ عَنْ جُرْمِنَا، بَعْدَ جَهْلِنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا بَعْدَ إِسَاءَتِنَا، يَا آنِسَ وَحْشَتِنَا وَيَا طَبِيبَ سَقَمِنَا، يَا غِيَاثَ مَنْ أُسْقِطَ بِيَدِهِ، وَتَمَكَّنَ حَبْلُ الْمَعَاصِي، وَأَسْفَرَ خِدْرُ الْحَيَا عَنْ وَجْهِهِ، هَبْ خُدُودَنَا لِلتُّرَابِ بَيْنَ يَدَيْكَ يَا خَيْرَ مَنْ قَدَرَ وَأَرْأَفَ مَنْ رَحِمَ وَعَفَا» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «§أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي ابْتَدَعْتَ بِهِ عَجَائِبَ الْخَلْقِ فِي غَوَامِضِ الْعِلْمِ، يَجُودُ جَلَالُ جَمَالِ وَجْهِكَ فِي عَظِيمِ عَجِيبِ تَرْكِيبِ أَصْنَافِ جَوَاهِرِ لُغَاتِهَا، فَخَرَّتِ الْمَلَائِكَةُ سُجَّدًا لِهَيْبَتِكَ مِنْ مَخَافَتِكَ أَنْ تَجْعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ سَرَحَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْعُلَى وَحَطَّتْ هِمَمُ قُلُوبِهِمْ فِي مُغَلِّبَاتِ الْهَوَى حَتَّى أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ النَّعِيمِ، وَجَنَوْا مِنْ ثِمَارِ التَّسْنِيمِ، وَشَرِبُوا بِكَأْسِ الْعِشْقِ وَخَاضُوا لُجَجَ السُّرُورِ وَاسْتَظَلُّوا تَحْتَ فِنَاءِ الْكَرَامَةِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ شَرِبُوا بِكَأْسِ الصَّفَا فَأَوْرَثَهُمُ الصَّبْرَ عَلَى طُولِ الْبَلَاءِ حَتَّى تَوَلَّيْتَ قُلُوبَهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ وَجَالَتْ بَيْنَ سَرَائِرِ حُجُبِ الْجَبَرُوتِ، وَمَالَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي ظِلِّ بَرْدِ نَسِيمِ الْمُشْتَاقِينَ الَّذِينَ أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ الرَّاحَةِ وَمَعْدِنِ الْعِزِّ وَعَرَصَاتِ الْمُخَلَّدِينَ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عُثْمَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: "اعْتَلَّ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِي فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنِ ادْعُ اللَّهَ لِي فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ: §سَأَلْتَنِي أَنْ أَدْعُوَ - [٣٣٧] - اللَّهَ لَكَ أَنْ يُزِيلَ عَنْكَ الْغَمَّ وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْعِلَّةَ مَجْزَلَةٌ يَأْنَسُ بِهَا أَهْلُ الصَّفَا وَالْهِمَمِ وَالضِّيَاءِ فِي الْحَيَاةِ، ذِكْرُكَ لِلشِّفَاءِ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً فَلَيْسَ مِنَ الْحُكَمَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَأْمَنِ التَّشْفِيقَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ أَمِنَ أَهْلَ التُّهْمَةِ عَلَى أَمْرِهِ، فَلْيَكُنْ مَعَكَ يَا أَخِي حَيَاءٌ يَمْنَعُكَ عَنِ الشَّكْوَى، وَالسَّلَامُ" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ: لَمَّا حُمِلَ ذُو النُّونِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ أَنْزَلَهُ فِي بَعْضِ الدُّورِ وَأَوْصَى بِهِ زُرَافَةَ. وَقَالَ: أَنَا إِذَا رَجَعْتُ غَدًا مِنْ رُكُوبِي فَأَخْرِجْ إِلَيَّ هَذَا الرَّجُلَ، فَقَالَ لَهُ زُرَافَةُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَوْصَانِي بِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنَ الْغَدِ مِنَ الرُّكُوبِ قَالَ لَهُ: انْظُرْ بِأَنْ تَسْتَقْبِلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالسَّلَامِ، فَلَمَّا أَخْرَجَهُ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: سَلِّمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ ذُو النُّونِ: «لَيْسَ هَكَذَا جَاءَنَا الْخَبَرُ، إِنَّمَا جَاءَنَا فِي الْخَبَرِ أَنَّ الرَّاكِبَ يُسَلِّمُ عَلَى الرَّاجِلِ» . قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَبَدَأَهُ بِالسَّلَامِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ زَاهِدُ أَهْلِ مِصْرَ؟ قَالَ: «كَذَا يَقُولُونَ» . فَقَالَ لَهُ زُرَافَةُ: فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ كَلَامِ الزُّهَّادِ. قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ §الْجَهْلَ عُلِّقَ بِنُكْتَةِ أَهْلِ الْفَهْمِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ للهِ عِبَادًا عَبُدُوهُ بِخَالِصٍ مِنَ السِّرِّ فَشَرَّفَهُمْ بِخَالِصٍ مِنْ شُكْرِهِ فَهُمُ الَّذِينَ تَمُرُّ صُحُفُهُمْ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فُرَّغًا حَتَّى إِذَا صَارَتْ إِلَيْهِ مَلَأَهَا مِنْ سِرِّ مَا أَسَرُّوا إِلَيْهِ، أَبْدَانُهُمْ دُنْيَوِيَّةٌ وَقُلُوبُهُمْ سَمَاوِيَّةٌ قَدِ احْتَوَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ كَأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَ تِلْكَ الْفُرَجِ وَأَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ لَمْ يُخْبِتُوا فِي رَبِيعِ الْبَاطِلِ وَلَمْ يَرْتَعُوا فِي مَصِيفِ الْآثَامِ، وَنَزَّهُوا اللَّهَ أَنْ يَرَاهُمْ يَثِبُونَ عَلَى حَبَائِلِ مَكْرِهِ هَيْبَةً مِنْهُمْ لَهُ وَإِجْلَالًا أَنْ يَرَاهُمْ يَبِيعُونَ أَخْلَاقَهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَدُومُ وَبِلَذَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ مَزْهُودَةٍ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ أَجْلَسَهُمْ عَلَى كَرَاسِيِّ أَطْبَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَدْوَاءِ وَالنَّظَرِ فِي مَنَابِتِ الدَّوَاءِ، فَجَعَلَ تَلَامِذَتَهُمْ أَهْلَ الْوَرَعِ وَالْبَصَرِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَتَاكُمْ عَلِيلٌ مِنْ فَقْدِي فَدَاوُوهُ أَوْ مَرِيضٌ مِنْ تَذَكُّرِي فَأَدْنُوهُ، أَوْ نَاسٍ لِنِعْمَتِي فَذَكِّرُوهُ، أَوْ مُبَارِزٌ لِي بِالْمَعَاصِي فَنَابِذُوهُ، أَوْ مُحِبٌّ لِي فَوَاصِلُوهُ، يَا أَوْلِيَائِي فَلَكُمْ عَاتَبْتُ وَلَكُمْ خَاطَبْتُ وَمِنْكُمُ الْوَفَاءَ طَلَبْتُ، لَا أُحِبُّ اسْتِخْدَامَ - [٣٣٨] - الْجَبَّارِينَ وَلَا تَوَلِّي الْمُتَكَبِّرِينَ وَلَا مُصَافَاةِ الْمُتْرَفِينَ، يَا أَوْلِيَائِي وَأَحْبَابِي جَزَائِي لَكُمْ أَفْضَلُ الْجَزَاءِ وَإِعْطَائِي لَكُمْ أَفْضَلُ الْعَطَاءِ وَبَذْلِي لَكُمْ أَفْضَلُ الْبَذْلِ، وَفَضْلِي عَلَيْكُمْ أَوْفَرُ الْفَضْلِ، وَمُعَامَلَتِي لَكُمْ أَوْفَى الْمُعَامَلَةِ وَمُطَالَبَتِي لَكُمْ أَشَدُّ مُطَالَبَةً، وَأَنَا مُقَدِّسُ الْقُلُوبِ وَأَنَا عَلَّامُ الْغُيُوبِ وَأَنَا عَالِمٌ بِمَجَالِ الْفِكْرِ وَوَسْوَاسِ الصُّدُورِ، مَنْ أَرَادَكُمْ قَصَمْتُهُ وَمَنْ عَادَاكُمْ أَهْلَكْتُهُ" . ثُمَّ قَالَ ذُو النُّونِ: «بِحُبِّكَ وَرَدَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى بَحْرِ مَحَبَّتِهِ فَاغْتَرَفَتْ مِنْهُ رِيًّا مِنَ الشَّرَابِ فَشَرِبَتْ مِنْهُ بِمَخَاطِرِ الْقُلُوبِ فَسَهُلَ عَلَيْهَا كُلُّ عَارِضٍ عَرَضَ لَهَا عِنْدَ لِقَاءِ الْمَحْبُوبِ، فَوَاصَلَتِ الْأَعْضَاءُ الْمُبَادَرَةَ وَأَلِفَتِ الْجَوَارِحُ تِلْكَ الرَّاحَةَ، فَهُمْ رَهَائِنُ أَشْغَالِ الْأَعْمَالِ، قَدِ اقْتَلَعَتْهُمُ الرَّاحَةُ بِمَا كُلِّفُوا أَخْذَهُ عَنِ الِانْبِسَاطِ بِمَا لَا يَضُرُّهُمْ تَرْكُهُ. قَدْ سَكَنَتْ لَهُمُ النُّفُوسُ وَرَضُوا بِالْفَقْرِ وَالْبُؤْسِ وَاطْمَأَنَّتْ جَوَارِحُهُمْ عَلَى الدُّءُوبِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْحَرَكَاتِ، وَظَعَنَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنِ الْمَطَاعِمِ وَالشَّهَوَاتِ، فَتَوَالَهُوا بِالْفِكْرَةِ، وَاعْتَقَدُوا بِالصَّبْرِ، وَأَخَذُوا بِالرِّضَا وَلَهَوْا عَنِ الدُّنْيَا، وَأَقَرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ لِلْمَلِكِ الدَّيَّانِ وَرَضُوا بِهِ دُونَ كُلِّ رَقِيبٍ وَحَمِيمٍ فَخَشَعُوا لِهَيْبَتِهِ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِالتَّقْصِيرِ وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَلَمْ يُبَالُوا بِالْقِلَّةِ إِذَا خَلَّوْا بِأَقَلِّ بُكَاءٍ، وَإِذَا عُومِلُوا فَإِخْوانُ حَيَاءٍ، وَإِذَا كُلِّمُوا فَحُكَمَاءُ، وَإِذَا سُئِلُوا فَعُلَمَاءُ، وَإِذَا جُهِلَ عَلَيْهِمْ فَحُلَمَاءُ، فَلَوْ قَدْ رَأَيْتَهُمْ لَقُلْتَ عَذَارَى فِي الْخُدُورِ، وَقَدْ تَحَرَّكَتْ لَهُمُ الْمَحَبَّةُ فِي الصُّدُورِ بِحُسْنِ تِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي قَدْ عَلَاها النُّورُ، وَإِذَا كَشَفْتَ عَنِ الْقُلُوبِ رَأَيْتَ قُلُوبًا لَيِّنَةً مُنْكَسِرَةً، وَبِالذِّكْرِ نَائِرَةً وَبِمُحَادَثَةِ الْمَحْبُوبِ عَامِرَةً، لَا يَشْغَلُونَ قُلُوبَهُمْ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَمِيلُونَ إِلَى مَا دُونَهُ، قَدْ مَلَأَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ صُدُورَهُمْ فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ شَهْوَةً وَلَا بِغَيْرِ الْأَنِيسِ وَمُحَادَثَةِ اللَّهِ لَذَّةً، إِخْوَانُ صِدْقٍ وَأَصْحَابُ حَيَاءٍ وَوَفَاءٍ وَتُقًى وَوَرِعٍ وَإِيمَانٍ وَمَعْرِفَةٍ وَدِينٍ، قَطَعُوا الْأَوْدِيَةَ بِغَيْرِ مَفَاوِزَ، وَاسْتَقَلُّوا الْوَفَاءَ بِالصَّبْرِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ، وَاسْتَعَانُوا بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَأَوْضَحَ لَهُمُ الْحُجَّةَ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ فَرَفَضُوا طَرِيقَ الْمَهَالِكِ وَسَلَكُوا خَيْرَ الْمَسَالِكِ وَدَلَّهُمْ، أُولَئِكَ هُمُ الْأَوْتَادُ الَّذِينَ بِهِمْ تُوهَبُ الْمَوَاهِبُ، وَبِهِمْ تُفْتَحُ الْأَبْوَابُ، وَبِهِمْ يَنْشَأُ السَّحَابُ، وَبِهِمْ يُدْفَعُ العَذَابُ، وَبِهِمْ يَسْتَقِي الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ» سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ - الْمَذْكُورَ بِنَيْسَابُورَ - يَقُولُ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: "§تُنَالُ الْمَعْرِفَةُ بِثَلَاثٍ: بِالنَّظَرِ فِي الْأُمُورِ كَيْفَ دَبَّرَهَا، وَفِي الْمَقَادِيرِ كَيْفَ قَدَّرَهَا وَفِي الْخَلَائِقِ كَيْفَ خَلَقَهَا" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا عَبْدُ الْحَكَمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَلَّامٍ الصَّدَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: قَرَأْتُ فِي بَابِ مِصْرَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَتَدَبَّرْتُهُ فَإِذَا فِيهِ §يُقَدِّرُ الْمُقَدِّرُونَ، وَالْقَضَاءُ يَضْحَكُ " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ مِنْ أَصْلِهِ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الدَّيْنَوَرِيُّ الْمُفَسِّرُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيَنْ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشِّمْشَاطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: «إِنَّ §لِلَّهِ عِبَادًا مَلَأَ قُلُوبَهُمْ مِنْ صَفَاءِ مَحْضِ مَحَبَّتِهِ وَهَيَّجَ أَرْوَاحَهُمْ بِالشَّوْقِ إِلَى رُؤْيَتِهِ فَسُبْحَانَ مَنْ شَوَّقَ إِلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ، وَأَدْنَى مِنْهُ هِمَمَهُمْ وَصَفَتْ لَهُ صُدُورَهُمْ، سُبْحَانَ مُوَفِّقِهِمْ وَمُؤْنِسِ وَحْشَتِهِمْ وَطَبِيبِ أَسْقَامِهِمْ، إِلَهِي لَكَ تَوَاضَعَتْ أَبْدَانُهُمْ مِنْكَ إِلَى الزِّيَادَةِ، انْبَسَطَتْ أَيْدِيهِمْ مَا طَيَّبْتَ بِهِ عَيْشَهُمْ، وَأَدَمْتَ بِهِ نَعِيمَهُمْ، فَأَذَقْتَهُمْ مِنْ حَلَاوَةِ الْفَهْمِ عَنْكَ، فَفَتَحْتَ لَهُمْ أَبْوَابَ سَمَوَاتِكَ، وَأَنْحَنْتَ لَهُمُ الْجَوَازَ فِي مَلَكُوتِكَ، بِكَ أَنِسَتْ مَحَبَّةُ الْمُحِبِّينَ، وَعَلَيْكَ مُعَوَّلُ وَشَوْقُ الْمُشْتَاقِينَ وَإِلَيْكَ حَنَّتْ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ، وَبِكَ آسَتْ قُلُوبُ الصَّادِقِينَ، وَعَلَيْكَ عَكَفَتْ رَهْبَةُ الْخَائِفِينَ، وَبِكَ اسْتَجَارَتْ أَفْئِدَةُ الْمُقَصِّرِينَ، قَدْ بُسِطَتِ الرَّاحَةُ مِنْ فُتُورِهِمْ، وَقَلَّ طَمَعُ الْغَفَلَةِ فِيهِمْ لَا يَسْكُنُونَ إِلَى مُحَادَثَةِ الْفِكْرَةِ فِيمَا لَا يُعْنِيهِمْ وَلَا يَفْتُرُونَ عَنِ التَّعَبِ وَالسَّهَرِ يُنَاجُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ بِمَسْكَنَتِهِمْ يَسْأَلُونَهُ الْعَفْوَ عَنْ زَلَّاتِهِمْ وَالصَّفْحَ عَمَّا وَقَعَ الْخَطَأُ بِهِ فِي أَعْمَالِهِمْ فَهُمُ الَّذِينَ ذَابَتْ قُلُوبُهُمْ بِفِكْرِ الْأَحْزَانِ وَخَدَمُوهُ خِدْمَةَ الْأَبْرَارِ الَّذِيِنَ تَدَفَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِبِرِّهِ وَعَامَلُوهُ بِخَالِصٍ مِنْ سِرِّهِ حَتَّى خَفِيَتْ أَعْمَالُهُمْ عَنِ الْحَفَظَةِ فَوَقَعَ بِهِمْ مَا أَمَّلُوا مِنْ عَفْوِهِ وَوَصَلُوا بِهَا إِلَى مَا أَرَادُوا مِنْ مَحَبَّتِهِ فَهُمْ وَاللَّهِ الزُّهَّادُ وَالسَّادَةُ مِنَ الْعُبَّادِ الَّذِينَ حَمَلُوا أَثْقَالَ الزَّمَانِ فَلَمْ يَأْلَمُوا بِحَمْلِهَا، وَقَفُوا فِي مَوَاطِنِ الِامْتِحَانِ فَلَمْ تَزُلْ أَقْدَامُهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهَا حَتَّى مَالَ بِهِمُ - [٣٤٠] - الدَّهْرُ وَهَانَتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ وَذَهَبُوا بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ عَنِ الدُّنْيَاَ، إِلَهِي فِيكَ نَالُوا مَا أَمَّلُوا كُنْتَ لَهُمْ سَيِّدِي مُؤَيِّدًا وَلِعُقُولِهِمْ مُؤَدِّيَا حَتَّى أَوْصَلْتَهُمْ أَنْتَ إِلَى مَقَامِ الصَّادِقِينَ فِي عَمَلِكَ وَإِلَى مَنَازِلِ الْمُخْلِصِينَ فِي مَعْرِفَتِكَ فَهُمْ إِلَى مَا عِنْدَ سَيِّدِهِمْ مُتَطَلِّعُونَ وَإِلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ وَعِيدِهِ نَاظِرُونَ ذَهَبَتِ الْأَلَامُ عَنْ أَبْدَانِهِمْ لَمَّا أَذَاقَهُمْ مِنْ حَلَاوَةِ مُنَاجَاتِهِ وَلَمَّا أَفَادَهُمْ مِنْ ظَرَائِفِ الْفَوَائِدِ مْنِ عِنْدِهِ فَيَا حُسْنَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ أَقْبَلَ بَحَنَادِسِ ظُلْمَتِهِ وَهَدَأَتْ عَنْهُمْ أَصْوَاتُ خَلِيقَتِهِ وَقَدِمُوا إِلَى سَيِّدِهِمُ الَّذِي لَهُ يَأْمَلُونَ فَلَوْ رَأَيْتَ أَيُّهَا الْبَطَّالُ أَحَدَهُمْ وَقَدْ قَامَ إِلَى صَلَاتِهِ وَقِرَاءَتِهِ فَلَمَّا وَقَفَ فِي مِحْرَابِهِ وَاسْتَفْتَحَ كَلَامَ سَيِّدِهِ خَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَقَامَ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَانْخَلَعَ قَلْبُهُ وَذَهَلَ عَقْلُهُ فَقُلُوبُهُمْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ مُعَلَّقَةٌ وَأَبْدَانُهُمْ بَيْنِ أَيْدِي الْخَلَائِقِِ عَارِيَةٌ وَهُمُومُهُمْ بِالْفِكْرِ دَائِمَةٌ، فَمَا ظَنُّكَ بِأَقْوَامٍ أَخْيَارٍ أَبْرَارٍ وَقَدْ خَرَجُوا مِنْ رِقِّ الْغَفْلَةِ وَاسْتَرَاحُوا مِنْ وَثَائِقِ الْفَتْرَةِ وَأَنِسُوا بِيَقِينِ الْمَعْرِفَةِ وَسَكَنُوا إِلَى رَوْحِ الْجِهَادِ وَالْمُرَاقَبَةِ، بَلَّغَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الشِّمْشَاطِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي جِبَالِ أَنْطَاكِيَّةَ وَإِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا مَجْنُونُةٌ وَعَلَيْهَا جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَسَلَمَّتْ عَلَيْهَا فَرَدَّتِ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَتْ: أَلَسْتَ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، قُلْتُ: عَافَاكِ اللَّهُ كَيْفَ عَرَفْتِينِي؟ قَالَتْ: فَتَقَ الْحَبِيبُ بَيْنِي وَبَيْنَ قَلْبِكَ فَعَرَفْتُكَ بِاتِّصَالِ مَعْرِفَةِ حُبِّ الْحَبِيبِ، ثُمَّ قَالَتْ: أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةً؟ قُلْتُ: سَلِينِي قَالَتْ §أَيُّ شَيْءٍ السَّخَاءُ؟ قُلْتُ: الْبَذْلُ وَالْعَطَاءُ قَالَتْ: هَذَا السَّخَاءُ فِي الدُّنْيَا فَمَا السَّخَاءُ فِي الدِّينِ؟ قُلْتُ: الْمُسَارَعَةُ إِلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى قَالَتْ: فَإِذَا سَارَعْتَ إِلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى تُحِبُّ مِنْهُ خَيْرًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ لِلْوَاحِدِ عَشْرَةٌ، قَالَتْ: مُرَّ يَا بَطَّالُ، هَذَا فِي الدِّينِ قَبِيحٌ وَلَكِنِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى أَنْ يَطَّلِعَ إِلَى قَلْبِكَ وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ وَيْحَكَ يَا ذَا النُّونِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ شَهْوَةٍ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَأَسْتَحِي مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ أَكُونَ كَأَجِيرِ السُّوءِ إِذَا عَمِلَ طَلَبَ الْأَجْرَ وَلَكِنْ أَعْمَلُ تَعْظِيمًا لِهَيْبَتِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ وَتَرَكَتْنِي حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ قَالَا: ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي ذُو النُّونِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ مَسِيرِي إِذْ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لِي: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ غَرِيبٌ، فَقَالَتْ لِي: وَيْحَكَ §وَهَلْ يُوجَدُ مَعَ اللَّهِ أَحْزَانُ الْغُرْبَةِ؟ وَهُوَ مُؤْنِسُ الْغُرَبَاءِ، وَمُعِينُ الضُّعَفَاءِ؟ قَالَ: فَبَكَيْتُ فَقَالَتْ لِي مَا يُبْكِيكَ؟ قُلْتُ: وَقَعَ الدَّوَاءُ عَلَى دَاءٍ قَدْ قَرِحَ فَأَسْرَعَ لِي نَجَاحُهُ، قَالَتْ: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَلِمَ بَكَيْتَ؟ قُلْتُ: وَالصَّادِقُ لَا يَبْكِي؟ قَالَتْ: لَا قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّ الْبُكَاءَ رَاحَةٌ لِلْقَلْبِ، وَمَلْجَأٌ يُلْجَأُ إِلَيْهِ، وَمَا كَتَمَ الْقَلْبُ شَيْئًا أَحَقَّ مِنَ الشَّهِيقِ وَالزَّفِيرِ، فَإِذَا أَسْبَلْتَ الدَّمْعَةَ اسْتَرَاحَ الْقَلْبُ، وَهَذَا ضَعْفُ الْأَطِبَّاءِ بِإِبْطَالِ الدَّاءِ قَالَ: فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبًا مِنْ كَلَامِهَا، فَقَالَتْ لِي: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: تَعَجَّبْتُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، قَالَتْ: وَقَدْ نَسِيتَ الْقَرْحَةَ التَّيِ سَأَلْتَ عَنْهَا؟ قُلْتُ: لَا مَا أَنَا بِالْمُسْتَغْنِي عَنْ طَلَبِ الزَّوَائِدِ قَالَتْ: صَدَقْتَ حُبَّ رَبِّكَ سُبْحَانَهُ، وَاشْتَقْ إِلَيْهِ فَإِنَّ لَهُ يَوْمًا يَتَجَلَّى فِيهِ عَلَى كُرْسِيِّ كَرَامَتِهِ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ فَيُذِيقُهُمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ كَأْسًا لَا يَظْمَئُونَ بَعْدَهُ أَبَدًا قَالَ: ثُمَّ أَخَذَتْ فِي الْبُكَاءِ وَالزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ وَهِيَ تَقُولُ: سَيِّدِي إِلَى كَمْ تَخْلُفُنِي فِي دَارٍ لَا أَجِدُ فِيهَا أَحَدًا يُسْعِفُنِي عَلَى الْبُكَاءِ أَيَّامَ حَيَاتِي - ثُمَّ تَرَكَتْنِي وَمَضَتْ حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: كَمْ مِنْ مُطِيعٍ مُسْتَأْنِسٍ، وَكَمْ عَاصٍ مُسْتَوْحِشٍ، وَكَمْ مُحَبٍّ ذَلِيلٍ، وَكُلٌّ رَاجٍ طَالِبٌ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اعْلَمُوا أَنَّ §الْعَاقِلَ يَعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، وَيُحِسُّ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وَيَجُودُ بِمَا لَدَيْهِ وَيَزْهَدُ فِيمَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَيَكُفُّ عَنْ أَذَاهُ وَيَحْتَمِلُ الْأَذَى عَنْ غَيْرِهِ وَالْكَرِيمُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ، فَكَيْفَ يَبْخَلُ بَعْدَ السُّؤَالِ؟ وَيَعْذُرُ قَبْلَ الِاعْتِذَارِ، فَكَيْفَ يَحْقِدُ بَعْدَ الِاعْتِذَارِ؟ وَيَعَفُّ قَبْلَ الِامْتِنَاعِ فَكَيْفَ يَطْمَعُ فِي الِازْدِيَادِ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْمَحَبَّةِ: الرِّضَا فِي الْمَكْرُوهِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ فِي الْمَجْهُولِ، وَالتَّحْسِينُ فِي الِاخْتِيَارِ فِي الْمَحْذُورِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الصَّوَابِ: الْأُنْسُ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالسَّكُونُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَحُبُّ الْمَوْتِ بِغَلَبَةِ الشَّوْقِ فِي جَمِيعِ الْأَشْغَالِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْيَقِينِ: النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى - [٣٤٢] - فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الثِّقَةِ بِاللَّهِ: السَّخَاءُ بِالْمَوْجُودِ، وَتَرْكُ الطَّلَبِ لِلْمَفْقُودِ، وَالِاسْتِنَابَةُ إِلَى فَضْلِ الْمَوْجُودِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الشُّكْرِ: الْمُقَارَبَةُ مِنَ الْإِخْوَانِ فِي النِّعْمَةِ، وَاسْتِغْنَامِ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ قَبْلَ الْعَطِيَّةِ، وَاسْتِقْلَالِ الشُّكْرِ لِمُلَاحَظَةِ الْمِنَّةِ , وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الرِّضَا: تَرْكُ الِاخْتِيَارِ قَبْلَ الْقَضَا، وَفُقْدَانُ الْمَرَارَةِ بَعْدَ الْقَضَا، وَهَيَجَانُ الْحُبِّ فِي حَشْوِ الْبِلَا، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ: اسْتِلْذَاذُ الْخَلْوَةِ، وَالِاسِتْيِحَاشُ مِنَ الصُّحْبَةِ، وَاسْتِحْلَاءُ الْوَحْدَةِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ: قُوَّةُ الْقَلْبِ، وَفُسْحَةُ الرَّجَا فِي الذِّلَّةِ، وَنَفْيُ الْإِيَاسِ بِحُسْنِ الْإِنَابَةِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الشَّوْقِ: حُبُّ الْمَوْتِ مَعَ الرَّاحَةِ وَبُغْضُ الْحَيَاةِ مَعَ الدَّعَةِ، وَدَوَامُ الْحُزْنِ مَعَ الْكِفَايَةِ " حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّاشِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: «§إِلَهِي مَا أُصْغِي إِلَى صَوْتِ حَيَوَانٍ وَلَا حَفِيفِ شَجَرٍ، وَلَا خَرِيرِ مَاءٍ، وَلَا تَرَنُّمِ طَائِرٍ، وَلَا تَنَعُّمِ ظِلٍّ، وَلَا دَوِيِّ رِيحٍ، وَلَا قَعْقَعَةِ رَعْدٍ إِلَّا وَجَدْتُهَا شَاهِدَةً بِوَحْدَانِيَّتِكَ دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِكَ شَيْءٌ، وَأَنَّكَ غَالِبٌ لَا تُغْلَبُ وَعَالِمٌ لَا تَجْهَلُ، وَحَلِيمٌ لَا تَسْفَهُ، وَعَدْلٌ لَا تَجُورُ، وَصَادِقٌ لَا تَكْذِبُ، إِلَهِي فَإِنِّي أَعْتَرِفُ لَكَ اللَّهُمَّ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ صُنْعُكَ، وَشَهِدَ لَكَ فِعْلُكَ، فَهَبْ لِي اللَّهُمَّ طَلَبَ رِضَاكَ بِرِضَايَ وَمَسَرَّةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ يَذْكُرُكَ لِمَحَبَّتِي لَكَ، وَوَقَارَ الطُّمَأْنِينَةِ وَتَطَلُّبَ الْعَزِيمَةِ إِلَيْكَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُشْبِعُهْ الْوُلُوعُ بِاسْمِكَ وَلَمْ يَرْوِهِ مِنْ ظَمَائِهِ وُرُودُ غُدْرَانِ ذِكْرِكَ، وَلَمْ يُنْسِهِ جَمِيعَ الْهُمُومِ رِضَاهُ عَنْكَ، وَلَمْ يُلْهِهِ عَنْ جَمِيعِ الْمَلَاهِيِ تَعْدَادُ آلَائِكَ، وَلَمْ يَقْطَعْهُ عَنِ الْأُنْسِ بِغَيْرِكَ مَكَانُهُ مِنْكَ كَانَتْ حَيَاتُهُ مِيتَةً، وَمِيتَتُهُ حَسْرَةً، وَسُرُورُهُ غُصَّةً وَأُنْسُهُ وَحْشَةً، إِلَهِي عَرِّفْنِي عُيُوبَ نَفْسِي وَافْضَحْهَا عِنْدِي لَأَتَضَرَّعَ إِلَيْكَ فِي التَّوْفِيقِ لِلتَّنَزُّهِ عَنْهَا، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ بَيْنَ يَدَيْكَ خَاضِعًا ذَلِيلًا فِي أَنْ تَغْسِلَنِي مِنْهَا، وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِكَ الَّذِينَ شَهِدَتْ أَبْدَانُهُمْ وَغَابَتْ قُلُوبُهُمْ - [٣٤٣] - تَجُولُ فِي مَلَكُوتِكَ وتَتَفَكَّرُ فِي عَجَائِبِ صُنْعِكَ تَرْجِعُ بِفَوَائِدِ مَعْرِفَتِكَ وَعَوَائِدِ إِحْسَانِكَ قَدْ أَلْبَسْتَهُمْ خُلَعَ مَحَبَّتِكَ وَخَلَعْتَ عَنْهُمْ لِبَاسَ التَّزَيُّنِ لِغَيْرِكَ، إِلَهِي لَا تَتْرُكْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَقْصَى مُرَادِكَ حِجَابًا إِلَّا هَتَكْتَهُ وَلَا حَاجِزًا إِلَّا رَفَعْتَهُ، وَلَا وَعْرًا إِلَّا سَهَّلْتَهُ وِلَا بَابًا إِلَّا فَتَحْتَهُ حَتَّى تُقِيمَ قَلْبِي بَيْنَ ضِيَاءِ مَعْرِفَتِكَ، وَتُذِيقَنِي طَعْمَ مَحَبَّتِكَ وَتُبَرِّدَ بِالرِّضَا مِنْكَ فُؤَادِي، وَجَمِيعَ أَحْوَالِي حَتَّى لَا أَخْتَارَ غَيْرَ مَا تَخْتَارُهُ وَتُجَعِّلَ لِي مَقَامًا بَيْنَ مَقَامَاتِ أَهْلِ وَلَايَتِكَ وَمُضْطَرَبًا فَسِيحًا فِي مَيْدَانِ طَاعَتِكَ، إِلَهِي كَيْفَ اسْتَرْزِقُ مَنْ لَا يَرْزُقُنِي إِلَّا مِنْ فَضْلِكَ؟ أَمْ كَيْفَ أُسْخِطُكَ فِي رِضَا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ضُرِّي إِلَّا بِتَمْكِينِكَ، فِيَا مَنْ أَسْأَلُهُ إِينَاسًا بِهِ وَإِيحَاشًا مِنْ خَلْقِهِ وَيَا مَنْ إِلَيْهِ الْتِجَائِي فِي شِدَّتِي وَرَجَائِي ارْحَمْ غُرْبَتِي وَهَبْ لِي مِنَ الْمَعْرِفَةِ مَا أَزْدَادُ بِهِ يَقِينًا، وَلَا تِكِلْنِي إِلى نَفْسِي الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ طَرْفَةَ عَيْنٍ» حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْخَلِيطُ، عَنْ أَبِي الْفَيْضِ ذِى النُّونِ الْمِصْرِيِّ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ لَصَفْوَةً مِنْ خَلْقِهِ، وَإِنَّ لِلَّهِ لِخِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا الْفَيْضِ فَمَا عَلَامَتُهُمْ؟ قَالَ: إِذَا خَلَعَ الْعَبْدُ الرَّاحَةَ وَأَعْطَى الْمَجْهُودَ فِي الطَّاعَةِ وَأَحَبَّ سُقُوطَ الْمَنْزِلَةِ، قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا الْفَيْضِ §فَمَا عَلَامَةُ إِقْبَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعَبْدِ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَهُ صَابِرًا شَاكِرًا ذَاكِرًا فَذَلِكَ علَاَمَةُ إِقْبَالِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ، قِيلَ: فَمَا عَلَامَةُ إِعْرَاضِ اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَهُ سَاهِيًا رَاهِبًا مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَذَاكَ حِينَ يَعْرِضُ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ كَفَى بِالْمُعْرِضِ عَنِ اللَّهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ ذِكْرِهِ، قِيلَ لَهُ يَا أَبَا الْفَيْضِ فَمَا عَلَامَةُ الْأُنْسِ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَهُ يُؤْنِسُكَ بِخَلْقِهِ فَإِنَّهُ يُوحِشُكَ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِذَا رَأَيْتَهُ يُوحِشُكَ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ يُؤْنِسُكَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو الْفَيْضِ: الدُّنْيَا وَالْخَلْقُ لِلَّهِ عَبِيدٌ، خَلَقَهُمْ لِلطَّاعَةِ وَضَمِنَ لَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ وَنَهَاهُمْ وَحَذَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ، فَحَرَصُوا عَلَى مَا نَهَاهَمُ اللَّهُ عَنْهُ وَطَلَبُوا الْأَرْزَاقَ وَقَدْ ضَمِنَهَا اللَّهُ لَهُمْ، فَلَا هُمَّ فِي أَرْزَاقِهِمُ اسْتَزَادُوا، ثُمَّ قَالَ: عَجَبًا لِقُلُوبِكُمْ كَيْفَ لَا تَتَصَدَّعُ وَلِأَجْسَامِكُمْ كَيْفَ لَا تَتَضَعْضَعُ، إِذَا كُنْتُمْ تَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَتَعْقِلُونَ " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ - [٣٤٤] - الشِّمْشَاطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا سَائِرُ عَلَى شَاطِيءِ نِيلِ مِصْرَ إِذْ أَنَا بِجَارِيَةٍ تَدْعُو وَهِيَ تَقُولُ فِي دُعَائِهَا: §يَا مَنْ هُوَ عِنْدَ أَلْسُنِ النَّاطِقِينَ، يَا مَنْ هُوَ عِنْدَ قُلُوبِ الذَّاكِرِينَ، يَا مَنْ هُوَ عِنْدَ فِكْرَةِ الْحَامِدِينَ، يَا مَنْ هُوَ عَلَى نُفُوسِ الْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ، قَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ مِنِّي، يَا أَمَلَ الْمُؤَمِّلِينَ، قَالَ: ثُمَّ صَرَخَتْ صَرْخَةً خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، قَالَ: وسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى صَوَادِ نِيلِ مِصْرَ فَجَاءَنِي اللَّيْلُ فَقُمْتُ بَيْنَ زُرُوعِهَا فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَقْبَلَتْ إِلَى سُنْبُلَةِ فَفَرَكَتْهَا ثُمَّ امْتَنَعَتْ عَلَيْهَا فَتَرَكَتْهَا وَبَكَتْ وَهِيَ تَقُولُ: يَا مَنْ بَذَرَهُ حَبًّا يَابِسًا فِي أَرْضِهِ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا، أَنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهُ حَشِيشًا، ثُمَّ أَنْبَتَّهُ عُودًا قَائِمًا، بَتَكْوِينِكَ وَجَعَلْتَ فِيهِ حَبًّا مُتَرَاكِبًا، وَدَوَّرْتَهُ فَكَوَّنْتَهُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَتْ: عَجِبْتُ لِمَنْ هَذِهِ مَشِيئَتُهُ كَيْفَ لَا يُطَاعُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ هَذَا صُنْعُهُ كَيْفَ يَشْتَكِي، فَدَنَوْتُ مِنْهَا فَقُلْتُ: مَنْ يَشْكُو أَمَلَ الْمُؤَمِّلِينَ فَقَالَتْ لِي: أَنْتَ يَا ذَا النُّونِ، إِذَا اعْتَلَّكَ فَلَا تَجْعَلْ عِلَّتَكَ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِكَ، وَاطْلُبْ دَوَاءَكَ مِمَّنِ ابْتَلَاكَ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، لَا حَاجَةَ لِي فِي مُنَاظَرَةِ الْبَطَّالِينَ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: [البحر الطويل] وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ وَهْيِ قَرِيرَةٌ ... وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيِّ الْمَحِلَّيْنِ تَنْزِلُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الصَّبَّاحِ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خُلَفٍ الْمُؤَدِّبُ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ ذَا النُّونِ الِمْصِرِيَّ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ عِنْدَ صَخْرَةِ مُوسَى، فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ خَرَجَ §فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَالْمَاءِ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَعْظَمَ شَأْنَكُمَا، بَلْ شَأْنُ خَالِقِكُمَا أَعْظَمُ مِنْكُمَا وَمِنْ شَأْنِكُمَا، فَلَمَّا تَهَوَّرَ اللَّيْلُ لَمْ يَزَلْ يُنْشِدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ إِلَى أَنْ طَلَعَ عَمُودُ الصُّبْحِ: [البحر المقتضب] اطْلُبُوا لِأُنْسِكُمْ ... مِثْلَ مَا وَجَدْتُ أَنَا قَدْ وَجَدْتُ لِي سَكَنًا ... لَيْسَ هُوَ فِي هَوَاهُ عَنَا إِنْ بَعُدُ قَرَّبَنِي ... أَوْ قَرُبْتُ مِنْهُ دَنَا