لرجل من أهل الصفة يكنى أبا رزين: يا أبا رزين: إذا خلوت: فحرك لسانك بذكر الله؛ فإنك لا تزال في صلاة ما ذكرت ربك، إن كنت في علانية: فصلاة العلانية، وإن كنت خالياً: فصلاة الخلوة؛ يا أبا رزين: إذا كابد الناس قيام الليل، وصيام النهار، فكابد أنت: النصيحة للمسلمين؛ يا أبا رزين: إذا أقبل الناس على الجهاد في سبيل الله، فأحببت أن يكون لك مثل أجورهم: فالزم المسجد: تؤذن فيه، لا تأخذ على أذانك أجراً. (١/ ٣٦٦) * عن أبي مسلم الخولاني، أنه نادى معاوية بن أبي سفيان، وهو جالس على منبر دمشق؛ فقال: يا معاوية: إنما أنت قبر من القبور، إن جئت بشيء: كان لك شيء، وإن لم تجىء بشيء: فلا شيء لك؛ يا معاوية: لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقه، ولكن الخلافة: العمل بالحق، والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله عز وجل؛ يا معاوية: إنا لا نبالي بكدر الأنهار، ما صفت لنا رأس عيننا؛ وإنك رأس عيننا؛ يا معاوية: إياك أن تحيف على قبيلة من قبائل العرب، فيذهب حيفك بعدلك؛ فلما قضى أبو مسلم مقالته، أقبل عليه معاوية، فقال: يرحمك الله. (٢/ ١٢٦) * عن الشافعي قال: من وعظ أخاه سراً: فقد نصحه، وزانه؛ ومن وعظه علانية: فقد فضحه، وخانه. (٩/ ١٤٠) * عن بلال بن سعد قال: بلغني: أن المسلم مرآة أخيه، فهل تستريب من أمري شيئاً. (٥/ ٢٢٥) * عن طاووس، أنه رأى فتية من قريش، وهم يرفلون في مشيتهم؛ فقال: إنكم لتلبسون لبسة: ما كانت آبائكم تلبسها، وتمشون مشية: ما تحسن الرقاص يمشونها. (٤/ ١٠) * كان ابن محيريز يجيء إلى عبد الملك بصحيفة فيها النصيحة، يقرئه ما فيها؛ فإذا فرغ منها: أخذ الصحيفة. (٥/ ١٤٤) * عن جعفر بن برقان قال: قال لي ميمون بن مهران: يا جعفر، قل لي في وجهي ما أكره؛ فإن الرجل لا ينصح أخاه، حتى يقول له في وجهه ما يكره. (٤/ ٨٦) * قال رجل لابن المبارك: بقي من ينصح؛ قال: فهل بقي من يقبل. (٨/ ١٦٦) * عن سفيان الثوري قال: قلت لمسعر بن كدام: تحب أن يهدى إليك عيوبك؟ قال: أما من ناصح: فنعم، وأما من موبخ: فلا. (٧/ ٢١٧) * عن سفيان الثوري، أنه قال لشاب يجالسه: أتحب أن تخشى الله حق خشيته؟ قال: نعم؛ قال: أنت أحمق، لو خفته حق خوفه: أديت الفرائض. (٧/ ٢٠) * عن زياد بن جرير الأسدي، قال: قدمت على عمر بن الخطاب، وعلي طيلسان، وشاربي عاف؛ فسلمت عليه، فرفع رأسه، فنظر إلى، ولم يرد علي السلام؛ فانصرفت عنه، فأتيت ابنه عاصماً؛ فقلت له: لقد رميت من أمير المؤمنين في الرأس؛ فقال: سأكفيك ذلك، فلقي أباه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أخوك زياد بن جرير يسلم عليك، فلم ترد عليه السلام؛ فقال: إني قد رأيت عليه طيلساناً، ورأيت شاربه عافياً؛ قال: فرجع إلي، فأخبرني؛ فانطلقت، فقصصت شاربي، وكان معي برد شققته، فجعلته إزاراً ورداءً؛ ثم أقبلت إلى عمر، فسلمت عليه؛ فقال: وعليك السلام، هذا أحسن مما كنت فيه يا زياد. (٤/ ١٩٧ـ١٩٨) * قال عقبة بن وساج لرجاء بن حيوة: لولا خصلتان فيك، لكنت أنت الرجل؛ قال: وما هما؟ قال: إخوانك يمشون إليك، ولا تمشي إليهم؛ ووسمت في أفخاذ دوابك لرجاء، وكانت سمة القبيلة تكفيك؛ فقال له: أما قولك: إخواني يمشون إلي ولا أمشي إليهم: فربما أعجلوني عن صلاتي؛ وأما قولك: إني وسمت في أفخاذ دوابي: فإني لم أكن أرى بأساً: أن يسم الرجل اسمه في أفخاذ دوابه. (٥/ ١٧٢ـ١٧٣) * عن صفوان بن عمرو، أن يزيد بن حصين السكوني حين ولي حمص: أرسل إلى يزيد بن ميسرة؛ قال: يا أبا يوسف، كيف ترى فيما ابتلينا به من هذا السلطان؛ قال: اتق الله أيها الأمير، وإياك والعجلة، وعليك بالأناة، وفي السجن راحة؛ هل تدري ما يقال لصاحب السلطان أيها المسلط؟ لا ينفخنك روح الشيطان، فإنك إنما خلقت من تراب، وإلى التراب تعود؛ ورثت مكان من قبلك، وغيرك وارث مكانك غداً. (٥/ ٢٣٦) * عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كتب إلي الفتح بن خشرف، يذكر أنه سمع موسى بن حزام الترمذي بترمذ، يقول: كنت أختلف إلى أبي سليمان الجورجاني في كتب محمد بن الحسن، فاستقبلني أحمد بن حنبل عند الجسر؛ فقال لي إلى أين؟ فقلت: إلى أبي سليمان؛ فقال: العجب منكم، تركتم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة؟ فقلت: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: يزيد بن هارون بواسط، يقول: حدثنا حميد عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وهذا يقول: حدثنا محمد بن الحسن، عن يعقوب، عن أبي حنيفة، قال موسى بن حزام. فوقع في قلبي قوله، فاكتريت زورقاً من ساعتي، فانحدرت إلى واسط، فسمعت من يزيد بن هارون. (٥/ ١٨٥) * عن صالح بن أحمد بن حنبل: قال سمعت أبي يقول: لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم، قُرأ علينا كتابه الذي كان صار إلى طرسوس؛ فكان فيما قرئ علينا: ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء؛ فقلت: وهو السميع البصير؛ فقال بعض من حضر: سله، ما أراد بقوله: وهو السميع البصير؛ فقال أبي رحمه الله؛ فقلت: كما قال الله تعالى؛ قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعاً، غير أربعة: أبي، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة؛ ثم أجاب عبيد الله بن عمر، والحسن بن حماد؛ وبقي أبي، ومحمد بن نوح في الحبس؛ فمكثا أياماً في الحبس، ثم ورد الكتاب من طرسوس بحملنا؛ فحمل أبي ومحمد بن نوح مقيدين، زميلين، وأخرجا من بغداد؛ فسرنا معهما إلى الأنبار؛ فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال: يا أبا عبد الله، إن عرضت على السيف، تجيب؟ فقال: لا؛ قال أبي: فانطلق بنا، حتى نزلنا الرحبة، فلما رحلنا منها ـ وذلك في جوف الليل ـ وخرجنا من الرحبة: عرض لنا رجل؛ فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فسلم على أبي؛ ثم قال له: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا، ثم سلم وانصرف؛ فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا رجل من العرب، من ربيعة، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر؛ فلما صرنا إلى أذنة، ورحلنا منها ـ وذلك في جوف الليل ـ: فتح لنا بابها، فلقينا رجل ـ ونحن خارجون من الباب، وهو داخل ـ فقال: البشرى، قد مات الرجل؛ قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه؛ قال أبو الفضل ـ صالح ـ: فصار أبي، ومحمد بن نوح إلى طرسوس، وجاء ـ يعني: المأمون ـ من البذيذون، ورفدوا في أقيادهما إلى الرقة، في سفنية مع قوم محتبسين؛ فلما صارا بعمان: توفي محمد بن نوح رحمه الله، فتقدم أبي، فصلى عليه، ثم صار إلى بغداد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أياماً، ثم صير إلى الحبس، في دار اكتريت له، عند دار عمارة؛ ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فمكث في السجن منذ أخذ، وحمل إلى أن ضرب، وخلي عنه ثمانية وعشرين شهراً؛ قال أبي: فكنت أصلي بهم وأنا مقيد، وكنت أرى بوران يحمل له في زورق ماء بارد، فيذهب به إلى السجن. (٩/ ١٩٦ـ١٩٧) * حبس أحمد بن حنبل وبعض أصحابه في المحنة قبل أن يضرب؛ قال أحمد بن حنبل: لما كان الليل، نام من كان معي من أصحابي، وأنا متفكر في أمري؛ فإذا أنا برجل طويل يتخطى الناس، حتى دنا مني؛ فقال: أنت أحمد بن حنبل، فسكت؛ فقالها ثانية، فسكت؛ فقال في الثالثة: أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؛ قلت: نعم؛ قال: اصبر، ولك الجنة؛ قال أبو عبد الله: فلما مسني حر السوط، ذكرت قول الرجل. (٩/ ١٩٣) * عن عبد الرحمن بن مصعب قال: كان رجل ضرير يجالس سفيان الثوري؛ فإذا كان شهر رمضان: يخرج إلى السواد، فيصلي بالناس، فيكسى، ويعطى؛ فقال سفيان: إذا كان يوم القيامة: أثيب أهل القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا: قد تعجلت ثوابك في الدنيا؛ فقال: يا أبا عبد الله، تقول لي هذا، وأنا جليسك؟ قال: أخاف أن يقال لي يوم القيامة: كان هذا جليسك، أفلا نصحته. (٧/ ١٦) * عن زهير بن عبد الرحمن عن يزيد بن ميسرة ـوكان قد قرأ الكتب ـ؛ قال: إن الله تعالى أوحى فيما أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام إن أحب عبادي إلي: الذين يمشون في الأرض بالنصيحة، والذين يمشون على أقدامهم إلى الجمعات، والمستغفرون بالأسحار؛ أولئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بعذاب ورأيتهم: كففت عنهم عذابي؛ وإن أبغض عبادي إلي: الذي يقتدي بسيئة المؤمن، ولا يقتدي بحسنته. (٥/ ٢٣٧) * عن أبي عبد الله الرازي قال: قال لي سفيان بن عيينة: يا أبا عبد الله، عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه؛ ألا، لا تأنس بمراد هؤلاء؛ فلو نادى مناد من السماء: إن الناس كلهم يدخلون الجنة وأنا، وحدي أدخل النار؛ لكنت بذلك راضيا. (٧/ ٢٧٨) * عن عبد العزيز بن أبي خالد قال: مر سفيان الثوري بالقاضي ـ وهو يتكلم ببعض ما يضحك به الناس ـ؛ فقال له: يا شيخ، أما علمت أن لله يوماً يحشر فيه المبطلون؛ فما زالت تعرف في وجه القاضي، حتى لقي الله عز وجل (٧/ ٥١) * عن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: أنه دخل على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي حاجة فأخلني ـ وعنده مسلمة بن عبد الملك ـ، فقال له عمر: أسر دون عمك، فقال: نعم، فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك؟ فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها، فقال له: يا بني أشيء حملتكه الرعية إلي، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله، ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير، يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [لأعراف: ٨٧] . (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣) * عن وهب بن منبه: قال رجل لراهب: فأوصني، فإني أراك حكيماً، قال: ازهد في الدنيا، ولا تنازع أهلها فيها، وكن فيها كالنحلة، إذا اختلفا، اختلفا طيبا، وإن وضعت، وضعت طيباً، وإن رفعت على عود، لم تكسره؛ وانصح لله نصح الكلب لأهله: يجيعونه، ويطردونه، ويضربونه، ويأبى إلا أن ينصح لهم؛ قال: فكان وهب بن منبه إذا ذكر هذا الحديث، قال: سوأتاه، إذا كان الكلب أنصح لأهله منك لله. (٤/ ٢٨) * قال الزهري: أراد ابن عمر أن يلعن خادمه، فقال: اللهم الع؛ فلم يتمها، وقال: هذه كلمة ما أحب أن أقولها. (١/ ٣٠٧) * عن مرة بن شرحبيل قال: سئل سلمان بن ربيعة عن فريضة، فخالفه عمرو بن شرحبيل، فغضب سلمان بن ربيعة، ورفع صوته؛ فقال عمرو بن شرحبيل: والله، لكذلك أنزلها الله تعالى؛ فأتيا أبا موسى الأشعري، فقال: القول ما قال أبو ميسرة؛ وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب إن أرشدك رجل؛ وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساوره ـ يعني: تساره ـ ولا ترد عليه، والناس يسمعون. (٤/ ١٤٢ - ١٤٣) * عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، حدثني أبي عن جدي، قال: بلغني أن ناساً من الحرورية تجمعوا بناحية من الموصل، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز: أعلمه ذلك؛ فكتب إلي، يأمرني أن أرسل إلي رجالاً من أهل الجدل، وأعطهم رهناً، وخذ منهم رهناً، واحملهم على مراكب من البريد إلي؛ ففعلت ذلك، فقدموا عليه، فلم يدع لهم حجة إلا كسرها؛ فقالوا: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك، وتلعنهم، وتبرأ منهم؛ فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعاناً، ولكن: إن أبقى أنا وأنتم، فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء؛ فأبوا أن يقبلوا ذلك منه؛ فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق، مذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: مذ كذا وكذا سنة؛ قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه؟ قالوا: لا؛ قال: فكيف وسعكم تركه، ولا يسعني ترك أهل بيتي، وقد كان فيهم المحسن والمسيء، والمصيب والمخطىء؟ قالوا: قد بلغنا ما ها هنا؛ فكتب إلي عمر: أن خذ من في أيديهم من رهنك، وخل من في يدك من رهنهم، وإن كان رأى القوم أن يسيحوا في البلاد، على غير فساد، على أهل الذمة، ولا تناول أحد من الأئمة، فليذهبوا حيث شاءوا؛ وإن هم تناولوا أحداً من المسلمين وأهل الذمة، فحاكمهم إلى الله؛ وكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى العصابة الذين خرجوا، أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإن الله تعالى يقول: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلى قوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل:١٢٥] . وإني أذكركم الله، أن تفعلوا كفعل كبرائكم، الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط؛ أفبذنبي تخرجون من دينكم، وتسفكون الدماء، وتنتهكون المحارم؟ فلو كانت ذنوب أبي بكر وعمر مخرجة رعيتهم من دينهم، إن كانت لهما ذنوب، فقد كانت آباؤكم في جماعتهم، فلم ينزعوا؛ فما سرعتكم على المسلمين، وأنتم بضعة وأربعون رجلاً؛ وإني أقسم لكم بالله، لو كنتم أبكارى من ولدى، فوليتم عما أدعوكم إليه من الحق، لدفقت دماءكم، ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة؛ فهذا النصح؛ فإن استغششتموني، فقديما ما استغش الناصحون، فأبوا إلا القتال، وحلقوا رءوسهم، وساروا الى يحيى بن يحيى، فأتاهم كتاب عمر، ويحيى موافقهم للقتال، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى: أما بعد، فإني ذكرت آية من كتاب الله، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠] . وإن من العدوان: قتل النساء والصبيان، فلا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا تقتلن أسيراً، ولا تطلبن هارباً، ولا تجهزن على جريح إن شاء الله؛ والسلام. (٥/ ٣٠٩ - ٣١١) * عن يزيد بن الأصم قال: لقيت عائشة رضي الله تعالى عنها وهي مقبلة من مكة: أنا، وابن لطلحة بن عبيد الله ـ وهو ابن اختها ـ وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منها فبلغها ذلك؛ فأقبلت على ابن أختها، تلومه، وتعذله؛ ثم أقبلت علي، فوعظتني موعظة بليغة؛ ثم قالت: أما علمت أن الله تعالى ساقك، حتى جعلك في بيت نبيه؛ ذهبت والله ميمونة، ورمى برسنك على غاربك؛ أما إنها كانت من أتقانا لله، وأوصلنا للرحم. (٤/ ٩٧) * قال وهيب بن الورد: لو أن علماءنا ـ عفا الله عنا وعنهم ـ نصحوا لله في عباده، فقالوا: يا عباد الله، اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وصالح سلفكم: من الزهد في الدنيا، فاعملوا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفاسدة؛ كانوا قد نصحوا لله في عباده؛ ولكنهم يأبون، إلا أن يجروا عباد الله إلى فتنتهم، وما هم فيه. (٨/ ١٤٠ - ١٤١) * عن مبارك أبو حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقول لعلي ابن الحسن السليمي: إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك: مجالسة أهل الدنيا، وأهل الحرص، وإخوان الشياطين: الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله؛ وإياك وما يفسد عليك دينك، فإنما يفسد عليك دينك: مجالسة ذوي الألسن، المكثرين للكلام. وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك: أهل الحرص، وأهل الشهوات. وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي؛ ولا تصحب الفاجر، ولا تجالسه، ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله، ولا تؤاكل من يؤاكله، ولا تحب من يحبه، ولا تفش إليه سرك، ولا تبسم في وجهه، ولا توسع له في مجلسك؛ فإن فعلت شيئاً من ذلك: فقد قطعت عرى الإسلام. وإياك وأبواب السلطان، وأبواب من يأتي أبوابهم، وأبواب من يهوى هواهم؛ فإن فتنهم مثل فتن الدجال، فإن جاءك منهم أحد: فانظر إليه بوجه مكفهر، ولا تبال منهم شيئاً، فيرون أنهم على الحق، فتكون من أعوانهم؛ فإنهم لا يخالطون أحداً: إلا دنسوه؛ وكن مثل الأترجة: طيبة الريح، طيبة الطعم؛ لا تنازع أهل الدنيا في دنياهم: تكن محبباً إلى الناس. وإياك والمعصية، فتستحق سخط الله؛ واعلم: أنه لم يكن أحد أكرم على الله من آدم عليه السلام جبل الله تربته بيده، ونفخ فيه من روحه، وأكرمه بسجود ملائكته، وأسكنه جنته؛ فأخرجه منها بذنب واحد. واعلم يا أخي: أن الله تعالى لا يدخل أحداً الجنة بالمعاصي، وأن داود عليه السلام خليفة الله في الأرض: نزل ما نزل به بخطيئة واحدة، ولو أنا عملنا مثلها، لقلنا: ليست بخطيئة؛ فاتق الله يا أخي، واجتنب المعاصي وأهلها؛ فإن أهل المعاصي: استوجبوا من الله النقمة. وكن مبذولاً بمالك ونفسك لإخوانك، ولا تغشهم في السرور والعلانية، وابغض الجهال ومجالستهم، والفجار وصحبتهم؛ فإنه لا ينجو من جاورهم، إلا من عصم الله؛ وإذا كنت مع الناس: فعليك بكثرة التبسم والبشاشة؛ وإذا خلوت بنفسك: فعليك بكثرة البكاء، والهم، والحزن؛ فقد بلغنا والله أعلم: أن أكثر ما يجد المؤمن يوم القيامة في كتابه من الحسنات: الهم، والحزن. وإياك وخشوع النفاق، وأن تظهر على وجهك خشوعاً ليس في قلبك. (٧/ ٤٧ـ٤٨) * قال سهل بن عبد الله: أركان الدين أربعة: الصدق، واليقين، والرضا، والحب؛ فعلامة الصدق: الصبر، وعلامة اليقين: النصيحة؛ وعلامة الرضا: ترك الخلاف؛ وعلامة الإيثار والصبر يشهد للصدق. (١٠/ ١٩١ـ١٩٢) * عن محمد بن إدريس الشافعي قال: ما ناظرت أحداً قط، إلا على النصيحة. (٩/ ١١٨) * عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه، فلا ترغبوا عنه؛ وإياكم وهذه الأهواء، فإنها توقع بينكم العداوة والبغضاء؛ وعليكم بالأمر الأول، الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا؛ فإنا قد قرأنا القرآن قبل أن يقتل صاحبهم ـ يعني: عثمان ـ بخمسة عشرة سنة. قال عاصم: فحدثت به الحسن؛ فقال: قد نصحك والله، وصدقك. (٢/ ٢١٨) * عن أبي حمزة الأعور قال: لما كثرت المقالات بالكوفة: أتيت إبراهيم النخعي، فقلت: يا أبا عمران، أما ترى ما ظهر بالكوفة من المقالات؟ فقال: أوه، دققوا قولاً، واخترعوا دينا من قبل أنفسهم، ليس من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقالوا: هذا هو الحق، وما خالفه باطل؛ لقد تركوا دين محمد - صلى الله عليه وسلم - إياك، وإياهم. (٤/ ٢٢٣) * عن محمد بن سوقة قال: أتيت نعيم بن أبي هند، فأخرج إلي صحيفة؛ فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، إلى عمر بن الخطاب: سلام عليك؛ أما بعد: فإنا عهدناك، وأمر نفسك لك مهم، فأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل؛ فانظر، كيف أنت عند ذلك يا عمر؟ فإنا نحذرك يوماً تعنى فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك، قهرهم بجبروته؛ فالخلق داخرون له، يرجون رحمته، ويخافون عقابه. وأنا كنا نحدث: أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا أخوان العلانية: أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ بالله: أن ينزل كتابنا إليك، سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا؛ فإنما كتبنا به: نصيحة لك؛ والسلام عليك. فكتب إليهما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : من عمر بن الخطاب، إلى أبي عبيدة ومعاذ: سلام عليكماً؛ أما بعد: أتاني كتابكما، تذكران أنكما عهدتماني، وأمر نفسي لي مهم؛ فأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين يدي: الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل. كتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر؛ وأنه: لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك، إلا بالله عز وجل وكتبتما: تحذراني ما حذرت منه الأمم قبلنا؛ وقديما: كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود؛ حتى يصير الناس إلى منازلهم: من الجنة، والنار. كتبتما: تحذراني: أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا أخوان العلانية: أعداء السريرة؛ ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك؛ وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة الناس بعضهم إلى بعض: لصلاح دنياهم. كتبتما: تعوذاني بالله: أن أنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما، وأنكما كتبتما به نصيحة لي؛ وقد صدقتما، فلا تدعا الكتاب إلي، فإنه لا غنى بي عنكما؛ والسلام عليكما. (١/ ٢٣٧ـ٢٣٨) النعم * عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة، فكأنه رأى ما قد شق علي منها؛ فقال لي: تدري ما علي في هذه القرحة من نعمة؟ قال: فسكت؛ قال: حيث لم يجعلها على حدقتي، ولا على طرف لساني، ولا على طرف ذكري؛ قال: فهانت علي قرحته. (٢/ ٣٥٢) * عن أبي الدرداء قال: ما بت ليلة فأصبحت، لم يرمني الناس فيها بداهية: إلا رأيت أن علي من الله تعالى فيها نعمة. (١/ ٢٢٠) * وعنه قال: من لم ير لله عليه نعمة، إلا في مطعمه ومشربه: فقد قل فقهه، وحضر عذابه. (٥/ ١٣٣) * عن ابن جابر، أن أبا عبد رب كان من أكثر أهل دمشق مالاً؛ فخرج إلى أذربيجان في تجارة، فأمسى إلى جانب مرعى ونهر، فنزل به؛ قال أبو عبد رب: فسمعت صوتاً يكثر حمد الله، في ناحية من المخرج، فاتبعته، فوافيت رجلاً في حفير من الأرض، ملفوفا في حصير؛ فسلمت عليه، فقلت: من أنت يا عبد الله؟ قال: رجل من المسلمين؛ قال: قلت: ما حالتك هذه؟ قال: نعمة يجب علي حمد الله فيها؛ قال: قلت: وكيف، وإنما أنت في حصير؟ قال: ومالي لا أحمد الله: أن خلقني، فأحسن خلقي، وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام، وألبسني العافية في أركاني، وستر على ما أكره ذكره أو نشره؛ فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟ قال: قلت: رحمك الله، إن رأيت أن تقوم معي إلى المنزل، فأنا نزول على النهر ههنا؛ قال: ولمه؟ قال: قلت: لتصيب من الطعام، ولنعطيك ما يغنيك من لبس الحصير؛ قال: ما بي حاجة؛ قال الوليد: فحسبت أنه قال: إن لي في أكل العشب كفاية عما قال أبو عبد رب؛ فانصرفت، وقد تقاصرت إلى نفسي، ومقتها، إذ أني لم أخلف بدمشق رجلاً في الغنى يكاثرني، وأنا ألتمس الزيادة فيه؛ اللهم، إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه؛ قال: فبت، ولم يعلم إخواني بما قد أجمعت به؛ فلما كان من السحر: رحلوا، كنحو من رحلتهم فيما مضى، وقدموا إلي دابتي، فركبتها، وصرفتها إلى دمشق؛ وقلت: ما أنا بصادق التوبة إن أنا مضيت في متجري؛ فسألني القوم، فأخبرتهم، وعاتبوني على المضي، فأبيت؛ قال: قال ابن جابر: فلما قدم، تصدق بصامت ماله، وتجهز به في سبيل الله؛ قال ابن جابر: فحدثني بعض إخواني، قال: ما كست صاحب عباء بدانق في عباءة، أعطيته ستة، وهو يقول سبعة؛ فلما أكثرت، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل دمشق؛ قال: ما تشبه شيخاً وفد علي أمس، يقال له: أبو عبد رب، اشترى مني سبعمائة كساء، بسبعة سبعة، ما سألني أن أضع له درهماً، وسألني أن أحملها له؛ فبعثت أعواني، فما زال يفرقها بين فقراء الجيش، فما دخل إلى منزله منها بكساء. (٥/ ١٦٠ـ١٦١) * عن إبراهيم بن أدهم قال: من الله عليكم بالإسلام، فأخرجكم من الشقاء إلى السعادة، ومن الشدة إلى الرخاء، ومن الظلمات إلى الضياء؛ فشبتم نعمه عليكم بالكفران، ومررتم بالخطأ حلاوة الإيمان، ووهنتم بالذنوب عرى الأيمان، وهدمتم الطاعة بالعصيان؛ وإنما تمرون بمراصد الآفات، وتمضون على جسور الهلكات، وتبنون على قناطر الزلات، وتحصنون بمحاصن الشبهات؛ فبالله تغترون، وعليه تجترؤن، ولأنفسكم تخدعون؟ ولله، لا تراقبون، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. (٨/ ٢٠) * قال يزيد الرقاشي: خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها، وإن لم يعمل بها؛ فإن الله تعالى يقول: { يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [الزمر: ١٨] . ألا تحمد من تعطيه فانياً، فيعطيك باقياً؟ درهم يفنى بعشرة، تبقى إلى سبعمائة ضعف؛ أما لله عندك مكافأة؟ مطعمك، ومسقيك، وكافيك، حفظك في ليلك، وأجابك في ضرائك؛ كأنك نسيت وجع الأذن، أو ليلة وجع العين، أو خوفاً في بر، أو خوفاً في بحر: دعوته، فاستجاب لك؛ إنما أنت لص من لصوص الذنوب، كلما عرض لك عارض عانقته؛ إن سرك أن تنظر إلى الدنيا، بما فيها من ذهبها وفضتها وزخارفها، فهلم أخبرك تشيع جنازة، فهي الدنيا بما فيها، من ذهبها وفضتها وزخارفها، ثم احتمل القبر بما فيه؛ أما إني لست آمرك أن تحمل تربته، ولكن آمرك أن تحمل فكرته. (٣/ ٥١) * جاء رجل إلى يونس بن عبيد، فشكا إليه ضيقاً من حاله ومعاشه، واغتماما منه بذلك؛ فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به: مائة ألف؟ قال: لا؛ قال: فسمعك الذي تسمع به، يسرك به مائة ألف؟ قال: لا؛ قال: فلسانك الذي تنطق به، مائة ألف؟ قال: لا؛ قال: ففؤادك الذي تعقل به، مائة ألف؟ قال: لا؛ قال: فيداك، يسرك بهما مائة ألف؟ قال: لا؛ قال: فرجلاك؟ قال: فذكره نعم الله عليه. فأقبل عليه يونس، قال: أرى لك مئين ألوفاً، وأنت تشكو الحاجة. (٣/ ٢٢) * عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: الخير من الله كثير، ولكنه لا يبصره من الناس إلا يسير، وهو للناس من الله معروض، ولكنه: لا يبصره من لا ينظر إليه، ولا يجده من لا يبتغيه، ولا يستوجبه من لا يعلم به؛ ألم تروا إلى كثرة نجوم السماء؟ فإنه لا يهتدي بها إلا العلماء. (٤/ ٢٤٥) * عن الهيثم بن مالك قال: كنا نتحدث عند أيفع بن عبد ـ وعنده أبو عطية المذبوح ـ؛ فتذاكروا النعم، فقالوا: من أنعم الناس؟ فقالوا: فلان، وفلان؛ فقال أيفع: ما تقول يا أبا عطية؟ فقال: أنا أخبركم من هو أنعم منه: جسد في اللحد، قد أمن من العذاب؛ قال بقية: وقال لي صفوان بن عمرو: قال: جسد في التراب، قد أمن من العذاب، ينتظر الثواب. (٥/ ١٥٣ـ١٥٤) * كتب بعض عمال عمر - بن عبد العزيز - إليه، يقول في كتابه: يا أمير المؤمنين، إني بأرض قد كثر فيها النعم، حتى لقد أشفقت على من قبلي من أهلها: ضعف الشكر؛ فكتب إليه عمر: إني قد كنت أراك أعلم بالله مما أنت، إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان حمده أفضل من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } [النمل:١٥] . وأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان؟ وقال الله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا } [الزمر:٧٣] ، إلى قوله: { وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ } [الزمر: ٧٥] . وأي نعمة أفضل من دخول الجنة؟. ٥/ ٢٩٣) * قال وهب بن منبه: عبد الله عابد خمسين سنة، فأوحى الله إليه: أني قد غفرت لك؛ قال: أي رب، وما تغفر لي، ولم أذنب؟ فأذن الله لعرق في عنقه، فضرب عليه، فلم ينم، ولم يصل؛ ثم سكن فنام؛ فأتاه الملك، فشكا إليه؛ فقال: ما لقيت من ضربان العرق؛ فقال الملك: إن ربك يقول: عبادتك خمسين سنة، تعدل سكون هذا العرق. (٤/ ٦٨) * عن وهب بن منبه قال: رؤوس النعم ثلاثة: فأولها: نعمة الإسلام، التي لا تتم نعمة إلا بها؛ والثانية: نعمة العافية، التي لا تطيب الحياة إلا بها؛ والثالثة: نعمة الغنى، التي لا يتم العيش إلا بها. (٤/ ٦٨) * عن سفيان بن عيينة قال: ليس من عباد الله أحد، إلا ولله الحجة عليه؛ إما في ذنب، وإما في نعمة مقصر في شكرها. (٧/ ٢٨٥) * عن ابن شوذب قال: اجتمع قوم، فتذاكروا: أي النعم أفضل؟ فقال رجل: ما ستر الله به بعضنا عن بعض؛ قال: فيرون أن قول ذلك أرجح. (٦/ ١٣١) * عن أبي عصمة قال: شهدت فضيلاً وسفيان يلتقيان في المسجد الحرام بعد المغرب؛ فما يتذاكران إلا النعم، حتى يفترقا؛ يقول فضيل لسفيان: يا أبا محمد، ألا عمل بنا كذا. (٧/ ٧٠) * عن أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي معاوية الأسود: يا أبا معاوية، ما أعظم النعمة علينا في التوحيد، نسأل الله أن لا يسلبناه؛ قال: يحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه. (٨/ ٢٧٢) * عن سفيان بن عيينة قال: ما أنعم الله على العباد نعمة، أفضل: من أن عرفهم لا إله إلا الله؛ فإن لا إله إلا الله لهم في الآخرة، كالماء في الدنيا. (٧/ ٢٧٢) * عن راشد بن سعد أنه قيل له: ما النعيم؟ قال: طيب النفس؛ قيل: فما الغنى؟ قال: صحة الجسد. (٦/ ١١٥) * عن الحسن قال: السهو والأمل: نعمتان عظيمتان على بني آدم. (٦/ ١٦٤) * عن أبي حازم - سلمة بن دينار - قال: كل نعمة لا تقرب من الله عز وجل، فهي بلية. (٣/ ٢٣٠) * عن مجاهد في قوله تعالى: { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } [لقمان:٢٠] . قال: أما الظاهرة: فالإسلام، والرزق؛ وأما الباطنة: فما ستر من العيوب والذنوب. (٣/ ٢٩٤) * عن سلام بن أبي مطيع قال: متى شئت أن ترى من النعمة عليك: أكثر منها عليه رأيته. (٦/ ١٨٨ـ١٨٩) * عن سلام قال: إي والله، إن أغلقت عليك بابك: جاءك من يدق عليك بابك، يسألك؛ ليعرفك الله نعمته عليك. (٦/ ١٨٩) * عن يزيد بن ميسرة قال: أحسنوا صحابة نعم الله؛ فوالله، ما أنفرها عن قوم فكادت ترجع إليهم. (٥/ ٢٣٨) * عن سفيان الثوري قال: ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا، فيفضحه في الآخرة؛ ويحق على المنعم: أن يتم على من أنعم عليه. (٧/ ٦) * وعنه في قوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ } [لأعراف: ١٨٢] . قال: نسبغ عليهم النعم، ونمنعهم الشكر. (٧/ ٧) * عن عمرو بن مرة قال: كان داود ـ النبي ـ عليه السلام يقول: يا رب، كيف أحصي نعمتك، وأنا نعمة كلي؟. (٥/ ٩٦) * عن أبي يحيى الزهري قال: قال عبد الله بن عبد العزيز العمري عند موته: نعمة ربي أحدث: أني لم أصبح أملك على الناس إلا سبعة دراهم ملكتها يدي، ونعمة ربي أحدث: لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي، لا يمنعني من أخذها، إلا أن أزيل قدمي ما أزلتها. (٨/ ٢٨٣) النفاق * قيل لحذيفة - رضي الله عنه - : من المنافق؟ قال: الذي يصف الإسلام، ولا يعمل به. (١/ ٢٨٢) * عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: ذهب النفاق، فلا نفاق؛ إنما هو الكفر بعد الإيمان. (١/ ٢٨٠) * وعنه قال: المنافقون اليوم، شر منهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ كانوا يومئذ يكتمونه، وهم اليوم يظهرونه. (١/ ٢٨٠) * عن قتادة قال: كان يقال: قلما ساهر الليل منافق. (٢/ ٣٣٨) * عن مالك بن دينار قال: لا يصلح المؤمن والمنافق، حتى يصلح الذئب والحمل. (٢/ ٣٧٦) * عن الشعبي قال: قلنا لابن عمر: إذا دخلنا على هؤلاء، نقول: ما يشتهون؛ فإذا خرجنا من عندهم، قلنا خلاف ذاك؛ قال: كنا نعد ذلك نفاقاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (٤/ ٣٣٢) * عن نوف البكالى ـ وكان يقرأ الكتب ـ، قال: إني لأجد أناساً من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوماً يحتالون للدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقولبهم قلوب الذئب؛ يقول الرب تعالى: فعلي تجترؤن، وبي تغترون؛ حلفت بنفسي، لأبعثن عليهم فتنة، تترك الحليم فيها حيران. قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [البقرة: ٢٠٤] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج: ١١] . (٦/ ٤٩) * عن عمران بن مسلم القصير، قال: إن الحكمة لتكون في قلب المنافق تتلجلج، فلا يصبر عليها حتى يلقيها؛ فيتلقاها المؤمن، فينفعه الله بها. (٨/ ٥٢) * عن أبي الجوزاء قال: نقل الحجارة، أهون على المنافق من قراءة القرآن. (٣/ ٨٠) * عن الشافعي قال: ودع الذين إذا أتوك تنكسوا…وإذا خلوا فهم ذئاب خراف. (٩/ ١٥٤) * عن جعفر قال: سمعت عباداً يسأل شميطاً - بن عجلان: هل يبكي المنافق؟ فقال: يبكي من رأسه، فأما من قلبه فلا. (٣/ ١٢٩) * عن شميط بن عجلان قال: إن الدينار والدرهم: أزمة المنافقين، بهما يقادون إلى السوءات. (٣/ ١٢٨) * عن شميط بن عجلان قال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام ألا ترى إلى المنافق كيف يخادعني، وأنا أخدعه؛ يسبحني بطرف لسانه، وقلبه بعيد مني؛ يا داود: قل للملأ من بني إسرائيل: لا يدعوني والخطايا بين أضبانهم؛ ليلقوها، ثم يدعوني أستجب لهم. (٣/ ١٢٨) * عن بلال بن سعد قال: لا تكن ولياً لله في العلانية، وعدوه في السر. (٥/ ٢٢٨) * عن الأوزاعي قال: إن المؤمن: يقول قليلاً، ويعمل كثيراً؛ وإن المنافق: يقول كثيراً، ويعمل قليلاً. (٦/ ١٤٢) * عن وهب بن منبه قال: من خصال المنافق: أن يحب الحمد، ويكره الذم. (٤/ ٤١) * قال رجل لعبد الله بن مسعود: إني أخاف أن أكون منافقاً؛ قال: لو كنت منافقاً، ما خفت من ذلك. (٤/ ٢٥١) * عن الفضيل بن عياض قال: الغبطة من الإيمان، والحسد من النفاق؛ والمؤمن: يغبط ولا يحسد، والمنافق: يحسد ولا يغبط؛ والمؤمن: يستر، ويعظ، وينصح؛ والفاجر: يهتك، ويعير، ويفشي. (٨/ ٩٥) * عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: والله، ما أحب مؤمن منافقاً قط. (٤/ ١١٦) * عن حاتم الأصم قال: المنافق: ما أخذ من الدنيا: أخذ بحرص، ويمنع بالشك، وينفق بالرياء؛ والمؤمن: يأخذ بالخوف، ويمسك بالشدة، وينفق لله خالصاً في الطاعة. (٨/ ٧٩) * عن الحسن البصري قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله عز وجل كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً، وأشد الناس خوفاً، لو أنفق جبلاً من مال، ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحاً وبراً وعبادةً، إلا إزداد فرقاً، يقول: لا أنجو؛ والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، فينسئ العمل، ويتمنى على الله تعالى. (٢/ ١٥٣) * عن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل يقول: لأن آكل عند اليهودي والنصراني، أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة؛ فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدى بي، وإذا أكلت عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس. أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد؛ وعمل قليل في سنة، خير من عمل صاحب بدعة. ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة؛ ومن جلس إلى صاحب بدعة فاحذره. وصاحب بدعة، لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه؛ فمن جلس إليه، ورثه الله عز وجل العمى. وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة، رجوت أن يغفر الله له، وإن قل عمله، فإني أرجوا له؛ لأن صاحب السنة يعرض كل خير؛ وصاحب بدعة لا يرتفع له إلى الله عمل، وإن كثر عمله. قال: وسمعت الفضيل يقول: إن الله عز وجل وملائكته يطلبون حلق الذكر، فانظر مع من يكون مجلسك؛ لا يكون مع صاحب بدعة، فإن الله تعالى لا ينظر إليهم؛ وعلامة النفاق: أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة؛ وأدركت خيار الناس، كلهم أصحاب سنة، وهم ينهون عن أصحاب البدعة. (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) النفس * عن المفضل بن يونس قال: ذكروا عند الربيع ابن خثيم رجلاً؛ فقال: ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم غيرها؛ إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس، وأمنوه على ذنوبهم. (٩/ ٥٢ ـ ٨/ ٢٢١) * عن الربيع بن سليمان قال: كتب إلي البويطي ـ وهو في السجن ـ: حسن خلقك مع الغرباء، ووطن نفسك لهم؛ فأني كثيراً ما سمعت الشافعي وهو يقول: أهين لهم نفسي وأكرمها بهم…ولا تكرم النفس التي لا تهينها. (٩/ ١٤٨) * عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ما قاسيت شيئاً من أمر الدنيا: أشد علي من نفسي: مرة علي، ومرة لي؛ وأما هوائي: فقد والله استعنت بالله عليه، فأعانني؛ واستكفيته سوء مغالبته، فكفاني؛ فوالله، ما آسى على ما أقبل من الدنيا، ولا ما أدبر منها. (٧/ ٣٨٠) * عن جعفر الرقى قال: كتبت إلى يوسف بن أسباط في مسائل؛ فكتب إلي جوا بها: أما ما ذكرت، من: أن يكون العبد عارفاً بالله، عارفاً بنفسه؛ فالعارف بالله: المطيع لله في جميع ما عرفه؛ والعارف بنفسه: الذي يخاف من حسناته أن لا تقبل؛ قال الله عز وجل { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } [المؤمنون:٦٠] . قال: يعطون ما أعطوا، وهم يخافون أن لا يتقبل منهم. (٨/ ٢٤٠ـ٢٤١) * عن عبد الله بن المبارك قال: إذا عرف الرجل قدر نفسه، يصير عند نفسه أذل من الكلب. (٨/ ١٦٨) * عن محمد بن المبارك قال: ليس من المعرفة: أن تجعلها ـ يعني: النفس ـ مطية لهوى غيرك، وطريقاً لطلب دنيا مخلوق غيرك. (٩/ ٢٩٨) * عن عبد الله بن المبارك، أنه سأله رجل عن الرباط؛ فقال: رابط بنفسك على الحق، حتى تقيها على الحق؛ فذلك أفضل الرباط. (٨/ ١٧١) * عن ذي النون، وسئل: أي الحجاب أخفى، الذي يحتجب به المريد عن الله؟ فقال: ويحك: ملاحظة النفس، وتدبيرها. (٩/ ٣٥٢)