وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ , قَالُوا: لَمْ يُسَوِّغْ لِمَنْ عَلَّمَهُ الدُّعَاءَ مُخَالَفَةَ اللَّفْظِ , فَيُقَالُ لَهُمْ: أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ , لِأَنَّهُ قَدْ عَلَّلَ فِيهِ وَنَبَّهَ عَلَى مَا يَقُولُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ , وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ , وَإِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ , فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمُبَلَّغُ أَوْعَى مِنَ السَّامِعِ وَأَفْقَهَ , وَكَانَ السَّامِعُ غَيْرَ فَقِيهٍ وَلَا مِمَّنْ يَعْرِفُ الْمَعْنَى , وَجَبَ عَلَيْهِ تَأْدِيَة ُ اللَّفْظِ لِيَسْتَنْبِطَ مَعْنَاهُ الْعَالِمُ الْفَقِيهُ , وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّعْلِيلِ إِنْ كَانَ حَالُ الْمُبَلَّغِ وَالْمُبَلِّغِ سَوَاءً , عَلَى أَنَّ رُوَاةَ هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ قَدْ رَوَوْهُ عَلَى الْمَعْنَى , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «رَحِمَ اللَّهُ» , مَكَانَ «نَضَّرَ اللَّهُ» , وَ «مَنْ سَمِعَ» , بَدَلَ «امْرَأً سَمِعَ» , وَ «رَوَى مَقَالَتِي» بَدَلَ «مِنَّا حَدِيثًا» , وَ «بَلَّغَهُ» مَكَانَ «أَدَّاهُ» , وَرَوَى «فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَفْقَهُ مِنْ مُبَلِّغٍ» , مَكَانَ «فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» , وَ «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ» , مَكَانَ «لَيْسَ بِفَقِيهٍ» , وَأَلْفَاظٌ سِوَى هَذِهِ مُتَغَايِرَةٌ تَضَمَّنَهَا هَذَا الْخَبَرُ , وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا فِي كِتَابٍ أَفْرَدْنَاهُ لَهَا , وَالظَّاهِرُ يَدُلُّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ نُقِلَ عَلَى الْمَعْنَى , فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا وَاحِدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ , - [٢٠٣] - وَأَمَّا رَدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي قَوْلَهُ: وَبِرَسُولِكَ إِلَى: وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ , فَإِنَّ النَّبِيَّ أَمْدَحُ مِنَ الرَّسُولِ , وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ مَوْضِعٌ , أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الرَّسُولِ يَقَعُ عَلَى الْكَافَّةِ , وَاسْمَ النَّبِيِّ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ خَاصَّةً , وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْمُرْسَلُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ , لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ مَعًا , فَلَمَّا قَالَ: وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ جَاءَ بِأَمْدَحِ النَّعْتِ وَهُوَ النُّبُوَّةُ , ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالرِّسَالَةِ حِينَ قَالَ: الَّذِي أَرْسَلْتَ , وَبَيَانٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ , غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ لِأَنَّهُ يُجْتَزَأُ بِالْقَوْلِ أَنَّ هَذَا رَسُولُ فُلَانٍ , عَنْ أَنْ يَقُولَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِذَا كَانَ لَا يُفِيدُ الْقَوْلُ الثَّانِي إِلَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ , وَكَانَ قَوْلُهُ: وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ , يُفِيدُ الْجَمْعَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ , فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ