بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَا كَانَتْ بِمَكَّةَ حَمَامُ الْيَمَامِ، حَمَامُ مَكَّةَ الْحَرَمِيَّةِ ذَلِكَ الزَّمَانَ. يُقَالُ: إِنَّهَا مِنْ نَسْلِ الطَّيْرِ الَّتِي رَمَتْ أَصْحَابَ الْفِيلِ حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ جُدَّةَ، وَلَمَّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ مَلَكَ الْحَبَشَةَ ابْنُهُ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَبِهِ كَانَ يُكْنَى، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ يَكْسُومَ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَتْهُ الْفُرْسُ حِينَ جَاءَهُمْ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ، وَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ، وَكَانُوا أَرْبَعَةً، فَجَمِيعُ مَا مَلَكُوا أَرْضَ الْيَمَنِ مِنْ حِينِ دَخَلُوهَا إِلَى أَنْ قُتِلُوا ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ مَكَّةَ الْحَبَشَةَ، وَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ النِّقْمَةِ، أَعْظَمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: أَهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ عَنْهُمْ، وَكَفَاهُمْ مُؤْنَةَ عَدُوِّهِمْ. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ الْأَشْعَارَ يَذْكُرُونَ فِيهَا مَا صَنَعَ اللَّهُ بِالْحَبَشَةِ، وَمَا دَفَعَ عَنْ قُرَيْشٍ مِنْ كَيْدِهِمْ، وَيَذْكُرُونَ الْأَشْرَمَ وَالْفِيلَ وَمَسَاقَهُ إِلَى الْحَرَمِ، وَمَا أَرَادَ مِنْ هَدْمِ الْبَيْتِ وَاسْتِحْلَالِ حُرْمَتِهِ" قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ - [١٤٩] - زُرَارَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «§رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِسَهُ بِمَكَّةَ أَعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ» قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قُتِلَتِ الْحَبَشُ، وَرَجَعَ الْمَلِكُ إِلَى حِمْيَرَ، سُرَّتْ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْعَرَبِ؛ لِرُجُوعِ الْمُلْكِ فِيهَا وَهَلَاكِ الْحَبَشَةِ، فَخَرَجَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ جَمِيعُهَا لِتَهْنِئَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، فَخَرَجَ وَفْدُ قُرَيْشٍ، وَوَفْدُ ثَقِيفٍ، وَعَجُزُ هَوَازِنَ، وَهُمْ نَصْرٌ وَجُشَمُ وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَمَعَهُمْ وَفْدُ عَدْوَانَ وَفَهْمٍ ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، فِيهِمْ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبٍ، وَوَفْدُ غَطَفَانَ، وَوَفْدُ تَمِيمٍ وَأَسَدٍ، وَوَفْدُ قَبَائِلِ قُضَاعَةَ وَالْأَزْدِ، فَأَجَازَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ، وَفَضَّلَ قُرَيْشًا عَلَيْهِمْ فِي الْجَائِزَةِ؛ لِمَكَانِهِمْ فِي الْحَرَمِ، وَجِوَارِهِمْ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرِ بْنِ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الرَّبَعِيُّ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " §لَمَّا ظَفِرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ، أَتَاهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وَأَشْرَافُهَا وَشُعَرَاؤُهَا لِتُهَنِّئَهُ وَتَمْدَحَهُ، وَتَذْكُرَ مَا كَانَ مِنْ بَلَائِهِ وَطَلَبِهِ بِثَأْرِ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ وَفِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ، فِي نَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَتَوْهُ بِصَنْعَاءَ وَهُوَ فِي قَصْرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ غُمْدَانُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ: [البحر البسيط] لَا تَطْلُبِ الثَّأْرَ إِلَّا كَابْنِ ذِي يَزَنٍ ... خَيَّمَ فِي الْبَحْرِ لِلْأَعْدَاءِ أَحْوَالَا أَتَى هِرَقْلًا وَقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ ... فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ النَّصْرَ الَّذِي سَالَا ثُمَّ انْتَحَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ عَاشِرَةٍ ... مِنَ السِّنِينَ يُهِينُ النَّفْسَ وَالْمَالَا حَتَّى أَتَى بِبَنِي الْأَحْرَارِ يَقْدُمُهُمْ ... تَخَالُهُمْ فَوْقَ مَتْنِ الْأَرْضِ أَجْبَالَا بِيضٌ مَرَازِبَةٌ غُلْبٌ أَسَاوِرَةٌ أُسْدٌ ... يُرَبِّينَ فِي الْغَيْضَاتِ أَشْبَالَا لِلَّهِ دَرُّهُمُ مِنْ فِتْيَةٍ صُبُرٍ ... مَا إِنْ رَأَيْتُ لَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْثَالَا لَا يَضْجَرُونَ وَإِنْ حُزَّتْ مَغَافِرُهُمْ ... وَلَا نَرَى مِنْهُمُ فِي الطَّعْنِ مَيَّالَا أَرْسَلْتَ أُسْدًا عَلَى سُودِ الْكِلَابِ فَقَدْ ... أَضْحَى شَرِيدُهُمُ فِي النَّاسِ فَلَّالَا فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِعًا ... فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلَالَا تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قُعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا فَالْتَطَّ بِالْمِسْكِ إِذْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ ... وَأَسْبِلِ الْيَوْمَ فِي بُرْدَيْكَ إِسْبَالَا جَلَبْنَا النُّصْحَ نَحْقِبُهَا الْمَطَايَا ... إِلَى أَكْوَارِ أَجْمَالٍ وَنُوقِ مُغَلْغَلَةٍ مَرَاتِعُهَا تَعَالَى ... إِلَى صَنْعَاءَ مِنْ فَجٍّ عَمِيقِ تَؤُمُّ بِنَا ابْنَ ذِي يَزَنَ وَتَفْرِي ... ذَوَاتُ بُطُونِهَا أُمَّ الطَّرِيقِ وَنَرْعَى مِنْ مَخَايِلِهَا بُرُوقًا ... مُوَاقِفَةَ الْوَمِيضِ إِلَى بُرُوقِ وَلَمَّا وَافَقَتْ صَنْعَاءَ صَارَتْ ... بِدَارِ الْمُلْكِ وَالْحَسَبِ الْعَرِيقِ تَرْعَى مَذَانِبَ وَسْمِيٍّ أَطَاعَ لَهَا ... بِالْجِزْعِ حَيْثُ عَصَى أَصْحَابَهُ الْفِيلُ قُومُوا فَصَلُّوا رَبَّكُمْ وَتَعَوَّذُوا ... بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ فَعِنْدَكُمُ مِنْهُ بَلَاءٌ وَمَصْدَقٌ ... غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ هَادِي الْكَتَائِبِ فَلَمَّا أَجَازُوا بَطْنَ نَعْمَانَ رَدَّهُمْ ... جُنُودُ الْمَلِيكِ بَيْنَ سَافٍ وَحَاصِبِ فَوَلَّوْا سِرَاعًا نَادِمِينَ وَلَمْ يَؤُبْ ... إِلَى أَهْلِهِ بِالْجَيْشِ غَيْرُ عَصَائِبِ وَمِنْ صُنْعِهِ يَوْمَ فِيلِ الْحُبُوشِ ... إِذْ كُلُّ مَا بَعَثُوهُ رَزَمْ مَحَاجِنُهُم تَحْتَ أَقْرَابِهِ ... وَقَدْ كَلَمُوا أَنْفَهُ بِالْخَزَمْ وَقَدْ جَعَلُوا سَوْطَهُ مِغْوَلًا ... إِذَا يَمَّمُوهُ قَفَاهُ كَلَمْ فَأَرْسَلَ مِنْ فَوْقِهِمْ حَاصِبًا ... يَلُفُّهُمُ مِثْلَ لَفِّ الْقَزَمْ إِنَّ آيَاتِ رَبِّنَا بَيِّنَاتٌ ... مَا يُمَارِي فِيهِنَّ إِلَّا كَفُورُ حَبَسَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ ... حَتَّى ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ وَاضِعًا حَلْقَةَ الْجِرَانِ كَمَا ... قَطَرَ صَخْرٌ مِنْ كَبْكَبٍ مَحْدُورُ أَنْتَ حَبَسْتَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسْ ... حَبَسْتَهُ كَأَنَّهُ مُكَرْدَسْ مِنْ بَعْدَ مَا هُمْ بِشَرِّ مَحْبَسْ ... بِمَحْبَسٍ تُزْهَقُ فِيهِ الْأَنْفُسْ وَقْتٌ بثاث رَبَّنَا أَلَمْ تَدْنَسْ ... يَا وَاهِبَ الْحَيِّ الْجَمِيعِ الْأَحْمَسْ وَمَا لَهُمْ مِنْ طَارِقٍ وَمَنْفَسْ ... وَجَارُهُ مِثْلُ الْجَوَارِي الْكُنَّسْ أَنْتَ لَنَا فِي كُلِّ أَمْرٍ مُضَرِّسْ ... وَفِي هَنَاتٍ أَخَذَتْ بِالْأَنْفُسْ لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى مِنْ مَفَرٍّ ... مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقُهُ وَالْكِبَرْ لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى عَصْرَةٌ ... لَعَمْرُكَ مَا إِنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ أَبْعَدَ قَبَائِلَ مِنْ حِمْيَرٍ ... أَتَوْا ذَاتَ صُبْحٍ بِذَاتِ الْعِبَرْ بِأَلْفٍ أُلُوفٍ وَحَرَّابَةٍ ... كَمِثْلِ السَّمَاءِ قُبَيْلَ الْمَطَرْ يَصُمُّ صُرَاخُهُمُ الْمُقْرِبَاتِ ... يُنَفُّونَ مَنْ قَاتَلُوا بِالذَّفَرْ سُعَالَى مِثْلُ عَدِيدِ التُّرَابِ ... تَيَبَّسَ مِنْهَا رِطَابُ الشَّجَرْ