تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: ١٨٧] الآية. إنك تقول: أنك جدل، ماهر، عالم، قد جادلت الناس: فجدلتهم، وخاصمتهم: فخصمتهم؛ إدلالاً منك بفهمك، واقتداراً منك برأيك؛ فأين تذهب عن قول الله عز وجل {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: ١٠٩] الآية. اعلم، أن أدنى ما ارتكبت، وأعظم ما احتقبت: أن أنست الظالم، وسهلت له طريق الغي: بدنوك حين أدنيت، واجابتك حين دعيت؛ فما أخلقك: أن تبوء باسمك غداً مع الجرمة، وأن تسأل عما أردت، بإغضائك عن ظلم الظلمة؛ إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك، ودنوت ممن لا يرد على أحد حقاً، ولا ترك باطلاً حين أدناك؛ وأجبت من أراد التدليس بدعائه إياك حين دعاك، جعلوك قطباً تدور رحى باطلهم عليك، وجسراً يعبرون بك إلى بلائهم، وسلما إلى ضلالتهم، وداعياً إلى غيهم، سالكاً سبيلهم؛ يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم؛ فلم تبلغ أخص وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم لهم، إلا دون ما بلغت من: إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم؛ فما أيسر ما عمروا لك، في جنب ما خربوا عليك؛ وما أقل ما أعطوك، في كثير ما أخذوا منك؛ فانظر لنفسك، فإنه لا ينظر لها غيرك؛ وحاسبها حساب رجل مسئول؛ وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه، صغيراً، وكبيراً؟ وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس بخيلاً؟ وكيف صيانتك لكسوة من جعلك لكسوته ستيراً؟ وكيف قربك وبعدك، ممن أمرك أن تكون منه قريباً؟ مالك لا تنتبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك؟ فتقول: والله، ما قمت لله مقاماً واحداً: أحي له فيه ديناً، ولا أميت له فيه باطلاً؛ إنما شكرك لمن استحملك كتابه، واستودعك علمه، ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} [الأعراف: ١٦٩] الآية. إنك لست في دار مقام قد أوذنت بالرحيل، ما بقاء المرء بعد أقرانه؛ طوبى لمن كان مع الدنيا على وجل، يا بؤس من يموت، وتبقى ذنوبه من بعده؛ إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك؛ ليس أحد أهلاً أن تردفه على ظهرك؛ ذهبت اللذة، وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره؛ احذر، فقد أتيت، وتخلص، فقد أدهيت؛ إنك تعامل من لا يجهل، والذي يحفظ عليك لا يغفل؛ تجهز: فقد دنا منك سفر، وداو دينك، فقد دخله سقم شديد؛ ولا تحسبن أني أردت توبيخك، أو تعييرك وتعنيفك؛ ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك، وترد عليك ما عزب عنك من حلمك؛ وذكرت قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذريات: ٥٥] . أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب؛ فانظر: هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه؛ وهل تراه ادخر لك خيراً منعوه، أو علمك شيئاً جهلوه؛ بل جهلت ما ابتليت به من حالك في صدور العامة، وكلفهم بك: أن صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك؛ إن أحللت، أحلوا؛ وإن حرمت، حرموا؛ وليس ذلك عندك، ولكنهم إكبابهم عليك، ورغبتهم فيما في يديك: ذهاب عملهم، وغلبة الجهل عليك وعليهم، وطلب حب الرياسة، وطلب الدنيا منك ومنهم؛ أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة، وما الناس فيه من البلاء والفتنة؛ ابتليتهم بالشغل عن مكاسبهم، وفتنتهم بما رأوا من أثر العلم عليك، وتاقت أنفسهم إلى أن يدركوا بالعلم ما أدركت، ويبلغوا منه مثل الذي بلغت؛ فوقعوا بك في بحر لا يدرك قعره، وفي بلاء لا يقدر قدره؛ فالله لنا ولك ولهم المستعان. واعلم، أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تعالى على يدي أوليائه لأوليائه، الخامل ذكرهم، الخافية شخوصهم؛ ولقد جاء نعتهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إن الله يحب: الأخفياء، الأتقياء، الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا؛ قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة؛ فهؤلاء أولياء الله، الذين قال الله تعالى فيهم: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: ٢٢] وجاه يجريه الله تعالى على يدي أعدائه لأوليائه ومقة يقذفها الله في قلوبهم لهم، فيعظمهم الناس بتعظيم أولئك لهم، ويرغب الناس فيما في أيديهم، لرغبة أولئك فيه إليهم: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون} [المجادلة: ١٩] . وما أخوفني: أن تكون ممن ينظر لمن عاش: مستوراً عليه في دينه، مقتوراً عليه في رزقه، معزولة عنه البلايا، مصروفة عنه الفتن في عنفوان شبابه، وظهور جلده، وكمال شهوته، فعنى بذلك دهره؛ حتى إذا كبر سنه، ورق عظمه، وضعفت قوته، وانقطعت شهوته ولذته: فتحت عليه الدنيا شر فتوح، فلزمته تبعتها، وعلقته فتنتها، وأعشت عينيه زهرتها، وصفت لغيره منفعتها؛ فسبحان الله، ما أبين هذا الغبن، وأخسر هذا الأمر؛ فهلا إذ عرضت لك فتنتها: ذكرت أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، في كتابه إلى سعد، حين خاف عليه مثل الذي وقعت فيه، عند ما فتح الله على سعد؛ أما بعد: فأعرض عن زهرة ما أنت فيه، حتى تلقى الماضين الذين دفنوا في أسمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم؛ ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدنيا، ولم يفتتنوا بها، رغبوا، فطلبوا؛ فما لبثوا أن لحقوا. فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا: في كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك؛ فمن يلوم الحدث في سنه، والجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. على من المعول، وعند من المستعتب؟ نحتسب عند الله مصيبتنا، ونشكو إليه بثنا وما نرى منك؛ ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. (٣/ ٢٤٦ـ٢٤٩) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن مبارك أبو حماد ـ مولى إبراهيم بن سام ـ؛ قال: سمعت سفيان الثوري، يقرأ على علي بن الحسن السليمي: يا أخي، لا تغبط أهل الشهوات بشهواتهم، ولا ما يتقلبون فيه من النعمة؛ فإن أمامهم يوماً تزل فيه الأقدام، وترعد فيه الأجسام، وتتغير فيه الألوان، ويطول فيه القيام، ويشتد فيه الحساب، وتتطاير فيه القلوب، حتى تبلغ الحناجر. فيا لها من ندامة، على ما أصابوا من هذه الشهوات؛ اجعل كسبك فيما يكون لك، ولا تجعل كسبك فيما يكون عليك؛ فإن الذي يقدم ماله، ويعطي حق الله منه: فماله له، وأفضل منه؛ والذي يخلف ماله، ويضيع حق الله فيه: فماله وبال عليه يوم القيامة. اكسب حلالاً، واجلس مع من كسبه من حلال، وكل طعام من كسبه من حلال؛ وليكن أهل مشورتك من كسبه من حلال، فان الورع: ملاك الدين، واستكمال أمر الآخرة. واعلم، أنه يا أخي: لا يمتنع أحد عن الحرام، إلا من هو مشفق على لحمه ودمه؛ فإنما دينك: لحمك ودمك؛ فاجتنب الحرام، ولا تجلس مع من يكسب الحرام، ولا تأكل مع من كسبه من حرام، ولا تدل أحداً على الحرام، ولا تشيرن به إلى أحد فيأخذه، ولا تورثه إلى أحد؛ وانصح لكل بر وفاجر: أن لا يأخذه؛ فإن فعلت من ذلك شيئاً، فأنت عون له، والعون شريك. وإياك والظلم، وأن تكون عوناً للظالم، وأن تصحبه، أو تؤاكله، أو تبتسم في وجهه، أو تنال منه شيئاً: فتكون عوناً له، والعون شريك. لا تخالفن أهل التقوى، ولا تخادن أهل الخطايا، ولا تجالس أهل المعاصي، واجتنب المحارم كلها، واتق أهلها. وإياك والأهواء، فإن أولها وآخرها باطل؛ ولكل ذنب توبة، وترك الذنب أيسر من طلب التوبة؛ وإن الله غفور رحيم لأهل المعاصي، رحيم للتوابين، حليم ودود؛ وإياك أن تزداد بحلمه عنك: جرأة على المعصية، فإن الله لم يرض لانبيائه المعصية، والحرام، والظلم؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:٥١] . ثم قال للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: ٢٦٧] . ثم أجملها، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: ١٦٨] . وأعلم يا أخي، أنه لم يرض لأنبيائه، ولا للمؤمنين، ولا للمشركين: حراماً؛ ولا تتهاون بالذنب الصغير، ولكن انظر: من عصيت؟ عصيت رباً عظيماً، يعاقب على الصغير، ويتجاوز عن الكبير. وإن أكيس الكيس: من يدخل الجنة بذنب عمله، فنصبه بين عينيه، ثم لم يزل حذراً على نفسه من تلك الخطيئة، حتى فارق الدنيا، ودخل الجنة. وإن أحمق الحمق: من دخل النار بحسنة واحدة، نصبها بين عينيه، ولم يزل يذكرها، ويرجو ثوابها، ويتهاون بالذنوب، حتى فارق الدنيا، ودخل النار. فكن يا أخي: كيساً، حذراً على ما زل منك ومضى، لا تدري ماذا يفعل بك ربك فيه؛ وما بقي من عمرك: لا تدري ماذا يحدث لك فيها؛ فإن إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن: حذر على نفسه، فسأل ربه؛ فقال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: ٣٥] . وقال يوسف عليه السلام {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: ١٠١] . وقال موسى عليه السلام {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: ١٧] . وقال شعيب عليه السلام {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} [الأعراف: ٨٩] . فهؤلاء أنبياؤه، خافوا على أنفسهم؛ وإنما المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده. (٧/ ٢٤ـ٢٥) * عن عطاء الخراساني، أنه كان يومي في حديثه، يقول: إني لا أوصيكم بدنياكم، أنتم بها مستوصون، وأنتم عليها حراص؛ وإنما أوصيكم بآخرتكم، تعلمن: أنه لن يعتق عبد، وإن كان في الشرف والمال؛ وإن قال: أنا فلان ابن فلان، حتى يعتقه الله تعالى من النار؛ فمن أعتقه الله من النار عتق، ومن لم يعتقه الله من النار: كان في أشد هلكة هلكهاً أحد قط. فجدوا في دار المعتمل لدار الثواب، وجدوا في دار الفناء لدار البقاء؛ فإنما سميت الدنيا: لأنها أدنى فيها المعتمل؛ وإنما سميت الآخرة: لأن كل شيء فيها مستأخر؛ ولأنها دار ثواب: ليس فيها عمل، فألصقوا إلى الذنوب إذا أذنبتم إلى كل ذنب: اللهم، اغفر لي؛ فإنه التسليم لأمر الله؛ وألصقوا إلى الذنوب: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله رب العالمين، وسبحان الله وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله وأتوب إليه. فإذا نشرت الصحف، وجاء هذا الكلام، قد ألصقه كل عبد إلى خطاياه: رجا بهذا الكلام المغفرة، وأذهبت هذه الحسنات سيئاته؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: ١١٤] . فمن خرج من الدنيا بحسنات وسيئات: رجا بها مغفرة لسيئاته؛ ومن أصر على الذنوب، واستكبر عن الاستغفار: خرج ذلك اليوم مصراً على الذنوب، مستكبراً عن الاستغفار، قاصه الحساب، وجازاه بعمله. إلا من تجاوز عنه المتجاوز الكريم، فإنه لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وهو سريع الحساب. واجعلوا الدنيا كشيء فارقتموه، فوالله، لتفارقنها؛ واجعلوا الموت كشيء ذقتموه، فوالله، لتذوقنه؛ واجعلوا الآخرة كشيء نزلتموه، فوالله، لتنزلنها؛ وهي دار الناس كلهم. ليس من الناس أحد يخرج لسفر، إلا أخذ له أهبته، وتجهز له بجهازه، وأخذ للحر ظلالة، وللعطش مزاداً، وللبرد لحافاً؛ فمن أخذ لسفره الذي يصلحه، اغتبط؛ ومن خرج إلى سفر لم يتجهز له بجهازه، ولم يأخذ له أهبته: ندم؛ فإذا أضحى: لم يجد ظلاً؛ وإذا ظمئ: لم يجد ماء يتروى به؛ وإذا وجد البرد: لم يجد لذلك لحافاً؛ فلا أرى رجلاً أندم منه. وإنما هذا سفر الدنيا ينقطع عنه، ولا يقيم فيه؛ فأكيس الناس: من قام يتجهز لسفر لا ينقطع، فأخذ في الدنيا لظمأ لا يروى؛ فمن آواه الله في ظل عرشه: لم يضح أبداً؛ ومن أضحى يومئذ: لم يستظل أبداً؛ ومن قام، فأخذ لري: لم يعطش أبداً؛ فإن من عطش يومئذ: لم يرو أبداً؛ ومن قام فأخذ لكسوته: لم يعر أبداً؛ فإنه من عري يومئذ: لم يكس أبداً. لم يأت أحد من الناس ببرائتين؛ واحدة: منهن بعد هول المطلع، والثانية: في القيام بين يدي الجبار تعالى: يقضي في رقاب خلقه ما يشاء، لا شريك له. (٥/ ١٩٤ـ١٩٥) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن محمد بن أحمد المذكر، عن بعض أصحابه؛ قال: قال ذو النون لفتى من النساك: يا فتى، خذ لنفسك بسلاح الملامة، وأقمعها برد الظلامة: تلبس غداً سرابيل السلامة؛ واقصرها في روضة الأمان، وذوقها مضض فرائض الإيمان: تظفر بنعيم الجنان؛ وجرعها كأس الصبر، ووطنها على الفقر: حتى تكون تام الأمر. فقال له الفتى: وأي نفس تقوى على هذا؟ فقال: نفس على الجوع صبرت، وفي سربال الظلام خطرت؛ نفس ابتاعت الآخرة بالدنيا، بلا شرط، ولا ثنيا؛ نفس تدرعت رهبانية القلق، ورعت الدجا إلى واضح الفلق. فما ظنك بنفس في وادي الحنادس سلكت، وهجرت اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العيناء أبصرت، وعن الذنوب أقصرت، وعلى الذر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفي ظلم الدياجي سهرت؛ فهي بقناع الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في ظلم الدجا مشتمرة، قد نبذت المعايش، ورعت الحشايش؛ هذه نفس خدوم، عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق الحي القيوم. (٩/ ٣٥٦ـ٣٥٧) * عن مبارك أبي حماد، قال: سمعت سفيان يقول لعلي بن الحسن فيما يوصيه: يا أخي، عليك بالكسب الطيب، وما تكسب بيدك؛ وإياك وأوساخ الناس: أن تأكله، أو تلبسه؛ فإن الذي يأكل أوساخ الناس، مثله: مثل عليته لرجل، وسفله ليس له؛ فهو لا يزال على خوف أن يقع سفله، وتتهدم علته. فالذي يأكل أوساخ الناس، هو يتكلم بهوى، ويتواضع للناس مخافة أن يمسكوا عنه. ويا أخي، إن تناولت من الناس شيئاً: قطعت لسانك، وأكرمت بعض الناس، وأهنت بعضهم، مع ما ينزل بك يوم القيامة؛ فإن الذي يعطيك شيئاً من ماله، فإنما هو وسخه، وتفسير وسخه: تطهير عمله من الذنوب؛ وإن أنت تناولت من الناس شيئاً: إن دعوك إلى منكر أجبتهم. وإن الذي يأكل أوساخ الناس، كالرجل: له شركاء في شيء ينبغي له أن يقاسمهم. يا أخي، جوع، وقليل من العبادة: خير من أن تشبع من أوساخ الناس، وكثير من العبادة؛ وقد بلغنا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن أحدكم أخذ حبلاً، ثم احتطب حتى يدبر ظهره، كان خيراً له، من أن يقوم على رأس أخيه: يسأله، أو يرجوه؛ وبلغنا: أن عمر بن الخطاب قال: من عمل منكم: حمدناه، ومن لم يعمل: اتهمناه؛ وقال: يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، ولا تزيدوا الخشوع على ما في القلب؛ استبقوا في الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على الناس؛ فقد وضح الطريق؛ وقال علي بن أبي طالب: إن الذي يعيش من أيدي الناس: كالذي يغرس شجرة في أرض غيره. فاتق الله يا أخي، فإنه ما نال أحد من الناس شيئاً، إلا صار حقيراً ذليلاً عند الناس، والمؤمنون شهود الله في الأرض. وإياك أن تكسب خبيثاً، فتنفقه في طاعة الله؛ فإن تركه فريضة، من الله واجبة، وإنه طيب، لا يقبل إلا طيباً؛ أرأيت رجلاً أصاب ثوبه بول، ثم أراد أن يطهره، فغسله ببول آخر، أترى كان ذلك يطهره؟ كلا، إن القذر لا يطهر إلا بطيب؛ فكذلك: لا تمحى السيئة، إلا بالحسنة؛ وإن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب؛ وإن الحرام: لا يقبل في شيء من الأعمال؛ أو: هل عمل أحد ذنباً، فمحاه بذنب؟. (٧/ ٧١ـ٧٢) * عن أبي محمد البلخي قال: قرأت كتاب إبراهيم بن أدهم إلى عبد الملك مولاه؛ أما بعد: أوصيك بتقوى الله، إنه جاءني كتابك ـ فوصلك الله ـ تذكر ما جرى بيننا، فمن رعى حق الله: وفر حظه، وسلم منه الناس؛ ومن ترك حظه، ولم يراقب حقه: ولع به الناس؛ وذلك إلى الله، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله. ثم إن القوم ناس مثلكم: يغضبون، ويرضون؛ فكان الذي يقومهم: إليه يرجعون، وبه يقنعون، وبه يأخذون، وبه يعطون؛ فأثنى عليهم أحسن الثناء، فاقتدوا بآثارهم وأفعالهم، حتى أنتم على ملتهم، وتمنون منازلهم. ثم إن الله تعالى أحسن إلينا، وأبقانا بعد الجيران؛ فنعوذ بالله أن يكون إبقاؤنا لشر، فإنه لا يؤمن مكره؛ والأعمال بالخواتيم، وإنه من خافه: لم يصنع ما يحب، ولم يتكلم بما يشتهي؛ وينبغي لصاحب الدين: أن يرجو في الكلام ما يرجو في الفعل، وأن يخاف منه ما يخاف من الفعل، وذلك إلى الله. فان استطعت: أن لا يكون عندك أحد هو آثر من الله، فراقبه في الغضب والرضا؛ فإنه يعلم السر وأخفى، ويغفر، ويعذب؛ ولا منجى منه إلا إليه؛ فإن استطعت: أن تكف عما لا يعنيك، وأن تنظر لنفسك؛ فإنه لا يسعى لك غيرك. إن الناس قد طلبوا الدنيا: بالغضب، والرضا؛ فلم ينالوا منها حاجتهم، وإنه من أراد الآخرة: كان الناس منه في راحة، لا يخدع من ذلها، ولا ينازعهم في عزها؛ هو من نفسه في شغل، والناس منه في راحة. فاتق الله، وعليك بالسداد؛ فإن من مضى: إنما قدموا على أعمالهم، ولم يقدموا على الشرف، والصوت، والذكر؛ فإن الله تعالى أبى، إلا عدلاً؛ أعاننا الله وإياكم على ما خلقنا له، وبارك لنا ولكم في بقية العمر، فما شاء الله. وأما ما ذكرت من أمر القصر، فلا تشقوا على أنفسكم: إن جاءكم أمر في عافية، فلله الحمد؛ وإن كانت بلية، فلا تعدلوا بالسلامة؛ فإنه من ترك من أمره ما لا ينبغي: أحق بالجزع منكم؛ إنا قد أيقنا: أن الناس لا يذهبون بحقوق الناس، والله معط كل ذي حق حقه، وسعي الناس: لهم وعليهم، والجزاء غداً؛ فإن استطعتم: أن لا تلقوا الله بمظالم؛ فأما ما ظلمتم: فلا تخافوا الغلبة، فإن الله تعالى لا يعجزه شيء. فمن علم أن الأمور هكذا: فليكبر على نفسه، وليقض ما عليها؛ فإن غداً أشده، وأضره؛ حسبنا الله ونعم الوكيل؛ وأما من بقي من بقية الجيران، فاقرهم السلام، فقد طال العهد. (٨/ ١٤ـ١٥) * عن مبارك أبي حماد ـ مولى إبراهيم بن سلم، بعين رزية ـ قال: سمعت سفيان الثوري يقرأ على علي بن الحسين ـ من أهل الكوفة، رجل من بني سليم، ممن كان أقطع له عمر بن الخطاب الخورنق ـ رسالة سفيان بن سعيد إلى أخ له: بمواعظ، وشرائع من الدين، وأدب؛ عافانا الله وإياك من النار برحمته؛ وأوصيك وإياي بتقوى الله، وأحذرك أن تجهل بعد إذ علمت، وتهلك بعد إذ أبصرت، وتدع الطريق بعد إذ وضح لك، وتغتر بأهل الدنيا: بطلبهم لها، وحرصهم عليها، وجمعهم لها؛ فإن الهول شديد، والخطر عظيم، والأمر قريب؛ وكان قد كان، وتفرغ وفرغ قلبك، ثم الجد الجد، والوحا الوحا، والهرب الهرب، وارتحل الى الآخرة قبل أن يرتحل بك، واستقبل رسل ربك، وانكمش واشدد مئزرك، من قبل أن يقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد. فقد وعظتك بما وعظت به نفسي، والتوفيق من الله، ومفتاح التوفيق: الدعاء، والتضرع، والاستكانة، والندامة على ما فرطت؛ ولا تضيع حقك من هذه الأيام والليالي؛ أسأل الله الذي من علينا بمعرفته: أن لا يكلنا وإياك إلى أنفسنا، وأن يتولى منا ومنك ما يتولى من أوليائه وأحبابه. ثم إياك وما يفسد عليك عملك، فإنما يفسد عليك عملك: الرياء؛ فإن لم يكن رياء: فإعجابك بنفسك، حتى يخيل إليك: أنك أفضل من أخ لك؛ وعسى: أن لا تصيب من العمل مثل الذي يصيب؛ ولعله أن يكون هو أورع منك عما حرم الله، وأزكى منك عملاً. فإن لم تكن معجباً بنفسك، فإياك أن تحب محمدة الناس، ومحمدتهم: أن تحب أن يكرموك بعملك، ويروا لك به شرفاً ومنزلة في صدورهم، أو حاجة تطلبها إليهم في أمور كثيرة؛ فإنما تريد بعملك: زعمت وجه الدار الآخرة، لا تريد به غيره. فكفى بكثرة ذكر الموت، مزهداً في الدنيا، ومرغباً في الآخرة؛ وكفى بطول الأمل: قلة خوف، وجرأة على المعاصي؛ وكفى بالحسرة والندامة يوم القيامة: لمن كان يعلم، ولا يعمل. (٦/ ٣٩١ـ٣٩٢) * عن عبد الله بن صالح قال: سمعت ابن السماك، وكتب إلى أخ له؛ أما بعد: أوصيك بتقوى الله: الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك؛ فاجعل الله في بالك، على حالك في ليلك ونهارك، وحب الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك؛ فاعلم أنك بعينه، ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره؛ فليعظم منه حذرك، وليكثر منه وجلك. واعلم، أن الذنب من العاقل: أعظم من الذنب من الأحمق، والذنب من العالم: أعظم من الذنب من الجاهل، والذنب من الغني: أعظم من الذنب من الفقير. وقد أصبحنا أذلاء رغماء، والذليل: لا ينام في البحر؛ وقد كان عيسى عليه السلام يقول: حتى متى تصفون الطريق للذاكرين؟ وأنتم مقيمون في محلة المتجبرين، تضعون البعوض من شرابكم، وتشترطون الجمال بأجمالها. (٨/ ٢٠٦) * عن محمد بن حميد بن عبد الرحمن بن يوسف الأصبهاني قال: وجدت كتاباً عند جدي عبد الرحمن من أخيه محمد بن يوسف، إلى عبد الرحمن ابن يوسف: سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد: فإني أحذرك متحولك من دار مهلتك إلى دار إقامتك، وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيانك منكر ونكير، فيقعدانك؛ فإن يكن الله معك: فلا بأس، ولا وحشة، ولا فاقة؛ وإن يكن غير ذلك، فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع، وضيق مضجع. ثم يتبعك صيحة الحشر، ونفخ الصور الجبار بعد فصل القضاء للخلائق؛ فخلت الأرض من أهلها، والسماوات من سكانها؛ فبادرت الأسرار، وأسعرت النار، ووضعت الموازين، وجيء بالنبيين والشهداء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر: ٧٥] ؛ فكم من مفتضح ومستور، وكم من هالك وناج، وكم من معذب ومرحوم؛ فيا ليت شعري، ما حالي وحالك يومئذ؟ ففي هذا: ما هدم اللذات، وسلا عن الشهوات، وقصر الأمل، واستيقظ الباغون، وحذر الغافلون. أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها بين قلوب المتقين؛ فإنما نحن به وله. (٨/ ٢٣٦) * كتب محمد بن يوسف الأصبهاني إلى بعض إخوانه: أقرئ من أقرأنا منه السلام، وتزود لآخرتك، وتجاف عن دنياك، واستعد للموت، وبادر الفوت؛ واعلم أن أمامك أهوالاً وأفزاعاً، قد فزعت منها الأنبياء والرسل .... والسلام. (٨/ ٢٣٥ـ٢٣٦) * قال رجل لمحمد بن واسع: أوصني. قال: أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا والآخرة؛ قال: كيف لي بذلك؟ قال: ازهد في الدنيا. (٦/ ٣٠٢) * عن عبد العزيز بن أبي الرواد قال: دخلت على المغيرة بن حكيم في مرضه الذي مات فيه؛ قلت: أوصني؛ فقال: اعمل لهذا المضجع. (٨/ ١٩٤) * عن عبد الواحد بن زيد قال: يا معشر إخواني، عليكم بالخبز والملح؛ فإنه يذيب شحم الكلى، ويزيد في اليقين. (٦/ ١٥٥) * قيل لمعروف الكرخي في علته: أوص؛ فقال: إذا مت، فتصدقوا بقميصي هذا؛ فإني أحب أن أخرج من الدنيا عرياناً، كما دخلت إليها عرياناً. (٨/ ٣٦٢) * قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني؛ قال: أوصيك بتقوى الله، وإيثاره: تخف عليك المؤونة، وتحسن لك من الله المعونة. (٥/ ٢٦٧) * كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله: الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها؛ فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل. (٥/ ٢٦٧) * عن أبان بن أبي راشد القشيري قال: كنت إذا أردت الصائفة: أتيت ميمون بن مهران أودعه؛ فما يزيد على كلمتين: اتق الله، ولا يغيرك طمع، ولا غضب. (٤/ ٨٥) * عن علي بن خشرم قال: كتب إلي بشر بن الحارث ـ أبو نصر ـ إلى أبي الحسن ـ علي بن خشرم ـ: السلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد: فإني أسأل الله: أن يتم ما بنا وبكم من نعمة، وأن يرزقنا وإياكم الشكر على إحسانه، وأن يميتنا ويحيينا وإياكم على الإسلام، وأن يسلم لنا ولكم خلفاً من تلف، وعوضاً من كل رزية. أوصيك بتقوى الله يا علي، ولزوم أمره، والتمسك بكتابه؛ ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان، وسهلوا لنا السبل؛ فاجعلهم نصب عينيك، وأكثر عرض حالاتهم عليك: تأنس بهم في الخلاء، ويغنوك عن مشاهدة الملأ؛ فمثل حالهم، كأنك تشاهدهم؛ فمجالسة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم أوفق من مجالسة الموتى، ومن يرقب منك زلتك وسقطتك إن قدر عليها؛ فإن لم يقدر عليها: جعل جليساً أن رآه عندك عيبك، فرماك بما لم يره الله منك. واعلم ـ علمك الله الخير، وجعلك من أهله ـ أن أكثر عمرك ـ فيما أرى ـ قد انقضى، ومن يرضى حاله قد مضى؛ وأنت لاحق بهم، وأنت مطلوب؛ ولا تعجز طالبك وأنت أسير في يديه، وكل الخلق في كبريائه صغير، وكلهم إليه فقير؛ فلا يشغلنك كثرة من يحبك، وتضرع إليه: تضرع ذليل إلى عزيز، وفقير إلى غني، وأسير لا يجد ملجأ، ولا مفراً يفر إليه عنا؛ وخائف مما قدمت يداه: غير واثق على ما يقدم. لا يقطع الرجاء، ولا يدع الدعاء، ولا يأمن من الفتن والبلاء؛ فلعله إن رآك كذلك: عطف عليك بفضله، وأمدك بمعونته، وبلغ بك ما تأمله من عفوه ورحمته؛ فافزع إليه في نوائبك، واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك؛ فإنك إذا فعلت ذلك: قربك بخضوعك له، ووجدته أسرع إليك من أبويك، وأقرب إليك من نفسك؛ وبالله التوفيق، وإياه أسأل خير المواهب لنا ولك. واعلم يا علي، أنه: من ابتلي بالشهرة ومعرفة الناس، فمصيبته جليلة، فجبرها الله لنا ولك بالخضوع والاستكانة، والذل لعظمته؛ وكفانا وإياك فتنتها، وشر عاقبتها؛ فإنه تولى ذلك من أوليائه، ومن أراد توفيقه. وارجع إلى أقرب الأمرين بك إلى إرضاء ربك، ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة أهل زمانك ولا ذمهم؛ فإن من كان يتقي ذلك منه: قد مات؛ وإنارة إحياء القلوب: من صالح أهل زمانك؛ وإنما أنت في محل موتي، ومقابر أحياء: ماتوا عن الآخرة، ودرست عن طرقها آثارهم. هؤلاء أهل زمانك، فتوار مما لا يستضاء فيها بنور الله، ولا يستعمل فيها كتابه إلا من عصم الله؛ ولا تبال من تركك منهم، ولا تأس على فقدهم؛ واعلم: أن حظك في بعدهم، أوفر من حظك في قربهم؛ وحسبك الله، فاتخذه أنيساً، ففيه الخلف منهم. فاحذر أهل زمانك، وما العيش مع من يظن به في زمانك الخير، ولا مع من يسيء به الظن خير؛ وما ينبغي أن يكون طلعة أبغض إلى عاقل تهمه نفسه، من طلعة إنسان في زمانك؛ لأنك منه على شرف فتنة إن جالسته، ولا تأمن البلاء إن جانبته؛ وللموت في العزلة، خير من الحياة. وإن ظن رجل: أن ينجو من الشر، يأمن خوف فتنة: فلا نجاة له؛ إن أمكنتهم من نفسك: آثموك، وإن جانبتهم: أشركوك؛ فاختر لنفسك، واكره لها ملابستهم؛ وأرى: أن الفضل اليوم ما هو إلا في العزلة، لأن السلامة فيها؛ وكفى بالسلامة فضلاً. اجعل أذنك عما يؤثمك صماء، وعينك عنه عمياء؛ إحذر سوء الظن، فقد حذرك الله تعالى ذلك؛ وذلك قوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: ١٢] . والسلام. (٨/ ٣٤١ـ٣٤٣) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن أبي مهلهل قال: أخذ بيدي سفيان الثوري، فأخرجني إلى الجبان، فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس؛ فبكى، ثم قال: يا مهلهل، إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحداً، فافعل؛ وليكن همك مرمة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى الله في حوائجك لديهم، وافزع إليه فيما ينوبك؛ وعليك بالاستغناء عن جميع الناس، وارفع حوائجك إلى من لا تعظم الحوائج عنده؛ فوالله، ما أعلم اليوم بالكوفة أحداً: أفزع إليه في قرض عشرة دراهم أقرضني، ثم كتبها علي، حتى يذهب ويجيء؛ ويقول: جاءني سفيان، فاستقرض مني، فأقرضته. (٧/ ٧) * قال سفيان الثوري: عليك بالقصد في معيشتك، وإياك أن تتشبه بالجبابرة، وعليك بما لا يقرف: من الطعام، والشراب، واللباس، والمركب؛ وليكن أهل مشورتك: أهل التقوى، وأهل الأمانة، ومن يخشى الله عز وجل (٧/ ١٢ـ١٣) * كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد: فكأن العباد قد عادوا إلى الله تعالى، ثم ينبئهم بما عملوا،: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: ٣١] . فإنه لا معقب لحكمه، ولا ينازع في أمره، ولا يقاطع في حقه الذي استحفظه عباده، وأوصاهم به. وإني أوصيك بتقوى الله، وأحثك على الشكر فيما اصطنع عندك من نعمة، وآتاك من كرامة؛ فإن نعمه: يمدها شكره، ويقطعها كفره. أكثر ذكر الموت: الذي لا تدري متى يغشاك، ولا منا من ولا فوت. وأكثر من ذكر يوم القيامة وشدته، فإن ذلك يدعوك إلى الزهادة فيما زهدت فيه، والرغبة فيما رغبت فيه؛ ثم كن مما أوتيت من الدنيا على وجل، فإن من لا يحذر ذلك، ولا يتخوفه: توشك الصرعة أن تدركه في الغفلة. وأكثر النظر في عملك في دنياك، بالذي أمرت به، ثم اقتصر عليه؛ فإن فيه لعمري شغلاً عن دنياك؛ ولن تدرك العلم، حتى تؤثره على الجهل؛ ولا الحق، حتى تذر الباطل؛ فنسأل الله لنا ولك حسن معونته، وأن يدفع عنا وعنك بأحسن دفاعه برحمته. (٥/ ٢٦٨) * عن الأوزاعي، أنه كتب إلى أخ له: أما بعد: فإنه قد أحيط بك من كل جانب؛ واعلم: أنه يسار بك في كل يوم وليلة؛ فاحذر الله، والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به؛ والسلام. (٦/ ١٤٠) * عن الأوزاعي، أنه كتب إلى الحكم بن غيلان القيسي: قد أحببت ـ رحمنا الله وإياك ـ أن يقفك ما عملت من المراء، وإن كان على ما تعلم فيه؛ وأن تجعل لمعادك في طرفي نهارك نصيباً، ولا يستفرغنك إيثار غيره؛ ودع امتحان من اتهمت، وضع أمره على ما قد ظهر لك منه؛ فإن ستر عنك خلافاً، فاحمد الله على عافيته؛ وإن عرض لك ببدعة، فأعرض عن بدعته، ودع من الجدال ما يفتن القلب، وينبت الضغينة، ويجفي القلب، ويرق الورع في المنطق والفعل؛ ولا تكن ممن يمتحن من لقي بالأوابد، وما عسى أن يفتري به أحد؛ وليكن ما كان منك على سكينة وتواضع، تريد به الله؛ وليعنك ما عنى الصالحين قبلك، فإنه قد أعظمهم ثقل الساعة، فجرت على خدودهم من الخشوع دموعهم، وطووا من خوف على ظمأ مناهلهم؛ عناهم على أنفسهم، وراحتهم على الناس. نسأل الله أن يرزقنا وإياك علماً نافعاً، وخشوعاً يؤمننا به من الفزع الأكبر؛ إنه أرحم الراحمين، والسلام عليك. (٦/ ١٤٠ـ١٤١) * عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: كان الفقهاء يتواصون بينهم بثلاث، ويكتب بذلك بعضهم إلى بعض: من عمل لآخرته: كفاه الله دنياه، ومن أصلح سريرته: أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله: أصلح الله ما بينه وبين الناس. (٤/ ٢٤٧) * قال أحمد بن عاصم: كتب رجل إلى أخيه: أما بعد: فاطلب ما يعنيك بترك مالا يعنيك، فإن في ترك مالا يعنيك: درك لما يعنيك. قال: وكتب رجل إلى أخيه، أما بعد: فالله الله، اسمع أحدثك عنه: انه لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم، ولكن بقدر كرمه وجوده؛ ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم، ولكن بقدر رأفته ورحمته؛ فما ظنك بالتواب الرحيم: الذي يتودد إلى من يؤذى به، فكيف بمن يؤذى فيه؛ وما ظنك بالتواب الرحيم الكريم: الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يعادي فيه؛ والذي يتفضل على من يسخطه ويؤذيه، فكيف بمن يترضاه، ويختار سخط العباد فيه. (٩/ ٢٩١) * عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار قال: قال عمر لرجل: أوصيك بتقوى الله، فإنها ذخيرة الفائزين، وحرز المؤمنين؛ وإياك والدنيا أن تفتنك؛ فإنها قد فعلت ذلك بمن كان قبلك: إنها تغر المطمئنين إليها، وتفجع الواثق بها، وتسلم الحريص عليها، ولا تبقى لمن استبقاها، ولا يدفع التلف عنها من حواها؛ لها مناظر بهجة؛ ما قدمت منها أمامك: لم يسبقك، وما أخرت منها خلفك: لم يلحقك. (٥/ ٣٤١ـ٣٤٢) * عن عون بن عبد الله، أنه كان يكتب بهذه: أما بعد: فإني أوصيك بوصية الله التي حفظها، سعادة: لمن حفظها، وأضاعتها: شقاوة لمن ضيعها؛ ورأس التقوى: الصبر، وتحقيقها: العمل، وكمالها: الورع؛ وإن تقوى الله: شرطه الذي اشترط، وحقه الذي افترض؛ والوفاء بعهد الله: أن تجعل له، ولا تجعل لمن دونه؛ فإنما يطاع من دونه بطاعته، وإنما تقدم الأمور وتؤخر بطاعته؛ وأن ينقض كل عهد للوفاء بعهده، ولا ينقض عهده لوفاء بعد غيره؛ هذا إجماع من القول له، تفسير لا يبصره: إلا البصير، ولا يعرفه: إلا اليسير. (٤/ ٢٤٤ـ٢٤٥) * عن وهب بن منبه قال: قال عالم لمن فوقه في العلم: كم أبني من البناء؟ قال: يكفيك ما يسترك من الشمس، ويكنك من الغيث؛ قال: كم آكل من الطعام؟ قال: فوق الجوع، ودون الشبع؛ قال: كم ألبس من الثياب؟ قال: لباس المسيح عليه السلام؛ قال: كم أضحك؟ قال: ما يسفر وجهك، ولا يسمع صوتك؛ قال: كم أبكي؟ قال: لا تمل أن تبكي من خشية الله؛ قال: كم أخفي من العمل؟ قال: حتى يظن الناس: أنك لم تعمل حسنة؛ قال: كم أعلن من العمل؟ قال: ما يأتم بك الحريص، ولا تؤتى ـ أو قال: ولا يقبل عليك كلام الناس ـ. قال: وسمعت راهباً يقول: إن لكل شيء طرفين ووسطاً، فإذا أمسكت بأحد الطرفين: مال الآخر، وإذا أمسكت بالوسط: اعتدل الطرفان؛ ثم قال: عليكم بالأوسط من الأشياء. (٤/ ٤٥) * عن شعيب قال: حدثني محدث أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على عمر؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي إليك حاجة، فأخلني ـ وعنده مسلمة بن عبد الملك ـ فقال له عمر: أسر دون عمك؟ فقال: نعم؛ فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه؛ فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك؟ فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها؛ فقال له: يا بني أشيء حملتكه الرعية إلي، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله، ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله، وجزاك من ولد خيراً؛ فوالله، إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير؛ يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر: عقدة عقدة، وعروة عروة؛ ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً تكثر فيه الدماء؛ والله، لزوال الدنيا أهون علي: من أن يهراق في سببي محجمة من دم؛ أو ما ترضى: أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا، إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة؛ حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الحاكمين. (٥/ ٢٨٢ـ٢٨٣) * عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز: عظني يا أبا حازم؛ قال: قلت: اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن تكون فيه تلك الساعة، فخذ فيه الآن؛ وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة، فدعه الآن. (٥/ ٣١٧) * عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال رجل: مررت ذات يوم بفضيل بن عياض؛ فقلت له: أوصني بوصية ينفعني الله بها؛ قال: يا عبد الله، أخف مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين، والمؤمنات؛ كما أمرك. (٨/ ٩٧) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن عمر بن عبد الملك الكناني قال: صحب ابن محيريز رجلاً في الساقة في أرض الروم، فلما أردنا أن نفارقه؛ قال له ابن محيريز: أوصني، قال: إن استطعت أن تعرف ولا تعرف، فأفعل؛ وإن استطعت أن تمشي ولا يمشى إليك، فافعل؛ وان استطعت أن تسأل، ولا تسأل، فأفعل. (٥/ ١٤١) * عن ابن محيريز قال: صحبت فضالة ابن عبيد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقلت: أوصني رحمك الله؛ قال: احفظ عني ثلاث خصال، ينفعك الله بهن؛ إن استطعت أن تعرف ولا تعرف، فافعل؛ وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم، فافعل؛ وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك، فافعل. (٥/ ١٤١) * كان ابن وهب يقول: طوبى لمن نظر في عيبه عن عيب غيره، وطوبى لمن تواضع لله من غير مسكنة، ورحم أهل الذل والمسكنة، وتصدق من مال جمع من غير معصية، وجالس أهل العلم والحلم، وأهل الحكمة؛ ووسعته السنة، ولم يتعدها إلى البدعة. (٤/ ٦٧) * كتب سفيان إلى عباد بن عباد: أما بعد، فإنك في زمان كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذون أن يدركوه، ولهم من العلم ما ليس لنا، ولهم من القدم ما ليس لنا؛ فكيف بنا حين أدركناه: على قلة علم، وقلة صبر، وقلة أعوان على الخير، وفساد من الناس، وكدر من الدنيا؛ فعليك بالأمر الأول والتمسك به، وعليك بالخمول، فإن هذا زمن خمول. وعليك بالعزلة، وقلة مخالطة الناس؛ فقد كان الناس إذا التقوا: ينتفع بعضهم ببعض؛ فأما اليوم: فقد ذهب ذاك، والنجاة في تركهم فيما نرى. وإياك والأمراء: أن تدنو منهم، وتخالطهم في شيء من الأشياء؛ وإياك أن تخدع، فيقال لك: تشفع، وتدرأ عن مظلوم، أو ترد مظلمة؛ فإن ذلك خديعة إبليس؛ وإنما اتخذها فجار القراء سلماً؛ وكان يقال: اتقوا فتنة العابد الجاهل، والعالم الفاجر، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وما لقيت من المسألة والفتيا: فاغتنم ذلك، ولا تنافسهم فيه؛ وإياك أن تكون كمن يحب أن يعمل بقوله، أو ينشر قوله، أو يسمع من قوله؛ فإذا ترك ذاك منه: عرف فيه. وإياك وحب الرياسة؛ فإن الرجل: تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة؛ وهو باب غامض، لا يبصره إلا البصير من العلماء بالسماسرة؛ فتفقد نفسك، واعمل بنية؛ واعلم: أنه قد دنا من الناس أمر: يشتهى الرجل أن يموت، والسلام. (٦/ ٣٧٦ـ٣٧٧) * عن أبي سهل الحسن، قال: كنت جالساً عند يوسف بن أسباط؛ فقال: اكتبوا إلى حذيفة؛ أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله، والمراقبة حيث لا يراك أحد إلا الله، والاستعداد لما لا حيلة لأحد في دفعه، ولا ينتفع بالندم عند نزوله؛ فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر الساق؛ فإن الدنيا ممر السابقين، فلا تكن ممن قد أظهر الشك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف له؛ فإن لنا ولك من الله مقاماً يسألنا فيه عن الرمق الخفي، وعن الخليل الجافي؛ ولست آمن أن يكون فيما يسألني ويسألك عنه: وساوس الصدور، ولحاظ الأعين، وإصغاء الأسماع، وما يصخر مثل عن صفة مثله. اعلم، أن مما يوصف به منافقو هذه الأمة: أنهم خالطوا أهل الدين بأبدانهم، وفارقوهم بأهوائهم، وخففوا مما سعوا من الحق، ولم ينتهوا عن خبيث فعالهم؛ إذ ذهبوا إليه، فنازعوا في ظاهر أعمال البر بالمحامل والرياء، وتركوا باطن أعمال البر مع السلامة، والتقى كثرت أمالهم بلا تصحيح، فأحرمهم الله الثمن الربيح. واعلم يا أخي: أنه لا يجزينا من العمل القول، ولا من الفعل، ولا من البدل العدة؛ ولا من التوقي التلاوم، وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله؛ فمن يكن كذلك: فقد تعرض للمهالك. إحذر القراء المصغين، والعلماء المتحرين؛ حيوا بطرق، وصدوا الناس عن سبيل الهوى؛ وفقنا الله وإياك لما يحب والسلام. (٨/ ٢٤١) * عن ذي النون وأتاه رجل فقال: يا أبا الفيض، دلني على طريق الصدق والمعرفة؛ فقال: يا أخي، أد إلى الله صدق حالتك التي أنت عليها، على موافقة الكتاب والسنة؛ ولا ترق حيث لم ترق، فتزل قدمك؛ فإنه إذا زل بك: لم تسقط؛ وإذا ارتقيت أنت: تسقط؛ وإياك أن تترك ما تراه يقينا، ترجوه شكا. (٩/ ٣٥٣) * عن علي بن المديني قال: قال لي أحمد بن حنبل: إني لأحب أن أصحبك إلى مكة؛ وما يمنعني من ذاك، إلا أني أخاف: أن أملك، أو تملني؛ قال: فلما ودعته، قلت له: يا أبا عبد الله، توصيني بشيء؛ قال: نعم، الزم التقوى قلبك، وانصب الآخرة أمامك. (٩/ ١٧٣) * عن محمد بن إشكاب الصفار: حدثني رجل من أهل داود الطائي؛ قال: قلت له يوماً: يا أبا سليمان، قد عرفت الرحم بيننا، فأوصني؛ قال: فدمعت عيناه، ثم قال لي: يا أخي، إنما الليل والنهار مراحل، تنزل بالناس مرحلة مرحلة، حتى تنتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم؛ فإن استطعت: أن تقدم في كل يوم مرحلة زاداً لما بين يديه، فافعل؛ فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر أعجل من ذلك؛ فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك؛ فكأنك بالأمر قد بغتك؛ إني لأقول هذا، وما أعلم أحداً أشد تضييعاً مني لذلك، ثم قام. (٧/ ٣٤٥ـ٣٤٦) * كتب إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه: أما بعد: فعليك بتقوى الله، الذي لا تحل معصيته، ولا يرجى غيره؛ واتق الله، فإنه من اتقى الله عز وجل عز، وقوي، وشبع، وروي، ورفع عقله عن الدنيا؛ فبدنه منظور بين ظهراني أهل الدنيا، وقلبه معاين للآخرة، فأطفأ بصر قلبه ما أبصرت عيناه من حب الدنيا؛ فقذر حرامها، وجانب شهواتها، وأضر بالحلال الصافي منها، إلا ما لا بد له: من كسرة يشد بها صلبه، أو ثوب يواري به عورته، من أغلظ ما يقدر عليه وأخشنه؛ ليس له ثقة ولا رجاء، إلا الله؛ قد رفعت ثقته ورجاؤه من كل شيء مخلوق، ووقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء، فجد، وهزل، وأنهك بدنه لله، حتى غارت العينان، وبدت الأضلاع؛ وأبدله الله تعالى بذلك: زيادة في عقله، وقوة في قلبه، وما دخر له في الآخرة أكثر؛ فارفض يا أخي الدنيا، فإن حب الدنيا يصم ويعمي، ويذل الرقاب؛ ولا تقل: غداً، وبعد غد؛ فإنما هلك من هلك: بإقامتهم على الأماني، حتى جاءهم الحق بغتة وهم غافلون، فنقلوا على إصرارهم إلى القبور، المظلمة الضيقة، وأسلمهم الأهلون والولد؛ فانقطع إلى الله بقلب منيب، وعزم ليس فيه شك؛ والسلام. (٨/ ١٨ـ١٩) * عن يوسف بن الحسن قال: قال ذو النون المصري يوماً ـ وأتاه رجل ـ، فقال له: أوصني؛ فقال: بم أوصيك؟ إن كنت ممن قد أيد منه في علم الغيب بصدق التوحيد، فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا؛ هذا دعاء النبيين، والمرسلين، والصديقين؛ وذلك خير من وصيتي لك، وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك النداء. (٩/ ٣٥٤) * عن أبي تراب: سمعت محمد بن شقيق بن إبراهيم البلخي، وحاتماً الأصم يقولان: كان لشقيق وصيتان: إذا جاءه رجل من العرب، يوصه بالعربية، ويقول: توحد الله بقلبك، ولسانك، وشفتك؛ وأن تكون بالله أوثق مما في يديك؛ والثالث: أن ترضى عن الله. وإذا جاءه أعجمي، قال: احفظ مني ثلاث خصال؛ أول خصلة: أن تحفظ الحق، وأن يكون الحق، إلا بالاجتماع؛ فإذا اجتمع الناس، فقالوا: إن هذا الحق، يعمل ذلك الحق، يريد الثواب مع الإياس من الخلق؛ ولا يكون الباطل باطلاً، إلا بالاجتماع؛ فإذا اجتمعوا، وقالوا: إن هذا باطل؛ تركت هذا الباطل خوفاً من الله تعالى، مع الإياس من المخلوقين؛ فإذا كنت لا تعلم هذا الشيء: حق هو، أم باطل؛ فينبغي لك: أن تقف، حتى تعلم هذا الشيء: حق هو، أو باطل؛ فانه حرام عليك: أن تدخل في شيء من الأشياء، إلا أن يكون معك بيان ذلك الشيء وعلمه. (٨/ ٦٢) * عن مالك بن أنس قال: حدثني من أرضى: أن عمر بن الخطاب أوصى رجلاً؛ فقال: لا تعترض فيما لا يعنيك، واجتنب عدوك، واحذر خليلك؛ ولا أمير من القوم: إلا من خشي الله؛ والأمين من القوم: لا تعدل به شيئاً؛ ولا تصحبن فاجراً: كي تعلم من فجوره، ولا تفش إليه سرك؛ واستشر في أمرك: الذين يخشون الله. (٦/ ٣٢٨ـ٣٢٩) * عن يوسف بن الحسين قال: قلت لذي النون لما أردت توديعه: أوصني رضي الله عنك بوصية أحفظها عنك؛ فقال: لا تكن خصماً لنفسك على ربك، مستزيدة في رزقك وجاهك؛ ولكن خصماً لربك على نفسك، فإنه لا يجتمع معك عليك؛ ولا تلقين أحداً بعين لازدراء والتصغير؛ وإن كان مشركاً: خوفاً من عاقبتك، وعاقبته؛ فلعلك تسلب المعرفة، ويرزقها. (٩/ ٣٨٢ـ٣٨٣) * عن إبراهيم بن بشار قال: كتب عمر بن المنهال القرشي إلى إبراهيم بن أدهم، وهو بالرملة: أن عظني عظة أحفظها عنك؛ فكتب إليه: أما بعد: فإن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنفس منه في كل وقت نصيب، وللبلى في جسمه دبيب؛ فبادر بالعمل قبل أن تنادى بالرحيل، واجتهد في العمل في دار الممر، قبل أن ترحل إلى دار المقر. (٨/ ١٧ـ١٨) * عن عبد الله بن إدريس قال: قلت لداود الطائي: أوصني؛ قال: أقلل معرفة الناس؛ قلت: زدني؛ قال: ارض باليسير من الدنيا، مع سلامة الدين؛ كما رضي أهل الدنيا بالدنيا، مع فساد الدين؛ قلت: زدني؛ قال: اجعل الدنيا: كيوم صمته، ثم أفطر على الموت. (٧/ ٣٤٣) * عن خالد بن خداش قال: ودعت مالك بن أنس؛ فقلت: أوصني يا أبا عبد الله؛ قال: تقوى الله، وطلب الحديث من عند أهله. (٦/ ٣١٩) * عن طاهر بن أحمد الزبيري: ثنا أبي، قال: كتب رجل من إخوان سفيان الثوري إلى سفيان الثوري: أن عظني، فأوجز؛ فكتب إليه: عافانا الله وإياك من السوء كله؛ يا أخي، إن الدنيا: غمها لا يفنى، وفرحها لا يدوم، وفكرها لا ينقضي؛ فاعمل لنفسك: حتى تنجو؛ ولا تتوان: فتعطب؛ والسلام. (٧/ ٥) * عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم يقول: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال لخالد بن صفوان: عظني، وأوجز؛ فقال خالد: يا أمير المؤمنين، إن أقواماً غرهم ستر الله، وفتنهم حسن الثناء؛ فلا يغلبن جهل غيرك بك: علمك بنفسك؛ أعاذنا الله وإياك: أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعما افترض الله علينا متخلفين ومقصرين، وإلى الأهواء مائلين. قال: فبكى، ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى. (٨/ ١٨) * عن مكي بن إبراهيم قال: كان إبراهيم بن أدهم بمكة؛ فسئل: ما يبلغ من كرامة المؤمن على الله عز وجل؟ قال: يبلغ من كرامته على الله تعالى: لو قال للجبل: تحرك، لتحرك؛ فتحرك الجبل، فقال: ما إياك عنيت. (٨/ ٤) * عن حبيب بن عبد الله: أن رجلا أتى أبا الدرداء، وهو يريد الغزو؛ فقال: يا أبا الدرداء، أوصني؛ فقال: أذكر الله في السراء، يذكرك في الضراء؛ وإذا أشرفت على شيء من الدنيا، فانظر إلى ما يصير. (١/ ٢٠٩) * قال رجل لمحمد بن واسع: أوصني؛ قال: أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا والآخرة؛ قال: كيف لي بذلك؟ قال: إزهد في الدنيا. (٢/ ٣٥١) * قال رجل لعبد الله بن مسعود: أوصني يا أبا عبد الرحمن؛ قال: ليسعك بيتك، واكفف لسانك، وابك على ذكر خطيئتك. (١/ ١٣٥) * عن الشافعي قال: قال رجل لأبي بن كعب ـ أحسبه تابعياً، أو صحابياً ـ عظني، ولا تكثر علي فأنس؛ فقال له: اقبل الحق ممن جاءك به، وإن كان بعيداً، بغيضاً؛ واردد الباطل على من جاءك به، وإن كان حبيباً قريباً. وقال أيضا لأبي: يا أبا المنذر، عظني؛ قال: وأخ الإخوان على قدر تقواهم، ولا تجعل لسانك بذلة لمن لا يرى فيه؛ ولا تغبط الحي، إلا بما تغبط الميت. (٩/ ١٢١) * عن أحمد بن يونس قال: سمعت رجلاً يقول لسفيان ـ الثوري ـ: يا أبا عبد الله، أوصني؛ قال: إياك والأهواء، إياك والخصومة، إياك والسلطان. (٧/ ٢٨)