ابْنُ السَّمَّاكِ، "فِي زُهْدِ دَاوُدَ الطَّائِيِّ حِينَ مَاتَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ §أَهْلَ الدُّنْيَا تَعَجَّلُوا غُمُومَ الْقَلْبِ , وَهُمُومَ النَّفْسِ , وَتَعَبَ الْأَبْدَانِ مَعَ شِدَّةِ الْحِسَابِ , فَالرَّغْبَةُ مُتْعَةٌ لِأَهْلِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَالزَّهَادَةُ رَاحَةٌ لِأَهْلِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَإِنَّ دَاوُدَ نَظَرَ بِقَلْبِهِ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَعْشَى بَصَرُ قَلْبِهِ بَصَرَ - [٣٣٧] - الْعُيونِ , فَكَأَنَّهُ لَمْ يُبْصِرْ مَا إِلَيْهِ تَنْظُرُونَ , وَكَأَنَّكُمْ لَا تُبْصِرُونَ مَا إِلَيْهِ يَنْظُرُ , فَأَنْتُمْ مِنْهُ تَعْجَبُونَ , وَهُوَ مِنْكُمْ يَتَعَجَّبُ , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْكُمْ رَاغِبِينَ مَغْرُورِينَ قَدْ ذَهَبَتْ عَلَى الدُّنْيَا عُقُولُكُمْ , وَمَاتَتْ مِنْ حُبِّهَا قُلُوبُكُمْ , وَعَشِقَتْهَا أَنْفُسُكُمْ , وَامْتَدَّتْ إِلَيْهَا أَبْصَارُكُمْ , اسْتَوْحَشَ الزَّاهِدُ مِنْكُمْ , فَكُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ عَرَفْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَحِشٌ , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا وَسْطَ مَوْتَى , يَا دَاوُدُ مَا أَعْجَبَ شَأْنَكَ وَقَدْ يَزِيدُ فِي عَجَبِكَ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ الصَّمْتَ حَتَّى قَوَّمْتَهَا عَلَى الْعَدْلِ , أَهَنْتَهَا وَإِنَّمَا تُرِيدُ كَرَامَتَهَا , وَأَذْلَلْتَهَا وَإِنَّمَا تُرِيدُ إِعْزَازَهَا , وَوَضَعْتَهَا وَإِنَّمَا تُرِيدُ تَشْرِيفَهَا , وَأَتْعَبْتَهَا وَإِنَّمَا تُرِيدُ رَاحَتَهَا , وَأَجَعْتَهَا وَإِنَّمَا تُرِيدُ شِبَعَهَا , وَأَظْمَأْتَهَا وَإِنَّمَا تُرِيدُ رِيَّها , وَخَشَّنْتَ الْمَلْبَسَ وَإِنَّمَا تُرِيدُ لِينَهُ , وَجَشَبْتَ الْمَطْعَمَ وَإِنَّمَا تُرِيدُ طَيِّبَهُ , وَأَمَتَّ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ , وَقَبَرْتَهَا قَبْلَ أَنْ تُقْبَرَ , وَعَذَّبْتَهَا قَبْلَ أَنْ تُعَذَّبَ , وَغَيَّبْتَهَا عَنِ النَّاسِ كَيْ لَا تُذْكَرَ , وَرَغِبْتَ بِنَفْسِكَ عَنِ الدُّنْيَا، فَلَمْ تَرَ لَهَا قَدْرًا وَلَا خَطَرًا , وَرَغِبْتَ بِنَفْسِكَ عَنِ الدُّنْيَا: عَنْ أَزْوَاجِهَا وَمَطَاعِمِهَا , وَمَلَابِسِهَا , إِلَى الْآخِرَةِ وَأَزْوَاجِهَا، وَلِبَاسِهَا، وَسُنْدُسِهَا، وَحَرِيرِهَا، وَإِسْتَبْرَقِهَا , فَمَا أَظُنُّكَ إِلَّا قَدْ ظَفِرْتَ بِمَا طَلَبْتَ , وَظَفِرْتَ بِمَا فِيهِ رَغِبْتَ , كَانَ سِيمَاكَ فِي عَمَلِكَ وَسِرِّكَ , وَلَمْ تَكُنْ سِيمَاؤُكَ فِي وَجْهِكَ وَلَا إِظْهَارِكَ , فَقِهْتَ فِي دِينِكَ , ثُمَّ تَرَكْتَ النَّاسَ يُفْتُونَ وَيَتَفَقَّهُونَ , وَسَمِعْتَ الْأَحَادِيثَ ثُمَّ تَرَكْتَ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ وَيَرْوُونَ , وَخَرِسْتَ عَنِ الْقَوْلِ , وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَنْطِقُونَ , لَا تَحْسُدُ الْأَخْيَارَ , وَلَا تَعِيبُ الْأَشْرَارَ , وَلَا تَقْبَلُ مِنَ السُّلْطَانِ عَطِيَّةً , وَلَا مِنَ الْأُمَرَاءِ هَدِيَّةً , وَلَا تُدِينُكَ الْمَطَامِعُ , وَلَا تَرْغَبُ إِلَى النَّاسِ فِي الصَّنَائِعِ , آنَسَ مَا تَكُونَ إِذَا كُنْتَ بِاللهِ خَالِيًا , وَأَوْحَشَ مَا تَكُونُ إِذَا كُنْتَ مَعَ النَّاسِ جَالِسًا , فَأَوْحَشَ مَا تَكُونُ آنَسَ مَا يَكُونُ النَّاسُ , وَآنَسَ مَا تَكُونُ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ النَّاسُ جَاوَزْتَ حَدَّ الْمُسَافِرِينَ فِي أَسْفَارِهِمْ , وَجَاوَزْتَ حَدَّ الْمَسْجُونِينَ فِي سُجُونِهِمْ , فَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَيَحْمِلُونَ مِنَ الطَّعَامِ وَالْحَلَاوَةِ مَا يَأْكُلُونَ , وَأَمَّا أَنْتَ فَإِنَّمَا هِيَ خُبْزَةٌ أَوْ خُبْزَتَانِ فِي شَهْرِكَ , تَرْمِي بِهَا فِي دَنٍّ عِنْدَكَ , فَإِذَا أَفْطَرْتَ أَخَذْتَ مِنْهَا حَاجَتَكَ فَجَعَلْتَهُ فِي مَطْهَرَتِكَ , ثُمَّ صَبَبْتَ مِنَ الْمَاءِ مَا يَكْفِيكَ , - [٣٣٨] - ثُمَّ اصْطَبَغْتَ بِهِ مَلْجَأً , فَهَذَا إِدَامُكَ وَحَلْوَاؤُكَ , وَكُلُّ نَوْمِكَ , فَمَنْ سَمِعَ بِمِثْلِكَ صَبَرَ صَبْرَكَ , أَوْ عَزَمَ عَزْمَكَ , وَمَا أَظُنُّكَ إِلَّا قَدْ لَحِقْتَ بِالْمَاضِينَ , وَمَا أَظُنُّكَ إِلَّا قَدْ فَضَلْتَ الْآخَرِينَ , وَلَا أَحْسِبُكَ إِلَّا قَدْ أَتْعَبْتَ الْعَابِدِينَ , دَاوُدُ أَنْتَ كُنْتَ حَيًّا فِي الْآخِرِينَ , وَقَدْ لَحِقْتَ بِالْأَوَّلِينَ , وَأَنْتَ فِي زَمَنِ الرَّاغِبِينَ , وَلَقَدْ أَخَذْتَ بِذِرْوَةِ الزَّاهِدِينَ , وَأَمَّا الْمَسْجُونُ فَيَكُونُ مَعَ النَّاسِ مَحْبُوسًا فَيَأْنَسُ بِهِمْ , لِأَنَّ الْعَدَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَعَهُ , وَأَمَّا أَنْتَ فَسَجَنْتَ نَفْسَكَ فِي بَيْتِكَ وَحْدَكَ , فَلَا مُحَدِّثَ وَلَا جَلِيسَ مَعَكَ , فَلَا أَدْرِي: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَشَدُّ عَلَيْكَ؟ الْخَلْوَةُ فِي بَيْتِكَ تَمُرُّ بِهِ الشُّهُورُ وَالسُّنُونُ , أَمْ تَرْكُكَ الْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ لَا تَأْكُلُ مِنْهَا وَلَا تُرِيحُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا , لَا سِتْرَ عَلَى بَابِكَ , وَلَا فِرَاشَ تَحْتَكَ , وَلَا قُلَّةَ يَبْرُدُ فِيهَا مَاؤُكَ , وَلَا قَصْعَةَ فِيهَا غِدَاؤُكَ وَعَشَاؤُكَ , مَطْهَرَتُكَ قُلَّتُكَ , وَقَصْعَتُكَ تَوْرُكَ , وَكُلُّ أَمْرِكَ دَاوُدُ عَجَبًا أَمَا كُنْتَ تَشْتَهِي مِنَ الْمَاءِ بَارِدَهُ؟ وَلَا مِنَ الطَّعَامِ طَيِّبَهُ؟ وَلَا مِنَ اللِّبَاسِ لَيِّنَهُ؟ بَلَى وَلَكِنَّكَ زَهِدْتَ فِيهِ لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ مِمَّا دُعِيتَ إِلَيْهِ وَرَغِبْتَ فِيهِ , فَمَا أَصْغَرَ مَا بَذَلْتَ وَمَا أَحْقَرَ مَا تَرَكْتَ وَمَا أَيْسَرَ مَا فَعَلْتَ فِي جَنْبِ مَا أَمَّلْتَ أَوْ طَلَبْتَ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ ظَفِرْتَ بِرَوْحِ الْعَاجِلِ , وَسَعَيْتَ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي الْآجِلِ , عَزَلْتَ الشَّهْوَةَ عَنْكَ فِي حِيَالِكَ لِكَيْلَا يَدْخُلَكَ عُجْبُهَا , وَلَا تَلْحَقَكَ فِتْنَتُهَا , فَلَمَّا مُتَّ شَهَرَكَ رَبُّكَ بِمَوْتِكَ , وَأَلْبَسَكَ رِدَاءَ عَمَلِكَ , فَلَمْ تَنْثُرْ مَا عَمِلْتَ فِي سِرِّكَ , فَأَظْهَرَ اللهُ الْيَوْمَ ذَلِكَ , وَأَكْثَرَ نَفْعَكَ , وَخَشِيتَ الْجَمَاعَةَ , فَلَوْ رَأَيْتَ الْيَوْمَ كَثْرَةَ تَبَعِكَ عَرَفْتَ أَنَّ رَبَّكَ قَدْ أَكْرَمَكَ وَشَرَّفَكَ , فَقُلْ لِعَشِيرَتِكَ: الْيَوْمَ تَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَتِهَا , فَقَدْ أَوْضَحَ الْيَوْمَ رَبُّكَ فَضْلَهَا إِنْ كُنْتَ مِنْهَا , فَلَوْ لَمْ تَسْتَرِحْ إِلَى خَيْرٍ تَعْمَلُهُ إِلَّا حُسْنَ هَذَا النَّشْرِ , وَجَمِيلَ هَذَا الْمَشْهَدِ لِكَثْرَةِ هَذَا التَّبَعِ , إِنَّ رَبَّكَ لَا يُضَيِّعُ مُطِيعًا , وَلَا يَنْسَى صَنِيعًا , يَشْكُرُ لِخَلْقِهِ م َا صَنَعَ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْ شُكْرِهِمْ إِيَّاهُ فَسُبْحَانَهُ شَاكِرًا مُجَازِيًا مُثِيبًا" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ السَّكَنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ، "فِي جَنَازَةِ دَاوُدَ الطَّائِيِّ: §مَا أَعْجَبَ شَأْنَكَ وَقَدْ يَزِيدُ فِي عَجَبِنَا أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ قَبَرْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ - [٣٣٩] - أَنْ تُقْبَرَ , وَأَمَتَّهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ , عَمَدْتَ إِلَى خُبْزَةٍ أَوْ خُبْزَتَيْنِ فَأَلْقَيْتَهَا فِي دَنٍّ عِنْدَكَ , فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ قَرَّبْتَ مِطْهَرَتَكَ , وَأَخْرَجْتَ فَصَبَبْتَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ , ثُمَّ أَدَمْتَهَا , فَهُوَ أَدَمُكَ , وَهُوَ حَلْوَاؤُكَ , أَيْبَسْتَ الطَّعْمَ وَإِنَّمَا تُرِيدُ طَيِّبَهُ , وَأَخْشَنْتَ الْمَلْبَسَ وَإِنَّمَا تُرِيدُ لَيِّنَهُ , لَمْ تَرَ مَا تَرَكْتَ عَظِيمًا , فَآنَسَ مَا يَكُونُ النَّاسُ أَوْحَشَ مَا تَكُونُ , وَأَوْحَشَ مَا يَكُونُ النَّاسُ آنَسَ مَا تَكُونُ , تَفَقَّهْتَ لِنَفْسِكَ , وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَفَقَّهُونَ , وَتَعَلَّمْتَ لِنَفْسِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَعَلَّمُونَ , فَمَنْ سَمِعَ بِمِثْلِكَ عَزَمَ مِثْلَ عَزْمِكَ؟ وَفَعَلَ مِثْلَ فِعْلِكَ؟ عَزَلْتَ الشَّهْوَةَ عَنْكَ فِي حَيَاتِكَ كَيْ لَا تُصِيبَكَ فِتْنَتُهَا , فَلَمَّا مُتَّ شَهَرَكَ رَبُّكَ , وَأَلْبَسَكَ رِدَاءَ عَمَلِكَ , وَحَشَدَ الْجَمَاعَةَ لَكَ , فَلَوْ رَأَيْتَ الْيَوْمَ تَبَعَكَ عَلِمْتَ أَنَّهُ قَدْ كَرَّمَكَ وَشَرَّفَكَ , وَلَوْ أَنَّ طَيِّئًا تَكَلَّمَتْ بِأَلْسِنَتِهَا شَرَفًا بِكَ لَحُقَّ لَهَا , إِذْ كُنْتَ مِنْهَا أَبَا سُلَيْمَانَ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ، ثنا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ الْأَخْنَسِيُّ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قَالَ: "سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِدَاوُدَ الطَّائِيِّ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ , أَلَا تُسَرِّحُ لِحْيَتَكَ قَالَ: §إِنِّي عَنْهَا مَشْغُولٌ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيَّ، يَقُولُ: "قِيلَ لِدَاوُدَ الطَّائِيِّ: لِمَ لَا تُسَرِّحُ لِحْيَتَكَ؟ قَالَ: §إِنِّي إِذًا لَفَارِغٌ" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الْوَاسِطِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ "لِدَاوُدَ الطَّائِيِّ: لِمَ لَا تُسَرِّحُ لِحْيَتَكَ؟ قَالَ: §الدُّنْيَا دَارُ مَأْتَمٍ" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، - بِبَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ - قَالَ: "لَمَّا مَاتَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ شَيَّعَ النَّاسُ جَنَازَتَهُ , فَلَمَّا دُفِنَ قَامَ ابْنُ السَّمَّاكِ، فَقَالَ: يَا دَاوُدُ , §كُنْتَ تَسْهَرُ لَيْلَكَ إِذَا النَّاسُ يَنَامُونَ , فَقَالَ الْقَوْمُ جَمِيعًا: صَدَقْتَ , وَكُنْتَ تَرْبَحُ إِذَا النَّاسُ يَخْسَرُونَ , فَقَالَ النَّاسُ جَمِيعًا: صَدَقْتَ , وَكُنْتَ تَسْلَمُ إِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ , قَالَ النَّاسُ جَمِيعًا: صَدَقْتَ حَتَّى عَدَّدَ فَضَائِلَهُ كُلَّهَا , فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا مَا عِنْدَهُمْ , مَبْلَغَ مَا عَلِمُوا , اللهُمَّ فَاغْفِرْ - [٣٤٠] - لَهُ بِرَحْمَتِكَ , وَلَا تَكِلْهُ إِلَى عَمَلِهِ" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْوَاسِطِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشر، ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: "اشْتَكَى دَاوُدُ الطَّائِيُّ أَيَّامًا وَكَانَ سَبَبَ عِلَّتِهِ أَنَّهُ مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ , فَكَرَّرَهَا مِرَارًا فِي لَيْلَتِهِ , فَأَصْبَحَ مَرِيضًا فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ وَرَأْسُهُ عَلَى لَبِنَةٍ , فَفَتَحُوا بَابَ الدَّارِ وَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ إِخْوَانِهِ وَجِيرَانهِ , وَمَعَهُمُ ابْنُ السَّمَّاكِ , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رَأْسِهِ قَالَ: يَا دَاوُدُ , فَضَحْتَ الْقُرَّاءَ , فَلَمَّا حَمَلُوهُ إِلَى قَبْرِهِ خَرَجَ فِي جَنَازَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ , حَتَّى خَرَجَ ذَوَاتُ الْخُدُورِ , فَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: يَا دَاوُدُ، §سَجَنْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُسْجَنَ , وَحَاسَبْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ , فَالْيَوْمَ تَرَى ثَوَابَ مَا كُنْتَ تَرْجُو , وَلَهُ كُنْتَ تَنْصِبُ وَتَعْمَلُ , فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَهُوَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ: اللهُمَّ لَا تَكِلْ دَاوُدَ إِلَى عَمَلهِ , فَأَعْجَبَ النَّاسَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ" حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَاشِدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ الْأَزْرَقُ، ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، لَمَّا دُفِنَ أَخَذَ النَّاسُ يَقُولُونَ , فَوَقَفَ أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَ: §اللهُمَّ لَا تَكِلْهُ إِلَى عَمَلِهِ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْقُومَسِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ السَّمَّاكِ، يَقُولُ: "دَخَلْتُ عَلَى دَاوُدَ الطَّائِيِّ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى التُّرَابِ , وَتَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ , فَبَكَيْتُ لِمَا رَأَيْتُ مِنَ حَالِهِ , ثُمَّ ذَكَرْتُ مَا أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ فَقُلْتُ: دَاوُدُ §سَجَنْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُسْجَنَ , وَعَذَّبْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُعَذَّبَ , فَالْيَوْمَ تَرَى ثَوَابَ مَا كُنْتَ لَهُ تَعْمَلُ" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْكِنْدِيَّ، فِي جَنَازَةِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ يَقُولُ: "دَخَلَ ابْنُ السَّمَّاكِ، عَلَى دَاوُدَ الطَّائِيِّ حِينَ مَاتَ وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى التُّرَابِ فَقَالَ: دَاوُدُ §سَجَنْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُسْجَنَ , وَعَذَّبْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُعَذَّبَ , فَالْيَوْمَ تَرَى ثَوَابَ مَا كُنْتَ لَهُ تَعْمَلُ" حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - [٣٤١] - الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الرَابِشِيُّ، قَالَ: «§رَأَيْتُ النَّاسَ يَأْتُونَ هَهُنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ مَخَافَةَ أَنْ تَفُوتَهُمْ جَنَازَةُ دَاوُدَ , وَرَأَيْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ , مَا شَبَّهْتُهُ إِلَّا يَوْمَ الْخُرُوجِ» حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: «§شَهِدْتُ جَنَازَةَ دَاوُدَ الطَّائِيِّ , وَحَضَرْتُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ , فَمَا رَأَيْتُ أَشَدَّ نَزْعًا مِنْهُ , أَتَيْنَاهُ مِنَ الْعَشِيِّ وَنَحْنُ نَسْمَعُ نَزْعَهُ قَبْلَ أَنْ نَدْخُلَ , ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي النَّزْعِ فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّى مَاتَ» حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: «§حَضَرْتُ جَنَازَةَ دَاوُدَ , كَانَ يُنْعَى سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ , ثُمَّ نُكَذِّبُ , فَحُمِلَ عَلَى سَرِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ - تُكْسَرُ مِنْ زِحَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ - فَيُغَيَّرُ السَّرِيرُ , وَصُلِّيَ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً , وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُوضَعُ عَلَى الْقَبْرِ , فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَحْمِلُونَهُ فَيَذْهَبُونَ بِهِ , ثُمَّ يُعِيدُونَهُ إِلَى مَوْضِعِ قَبْرِهِ» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْأُمَوِيِّ، ثنا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: «§حَضَرْتُ بِالْكُوفَةِ مَوْتَ دَاوُدَ الطَّائِيِّ , فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ مَوْتًا مِنْهُ فِي سَكْتَةٍ , أَسْمَعُ خُوَارَهُ كَأَنَّهُ خُوَارُ ثَوْرٍ» حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي حُصَيْنٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا سَيْفُ بْنُ هَنَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عُرْوَةَ، يَقُولُ: «§زَحَمُونِي فِي جَنَازَةِ دَاوُدَ الطَّائِيِّ حَتَّى قَطَعُوا نَعْلِي فَذَهَبَتْ , وَسَلُّوا رِدَائِي عَنْ مَنْكِبِي فَذَهَبَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَبُو الْحَرِيشِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْكِلَابِيُّ , ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبُّوَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ حُمَيْدٍ، يَقُولُ: "سَأَلْتُ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ دَاوُدُ: §أَلَيْسَ الْمُحَارِبُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَلْقَى الْحَرْبَ , أَلَيْسَ يَجْمَعُ لَهُ آلَتَهُ؟ فَإِذَا أَفْنَى عُمْرَهُ فِي جَمْعِ الْآلَةِ فَمَتَى يُحَارِبُ؟ إِنَّ الْعِلْمَ آلَةُ العَمَلِ، فَإِذَا أَفْنَى عُمْرَهُ فِيهِ , فَمَتَى يَعْمَلُ؟" حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْأُشْنَانِيُّ، ثنا عَبَّاسُ بْنُ حَمْزَةَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، حَدَّثَنِي بَعْضُ، أَصْحَابِنَا قَالَ: "إِنَّمَا كَانَ سَبَبَ عُزْلَةِ دَاوُدَ الطَّائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُجَالِسُ أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - [٣٤٢] -: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ , أَمَّا الْأَدَاةُ فَقَدْ أَحْكَمْنَاهَا , فَقَالَ دَاوُدُ: فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ قَالَ: بَقِيَ الْعَمَلُ بِهِ , قَالَ: §فَنَازَعَتْنِي نَفْسِي إِلَى الْعُزْلَةِ وَالْوَحْدَةِ , فَقُلْتُ لَهَا: حَتَّى تَجْلِسِي مَعَهُمْ فَلَا تُجِيبِي فِي مَسْأَلَةٍ , قَالَ: فَكَانَ يُجَالِسُهُمْ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يَعْتَزِلَ , قَالَ: فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ تَجِيءُ وَأَنَا أَشَدُّ شَهْوَةً لِلْجَوَابِ فِيهَا مِنَ الْعَطْشَانِ إِلَى الْمَاءِ , فَلَا أُجِيبُ فِيهَا , قَالَ: فَاعْتَزَلْتُهُمْ بَعْدُ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، ثنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، ثنا سَهْلُ بْنُ عَاصِمٍ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، قَالَ: "كَانَ دَاوُدُ شَدِيدَ الِانْقِبَاضِ يُعَالِجُ نَفْسَهُ بِالصَّمْتِ , وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَثِيرَ الْكَلَامِ , وَكَانَتْ مُعَالَجَتُهُ نَفْسَهُ فِي تَرْكِ الْكَلَامِ , فَأَخْرَجَتْهُ تِلْكَ الْمُعَالَجَةُ إِلَى التَّفَكُّرِ , فَبِالتَّفَكُّرِ مَلَكَ نَفْسَهُ , وَلَقَدْ جِئْتُهُ يَوْمًا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ , فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى خَرَجَ , فَمَشَيْتُ مَعَهُ وَالْمَسْجِدُ مِنْهُ قَرِيبٌ , فَسَلَكَ بِهِ غَيْرَ طَرِيقِهِ , فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَسَلَكَ بِي سِكَكًا خَالِيَةً حَتَّى خَرَجَ عَلَى الْمَسْجِدِ , فَقُلْتُ: الطَّرِيقُ ثَمَّةَ أَقْرَبُ عَلَيْكَ , فَقَالَ: يَا سَعِيدُ , §فِرَّ مِنَ النَّاسِ فِرَارَكَ مِنَ السَّبُعِ , إِنَّهُ مَا خَالَطَ النَّاسَ أَحَدٌ إِلَّا نَسِيَ الْعَهْدَ" حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ لُوَيْنٍ، قَالَ: "أَرَادَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ أَنْ يُجَرِّبَ نَفْسَهُ: هَلْ تَقْوَى عَلَى الْعُزْلَةِ؟ §فَقَعَدَ فِي مَجْلِسِ أَبِي حَنِيفَةَ سَنَةً , فَلَمْ يَتَكَلَّمْ , فَاعْتَزَلَ النَّاسَ" حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْدَانٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: "جِئْتُ أَنَا وَابْنُ عُيَيْنَةَ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، فَقَالَ: §جِئْتُمَانِي مَرَّةً فَلَا تَعُودَا إِلَيَّ" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الرَّبِيعِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: "أَتَيْتُ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، وَكَانَ دَاوُدُ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ: قَامَتِ الصَّلَاةُ , فَيَخْرُجُ فَيُصَلِّي , فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَخَذَ نَعْلَهُ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ , فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ أَدْرَكْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ عَلَى رِسْلِكَ , فَوَقَفَ لِي , فَقُلْتُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ , أَوْصِنِي قَالَ: اتَّقِ اللهَ , §وَإِنْ كَانَ لَكَ وَالِدَانِ فَبِرَّهُمَا - ثَلَاثَ - [٣٤٣] - مَرَّاتٍ - ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: وَيْحَكَ صُمِ الدُّنْيَا , وَاجْعَلِ الْفِطْرَ مَوْتَكَ , وَاجْتَنِبِ النَّاسَ غَيْرَ تَارِكٍ لِجَمَاعَتِهِمْ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبَانَ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِي الْفُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُخْتِي، - وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَتْ: "أَتَيْتُ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ , فَأَذِنَ لِي , فَقَعَدْتُ عَلَى بَابِ الْحُجْرَةِ فَقُلْتُ: أَنْتَ وَحْدَكَ هَهُنَا رَحِمَكَ اللهُ؟ قَالَ: رَحِمَكَ اللهُ وَهَلِ §الْأُنْسُ الْيَوْمَ إِلَّا فِي الْوَحْدَةِ وَالِانْفِرَادِ؟ مَا يُتَجَمَّلُ لَكَ , أَوْ مُتَجَمَّلٌ لَهُ فَفِي أَيِّ ذَلِكَ خَيْرٌ؟" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ التَّمِيمِيُّ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: "قُلْتُ لِدَاوُدَ الطَّائِيِّ: أَوْصِنِي , قَالَ: §أَقْلِلْ مَعْرِفَةَ النَّاسِ , قُلْتُ: زِدْنِي , قَالَ: ارْضَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا , مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ , كَمَا رَضِيَ أَهْلُ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا مَعَ فَسَادِ الدِّينِ , قُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: اجْعَلِ الدُّنْيَا كَيَوْمٍ صُمْتَهُ , ثُمَّ أَفْطِرْ عَلَى الْمَوْتِ" حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ , ثنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبَانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى أَحْمَدَ بْنَ ضِرَارٍ الْعِجْلِيَّ، يَقُولُ: "أَتَيْتُ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، وَهُوَ فِي دَارٍ وَاسِعَةٍ خَرِبَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا بَيْتٌ , وَلَيْسَ عَلَى بَيْتِهِ بَابٌ , فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَنْتَ فِي دَارِ وَحْشَةٍ , فَلَوِ اتَّخَذْتَ لِبَيْتِكَ هَذَا بَابًا؟ أَمَا تَسْتَوْحِشُ؟ فَقَالَ: §حَالَتْ وَحْشَةُ الْقَبْرِ بَيْنِي وَبَيْنَ وَحْشَةِ الدُّنْيَا" حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ، ثنا حَسَنُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ بَكْرٍ الْعَابِدِ، قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، يَقُولُ: «§تَوَحَّشْ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا تَتَوَحَّشُ مِنَ السِّبَاعِ»