اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَارِئِ الْحَدِيثِ عَلَى الشَّيْخِ , إِذَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ , أَوْ سَكَتَ عَنْهُ سُكُوتًا يَقُومُ مَقَامَ إِقْرَارِهِ بِهِ , هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا يُحَدِّثُ بِكَذَا , أَوْ «حَدَّثَنِي» فُلَانٌ بِكَذَا , أَمْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ لَهُ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ , وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا , وَلَا «حَدَّثَنِي» وَلَا «أَخْبَرَنِي» , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ , لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ سَمِعْتُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُحَدِّثَ نَطَقَ بِهِ , وَأَنَّ الْقَائِلَ سَمِعْتُهُ يَحْكِي لَفْظَهُ , وَذَلِكَ بَاطِلٌ , وَإِخْبَارٌ بِالْكَذِبِ , وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّهُ نَطَقَ وَتَحَدَّثَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ , وَذَلِكَ مَا لَا أَصْلَ لَهُ , وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ عِنْدَنَا جَوَازُ ذَلِكَ لِمَنْ عُلِمَ حَالُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إِيهَامَ سَمَاعِ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ وَإِخْبَارِهِ وَحَدِيثِهِ مِنْ لَفْظِهِ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ , وَأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ سُكُوتَ مُقِرٍّ بِهِ , إِذَا كَانَ ثِقَةً عَدْلًا لَا يَقْصِدُ التَّمْوِيهَ وَالْإِلْبَاسَ , فَأَمَّا إِذَا عُرِفَ بِقَصْدِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ قَارِئُ الْحَدِيثِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ , لِيَرْفَعَ بِذَلِكَ الْإِيهَامَ لِسَمَاعِهِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ" وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْقَاضِي وُجُوبَهُ هُوَ مَذْهَبُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ , وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: يَكْفِي الرَّاوِيَ أَنْ يَقُولَ فِيمَا سَمِعَهُ قِرَاءَةً «أَخْبَرَنَا» وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقُولَ: قِرَاءَةً , وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ: الْبَيَانُ أَوْلَى , فَإِنْ كَانَ سَمِعَ بِقِرَاءَتِهِ يَقُولُ: قَرَأْتُ , وَإِنْ كَانَ سَمِعَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ يَقُولُ: قُرِئَ وَأَنَا أَسْمَعُ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ «حَدَّثَنَا» وَلَا «أَخْبَرَنَا» , وَأَجَازَ قَوْمٌ قَوْلَ ذَلِكَ , وَأَنْ يَقُولَ أَيْضًا: سَمِعْتُ وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَسْمَاءَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُمُ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ بِسِيَاقِهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى §بَابُ ذِكْرِ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ لَمْ يُجِزْ أَنْ يَقُولَ فِيمَا عَرَضَهُ سَمِعْتُ وَلَا «حَدَّثَنَا» وَلَا «أَخْبَرَنَا» أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، ثنا أَبِي , قَالَ: قَرَأْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاهِينَ: ثنا ابْنُ رِشْدِينَ , قَالَ: قِيلَ لِأَحْمَدَ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ: فَإِنْ قَالَ فِي شَيْءٍ قَرَأَهُ «سَمِعْتُ» ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ «سَمِعْتُ» . قَالَ وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ , يَقُولُ فِي أَبِي حَفْصٍ التِّنِّيسِيِّ: § «كَانَ حَسَنَ الْمَذْهَبِ , وَكَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ سَمِعَهُ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ , وَشَيْءٌ عَرَضَهُ عَلَيْهِ , وَشَيْءٌ أَجَازَهُ لَهُ , وَكَانَ يَقُولُ فِيمَا سَمِعَ» حَدَّثَنَا "الْأَوْزَاعِيُّ، وَيَقُولُ فِي الْبَاقِي: الْأَوْزَاعِيُّ" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُتُلِّيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ , يَقُولُ: § "كُنْتُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , وَكَانَ حَبِيبٌ يَقْرَأُ عَلَيْهِ , فَكُلَّمَا فَرَغَ مِنْ مَجْلِسٍ قُمْتُ إِلَيْهِ , فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الَّذِي قُرِئَ عَلَيْكَ هُوَ حَدِيثُكَ , أَعَرَفْتَهُ أُحَدِّثُ بِهِ عَنْكَ؟ فَيَقُولُ لِي: نَعَمْ , فَكَانَ قُتَيْبَةُ يَقُولُ: مَالِكٌ مَلَكَ الْأَشْيَاءَ. . . سَمِعَهُ مِنْ فِيهِ" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ , قَالَا: أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا ـ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رِزْقٍ: ثنا ـ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا أَبِي , قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ عَوْفٍ , قَالَ: "§إِذَا قَرَأَ الْعَالِمُ عَلَى الْعَالِمِ فَقَالَ: «حَدَّثَنِي» فَهِيَ كُذَيْبَةٌ" أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثنا أَبِي , حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ، ثنا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ , قَالَ: § "قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ: يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ أَقُولُ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ؟ قَالَ: لَا" وَأَخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ، ثنا أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُقْرِئُ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الْهَرَوِيُّ , قَالَ: سَأَلْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ عَلَى الْعَالِمِ , إِذَا كَانَ الْعَالِمُ يَعْرِفُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ , قَالَ: حَسَنٌ , قُلْتُ: أَيَجُوزُ الِاسْتِعْمَالُ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: شَدِيدًا إِذَا كَانَ الْعَالِمُ يَعْرِفُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ , قُلْتُ: يَقُولُ: أَنَا؟ قَالَ: "§كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ يُبَيِّنُهُ , لَا يَقُولُ «أَخْبَرَنَا» , ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ كَانَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ يُحَدِّثُنَا فَيَقُولُ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَسَمِعْتُ. فَقَالَ: كُلَّمَا قُلْتُ «أَخْبَرَنَا» فَهُوَ قِرَاءَةٌ , وَكُلَّمَا قُلْتُ «حَدَّثَنَا» فَهُوَ سَمَاعٌ , وَهُوَ الْآنَ عِنْدِي مَكْتُوبٌ هَكَذَا عَلَى الْكِتَابِ"