يفعل؛ فما زال عليه: حتى تقطع؛ وكان ربما رأيت الخيوط تساقط على قدمه. (١/ ٤٥) * عن نافع قال: لو نظرت إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنه إذا اتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم، لقلت: هذا مجنون. (١/ ٣١٠) * كان ابن عمر إذا رآه أحد: ظن أن به شيئاً؛ من تتبعه آثار النبي صلى الله عليه وسلم (١/ ٣١٠) * عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان في طريق مكة، يأخذ برأس راحلته، يثنيها؛ ويقول: لعل خفاً يقع على خف؛ يعني: خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم (١/ ٣١٠) * عن زيد بن اسلم عن أبيه قال: ما ناقة أضلت فصيلها في فلاة من الأرض، بأطلب لأثره: من ابن عمر لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. (١/ ٣١٠) * عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أن عبد الله بن أبي زكريا، كان يقول: لو: خيرت بين أن أعمر مائة سنة من ذي قبل في طاعة الله، أو أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي؛ هذه لاخترت أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه: تشوقاً إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الصالحين من عباده. محبة الله عزو وجل * عن قتادة قال: سمعت خليداً العصري في مسجد الجامع يقول: ألا، إن كل حبيب يحب أن يلقى حبيبه؛ ألا: فأحبوا ربكم، وسيروا إليه سيراً جميلاً. (٢/ ٢٣٢) * عن مالك بن دينار قال: إن القلب المحب لله: يحب النصب لله عز وجل (٢/ ٣٦٣) * قال أبو حازم - سلمة بن دينار: شيئان، إذا عملت بهما: أصبت بهما خير الدنيا والآخرة، ولا أطول عليك؛ قيل: وما هما؟ قال: تحمل ما تكره إذا أحبه الله، وتكره ما تحب إذا كرهه الله عز وجل (٣/ ٢٤١) * قال أبو حازم: خصلتان، من تكفل بهما، تكفلت له بالجنة: تركك ما تحب، واحتمالك ما تكره: إذا أحبه الله عز وجل (٣/ ٢٤١) * عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن عبد الله بن أبي زكريا كان يقول: لو خيرت بين: أن أعمر مائة سنة من ذي قبل، في طاعة الله؛ أو أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه: لاخترت أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه: تشوقاً إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الصالحين من عباده. (٥/ ١٥١) * وكان يقول: والله، لو أن نهركم هذا ـ يعني: برداً ـ سال ذهباً وفضة؛ من شاء خرج إليه، فأخذه؛ ما خرجت إليه؛ ولو أنه قيل: من مس هذا العود، مات؛ لسرني أن أقوم إليه، شوقاً إلى الله، وإلى رسوله. (٥/ ١٦١) * عن محمد بن زياد قال: اجتمع رجال من الأخيار، أو قال: العلماء والعباد، وذكروا الموت؛ فقال بعضهم: لولا أنه أتاني آت، أو ملك الموت، فقال: أيكم سبق إلى هذا العمود، فوضع عليه يده مات؛ لرجوت أن لا يسبقني إليه أحد منكم: شوقاً إلى لقاء الله. (٦/ ١١٢) * عن أحمد بن غسان عن أحمد الهجيمي قال: قيل لعبد الواحد بن زيد: يا أبا عبيدة، ما تقول في رجلين: أحدهما أحب البقاء ليميل، والآخر أحب الخروج شوقاً؛ أيهما أفضل؟ قال: الذي أحب الخروج أفضل؛ قال: فقيل له: أثم منزلة ثالثة؟ فقال: لا أعرفها؛ قيل له: بلى؛ قال: لا، البقاء ليطيع، أحب إليه؛ ولا يحب الخروج شوقاً إليه؛ إنما أحبه إليه: إن أبقاه: أحب ذلك، وإن أماته: أحب ذلك. (٦/ ١٥٦) * قال سفيان الثوري: ما أحب الله عبداً، فأبغضه؛ وما أبغضه، فأحبه؛ وإن الرجل ليعبد الأوثان، وهو عند الله سعيد. (٧/ ٢٩) * عن إبراهيم بن أدهم، أنه قال ذات يوم: لو أن العباد علموا حب الله عز وجل لقل مطعمهم، ومشربهم، وملبسهم، وحرصهم وذلك؛ أن ملائكة الله: أحبوا الله، فاشتغلوا بعبادته عن غيره، حتى أن منهم: قائماً، وراكعاً، وساجداً منذ خلق الله تعالى الدنيا، ما التفت إلى من عن يمينه وشماله، اشتغالا بالله عز وجل، وبخدمته. (٨/ ٣٦) * عن حاتم الأصم قال: من ادعى ثلاثاً بغير ثلاث، فهو كذاب؛ من ادعى حب الله بغير ورع عن محارمه، فهو كذاب، ومن ادعى حب الجنة من غير إنفاق ماله، فهو كذاب؛ ومن ادعى حب النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حب الفقراء، فهو كذاب. (٨/ ٧٥) * عن الفضيل بن عياض قال: إذا أحب الله عبداً: أكثر غمه؛ وإذا أبغض الله عبداً: أوسع عليه دنياه. (٨/ ٨٨) * سأل رجل فضيل بن عياض، فقال: يا أبا علي، متى يبلغ الرجل غايته من حب الله تعالى؛ فقال له الفضيل: إذا كان عطاؤه ومنعه إياك عندك سواء، فقد بلغت الغاية من حبه. (٨/ ١١٣) * عن بشر بن السرى قال: ليس من أعلام الحب: أن تحب ما يبغض حبيبك. (٨/ ٣٠٠) * عن محمد بن المبارك قال: ما ترى إلا متغيراً بشهوة من نفسه، ومأخوذاً ببواقي دنيا غيره؛ كذب مؤمن ادعى المعرفة بالله ويداه ترعى في قصاع المستكثرين، ومن وضع يده في قصعة غيره: ذلت رقبته؛ وما أثبت لأحد ادعى محبة الله، وهو يلف الثريد بثلاثة أصابع. (٩/ ٢٩٨) * عن الساجي قال: قيل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، متى ينتهي العبد في حب الله؛ قال: إذا استوى عنده: منعه، وعطاؤه. (٩/ ٣١٠) * عن أبي عبد الله الساجي قال: الذي جعل الله المعرفة عنده: يتنعم مع الله في كل أحواله؛ قال: وسمعت الساجي يقول: لو لم يكن لله ثواب يرجى، ولا عقاب يخشى: لكان أهلاً أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبة في ثواب، ولا رهبة من عقاب، ولكن لحبة، وهي أعلى الدرجات؛ أما تسمع موسى عليه السلام يقول: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } [طه: ٨٤] . فانتظم الثواب والعقاب، لأن من عبد الله على حبه: أشرف عند الله ممن عمل على خوفه، ومثل ذلك في الدنيا؛ أين من أطاعك على خوف منك. (٩/ ٣١٤) * كان القاسم - بن عثمان الجوعي - يقول: أصل المحبة: المعرفة، وأصل الطاعة: التصديق، وأصل الخوف: المراقبة، وأصل المعاصي: طول الأمل، وحب الرئاسة: أصل كل موقعة. (٩/ ٣٢٣) * عن محمد بن أحمد الشمشاطي، قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إن لله عباداً ملأ قلوبهم من صفاء: محض محبته، وهيج أرواحهم، بالشوق إلى رؤيته، فسبحان من شوق إليه أنفسهم، وأدنى منه هممهم، وصفت له صدورهم؛ سبحان موفقهم، ومؤنس وحشتهم، وطبيب أسقامهم؛ إلهي: لك تواضعت أبدانهم، منك إلى الزيادة انبسطت أيديهم، ما طيبت به عيشهم، وأدمت به نعيمهم، فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك، ففتحت لهم أبواب سماواتك، وأتحت لهم الجواز في ملكوتك؛ بك أنست محبة المحبين، وعليك معول شوق المشتاقين، وإليك حنت قلوب العارفين، وبك أنست قلوب الصادقين، وعليك عكفت رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين؛ قد بسطت الراحة من فتورهم، وقل طمع الغفلة فيهم، لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم، ولا يفترون عن التعب والسهر؛ يناجونه بألسنتهم، ويتضرعون إليه بمسكنتهم، يسألونه العفو عن زلاتهم، والصفح عما وقع الخطأ به في أعمالهم؛ فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان، وخدموه خدمة الأبرار، الذين تدفقت قلوبهم ببره، وعاملوه بخالص من سره؛ حتى خفيت أعمالهم عن الحفظة، فوقع بهم ما أملوا من عفوه، ووصلوا بها إلى ما أرادوا من محبته؛ فهم والله الزهاد، والسادة من العباد، الذين حملوا أثقال الزمان، فلم يألموا بحملها؛ وفقوا في مواطن الامتحان، فلم تزل أقدامهم عن مواضعها، حتى مال بهم الدهر، وهانت عليهم المصائب، وذهبوا بالصدق والإخلاص عن الدنيا؛ إلهي، فيك نالوا ما أملوا، كنت لهم سيدي مؤيداً، ولعقولهم مؤدياً؛ حتى أوصلتهم أنت إلى مقام الصادقين في عملك، وإلى منازل المخلصين في معرفتك؛ فهم إلى ما عند سيدهم متطلعون، وإلى ما عنده من وعيده ناظرون؛ ذهبت الآلام عن أبدانهم، لما أذاقهم من حلاوة مناجاته، ولما أفادهم من ظرائف الفوائد من عنده؛ فيا حسنهم والليل قد أقبل بحنادس ظلمته، وهدأت عنهم أصوات خليقته، وقدموا إلى سيدهم الذين له يأملون؛ فلو رأيت أيها البطال أحدهم، وقد قام إلى صلاته وقراءته؛ فلما وقف في محرابه، واستفتح كلام سيده: خطر على قلبه أن ذلك المقام، هو المقام الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين؛ فانخلع قلبه، وذهل عقله؛ فقلوبهم في ملكوت السماوات معلقة، وأبدانهم بين أيدي الخلائق عارية، وهمومهم بالفكر دائمة؛ فما ظنك بأقوام أخيار أبرار، وقد خرجوا من رق الغفلة، واستراحوا من وثائق الفترة، وأنسوا بيقين المعرفة، وسكنوا إلى روح الجهاد والمراقبة؛ بلغنا الله وإياكم هذه الدرجة. (٩/ ٣٣٩ـ٣٤٠) * عن سعيد بن عثمان: حدثني ذو النون، قال: بينا أنا في بعض مسيري، إذ لقيتني امرأة؛ فقالت لي: من أين أنت؟ قلت: رجل غريب؛ فقالت لي: ويحك، وهل يوجد مع الله أحزان الغربة، وهو مؤنس الغرباء، ومعين الضعفاء؟ قال: فبكيت؛ فقالت لي: ما يبكيك؟ قلت: وقع الدواء على داء، قد قرح، فأسرع لي نجاحه؛ قالت: فإن كنت صادقاً، فلم بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكي؟ قالت: لا، قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة للقلب، وملجأ يلجأ إليه؛ وما كتم القلب شيئاً، أحق من الشهيق والزفير؛ فإذا أسبلت الدمعة: استراح القلب؛ وهذا ضعف الأطباء، بإبطال الداء؛ قال: فبقيت متعجباً من كلامها؛ فقالت لي: مالك؟ قلت: تعجبت من هذا الكلام؛ قالت: وقد نسيت القرحة التي سألت عنها؟ قلت: لا، ما أنا بالمستغني عن طلب الزوائد؛ قالت: صدقت حب ربك سبحانه، واشتق إليه؛ فإن له يوماً يتجلى فيه على كرسي كرامته، لأوليائه، وأحبائه، فيذيقهم من محبته كأساً لا يظمأون بعده أبداً؛ قال: ثم أخذت في البكاء، والزفير، والشهيق؛ وهي تقول: سيدي، إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحداً يسعفني على البكاء أيام حياتي؛ ثم تركتني ومضت. (٩/ ٣٤١) * عن أبي عثمان سعيد بن الحكم قال: سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم يقو ل: بينما أنا أسير ذات ليلة ظلماء، في جبال بيت المقدس؛ إذ سمعت صوتاً حزيناً، وبكاءً جهيراً؛ وهو يقول: يا وحشتاه بعد أنسنا، يا غربتاه عن وطننا، وا فقراه بعد غنانا، وا ذلاه بعد عزنا؛ فتبعت الصوت، حتى قربت منه، فلم أزل أبكي لبكائه، حتى إذا أصبحنا: نظرت إليه، فإذا رجل ناحل كالشن المحترق؛ فقلت: يرحمك الله، تقول مثل هذا الكلام؛ فقال: دعني، فقد كان لي قلب فقدته؛ ثم أنشأ يقول: قد كان لي قلب أعيش به…بين الهوى فرماه الحب فاحترقا فقلت له: لم تشتكي ألم البلا…وأنت تنتحل المحبة إن المحب هو الصبو…ر على البلاء لمن أحبه حب الإله هو السرو…ر مع الشفاء لكل كربه (٩/ ٣٤٥) * عن ذا النون قال: وصف لي رجل بشاهرت، فقصدته، فأقمت على بابه أربعين يوماً؛ فلما كان بعد ذلك: رأيته، فلما رآني: هرب مني؛ فقلت له: سألتك بمعبودك، إلا وقفت على وقفة؛ فقلت: سألتك بالله، بم عرفت الله، وبأي شيء تعرف إليك الله، حتى عرفته؟ فقال لي، نعم، رأيت لي حبيباً، إذا قربت: إنه قربني وأدناني؛ وإذا بعدت: صوت بي وناداني؛ وإذا قمت بالفترة: رغبني، ومناني؛ وإذا عملت بالطاعة: زادني وأعطاني؛ وإذا عملت بالمعصية: صبر علي، وتأناني؛ فهل رأيت حبيبا مثل هذا؟ انصرف عني، ولا تشغلني؛ ثم ولى، وهو يقول: حسب المحبين في الدنيا، بأن لهم من ربهم سبباً يدنى إلى سبب قوم جسومهم في الأرض سارية نعم، وأرواحهم تختال في الحجب؛ لهفي على خلوة تسددني، إذا تضرعت بالإشفاق والرغب؛ يا رب، يا رب: أنت الله معتمدي، متى أراك جهاراً غير محتجب؟. (٩/ ٣٤٩) يا مؤنس الأبرار في خلواتهم…يا خير من حطت به النزال من نال حبك لا ينال تفجعا…العقلب يعلم أن ما يفنى محال. (٩/ ٣٥٥) * قال ذو النون: وصف لي رجل باليمن، قد برز على المخالفين، وسما على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة، ووصف لي بالتواضع والرحمة؛ قال: فخرجت حاجاً، فلما قضيت نسكي، مضيت إليه، لأسمع من كلامه، وأنتفع بموعظته، أنا و ناس كانوا معي، يطلبون منه مثل ما أطلب، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، ومنظر الخائفين؛ وكان مصفار الوجه من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس بالوحدة؛ تراه أبداً كأنه قريب عهد بالمصيبة، أو قد فدحته نائبة، فخرج إلينا، فجلسنا إليه، فبدأ الشاب بالسلام عليه، وصافحه؛ فأبدى له الشيخ البشر والترحيب، فسلمنا عليه جميعاً، ثم بدأ الشاب بالكلام؛ فقال: إن الله تعالى بمنه وفضله، قد جعلك طبيباً لسقام القلوب، ومعالجاً لأوجاع الذنوب؛ وبي جرح قد فعل، وداء قد استكمل، فإن رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك، وتعالجني برفقك؛ فقال له الشيخ: سل ما بدا لك يا فتى؟ فقال له الشاب: يرحمك الله، ما علامة الخوف من الله؟ فقال: أن يؤمنه خوفه من كل خوف غير خوفه؛ ثم قال: يرحمك الله، متى يتبين للعبد خوفه من ربه؟ قال: إذا أنزل نفسه من الله بمنزلة السقيم، فهو يحتمي من كل الطعام، مخافة السقام، ويصبر على مضض كل دواء، مخافة طول الضنا؛ فصاح الفتى صيحة، وقال: عافيت فأبلغت، وعالجت فشفيت، ثم بقي باهتاً ساعة، لا يحير جواباً، حتى ظننت في روحه قد خرجت من بدنه؛ ثم قال: يرحمك الله، ما علامة المحب لله؟ قال له: حبيبي، إن درجة الحب رفيعة؛ قال: فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال: إن المحبين لله، شق لهم من قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب إلى عز جلال الله، فصارت أبدانهم دنياوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة كالعيان، وتشاهد ملك الأمور باليقين؛ فعبدوه بمبلغ استطاعتهم، بحبهم له، لا طمعاً في جنة، ولا خوفاً من نار؛ قال: فشهق الفتى شهقة، وصاح صيحة، كانت فيها نفسه. قال: فانكب الشيخ عليه يلثمه، وهو يقول: هذا مصرع الخائفين، هذه درجة المجتهدين، هذا أمان المتقين. (٩/ ٣٦٥ - ٣٦٦) * عن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون قال: سمعت ذا النون يقول: قل لمن أظهر حب الله: إحذر أن تذل لغير الله؛ ومن علامة المحب لله: أن لا يكون له حاجة إلى غير الله. (٩/ ٣٧٣) * سئل ذو النون المصري عن المحبة، فقال: هي التي لا تزيدها منفعة، ولا تنقصها مضرة؛ ثم أنشأ يقول: شواهد أهل الحب باد دليلها…بأعلام صدق ما يضل سبيلها جسوم أولي صدق المحبة والرضى…تبين عن صدق الوداد نحولها إذا ناجت الأفهام أنس نفوسهم…بالسنة تخفي على الناس قبلها وضجت نفوس المستهامين واشتكت…جوى كان عن أجسامها شربيلها يحنون حزنا ضاعف الخوف شجوه…ونيران شوق كالسعير عليها وساروا على حب الرشاد إلى العلا…نوم بهم تقواه وهو دليلها فحطوا بدار القدس في خير منزل…وفاز بزلفى ذي الجلال حلولها (٩/ ٣٧٨) * وسئل عن المحبة فقال: أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومة لائم؛ مع العطف للمؤمنين، والغلظة للكافرين، واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدين. (٩/ ٣٩٤) * عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أخي محمداً قال: تعبد رجل من بني إسرائيل في غيضة من جزيرة البحر: أربعمائة سنة، حتى طال شعره، حتى إذا مر بالغيضة: تعلق بعض أغصان الغيضة بشعره؛ فبينما هو ذات يوم يدور: إذا هو بشجرة منها فيها وكر طير، فحول موضع مصلاه إلى قريب منها؛ قال: فقيل له: استأنست بغيري؟ وعزتي لأحطنك مما كنت فيه درجتين. (١٠/ ٩) * قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أسماء الرملية ـ وكانت من المتعبدات المجتهدات ـ قالت: سألت البيضاء بنت المفضل، فقلت: يا أختي، هل للمحب لله دلائل يعرف بها؟ قالت: يا أختي، والمحب للسيد يخفى لو جهد المحب للسيد أن يخفي ما خفي؛ قلت: فصفيه لي في أخلاقه، وطعامه، وشرابه، ونومه، ويقظته، وحركاته؛ قالت: بلى، قد أكثرت علي؛ ولكن: سأصف لك من ذلك ما قدرت عليه: لو رأيت المحب لله، لرأيت عجبا عجيباً، من واله ما يقر على الأرض طائر، متوحش أنسه في الوحدة، قد منع الراحة ولها بذكر المحبوب، وطعامه الحب عن الجوع وشربه الحب عند الظمأ، ونومه الفكرة في الوصلة، ويقظته المبادرة في الغفلة، ليس له هدوء، ولا يميل إلى سلو؛ إن عزى لم يتعز، وإن صبر لم يتصبر؛ فهو الدهر منكس: لا تغيره الأيام، ولا يمل من طول الخدمة لله إذا مل الخدام، حتى يصير من محبته وطول خدمته: في درج الشوق، فيقر قراره، وتخمد ناره، ويطفئ شرره، ويقل همه، وتواصل أحزانه. (١٠/ ١٣) * عن أبي جعفر المصري قال: قال الله تعالى: معشر المتوجهين إلي بحبي: ما ضركم ما فاتكم من الدنيا، إذا كنت لكم حظاً؟؛ وما ضركم من عاداكم: إذا كنت لكم سلماً. (١٠/ ١٩) * عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك، وأنا عبد فقير؛ إنما العجب من حبك لي، وأنت ملك قدير. (١٠/ ٣٤) * عن أبي يزيد البسطامي قال: غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه؛ فلما انتهيت: رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولا، حتى طلبته. (١٠/ ٣٤) * قال يحيى بن معاذ: لو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة الجنة: لذابت النفوس شوقاً، ولو أدركت القلوب كنه هذه المحبة لخالقها: لانخلعت مفاصلها إليه ولها عليه، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشاً؛ فسبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأشياء. (١٠/ ٥٣) * وقال: قلب المحب يهيم بالطيران، وتكلمه لدغات الشوق والخفقان. (١٠/ ٥٦) * وقال: ليس بصادق: من ادعى حبه، ولم يحفظ حده. (١٠/ ٦٧) * عن الحارث بن أسد المحاسبي قال: علامة أهل الصدق من المحبين: غاية أملهم في الدنيا: أن تصبر أبدانهم على الدون، وأن تخلص لهم النيات من فسادها؛ ومنهم من يريد في الدنيا شواهد الكرامات عند سرعة الإجابة، وغاية أملهم في الآخرة: أن ينعمهم بنظره إليهم، فنعيمها الأسفار، وكشف الحجاب، حتى لا يمارون في رؤيته؛ والله، ليفعلن ذلك بهم إذا استزارهم إليه؛ وحدثني بعض العلماء، قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام بعيني، ما يتحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي؛ فكيف إذا صاروا إلى جواري، واستزرتهم للمقعد عندي، أسفرت لهم عن وجهي؛ فهنالك، فليبشر المصفون للرحمن أعمالهم: بالنظر العجيب، من الحبيب القريب؛ أتراني أنسى لهم عملاً؟ كيف، وأنا ذو الفضل العظيم: أجود على المولين عني، فكيف بالمقبلين علي؟ وما غضب على شيء، كغضبي على من أخطأ خطيئة، ثم استعظمها في جنب عفوي، ولو عاجلت أحدا بالعقوبة، لعاجلت القانطين من رحمتي؛ ولو يراني عبادي: كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليهم بالظلم في دار الدنيا، ثم أوجبت لمن وهبهم النعيم المقيم، لما اتهموا فضلي وكرمي؛ ولو لم أشكر عبادي، إلا على خوفهم من المقام بين يدي، لشكرتهم على ذلك؛ ولو يراني عبادي: كيف أرفع قصوراً تحار فيها الأبصار، فيقال: لمن هذه؟ فأقول: لمن عصاني، ولم يقطع رجاء مني؛ فأنا الديان، الذي لا تحل معصيتي، ولا حاجة بي إلى هوان من خاف مقامي. (١٠/ ٨٠ـ٨١) * قال إبراهيم بن أدهم: لو علم الناس لذة حب الله: لقلت مطاعمهم، ومشاربهم، وحرصهم، وذلك أن الملائكة: أحبوا الله، فاستغنوا بذكره عن غيره. وسمعت محمد بن الحسين يقول: قال عتبة الغلام: من عرف الله: أحبه، ومن أحب الله: أطاعه، ومن أطاع الله: أكرمه، ومن أكرمه: أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره: فطوباه وطوباه؛ والمحب الصادق، إذا استنار قلبه بنور حب الوداد: نحل جسمه، لأن قليل المحبة يبين على صاحبها كثير النحول، فإذا وردت خطرات الشوق عليه، علم أنه من الله تعالى على خلال أربع: إما أن يتقبل طاعته، فيفوز بثوابها؛ وإما أن يشغله في الدنيا بطاعته عن الآثام، فتقل خطاياه؛ وإما أن يتداركه بنظره، فيلحقه بدرجة المحبين تفضلاً، وإن لم يستحق ذلك؛ فإن فاتته الثلاث، لم يفته الرابع إن شاء الله: ثواب النصب لله، وذلك: أن قليل القربة عند الكريم، يعتق بها الرقاب من النار؛ فمن نجا من النار، فماله منزلة غير الجنة؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى: { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } [الشورى: ٧] . فهل ترى لأحد منزلة بينهما؟ ومن أراد الدخول في عز المحبة: فعليه بمفارقة الأحباب، والخلوة برب الأرباب؛ فإن قيل: فمن أين قلت ذلك؟ فقد حدثني بعض العلماء. (١٠/ ٨١ـ٨٢) * قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله: إن كنت تحب أن تكون لله ولياً، وهو لك محباً: فدع الدنيا والآخرة، ولا ترغبن فيهما، وفرغ نفسك منهما، وأقبل بوجهك على الله: يقبل الله بوجهه عليك، ويلطف بك؛ فإنه بلغني: أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام يا يحيى، إني قضيت على نفسي: أن لا يحبني عبد من عبادي، أعلم ذلك منه: إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي يتكلم به، وقلبه الذي يفهم به؛ فإذا كان ذلك كذلك: بغضت إليه الاشتغال بغيري، وأدمت فكرته، وأسهرت ليله، وأظمأت نهاره؛ يا يحيى، أنا جليس قلبه، وغاية أمنيته، وأمله؛ أهب له كل يوم وساعة، فيتقرب مني، وأتقرب منه، أسمع كلامه، وأجيب تضرعه؛ فوعزتي وجلالي: لأبعثنه مبعثاً يغبطه به النبيون والمرسلون، ثم آمر منادياً ينادي: هذا فلان بن فلان، ولي الله، وصفيه، وخيرته من خلقه: دعاه إلى زيارته، ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم؛ فإذا جاءني: رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، فنظر إلي كيف شاء؛ وأقول: ابشر، فوعزتي وجلالي: لأشفين صدرك من النظر إلي، ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة؛ فإذا توجهت الوفود إليه، أقبل عليهم، فقال: أيها المتوجهون إلى ما ضركم، ما فاتكم من الدنيا، إذا كنت لكم حظاً؟ وما ضركم من عاداكم، إذا كنت لكم سلماً؟. (١٠/ ٨٢) * قيل لذو النون المصري: رحمك الله، ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله؟ قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه؟ قال: أن يطلع على قلبه، وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره؛ ففي هذا دليل على: أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله: كل عمل عمله بالإخلاص لله، والإشفاق عليه من عدوه؛ وإن قل ذلك، فهو المقبول: إذا كان على حقيقة التقوى معمولاً؛ كما قال علي بن أبي طالب: عمل صالح دائم مع التقوى، وإن قل، وكيف يقل ما يتقبل؟ وذلك: أن المحب لله، هو على الركن الأعظم من الإيمان، الذي يمكن أن يستكمله العبد، ولا يحسن به ادعاؤه؛ وهو: ركن المعرفة بالنعم، وإظهار الشكر للمنعم؛ وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه: يا عبدي، أما زهدك في الدنيا: فطلبت به الراحة لنفسك، وأما انقطاعك إلي: فتعززت بي؛ فهل عاديت لي عدواً؟ أو واليت لي ولياً؟ فيخبرك: أنه جعل الحب والبغض فيه، أعظم عنده ثواباً من الزهد في الدنيا، والانقطاع إليه؛ قلت له: صف لي زهد المحبين، وزهد الخائفين، وزهد الورعين، وزهد المتوكلين؟ فقال: إن العباد زهدوا في حلال الدنيا، خوفاً من شدة الحساب: إذ سئلوا عن الشكر، فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم؛ وفرقة من الخائفين: زهدوا في الحرام، خوفاً من حلول النقمة؛ فزهد الخائفين: ترك الحرام البين، وزهد الورعين: ترك كل شبهة؛ وزهد المتوكلين: ترك الاضطراب فيما قد تكفل به من المعاش، لتصديقهم بوفاء الضامن، وزهد المحبين؛ قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال؛ فقالت فرقة: زهد المحب في الدنيا كلها، في حلالها وحرامها، لقلتها في نفسه؛ وقالت فرقة أخرى: زهد المحب في الجنة، دون الدنيا حذراً، من أن يقول له حبيبه: يا محب، أي شيء تركت لي؟ فيقول: تركت لك الدنيا، فيقول: وما قدر الدنيا؟ فيقول: يا رب، قدرها جناح بعوضة؛ فيلحقه من الحياء من الله، أن يقول له: تركت لك ما قدره جناح بعوضة؛ ولكن: تعلم يا رب، أني لم أعبدك: إلا بثواب الجنة فقط، لا أريد منك غير ذلك، وما الجنة مع ذكرك؛ فزهد المحب الصادق في الدنيا: هو الزهد في الإخوان: الذين يشغلون عن الله؛ فقد زهد فيهم، لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم؛ فزهده فهيم، على علم بهم. (١٠/ ٨٤ـ٨٥) * قال الحارث بن أسد: المنقطع إلى الله عز وجل عن خلقه: ظاهره ظاهر أهل الدنيا، وباطنه باطن المجلين الهائبين لربهم؛ لأنه صرف قلبه إلى ربه، فاشتغل بذكر رضاه عن ذكر رضا خلقه، فطاب في الدنيا عيشه، وتطهر من آثامه، وأنزل الخلق بالمنزلة التي أنزلهم ربهم عبيداً؛ إذ لا يملكون له ضراً ولا نفعاً، فآثر رضاء الله على رضاهم، فسخت نفسه بطلب رضى الله، وإن سخط جميع خلق الله: يرضى الله بسخط كل أحد، ولا يسخط الله برضى أحد من خلقه؛ فملاك أمره في جميع ذلك: ترك الاشتغال، والتثبيت لمراقبة الرقيب عليه، فلا يعجل، فيسخطه عليه؛ وقال: أسرع الأشياء عظة للقلب، وانكساراً له: ذكر إطلاع الله بالتعظيم له، وأسرع الأشياء إماتة للشهوات: لزوم القلب الأحزان؛ وأكثر الأشياء صرفاً: إزالة الاشتغال بالدنيا من القلوب، عند المعاينة؛ والمباشرة لها: الاعتبار بها، والنظر إلى ما غاب من الآخرة؛ وأسرع الأشياء هيجانا للتعظيم لله من القلب: تدبر الآيات والدلائل، في التدبير المحكم، والصنعة المحكمة المتقنة من السماء والأرض، وما بث بينهما من خلقه: دلائل ناطقة، وشواهد واضحة، أن الذي دبرها: عظيم قدره، نافذ مشيئته، عزيز في سلطانه؛ وأشد الأشياء للقلب عن التشاغل بالدنيا: الكمد من بعد الحزن؛ وأبعث الأشياء على سخاء النفوس بترك الشهوات: الشوق إلى لقاء العزيز الكبير؛ وأشد الأشياء إزالة للمكابدات، في علو الدرجات، في منازل العبادات: لزوم القلب محبة الرحمن، وأنعم الأشياء لقلوب العابدين، وأدومها لها سروراً: الشوق إلى قرب الله، واستماع كلامه، والنظر إلى وجهه؛ وأظهرها لقلوب المريدين: التوبة النصوح منهم، للعرض على رب العاملين؛ فتلك طهارة المتقين، ومن بعدها طهارة المحبين؛ وهو قطع الأشغال لكل شيء من الدنيا عن محبوبهم؛ فإذا طهرت القلوب من كل شيء سوى الله: خلا من ذكر كل قاطع عن الله، وزال عنه كل حاجب يحجب عنه؛ فتم بالله سروره، وصفا ذكره في قلبه، واستنار له سبيل الاعتبار؛ فكانت الدنيا وأهلها: عيناً ينظر بها، إلى ما سترته الحجب من الملكوت؛ فحينئذ: دام بالله شغله، وطال إليه حنينه، وقرت بالله عينه؛ فالحزن والكمد قد أشغلا قلبه، والمحبة والشوق قد أشخصا إلى الله فؤاده؛ فشوقه إلى طلب القرب والحزن: أن يحال بينه وبينه. (١٠/ ٨٦ـ٨٧) * وسُئل الحارث بن أسد: ما علامة محبة الله للعبد؟ فقال للسائل: ما الذي كشف لك عن طلب علم هذا؟ فقال: قوله تعالى: { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [آل عمران: ٣١] . فعلمت: أن علامة محبة العبد لله: اتباع رسوله؛ ثم قال: يحببكم الله، فما علامة محبة الله للعبد؟ فقال: لقد سألت عن شيء غاب عن أكثر القلوب؛ إن علامة محبته الله للعبد: أن يتولى الله سياسة همومه، فيكون في جميع أموره هو المختار لها؛ ففي الهموم التي لا تعترض عليها حوادث القواطع، ولا تشير إلى التوقف، لأن الله هو المتولي لها؛ فأخلاقه على السماحة، وجوارحه على الموافقة: يصرخ به، ويحثه بالتهدد والزجر. فقال السائل: وما الدليل على ذلك؟ فقال: خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أحب الله عبداً: جعل له واعظاً من نفسه، وزاجراً من قلبه: يأمره، وينهاه» . فقال السائل: زدني من علامة محبة الله للعبد؛ قال: ليس شيء أحب إلى الله: من أداء الفرائض، بمسارعة من القلب والجوارح، والمحافظة عليها؛ ثم بعد ذلك: كثرة النوافل؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يقول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به؛ إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» . فقال السائل: رحمك الله، صف لي من علامات وجود قلبه؟ قال: محبوسة يا فتى في سر الملاطفة، مخصوصة بعلم المكاشفة، مقلبة بتنعم النظر في مشاهدة الغيب، وحجاب العز، ورفعة المنعة؛ فهي القلوب التي أسرت أوهامها، بعجب نفاذ إتقان الصنع؛ فعندها: تصاعدت المنى، وتواترت على جوارحها فوائد الغنى؛ فانقطعت النفوس عن كل ميل: إلى راحة، وانزعجت الهموم، وفرت من الرفاهة: فنعمت بسرائر الهداية، وعلمت طرق الولاية، وغذيت من لطيف الكفاية، وأرسلت في روضة ا لبصيرة؛ وأحلت القلوب محلاً: نظرت فيه بلا عيان، وجالت بلا مشاهدة، وخوطبت بلا مشافهة؛ فهذا يا فتى صفة أهل محبة الله، من أهل المراقبة والحياء، والرضا والتوكل؛ فهم الأبرار من العمال، وهم الزهاد من العلماء، وهم الحكماء من النجباء، وهم المسارعون من الأبرار، وهم دعاة الليل والنهار، وهم أصحاب صفاء التذكار، وأصحاب الفكر والاعتبار، وأصحاب المحن والاختبار؛ هم قوم: أسعدهم الله بطاعته، وحفظهم برعايته، وتولاهم بسياسته؛ فلم تشتد لهم همة، ولم يتسقط لهم إرادة؛ همومهم في الجد والطلب، وأرواحهم في النجاة والهرب؛ يستقلون الكثير من أعمالهم، ويستكثرون القليل من نعم الله عليهم؛ إن أنعم عليهم شكروا، وإن منعوا صبروا؛ يكاد يهيج منهم صراخ: إلى مواطن الخلوات، ومعابر العبر والآيات؛ فالحسرات في قلوبهم تتردد، وخوف الفراق في قلوبهم يتوقد؛ نعم يا فتى، هؤلاء قوم أذاقهم الله طعم محبته، ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته، فقطعهم ذلك عن الشهوات، وجانبوا اللذات، وداموا في خدمة من له الأرض والسماوات؛ فقد اعتقدوا الرضا قبل وقوع البلا، ومنقطعين عن إشارة النفوس، منكرين للجهل المأسوس؛ طاب عيشهم، ودام نعيمهم، فعيشهم سليم، وغناهم في قلوبهم مقيم؛ كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب، فقطعوا، وكان الله المنا والمطلوب؛ دعاهم إليه، فأجابوه بالحث والجد، ودوام السير؛ فلم تقم لهم أشغال، إذ استبقوا دعوة الجبار؛ فعندها يا فتى، غابت عن قلوبهم أسباب الفتنة بدواهيها، وظهرت أساب المعرفة بما فيها؛ فصار مطيتهم إليه الرغبة، وسائقهم الرهبة، وحاديهم الشوق؛ حتى أدخلهم في رق عبوديته، فليس تلحقهم فترة في نية، ولا وهن في عزم، ولا ضعف في حزم، ولا تأويل في رخصة، ولا ميل إلى دواعي غرة. قال السائل: أرى هذا مراداً بالمحبة؟ قال: نعم يا فتى، هذه صفة المرادين بالمحبة. فقال: كيف المحن على هؤلاء؟ فقال: سهلة في علمها، صعبة في اختيارها؛ فمنحهم على قدر قوة إيمانهم. قال: فمن أشدهم محناً؟ قال: أكثرهم معرفة، وأقواهم يقينا، وأكملهم إيماناً؛ كما جاء في الخبر: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. (١٠/ ٩٩ـ١٠١) * وقيل لبعض المتعبدين: ما فعل فلان؟ قال: أنس فتوحش؛ وقيل لرابعة: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركي مالا يعنيني، وأنسي بمن لم يزل؛ وقال ذو النون في بعض كلامه: يا أنيس كل منفرد بذكرك، وجليس كل متوحد بحبك. وقال عبد الواحد بن زيد لراهب: يا راهب، لقد تعجلت الوحدة؛ فقال الراهب: يا فتى، لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك؛ الوحدة رأس العبادة، ما أنستها الفكرة. قال: يا راهب، ما أقل ما يجد العبد في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرهم. قال: يا راهب، متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود، وخلصت المعاملة. قال: يا عبد الله، متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في الطاعة. قلت: متى تخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار هماً واحداً؛ وقال بعض الحكماء: عجباً للخلائق: كيف أرادوا بك بدلاً؟ وعجباً للقلوب: كيف استأنست بسواك عنك؟ اللهم، آنست الآنسين من أوليائك، وخصصتهم بكفاية المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع عليهم في سرائرهم، وستري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف؛ فإذا أوحشتني العزلة: آنسني ذكرك؛ وإذا كثرت علي الهموم: رجعت إلى الاستجارة بك، يا رب العالمين؛ وقال إبراهيم بن أدهم: جئت من أنس الرحمن؛ وكما قال بعض الحكماء: لو أن معي أ نساً لتوحشت. قيل: رحمك الله، فما علامة صحة الأنس بالله؟ قال: ضيق الصدر من معاشرة الخلق، والتبرم بهم، واختيار القلب عذوبة الذكر. قيل: رحمك الله، فما علامته في ظاهره؟ قال: منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة، وغريب في حضر، وحاضر في سفر، وشاهد في غيبة، وغائب في حضور. قيل: اشرح عن وصف هذا، ما معنى منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة؟ قال: منفرد بالذكر، مشغول بالفكر: لما استولى على القلب، والهم من الشغل، وطيب عذوبة الذكر، وحلاوته؛ وهو منفرد فيما هو فيه عن الجماعة، وهو شاهد معهم ببدنه؛ كما روي عن على بن أبي طالب، في حديث كهيل بن زياد؛ فقال: هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعده المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون؛ صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الأعلى، وبأعلي العلى، عند الملك العالي؛ فهذه صفة المنفرد في جماعة. قيل: فما المستجمع في خلوة؟ قال: مستجمع له بهمة، قد جمع للهموم، فصيرها هماً واحداً في قلبه، فاستجمعت له الهموم: في مشاهدة الاعتبار، وحسن الفكر في نفاذ القدرة؛ فهو مستجمع لله بعقله وقلبه، وهمه ووهمه كله، وكل جوارحه مستجمعة منتصبة، لدوام الذكر، إلى وجود لحوق البصيرة، وعوض الفطنة، وسعة المعونة؛ وليس شيء منه متفرقاً، ولا وهم معطلاً؛ وهذه صفة المستجمع في انفراده. قيل: فما معنى: غائب في حضور؟ قال: غائب بوهمه، حاضر بقلبه؛ فمعنى غائب: أي غائب عن أبصار الناظرين، حاضر بقلبه في مراعاة العارفين. (١٠/ ١٠٧ـ١٠٨) * قال السري السقطي: للمريد عشر مقامات: التحبب إلى الله بالنافلة، والتزين عنده بنصيحة الأمة، والأنس بكلام الله، والصبر على أحكامه، والأثرة لأمره، والحياء من نظره، وبذل المجهود في محبوبه، والرضاء بالقلة، والقناعة بالخمول. (١٠/ ١١٧) * قال محمد بن المبارك الصوري: قلت لراهب: متى يبلغ الرجل حقيقة الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود فيه، وخلصت المعاملة فيما بين العبد وبين الله؛ قال: قلت: فمتى يصفو الود، وتخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في الطاعة؛ قلت: ومتى يجتمع الهم، فيصير في الطاعة؛ قال: إذا اجتمعت الهموم، فصارت هماً واحداً. قلت: يا راهب، بم يستعان على قلة المطعم؟ قال: بالتحري في المكسب، والنظر في الكسوة. (١٠/ ١٣٢) * عن محمد بن سلمة الصوفي قال: قال لي راهب في بيعة بالشام: همة المحبين: الوصول بإرادتهم، وهمة الخائفين: الوصول من الخوف إلى مأمنهم، وكل على خير؛ وأولئك: أنصب أبداناً، وأعلى في الخير منصباً. (١٠/ ١٥٢) * جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «إنها قائمة، فما أعددت لها؟» . قال: ما أعددت لها كبير عمل، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: «فلك ما احتسبت وأنت مع من أحببت» . (١٠/ ١٧١) * قال ذو النون المصري: وصف لي باليمن رجل، قد برز على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة؛ فخرجت حاجاً إلى بيت الله، فلما قضيت نسكي، أتيته لأسمع من كلامهم، وأنتفع بموعظته؛ فأقمت على بابه أياماً، حتى ظفرت به؛ وكان أصفر اللون من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس إلى الوحدة؛ تراه كأنه قريب عهد بمصيبة؛ قال: فخرج الشيخ ذات يوم إلى صلاة الجمعة، فاتبعناه بأجمعنا لنكلمه، فبادر إليه شاب، فسلم عليه، وصافحه، وأبدى له الترحيب والبشر؛ فقال له الشاب: إن الله بمنه وفضله جعلك ومثلك: أطباء لسقام القلوب، ومعالجين لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد نغل، وداء قد استطال؛ فإن رأيت أن تتلطف ببعض مراهمك، وتعالجني برفقك؛ فقال له الشيخ: سل عما بدا لك. قال: ما علامة الخوف من الله؟ قال: أن تؤمن نفسك من كل خوف، إلا الخوف من الله. فاضطرب الشاب كما تضطرب السمكة في شبكة الصياد، والشيخ قائم بإزائه. ثم إن الشاب رجع، وأمر يده على وجهه، وقال: رحمك الله، متى يتبين للعبد خوفه من الله؟ قال: يا بني، إذا أنزل نفسه في الدنيا بمنزلة السقيم، وهو يحتمي من كل الطعام مخافة طول الأسقام؛ قال: فصاح الشاب صيحة، ثم قال: أوه، عاقبت فأوجعت؛ فقال الشيخ: بل داويت فأحسنت، وعالجت فرفقت. فمكث الشاب ساعة، لا يحير جواباً؛ ثم إن الشاب أفاق، فأمر يده على وجهه؛ وقال له: رحمك الله، فما علامة المحب لله؟ قال: فانتفض الشيخ فزعاً، وجرت الدموع على وجهه كنظام اللؤلؤ؛ ثم قال: يا شاب، إن درجة الحب درجة سنية، بهية رفيعة. قال: فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال: إن المحبين لله: شق لهم عن قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب عظمة الله جل جلاله، فصارت أبدانهم دنيوية، وقلوبهم سماوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم نورانية؛ تسرح بين صفوف الملائكة بالعيان، وتشاهد تلك الأمور بالتحقيق والبيان؛ فعبدوا الله بمبلغ استطاعتهم، لا لجنة ولا لنار. قال: فصاح الشاب صيحة، خر مغشياً عليه؛ فحركناه، فإذا هو قد فارق الدنيا؛ فانكب الشيخ يقبل بين عينيه، ويبكي؛ ويقول: هذا مصرع الخائفين، وهذه درجة المجتهدين، وهذه منازل المتقين. (١٠/ ١٨٠ـ١٨١) * عن أحمد بن أبي الحواري قال حدثنا أبو قرة، قال: كان بعض التابعين يقول: اللهم، أنت تعطيني من غير أن أسألك، فكيف تحرمني وأنا أسألك؟ اللهم، إني أسألك أن تسكن عظمتك قلبي، وأن تسقيني شربة من كأس حبك. (١٠/ ١٨٦) * قال سهل بن عبد الله: أركان الدين أربعة: الصدق، واليقين، والرضا، والحب؛ فعلامة الصدق: الصبر، وعلامة اليقين: النصيحة؛ وعلامة الرضا: ترك الخلاف؛ وعلامة الإيثار والصبر يشهد للصدق. (١٠/ ١٩١ـ١٩٢) * قال ذو النون المصري: تكلمت خدع الدنيا على ألسنة العلماء، وأماتت قلوب القراء فتن الدنيا؛ فلست ترى إلا جاهلاً متحيراً، أو عالماً مفتوناً؛ فيا من جعل سمعي وعاء لعلم عجائبه، وقلبي منبعاً لذكره؛ ويا من من علي بمواهبه: اجعلني بحبلك معتصماً، وبجودك متمسكاً، وبحبالك متصلاً، وأكمل نعمتك عندي: بدوام معرفتك في قلبي، كما أكملت خلقى؛ وسددنى للتى تبلغنى إليك، واجعل ذلك مضموماً إلى نعمائك عندي، واهدني للشكر: حتى أعلم مكان الزيادة منك في قلبي؛ ولا تنزع محبتك من قلبي، يا ذا الجلال والإكرام، والجمال، والنور، والبهاء؛ والحمد لله أولاً وآخراً. (١٠/ ٢٤١) * قال ذو النون: من قطع الآمال من الخلق، وصل إلى الخالق؛ ولن يصل عبد إلى محبوبه دون قطع الآمال ممن دونه؛ فمن أحب لقاء الله: فليرم بكنفه عنده، وليخلص، وليشمر، وليصبر ويرضى، ويستسلم مخاطراً بنفسه؛ فتؤديه مخاطرة نفسه إلى نفسه. (١٠/ ٢٤٢) * قال أبو يزيد البسطامي: الحب لله على أربعة فنون: ففن منه: وهو منته، وفن منك: وهو ودك، وفن له: وهو ذكرك له، وفن بينكما: وهو العشق. (١٠/ ٢٤٢) * قال أبو سعيد الخزاز: المحب يتعلل إلى محبوبه بكل شيء، ولا يتسلى عنه بشيء؛ ويتبع آثاره، ولا يدع استخباره؛ وأنشدنا: أسائلكم عنها فهل من مخبر…فمالي بنعم مذ نأت دارها علم فلو كنت أدري أين خيم أهلها…وأي بلاد الله إذ ظعنوا أموا إذا لسلكنا مسلك الريح خلفها…ولو أصبحت نعم ومن دونها النجم (١٠/ ٢٤٨) * عن أبي الحسين النوري قال: إن المحبة للمحبوب: تتزايد من لطائف المحبوب. (١٠/ ٢٥٣) * قال الجنيد بن محمد: كنت يوماً عند السرى بن المغلس بن الحسين، وهو متزر بمئزر، وكنا خاليين؛ فنظرت إلى جسده: كأنه جسد سقيم، دنف، مضنى، واجهد ما يكون؛ فقال: انظر إلى جسدي هذا، فلو شئت أن أقول: إن ما بي هذا من المحبة، كان كما أقول؛ كان وجهه يصفر، ثم اشرأب حمرة حتى تورد، ثم اعتل، فدخلت عليه أعوده؛ فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: كيف أشكو ما بي إلى طبيبي، والذي أصابني من حبيبي؟ فأخذت المروحة أروحه؛ فقال: كيف يجد روح المروحة من جوفه، يحترق من داخل؛ ثم أنشأ يقول: القلب محترق والدمع مستبق…والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له…مما جناه ا لهوى والشوق والقلق يا رب إن كان شيء فيه لي فرج…فامنن علي به ما دام لي رمق (١٠/ ٢٧٣) * قال رجل للجنيد: علام يتأسف المحب؟ قال: على زمان بسط: أورث قبضاً، أو زمان أنس: أورث وحشة؛ وأنشأ يقول: قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم…فكدرته يد الأيام حين صفا (١٠/ ٢٧٨ـ٢٧٩) * سئل رويم عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال. (١٠/ ٣٠١) * عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أحب الله عبداً، قال لجبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل؛ ثم يقول لأهل السماء: إن الله يحب عبده فلاناً، فأحبوه، فيحبه أهل السماء؛ ثم يوضع له القبول» . (١٠/ ٣٠٦) * وكان عبد الله بن الجلاء إذا سئل عن المحبة قال: مالي وللمحبة، أنا أريد أن أتعلم التوبة؛ وسئل: كيف تكون ليالي الأحباب؛ فأنشأ يقول: من لم يبت والحب حشو فؤاده…لم يدر كيف تفتت الأكباد (١٠/ ٣١٥) * قال أبو عبيد البسري: سألت رجلاً بالكام: ما الذي أجلسك في هذا الموضع؟ قال: وما سؤالك عن شيء: إن طلبته لم تدركه، وإن لحقته لم تقع عليه؟ قلت: تخبرني ما هو؟ قال: علمي بأن مجالستي مع الله، تستغرق نعيم الجنان كلها؛ ثم قال: أوه، قد كنت أظن أن نفسي قد ظفرت، ومن الخلق هربت؛ فإذا أنا كذاب في مقامي؛ لو كنت محباً له، صادقاً: ما اطلع علي أحد. فقلت: أما علمت، أن المحبين خلفاء الله في أرضه، مستأنسون بخلقه، يبعثونهم على طاعته؟ قال: فصاح بي صحية، وقال: يا مخدوع، لو شممت رائحة الحب، وعاين قلبك ما وراء ذلك من القرب: ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت؛ ثم قال: يا سماء، ويا أرض: اشهدا على أنه، ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط؛ إن كنت صادقاً: فأمتني. قال: فوالله، ما سمعت له كلاماً بعدها، وخفت، فخفت أن يسبق إلى الظن من الناس في قتله؛ فتركته ومضيت، فبينا أنا كذلك، إذا أنا بجماعة؛ فقالوا: ما فعل الفتى؟ فكنيت عن ذلك؛ فقالوا: ارجع، فإن الله قد قبضه؛ فصليت معهم عليه، فقلت لهم: من هذا الرجل، ومن أنتم؟ قالوا: ويحك، هذا رجل كان به يمطر المطر، قلبه على قلب إبراهيم الخليل؛ أما رأيته يخبر عن نفسه: أن ذكر النار ما خطر على قلبه قط؟ فهل كان أحد هكذا، إلا إبراهيم عليه السلام؛ قلت: فمن أنتم؟ قالوا: نحن السبعة المخصوصون من الأبدال؛ قلت: علموني شيئاً؛ قالوا: لا تحب أن تعرف، ولا تحب أن يعرف؛ أنك ممن لا يحب أن يعرف. (١٠/ ٣١٨ـ٣١٩) * سُئل أبو حمزة - محمد بن إبراهيم البغدادي - أيفزع المحب إلى شيء سوى محبوبه؟ فقال: لا، إنه بلاء دائم، وسرور منقطع، وأوجاع متصلة، لا يعرفها إلا من باشرها؛ وأنشد: يلاقي الملاقي شجوه دون غيره…وكل بلاء عند لاقيه أوجع (١٠/ ٣٢٢) * قال ابن الفرغاني: الحب يوجب شوقاً، والشوق يوجب أنساً؛ فمن فقد الشوق والأنس: فليعلم أنه غير محب. (١٠/ ٣٤٩) * عن أبي علي الجروجاني قال: ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف، والرجاء، والمحبة؛ فزيادة الخوف: من كثرة الذنوب، لرؤية الوعيد؛ وزيادة الرجاء: من اكتساب الخير، لرؤية الوعد؛ وزيادة المحبة: من كثرة الذكر، لرؤية المنة؛ فالخائف: لا يستريح من ذكر المحبوب؛ فالخوف: نار منور؛ والرجاء: نور منور؛ والمحبة: نور الأنوار. (١٠/ ٣٥٠) * سُئل أبو الحسن البوسنجي عن المحبة فقال: بذل مجهودك، مع معرفة محبوبك؛ لأن محبوبك مع بذل مجهودك: يفعل ما يشاء. (١٠/ ٣٧٩) * عن الفضيل بن عياض أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ارحمني بحبي إياك، فليس شيء أحب إلي منك. (٨/ ١٠٩) * عن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل لما طعن، فجعلت سكرات الموت تغشاه، ثم يفيق الإفاقة، فيقول: اخنقني خنقاتك، فوعزتك، إنك لتعلم أن قلبي يحب لقاءك، اللهم إنك تعلم: أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا، لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. (٥/ ١٠٣) * عن عمرو بن علي قال: كان هجير يحيى بن سعيد إذا سكت ثم تكلم: { نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ } [قّ: ٤٣] ، قال: فقلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه: يعافيك الله إن شاء الله، فقال: أحبه إلى أحبه إلى الله. (٨/ ٣٨١) * عن سفيان بن عيينة قال: لا تبلغوا ذروة هذا الأمر، إلا حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله؛ ومن أحب القرآن، فقد أحب الله؛ افقهوا ما يقال لكم. (٧/ ٢٧٨) * عن الحسين بن زياد قال: أخذ فضيل بن عياض بيدي، فقال: يا حسين، ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول الرب: من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني؟ أليس كل حبيب يحب خلوة حبيبه؟ هاأنا ذا مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل؛ مثلت نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على حضوري؛ غداً أقر أعين أحبائي في جناتي. (٨/ ٩٩ـ١٠٠) * قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت بشر بن السري يقول: ليس من أعلام الحب: أن تحب ما يبغضه حبيبك؛ قال أحمد: وعلامة حب الله: حب طاعة الله؛ وقيل: حب ذكر الله، فإذا أحب الله العبد، أحبه؛ ولا يستطيع العبد أن يحب الله، حتى يكون الابتداء منه بالحب له، وذلك حين عرف منة الاجتهاد في مرضاته؛ قال أحمد: ومن عرف الدنيا: زهد فيها، ومن عرف الآخرة: رغب فيها، ومن عرف الله: آثر رضاه، ومن لم يعرف نفسه: فهو من دينه في غرور؛ وقال أحمد: إذا حدثتك نفسك بترك الدنيا عند إدبارها، فهو خدعة؛ وإذا حدثتك نفسك بتركها عند إقبالها، فذاك. (١٠/ ٧) * عن إسحاق بن خلف؛ قال: مر عيسى عليه السلام بثلاثة من الناس، قد نحلت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم؛ فقال: ما الذي بلغكم ما أرى؟ قالوا: الخوف من النيران؛ قال: مخلوقاً خفتم، وحقاً على الله أن يؤمن الخائف؛ قال: ثم جاوزهم إلى ثلاثة أخرى، فإذا هم أشد تغير ألوان، وأشد نحول أبدان؛ فقال: ما الذي بلغكم ما أرى؟ قالوا: الشوق إلى الجنان؛ فقال: مخلوقاً اشتقتم، وحقاً على الله أن يعطيكم ما رجوتم؛ ثم جاوزهم إلى ثلاث أخرى، فإذا هم أشد نحول أبدان، وأشد تغير ألوان، كأن على وجوههم المرآة من النور؛ فقال: ما الذي بلغكم ما أرى؟ قالوا: الحب لله؛ قال: فأنتم المقربون، أنتم المقربون. (١٠/ ٨) * عن زيد ابن زيد بن أسلم: أن موسى عليه السلام سأل ربه، فقال: يا رب، أخبرني بأهلك الذين هم أهلك، الذين تؤويهم في ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك؛ قال: هم: الطاهرة قلوبهم، الندية أيديهم، يتحابون بجلالي؛ الذين إذا ذكرت: ذكروا بي، وإذا ذكروا: ذكرت بهم؛ الذين ينيبون إلى ذكري: كما تنيب النسور إلى وكرها؛ الذين يغضبون لمحارم الله إذا استحلت: كما تغضب النمرة إذا حرب؛ والذين يكلفون بحبي: كما يكلف الصبي بحب الناس. (٣/ ٢٢٢) محبة الصالحين * عن حسان بن عطية: أن أبا الدرداء كان يقول: لا تزالون بخير: ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم بالحق فعرفتموه؛ فإن عارف الحق كعامله. (١/ ٢١٠) * قيل لمحمد بن واسع: إني لأحبك في الله تعالى؛ قال: أحبك الذي أحببتني له؛ اللهم، إني أعوذ بك أن أحب فيك، وأنت لي ماقت أو مبغض. (٢/ ٣٤٩) * عن طلحة بن مصرف قال: ما شيء يسمن في الخصب والجدب، وما شيء يهزل في الخصب والجدب، وما شيء أحلى من العسل؟ قال: الذي يسمن في الخصب والجدب: المؤمن: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر؛ وأما الذي يهزل في الخصب والجدب: الفاجر، أو الكافر: إذا أعطى لم يشكر، وإذا ابتلى لم يصبر. وأما الذي هو أحلى من العسل: فالألفة التي جعلها الله عز وجل بين عباده؛ وقال لي طلحة: للقيك أحب إلي من العسل. (٥/ ١٧) * عن خالد بن محمد الثقفي قال: سمعت بلال بن سعد يقول في قصصه ـ وكان قاصاً لأهل دمشق ـ إنما المؤمنون إخوة، فكيف بإيمان قوم متباغضين؟. (٥/ ٢٢٢) * عن عبد الله الحذاء قال: يقول يوسف عليه السلام اللهم، إني أتوجه إليك بصلاح آبائي: إبراهيم خليلك، وإسحاق ذبيحك، ويعقوب إسرائيلك؛ فأوحى الله تعالى إليه: يا يوسف، تتوجه بنعمة أنا أنعمتها عليهم؛ قال أحمد: فقلت لأبي سليمان: كنت لبعض الأولياء قبل اليوم: أشد حباً؛ فقال لي: إنما يتقرب إليه بحب أوليائه أولاً، ثم يأتي بعد: منزلة تشغل القلب. (١٠/ ٩) * قال أبو العباس بن عطاء: إذا كانت نفسك غير ناظرة لقلبك، فأدبها بمجالسة الحكماء؛ فمن أراد أن يستضيء بنور الحكمة، فليلاق بها أهل الفهم والعقل. * وقال: أدن قلبك من مجالسة الذاكرين، لعله ينتبه عن غفلته؛ وأقم شخصك في خدمة الصالحين: لعله يتعود ببركتها طاعة رب العالمين. (١٠/ ٣٠٣) محاسبة النفس * عن ثابت البناني قال: قال شداد بن أوس يوماً لرجل من أصحابه: هات السفرة نتعلل بها؛ قال: فقال رجل من أصحابه: ما سمعت منك مثل هذه الكلمة منذ صحبتك؛ فقال: ما أفلتت مني كلمة منذ فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا مزمومة مخطومة؛ وأيم الله، لا تنفلت غير هذه. (١/ ٢٦٥) * عن نافع: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة: أحيى بقية ليلته. وقال: بشر بن موسى: أحيى ليلته. (١/ ٣٠٣) * عن عطية بن قيس: أن أناساً من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله ـ وكان غازياً بأرض الروم ـ فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة، ووضع في الحفرة نطعاً، وأفرغ ماء، فهو يتصلق فيه وهو صائم؛ فقال له النفر: ما يحملك على الصيام، وأنت مسافر، وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو؟ فقال لو حضر قتال: أفطرت، وتقويت للقتال؛ إن الخيل: لا تجري الغايات وهي بدنى، إنما تجري وهي ضمرات بين أيدينا، أياماً لها نعمل. (٢/ ١٢٧) * عن الحسن - البصري - قال: إن المؤمن: قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله؛ وإنما خف الحساب يوم القيامة: على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا؛ وإنما شق الحساب يوم القيامة: على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة؛ إن المؤمن يفجأه: الشيء يعجبه، فيقول: والله، إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن: والله، ما من وصلة إليك هيهات: حيل بيني وبينك؛ ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ ما لي ولهذا؟ والله، مالي عذر بها، ووالله لا أعود لهذا أبداً، إن شاء الله؛ إن المؤمنين: قوم أوثقهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم؛ إن المؤمن: أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً: حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله. (٢/ ١٥٧) * قال مطرف بن عبد الله: إني لأستلقي من الليل على فراشي: فأتدبر القرآن، وأعرض عملي على عمل أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة: { كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } [الذريات: ١٧] يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً [الفرقان: ٦٤] أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً [الزمر: ٩] . فلا أراني فيهم؛ فأعرض نفسي على هذه الآية: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } [المدثر: ٤٢] فأرى القوم مكذبين، وأمر بهذه الآية: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً } [التوبة: ١٠٢] فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم. (٢/ ١٩٨) * أن مطرف بن عبد الله قال: لو كان لي نفسان: لقدمت أحدهما قبل الأخرى؛ فإن هجمت على خير: أتبعتها الأخرى، وإلا أمسكتها؛ ولكن: إنما لي نفس واحدة، ما أدري على ما تهجم: خير، أو شر. (٢/ ١٩٩) * قال بكر بن عبد الله المزني: إن عرض لك إبليس، بأن لك فضلاً على أحد من أهل الإسلام: فانظر، فإن كان أكبر منك، فقل: قد سبقني هذا بالايمان والعمل الصالح، فهو خير مني؛ وإن كان أصغر منك، فقل: قد سبقت هذا بالمعاصي والذنوب، واستوجبت العقوبة، فهو خير مني؛ فإنك لا ترى أحداً من أهل الإسلام، إلا أكبر منك، أو أصغر منك؛ قال: وإن رأيت إخوانك المسلمين: من يكرمونك، ويعظمونك، ويصلونك؛ فقل أنت: هذا فضل أخذوا به؛ وإن رأيت منهم جفاء وانقباضاً، فقل: هذا ذنب أحدثته. (٢/ ٢٢٦) * عن عبد الله بن الحارث: أن محمداً نام عن العشاء، حتى تفرطت؛ ثم قام فصلاها، ثم أحيا بقية ليله. (٢/ ٢٧٢) * عن أبي قلابة قال: إذا كان الإنسان أعلم بنفسه من الناس: فذاك قمن أن ينجو؛ وإذا كان الناس أعلم به من نفسه: فذاك قمن أن يهلك. (٢/ ٢٨٤) * قال محمد بن واسع: من مقت نفسه في ذات الله: أمنه من مقته. (٢/ ٣٥٠) * قال يونس بن عبيد: مالي تضيع لي الدجاجة، فأجد لها؛ وتفوتني الصلاة، فلا أجد لها؟. (٣/ ١٩) * قال يونس بن عبيد: ما أعرف رجلاً يضبط نفسه منذ أربعين سنة: ضبط ابن عون يوماً واحداً. فظن أنه يعني نفسه. (٣/ ٣٨) * عن عبد الله بن عون: أنه نادته أمه، فأجابها، فعلا صوته صوتها؛ فأعتق رقبتين. (٣/ ٣٩) * كان يزيد - بن أبان الرقاشي - يقول في قصصه: ويحك يا يزيد: من يترضى عنك ربك؟ ومن يصوم لك أو يصلي لك؟ ثم يقول: يا معشر إخواني: من القبر بيته؟ والموت موعده؟ ألا تبكون؛ فبكى، حتى سقطت أشفار عينيه. (٣/ ٥١) * مر حسان بن أبي سنان بغرفة، فقال: مذ كم بنيت هذه؟ قال: ثم رجع إلى نفسه، فقال: وما عليك مذ كم بنيت؟ تسألين عما لا يعنيك؛ فعاقبها بصوم سنة. (٣/ ١١٥) * عن أبي حازم - سلمة بن دينار - قال: أنظر الذي تحب أن يكون معك في الآخرة: فقدمه اليوم، وانظر الذي تكره أن يكون معك: ثم فاتركه اليوم. (٣/ ٢٣٨) * عن ميمون بن مهران قال: ما عرضت قولي على عملي، إلا وجدت من نفسي اعتراضاً. (٤/ ٨٦) * عن ميمون بن مهران قال: ما أقل أكياس الناس، لا يبصر الرجل أمره: حتى ينظر إلى الناس، والى ما أمروا به، والى ما قد أكبوا عليه من الدنيا؛ فيقول: ما هؤلاء، إلا أمثال الأباعر التي لا هم لها، إلا ما تجعل في أجوافها؛ حتى إذا أبصر غفلتهم: نظر إلى نفسه، فقال: والله، إني لأراني من شرهم بعيراً واحداً. (٤/ ٨٩) * عن سفيان بن عيينة قال: قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في النار: أعالج أغلالها وسعيرها، وآكل من زقومها، وأشرب من زمهريرها؛ فقلت: يا نفسي، أي شئ تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا، أعمل عملاً، أنجو به من هذا العذاب؛ ومثلت نفسي في الجنة، مع حورها، وألبس من سندسها، واستبرقها، وحريرها؛ فقلت: يا نفسي، أي شئ تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا، فأعمل عملاً أزداد من هذا الثواب؛ فقلت: أنت في الدنيا، وفي الأمنية. (٤/ ٢١١) * عن إبراهيم النخعي قال: بينما رجل عابد عند امرأة: إذ عمد، فضرب بيده إلى فخذها؛ قال: فأخذ بيده، فوضعها في النار، حتى نشت. (٤/ ٢٢٨) * عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: كان أخوان في بني إسرائيل؛ فقال أحدهم لصاحبه: ما أخوف عمل عملته عندك؟ فقال: ما عملت عملاً أخوف عندي، من أني مررت بين قراحي سنبل، فأخذت من أحدهما سنبلة، ثم ندمت؛ فأردت أن القيها في القراح الذي أخذتها منه، فلم أدر أي القراحين هو، فطرحتها في أحدهما؛ فأخاف أن أكون قد طرحتها في القراح الذي لم آخذها منه؛ فما أخوف عمل عملته أنت عندك؟ قال: إن أخوف عمل عملته عندي: إذا قمت في الصلاة، أخاف أن أكون أحمل على إحدى رجلي فوق ما أحمل على الأخرى ـ قال: وأبوهما يسمع كلامهما ـ فقال: اللهم، إن كانا صادقين: فاقبضهما إليك، قبل أن يفتتنا؛ فماتا، قال: فما ندري أي هؤلاء أفضل؟ قال: يزيد الأب أرى أفضل. (٤/ ٢٤٩) * عن عون بن عبد الله ابن عتبة، أنه كان يقول: يا ويح نفسي، كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم كيف تهنئني معيشتي، واليوم الثقيل ورائي؟ أم كيف يشتد عجبي بدار، في غيرها قراري وخلدي. (٤/ ٢٥٤ـ٢٥٥) * عن عون بن عبد الله، أنه كان يقول في بكائه، وذكر خطيئته: ويحي، بأي شئ لم أعصي ربي. ويحي، إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي، من خطيئة ذهبت شهوتها، وبقيت تبعتها عندي، في كتاب كتبه، كتاب لم يغيبوا عني؛ واسوأتاه، لم استحيهم، ولم أراقب ربي. ويحي، نسيت ما لم ينسوا مني. ويحي، غفلت ولم يغفلوا عني؛ لم استحيهم، ولم أراقب، واسوأتاه. ويحي، حفظوا ما ضيعت مني. ويحي، طاوعت نفسي وهي لا تطاوعني. ويحي، طاوعتها فيما يضرها ويضرني، ويحها، ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني، أريد إصلاحها، وتريد أن تفسدني؛ ويحها، إني لأنصفها، وما تنصفني؛ أدعوها لأرشدها، وتدعوني لتغويني؛ ويحها، إنها لعدو، لو أنزلتها تلك المنزلة مني؛ ويحها، تريد اليوم أن ترديني، وغدا تخاصمني؟ رب، لا تسلطها على ذلك مني. رب، إن نفسي لم ترحمني، فارحمني؛ رب، إني أعذرها، ولا عذرتني؛ إنه إن يك خيراً: أخذلها وتخذلني، وإن يك شرا: أحبها وتحبني؛ رب، فعافني منها، وعافها مني، حتى لا أظلمها، ولا تظلمني؛ وأصلحني لها، وأصلحها لي؛ فلا أهلكها، ولا تهلكني؛ ولا تكلني إليها، ولا تكلها إلي. ويحي، كيف أفر من الموت، وقد وكل بي؟ ويحي، كيف أنساه، ولا ينساني؟ ويحي، أنه يقص أثري، فإن فررت لقيني، وإن أقمت أدركني. ويحي، هل عسى أن يكون قد أظلني، فمساني، وصبحني؟ أو طرقني، فبغتني؛ ويحي، أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي، ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني، ولا تسهر لي، ولا يسهر ليلي؛ ويحي، كيف أنام على مثلها ليلي؟ ويحي، هل ينام على مثلها مثلي؟ ويحي، لقد خشيت أن لا يكون هذا الصدق مني، بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، كيف لا توهن قوتي، ولا تعطش هامتي؟ ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي؛ كيف لا أنشط فيما يطفئها عني؟ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي، ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني؟ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، كيف تنكا قرحتي ما تكسب يدي، ويح نفسي، بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة، ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى، فويلي ثم ويلي: إن لم يتم عفو ربي. ويحي، لقد كان لي فيما استوعبت من: لساني، وسمعي، وقلبي، وبصري اشتغال، فويل لي: إن لم يرحمني ربي. ويحي، إن حجبت يوم القيامة عن ربي، فلم يزكني، ولم ينظر إلي، ولم يكلمني؛ فأعوذ بنور وجه ربي من خطيئتي، وأعوذ به أن أعطى كتابي بشمالي، أو وراءه ظهري، فيسود به وجهي، وتزرق به مع العمى عيني؛ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، بأي شئ أستقبل ربي؟ بلساني، أم بيدي، أم بسمعي، أم بقلبي، أم ببصري، ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي؛ فويل لي إن لم يرحمني ربي؛ كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما لا يعنيني؟ ويحك يا نفسي، مالك لا تنسين ما لا ينسى، وقد أتيت ما لا يؤتى، وكل ذلك عند ربك يحصى في كتاب، لا يبيد ولا يبلى؛ ويحك، لا تخافين أن تجزى فيمن يجزى يوم تجزى كل نفس بما تسعى، وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى. يا نفس ويحك، ألا تستفيقين مما أنت فيه؟ إن سقمت تندمين، وإن صححت تأثمين؛ مالك إن افتقرت تحزنين، وإن استغنيت تفتنين؛ مالك إن نشطت تزهدين، فلم إن دعيت تكسلين؛ أراك ترغبين قبل أن تنصبي، فلم لا تنصبين فيما ترغبين؟ يا نفس ويحك، لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين، وتعملين فيها عمل الراغبين. ويحك، لم تكرهين الموت؟ لم لا تذعنين وتحبين الحياة؟ لم لا تصنعين. يا نفس ويحك، أترجين أن ترضي ولا تراضين، وتجانبين وتعصين؛ مالك إن سألت تكثرين؟ فلم إن أنفقت تقترين؟ أتريدين الحياة، ولم تحذرين بتغير الزيادة؟ ولم تشكرين؟ تعظمين في الرهبة حين تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين؛ تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل؛ لا تكوني كمن يقال: هو في القول مدل، ويستصعب عليه الفعل؛ بعض بني آدم: إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن افتقر حزن، وإن استغنى فتن، وإن نشط زهد، وإن رغب كسل؛ يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب؛ يقول قول الزاهد، ولا يعمل عمل الراغب؛ يكره الموت لما لا يدع، ويحب الحياة لما لا يصنع؛ إن سأل أكثر، وإن أنفق قتر؛ يرجو الحياة ولم يحذر، ويبغي الزيادة ولم يشكر؛ يبلغ في الرغبة حين يسأل، ويقصر في الرغبة حين يعمل؛ يرجو الأجر بغير عمل؛ ويح لنا ما أغرنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا؛ ويح لنا، لأي شئ خلقنا، للجنة، أم للنار؟ ويح لنا، أي خطر خطرنا؛ ويح لنا، من أعمال قد أخطرتنا؛ ويح لنا، مما يراد بنا؛ ويح لنا، كأنما يعني غيرنا؛ ويح لنا، إن ختم على أفواهنا، وتكلمت أيدينا، وشهدت أرجلنا؛ ويح لنا، حين تفتش سرائرنا؛ ويح لنا، حين تشهد أجسادنا؛ ويح لنا، مما قصرنا، لا براءة لنا، ولا عذر عندنا؛ ويح لنا، ما أطول أملنا؛ ويح لنا، حيث نمضي إلى خالقنا؛ ويح لنا، ولنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ربنا؛ فارحمنا يا ربنا، رب ما أحكمك، وأمجدك، وأجودك، وأرأفك، وأرحمك، وأعلاك، وأقربك، وأقدرك، وأقهرك، وأوسعك، وأقضاك، وأبينك، وأنورك، وألطفك، وأخبرك، وأعلمك، وأشكرك، وأحلمك، وأحكمك، وأعطفك، وأكرمك؛ رب، ما أرفع حجتك، وأكثر مدحتك؛ رب، ما أبين كتابك، وأشد عقابك؛ رب، ما أكرم مآءبك، وأحسن ثوابك؛ رب، ما أجزل عطاؤك، واجل ثناؤك؛ رب، ما أحسن بلاءك، وأسبغ نعماءك؛ رب، ما أعلى مكانك، وأعظم سلطانك؛ رب، ما أمتن كيدك، وأغلب مكرك؛ رب، ما أعز ملكك، وأتم أمرك، رب؛ ما أعظم عرشك، وأشد بطشك؛ رب، ما أوسع كرسيك، وأهدى مهديك؛ رب، ما أوسع رحمتك، وأعرض جنتك؛ رب، ما أعز نصرك، وأقرب فتحك؛ رب، ما أعمر بلادك، وأكثر عبادك؛ رب، ما أوسع رزقك، وأزيد شكرك؛ رب، ما أسرع فرجك، وأحكم صنعك؛ رب، ما ألطف خيرك، وأقوى أمرك؛ رب، ما أنور عفوك، وأجل ذكرك؛ رب، ما أعدل حكمك، وأصدق قولك؛ رب، ما أوفى عهدك، وأنجز وعدك؛ رب، ما أحضر نفعك، وأتقن صنعك. ويحي، كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم: كيف تهنئني معيشتي، واليوم الثقيل ورآئي؟ أم: كيف لا يطول، حزني ولا أدري ما يفعل بي؟ أم: كيف تهنئني الحياة، ولا أدري ما أجلي؟ أم: كيف تعظم فيها رغبتي، والقليل فيها يكفيني؟ أم: كيف آمن، ولا يدوم فيها حالي؟ أم: كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟ أم: كيف أجمع لها، وفي غيرها قراري؛ أم: كيف يشتد عليها حرصي، ولا ينفعني ما تركت فيها بعدي؟ أم: كيف أوثرها، وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟ أم: كيف لا أبادر بعملي، قبل أن يغلق باب توبتي؟ أم: كيف يشتد إعجابي بما يزايلني، وينقطع عني؛ أم: كيف أغفل عن أمر حسابي، وقد أظلني واقترب مني؛ أم: كيف أجعل شغلي فيما قد تكفل به لي؟ أم: كيف أعاود ذنوبي، وأنا معروض على عملي؟ أم: كيف لا أعمل بطاعة ربي، وفيها النجاة مما أحذر على نفسي؟ أم: كيف لا يكثر بكائي، ولا أدري ما يراد بي؟ أم: كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني؟ أم: كيف أعرض نفسي لما لا يقوى له هوائي؟ أم: كيف لا يشتد هولي، مما يشتد منه جزعي؟ أم: كيف تطيب نفسي، مع ذكر ما هو أمامي؛ أم: كيف يطول أملي، والموت في أثري؟ أم: كيف لا أراقب ربي، وقد أحسن طلبي. ويحي، فهل ضرت غفلتي أحد سواي؟ أم: هل يعمل لي غيري إن ضيعت حظي؟ أم: هل يكون عملي، إلا لنفسي، فلم أدخر عن نفسي ما يكون نفعه لي؟ ويحي، كأنه قد تصرم أجلي، ثم أعاد ربي خلقي كما بدأني، ثم أوقفني، وسألني، وسأل عني وهو أعلم بي؛ ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني عن أحبابي وأهلي، وشغلت بنفسي عن غيري؛ وبدلت السماوات والأرض، وكانتا تطيعان وكنت أعصي؛ وسيرت الجبال، وليس لها مثل خطيئتي؛ وجمع الشمس والقمر، وليس عليهما مثل حسابي؛ وانكدرت النجوم، وليست تطلب بما عندي؛ وحشرت الوحوش، ولم تعمل بمثل عملي؛ وشاب الوليد، وهو أقل ذنباً مني. ويحي، ما أشد حالي، وأعظم خطري، فاغفر لي، واجعل طاعتك همي، وقو عليها جسدي، وسخ نفسي عن الدنيا، واشغلني فيما ينفعني؛ وبارك لي في قواها، حتى ينقض مني حالي؛ وامنن علي، وارحمني حين تعيد بعد اللقاء خلقي؛ ومن سوء الحساب، فعافني يوم تبعثني فتحاسبني، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي؛ وآمني يوم الفزع الأكبر، يوم لا تهمني إلا نفسي؛ وارزقني نفع عملي، يوم لا ينفعني عمل غيري؛ إلهي، أنت الذي خلقتني، وفي الرحم صورتني، ومن أصلاب المشركين نقلتني، قرنا فقرنا، حتى أخرجتني في الأمة المرحومة؛ إلهي، فارحمني؛ إلهي، فكما مننت علي بالإسلام، فامنن علي بطاعتك، وبترك معاصيك، أبدا ما أبقيتني؛ ولا تفضحني بسرائري، ولا تخذلني بكثرة فضائحي؛ سبحانك خالقي، أنا الذي لم أزل لك عاصياً، فمن أجل خطيئتي لا تقر عيني؛ وهلكت، إن لم تعف عني؛ سبحانك خالقي، بأي وجه ألقاك؟ وبأي قدم أقف بين يديك؟ وبأي لسان أناطقك؟ وبأي عين أنظر إليك، وأنت قد علمت سرائر أمري؟ وكيف أعتذر إليك، إذا ختمت على لساني، ونطقت جوارحي بكل الذي قد كان مني؟ سبحانك خالقي، فأنا تائب إليك متبصبص، فاقبل توبتي، واستجب دعائي، وارحم شبابي، وأقلني عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني؛ سبحانك خالقي، أنت غياث المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين؛ فإليك مستغاثي ومنقطعي، فارحم شبابي، واقبل توبتي، واستجب دعوتي، ولا تخذلني بالمعاصي التي كانت مني؛ إلهي، علمتني كتابك الذي أنزلته على رسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم وقعت علي معاصيك وأنت تراني؛ فمن أشقى مني إذا عصيتك، وأنت تراني، وفي كتابك المنزل قد نهيتني؟ إلهي، أنا إذا ذكرت ذنوبي ومعاصي: لم تقر عيني للذي كان مني؛ فأنا تائب إليك، فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقوداً بعد توحيدي وإيماني بك؛ فاغفر لي، ولوالدي، ولجميع المسلمين؛ برحمتك آمين يا رب العالمين. (٤/ ٢٥٥ـ٢٦٠) * عن بكير بن عتيق قال: سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح، فشربها؛ ثم قال: والله لأسألن عن هذا؛ قال: فقلت له: لمه؟ فقال: شربته وأنا أستلذه. (٤/ ٢٨١) * عن ابن أبي غنية: حدثني هذا الشيخ عن جدته، قالت: دخلت خادمنا منزل طلحة بن مصرف، نقتبس ناراً، وطلحة يصلي؛ فقالت لها امرأته: مكانك يا فلانة، حتى نشوى لأبي محمد هذا القديد على قصبتك، يفطر عليها؛ قال: فلما قضى الصلاة؛ قال: ما صنعت لا أذوقها، حتى ترسلي إلى سيدتها تستأذنيها؛ حبسك إياها، وشواءك على قصبتها. (٥/ ١٤ـ١٥) * عن الفضيل بن عياض قال: بلغني عن طلحة بن مصرف: أنه ضحك يوماً، فوثب على نفسه؛ فقال: فيم الضحك، إنما يضحك من قطع الأهوال، وجاز السراط؛ ثم قال: آليت، أن لا أفتر ضاحكاً، حتى أعلم بما تقع الواقعة؛ فما رؤى ضاحكاً حتى صار إلى الله عز وجل (٥/ ١٥) * عن أبي داود الجفري قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته، فإذا هو يبكي؛ فقلت له: ما يبكيك؟ قال: إن بابي مغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة؛ وما هو، إلا من ذنب أحدثته. (٥/ ٧٩) * كان ابن أبجر من شدة التوقي: كأنما يتكلم بالمعاريض؛ وكان ابن أبجر إذا رأى شيئاً يكرهه، قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ فلا يزال يرددها، حتى يعلم أنه قد كره شيئاً؛ وكان ابن أبجر من شدة التوقي، يقول: من لا يعرفه كأنه غبي؛ وكان ابن أبجر: يعالج من نفسه شدة شديدة، ولكن لا يتكلم بشيء. (٥/ ٨٤) * عن الوليد بن شجاع، حدثني أبي، قال: كنت لا أكاد ألقى عبد الملك بن أبجر، إلا قال: نقصت الأعمار بعدك، واقتربت الآجال؛ ما فعل جيرانك؟ ـ يعني: أهل القبور ـ؛ ثم يقول: أمر يريد الله إدباره، متى يقبل. (٥/ ٨٤) * عن أبي سنان عن عمرو - بن قيس الملائي - قال: إذا شغلت بنفسك: ذهلت عن الناس، وإذا شغلت بالناس: ذهلت عن ذات نفسك. (٥/ ١٠٢) * عن سفيان قال: قال ابن ذر - أبو ذر عمر بن ذر: لولا أني أخاف أن لا يكون براً من القسم، لأقسمت: أن لا أخرج بشيء من الدنيا، حتى أعلم مالي في وجوه رسل الله إليَّ. (٥/ ١١٢) * عن خالد بن معدان قال: لا يفقه الرجل كل الفقه، حتى يرى الناس في جنب الله: أمثال الأباعر؛ ثم يرجع إلى نفسه، فيكون أحقر حاقر. (٥/ ٢١٠) * عن سفيان الثوري قال: ضرب عمر بن عبد العزيز بيده على بطنه، ثم قال: بطني: بطيء عن عبادة ربه، متلوث بالذنوب والخطايا، يتمنى على الله منازل الأبرار، بخلاف أعمالهم. (٥/ ٢٨٧) * قال كهمس - بن الحسن الدعاء: يا أبا سلمة، أذنبت ذنباً، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة؛ قلت: وما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ لي، فاشتريت له سمكاً بدانق؛ فلما أكل قمت إلى حائط جار لي، فأخذت منه قطعة طين، فمسح بها يده؛ فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة. (٦/ ٢١١) * عن أبي عبد الرحمن الحنفي قال: سقط من كهمس دينار في الطريق، فرجع في طلبه؛ قال: فوجده، فلما صار في يده؛ قال: أحمد، ما أدري، أهو ديناري، أو غيره؟. (٦/ ٢١١) * قال عبد الله بن المبارك: كنا مع كهمس، فدنا من الماء ليشرب؛ فذاقه، فوجده بارداً، فأمسك؛ فقال: هاك أبا عبد الرحمن، تحاسب بفضلها. (٦/ ٢١٣) * عن أبي حسن ابن اليسع قال: لقي عبد الواحد بن زيد عتبة الغلام في رحبة القصابين، في يوم شات، شديد البرد؛ فإذا هو يرفس عرقاً، فقال له عبد الواحد: عتبة؟ قال: نعم؛ قال: فما شأنك، مالك تعرق في مثل هذا اليوم؟ قال: خير؛ قال: لتخبرني؛ قال: خير؛ قال: فقال: للأنس الذى بينى وبينك، والإخاء، إلا ما أخبرتنى؛ قال: إني والله ذكرت ذنباً أصبته في هذا المكان، فهذا الذي رأيت من أجل ذلك. (٦/ ٢٢٨) * عن مبارك بن سعيد قال: جاء رجل إلى سفيان الثوري ببدرة، أو ببدرتين؛ وكان أبو ذاك صديقاً لسفيان؛ قال الرجل: وكان سفيان يأتيه كثيراً؛ قال: فقال له: يا أبا عبد الله، في نفسك من أبي شيء؟ فقال: يرحم الله أباك، كان وكان، فأثنى عليه؛ قال: فقال: يا أبا عبد الله، قد عرفت كيف صار إلى هذا المال، فأنا أحب أن تأخذ، هذه تستعين بها على عيالك؛ قال: فقبل سفيان ذلك، وقام الرجل، فلما كاد أن يخرج؛ قال لي: يا مبارك، الحقه، فرده علي؛ فقال: يا ابن أخي، أحب أن تأخذ هذا المال؛ قال له: يا أبا عبد الله، في نفسك منه شيء؟ قال: لا، ولكن أحب أن تأخذه؛ فما زال به حتى أخذه، فذهب به؛ قال: فلما خرج، لم أملك نفسي أن جئت إليه؛ فقلت: ويلك، أي شيء قلبك هذا حجارة، عد أن ليس لك عيال، أما ترحمني؟ أما ترحم إخوتك؟ أما ترحم عيالنا وعيالك؟ قال: فأكثرت عليه؛ فقال: الله يا مبارك، تأكلها هنيئاً مريئاً، وأسأل أنا عنها. (٧/ ٣ـ٤) * عن عبد الله: أن رجلاً كان يتبع سفيان الثوري، فيجده أبداً يخرج من لبنة، رقعة ينظر فيها؛ فأحب أن يعلم ما فيها، فوقع في يده الرقعة، فإذا فيها مكتوب: سفيان، اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل (٧/ ٥) * عن وكيع عن سفيان الثوري قال: ما عالجت شيئاً قط: أشد على من نفسي، مرة علي، ومرة لي. (٧/ ٥) * عن سفيان الثوري قال: كان أقوام يدعون إلى الحلال، فلا يقبلونه؛ ويقولون: نخاف منه على أنفسنا. (٧/ ١٠) * عن أبي نعيم: أن الحسن بن صالح انتهى إلى أصل حائط، فأخذ مدرة، فتمسح بها؛ فدق عليهم الباب، فقال: إني أخذت من حائطكم مدرة، فتمسحت بها، فاجعلوني في حل. (٧/ ٣٢٩) * عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول هذا، ويتمثل به إذا خلا في جوف الليل، بصوت حزين، موجع للقلوب: ومتى أنت صغيراً وكبيراً أخو علل، فمتى ينقضي الردى؟ ومتى ويحك العمل؟ ثم يقول: يا نفس، إياك والغرة بالله، فقد قال الصادق: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ٌ [لقمان: ٣٣] . (٨/ ١١) * عن حامد اللفاف قال: سمعت حاتماً الأصم يقول: تعاهد نفسك في ثلاث مواضع: إذا عملت، فاذكر نظر الله تعالى عليك؛ وإذا تكلمت، فانظر سمع الله منك؛ وإذا سكت، فانظر علم الله فيك. (٨/ ٧٥) * عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال رجل لعبد العزيز بن أبي رواد: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله في غفلة عظيمة عن الموت، مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي؛ راحل، يسرع كل يوم في عمري؛ ومؤمل، لست أدري على ما أهجم؛ ثم بكى. (٨/ ١٩٤) * عن أحمد بن عبد العزيز بن محمد الدمشقي عن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: كل نفس مسئولة: فمرتهنة، أو مخلصة؛ وفكاك الرهون بعد قضاء الديون؛ فإذا أغلقت الرهون: أكدت الديون، وإذا أكدت الديون: استوجبوا السجون. (٩/ ٢٨٠) * قال الحارث بن أسد المحاسبي: المحاسبة والموازنة في أربع مواطن: فيما بين الإيمان والكفر، وفيما بين الصدق والكذب، وبين التوحيد والشرك. (١٠ـ١٠٩) * قال سهل بن عبد الله: لا تفتش عن مساوي الناس، ورداءة أخلاقهم؛ ولكن فتش وابحث في أخلاق الإسلام ما حالك فيه؛ حتى تسلم، ويعظم قدره في نفسك وعندك. (١٠/ ١٩٣) * وقال: فأي منزلة: إذا قام العبد بها، أقام مقام العبودية؟ قال: إذا ترك التدبير؛ قيل: فأي منزلة إذا قام بها، أقام الصدق؟ قال: إذا توكل عليه فيما أمره به، ونهاه عنه. (١٠/ ١٩٦) * وقال: المؤمن: من راقب ربه، وحاسب نفسه، وتزود لمعاده. (١٠/ ١٩٧) * كان أبو حفص - عمرو بن سلمة النيسابوري - يقول: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره: فلا تعده في ديوان الرجال؛ وكان يقول: من نعت الفقير الصادق: أن يكون في كل وقت بحكمه، فإذا ورد عليه وارد يشغله عن حكم وقته: يستوحش منه، وينفيه. (١٠/ ٢٣٠) * عن أبي القاسم الجنيد قال: ينبغي للعاقل ألا يفقد من إحدى ثلاثة مواطن: موطن يعرف فيه حاله: أمزاد، أم منتقص؛ وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه، وإلزامها ما يلزمها، ويتقصى فيه على معرفتها؛ وموطن يستحضر عقله، برؤيته مجاري التدبير عليه، وكيف تقلب فيه الأحكام، في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولن يصفو عقل لا يصدر إلى فهم هذا الحال الأخير، إلا بأحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأولين. فأما الموطن الذي ينبغي له أن يعرف فيه حاله: أمزاد هو، أم منتقص: فعليه أن يطلب مواضع الخلوة، لكي لا يعارضه مشغل، فيفسد ما يريد إصلاحه؛ ثم يتوجه إلى موافقة ما ألزم من تأدية الفرض، الذي لا يزكو حال قربه، إلا بإتمام الواجب من الفرائض؛ ثم ينتصب انتصاب عبد بين يدي سيده، يريد أن يؤدي إليه ما أمر بتأديته؛ فحينئذ: تكشف له خفايا النفوس الموارية، فيعلم: أهو ممن أدى ما وجب عليه، أم لم يؤد؟ ثم لا يبرح من مقامه ذلك، حتى يوقع له العلم ببرهان ما استكشفه بالعلم؛ فإن رأى خللا: أقام على إصلاحه، ولم يجاوزه إلى عمل سواه؛ وهذه أحوال: أهل الصدق في هذا المحل، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن الله لقوي عزيز. وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه، ويتقصى فيه حال معرفتها: فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك، وأراد المناصحة في المعاملة؛ فإن النفوس: ربما خبت فيها منها أشياء لا يقف على حد ذلك، إلا من تصفح ما هنالك، في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف؛ فإن النفس إذا ألفت فعل الخير: صار خلقا من أخلاقها، وسكنت إلى أنها موضع لما أهلت له؛ وترى: أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل، ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له، السبيل على مجاري الدم فيها، فيرى هو بكيده خفي غفلتها، فيختلس منها بمساءلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال؛ فإن تألم لوكزته منه، وعرف طعنته: أسرع بالأمانة إلى من لا تقع الكفاية منه، إلا به، فاستقصى من نفسه علم الحال التي منا وصل عدوه إليه، فحرسها بلياذة اللجأ، وإلقاء الكنف، وشدة الافتقار، وطلب الاعتصام؛ كما قال النبي بن النبي بن النبي الكريم بن الكريم بن الكريم ـ كذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام» : { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [يوسف: ٣٣] . وعلم يوسف عليه السلام أن كيد الأعداء مع قوة الهوى، لا ينصرف بقوة النفس فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: ٣٤] . وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله، لرؤية مجارى الأحكام، وكيف يقلبه التدبير: فهو أفضل الأماكن، وأعلى المواطن؛ فإن الله أمر جميع خلقه: أن يواصلوا عبادته، ولا يسأموا خدمته؛ فقال: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذريات:٥٦] . فألزمهم دوام عبادته، وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية، وفي الأخرى جزيل الثواب؛ فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج:٧٧] وهذه كلها تلزم كل الخلق، ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام، وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة؛ ألا يعلم، أنه قال: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } [الرحمن: ٢٩] . يعني: شأن الخلق؛ وأنت أيها الواقف: أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم؟ أو ترى شأنك مرضياً عنده؟ ولن يقدر أحد على استحضار عقله، إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه، وخروجها من قلبه؛ فإذا انقضت الدنيا، وبادت أهلها، وانصرفت عن القلب: خلا بمسامرة رؤية التصرف، واختلاف الأحكام، وتفصيل الأقسام؛ ولن يرجع قلب من هذا وصفه، إلى شيء من الانتفاع بما في هذه: التي عنها خرج، ولها ترك، ومنها هرب؛ ألا ترى إلى حارثة، حين يقول: عزفت نفسي عن الدنيا؟ ثم يقول: وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني بأهل الجنة يتزاورون، وكأني، وكأني؛ وهذه بعض أحوال القوم. (١٠/ ٢٧١ـ٢٧٢) * عن محفوظ بن محمود قال: من أبصر محاسن نفسه: ابتلي بمساوي الناس، ومن أبصر عيوب نفسه: سلم من رؤية مساوي الناس، ومن ظن بمسلم فتنة: فهو المفتون. (١٠/ ٣٥١) * وقال: لا تزن الخلق بميزانك، وزن نفسك بميزان المؤمنين؛ لتعلم فضلهم، وإفلاسك. (١٠/ ٣٥١) * عن مليح بن وكيع قال: لما نزل بأبي الموت، أخرج إلي يده فقال:…يا بني، تري يدي، ما ضربت بها شيئاً قط. (٨/ ٣٧١) * عن سعيد بن أبي هلال: أن كعباً مر بعمر وهو يضرب رجلاً بالدرة، فقال كعب: على رسلك يا عمر، فو الذي نفسي بيده، إنه لمكتوب في التوراة: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه. (٥/ ٣٨٩) * مر يزيد بإبراهيم بن أدهم وهو ينظر كرما، فقال: ناولنا من هذا العنب، فقال: ما أذن لي صاحبه، قال: فيقلب السوط وأمسك بموضع الشيب، فجعل يقنع رأسه، فطأطأ إبراهيم رأسه، وقال: اضرب رأساً طال ما عصى الله، قال: فأعجز الرجل عنه. (٧/ ٣٧٩) * يقول عامر بن عبد قيس: رأيت نفراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصحبتهم، فحدثونا: أن أصفى الناس إيماناً يوم القيامة: أشدهم محاسبة لنفسه في الدنيا، وأن أشد الناس فرحاً في الدنيا: أشدهم حزنا يوم القيامة؛ وإن أكثر الناس ضحكاً في الدنيا: أكثرهم بكاء يوم القيامة؛ وحدثونا أن الله تعالى فرض فرائض، وسن سنناً، وحد حدوداً، فمن عمل بفرائض الله وسننه واجتنب حدوده، دخل الجنة بغير نجاسة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم تاب، استقبل الشدائد والزلازل والأهوال، ثم يدخل الجنة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم مات مصراً على ذلك، لقي الله مسلماً، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. (٢/ ٩٣) * عن أبي شوذب قال: اجتمع يونس بن عبيد وعون، فتذاكرا الحلال والحرام، فكلاهما قال: ما أعلم في مالي درهماً حلالاً. (٣/ ١٢٨) * قال أبو حازم - سلمة بن دينار: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت؛ واعلم، أنك إذا مت: لم ترفع الأسواق بموتك، إن شأنك صغير، فاعرف نفسك. (٣/ ٢٣٢) المجلس * عن الشعبي قال: ما جلس الربيع في مجلس منذ تأزر؛ وقال: أخاف أن يظلم رجلاً: فلا أنصره؛ أو يعتدي رجل على رجل: فأكلف عليه الشهادة، ولا أغض البصر، ولا أهدي السبيل؛ أو يقع الحامل: فلا أحمل عليه. (٢/ ١١٦) * عن الحسن: أن هرم بن حيان كان على بعض تلك المغازي، فاستأذنه رجل ـ وهو يرى أنه يستأذنه لبعض الحوائج ـ فلحق بأهله، فلبث ما لبث؛ ثم جاء، فقال له: أين كنت؟ قال: استأذنتك يوم كذا، فأذنت لي. قال: فأردت ذلك لذلك؟ قال: نعم. قال أبو الأشهب: فبلغني أنه قال لذلك الرجل قولاً شديداً، ولم يكلمه أحد من جلسائه، بحيث رأوا غضبه، وهو يقول لأخيه ما يقول؛ فقال لهم: جزاكم الله من جلساء شراً، تروني أقول لأخي ما أقول، ولم ينهني أحد منكم عن ذلك! اللهم، خلف رجال السوء لزمان السوء. (٢/ ١٢١) * عن يزيد عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، وكان لا يجالس أحداً قط، ولا يتكلم في شيء من أمر الدنيا: إلا تحول عنه؛ فدخل ذات يوم المسجد، فنظر إلى نفر قد اجتمعوا، فرجا أن يكونوا على ذكر خير؛ فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول: قدم غلامي، فأصاب كذا وكذا، وقال آخر: جهزت غلامي؛ فنظر إليهم، فقال: سبحان الله، أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كرجل أصابه مطر غزير وابل، فالتفت، فإذا هو بمصرعين عظيمين؛ فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر، فدخل، فإذا البيت لا سقف له. جلست إليكم، وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير، فإذا أنتم أصحاب الدنيا. وقال له قائل حين كبر ورق: لو قصرت عن بعض ما تصنع؟ فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الخيلة، ألستم تقولون لفارسها: دعها، وارفق بها؛ حتى إذا رأيتم الغاية، فلا تستبقوا منها شيئاً؟ قالوا: بلى. قال: فإني أبصرت الغاية، وإن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، فسابق ومسبوق. (٢/ ١٢٣) * عن معاوية بن قرة قال: مكتوب في الحكمة: لا تجالس بحلمك السفهاء، ولا تجالس بسفهك العلماء. (٢/ ٣٠١) * عن معاوية بن قرة عن أبيه، قال: يا بني، إذا كنت في مجلس ترجو خيره، فعجلت بك حاجة. فقلت: السلام عليكم؛ فأنت شريكهم فيما يصيبون من ذلك المجلس. (٢/ ٣٠١) * عن معلى الوراق قال: كنا يوماً جلوساً عند مالك بن دينار، فتكلم مالك؛ فجاء أبو عبيدة بحبل من ليف في طرفه عروتان، فألقى عروه في عنق مالك، وعروة في عنق نفسه. فقال مالك: عد أني وأنت بين يدي الله عز وجل، فماذا تقول؟ قال: فبكى، وأبكى القوم. (٢/ ٣٨١) * عن عطاء بن أبي رباح قال: من جلس مجلس ذكر: كفر الله عنه بذلك المجلس: عشرة مجالس من مجالس الباطل؛ وإن كان في سبيل الله: كفر الله بذلك المجلس: سبعمائة مجلس من مجالس الباطل. قال أبو هزان: قلت لعطاء: ما مجلس الذكر؟ قال: مجلس الحلال، والحرام، وكيف تصلي، وكيف تصوم، وكيف تنكح، وكيف تطلق، وتبيع، وتشتري. (٣/ ٣١٣) * عن عمرو بن دينار قال: الأواب: الحفيظ، الذي لا يقوم من مجلس له، إلا استغفر الله عز وجل؛ يقول: اللهم، اغفر لنا ما أصبنا في مجلسنا، سبحان الله وبحمده. (٣/ ٣٤٩) * عن الزهري قال: إذا طال المجلس: كان للشيطان فيه نصيب. (٣/ ٣٦٦) * عن شبيل بن عوف قال: ما جلست في مجلس قط: إلا انتظار جنازة، أو لحاجة. (٤/ ١٦٠) * عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا: أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو من أحسن ما عنده من حديثه. (٤/ ٢٢٩) * عن عون بن عبد الله قال: كنا نأتي أم الدرداء، فنذكر الله عندها. قال: فاتكأت ذات يوم، فقيل لها: لعلنا أن نكون قد أمللناك يا أم الدردآء؟ فجلست، فقالت: أزعمتم أنكم قد أمللتموني؟ قد طلبت العبادة بكل شئ، فما وجدت شيئاً أشفى لصدري، ولا أحرى أن أدرك ما أريد: من مجالسة أهل الذكر. (٤/ ٢٤١) * عن معن قال: كان عون بن عبد الله أحياناً يلبس الخز، وأحياناً يلبس الصوف، والبت ـ البت: كساء غليظ مربع ـ ونحوه؛ قال: فقيل له في ذلك. فقال: ألبس الخز: لئلا يستحي ذو الهيئة أن يجلس إلي؛ وألبس الصوف: لئلا يهابني ضعفاء الناس أن يجلسوا إلي. (٤/ ٢٤٦) * عن الشعبي قال: من اجتنب مجلس حيه: كثر علمه، وزكى عمله. (٤/ ٣١٨) * قال أبو عبد الملك: كنا جلوساً عند حبيب بن أبي ثابت، ومعنا الربيع بن أبي راشد، والربيع محتب؛ فجاء رجل، فتكلم بكلام من كلام الناس؛ فحل الربيع حبوته، وانتعل، ثم قام فخرج. فقال حبيب للرجل: ما صنعت؟ أفسدت علينا مجلسنا. (٥/ ٧٧) * عن أبي جميلة قال: كان ابن أبي زكريا لا يذكر في مجلسه أحد؛ يقول: إن ذكرتم الله: أعناكم، وإن ذكرتم الناس: تركناكم. (٥/ ١٤٩) * عن ميمون بن مهران قال: قلت لعمر ليلة: يا أمير المؤمنين، ما بقاؤك على ما أرى؛ أما في أول الليل: فأنت في حاجات الناس؛ وأما وسط الليل: فأنت مع جلسائك؛ وأما آخر الليل: فالله أعلم ما تصير إليه. قال: فضرب على كتفي، وقال: ويحك يا ميمون، إني وجدت لقيا الرجال تلقيحا لألبابهم. (٥/ ٣٤٠) * عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه، قال: جلسنا إلى كعب الأحبار في المسجد وهو يحدث، فجاء عمر، فجلس في ناحية القوم، فناداه؛ فقال: ويحك يا كعب، خوفنا. قال: والذي نفسي بيده، إن النار لتقرب يوم القيامة، لها زفير وشهيق، حتى إذا أدنيت وقربت: زفرت زفرة؛ فما خلق الله من نبي، ولا صديق، ولا شهيد: إلا جثا لركبتيه ساقطاً، حتى يقول كل نبي، وصديق، وشهيد: اللهم، لا أكلفك اليوم إلا نفسي؛ ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبياً: لظننت أن لا تنجو. قال عمر: والله، إن الأمر لشديد. (٥/ ٢٧١) * عن حسان بن عطية قال: ما جلس قوم مجلس لغو، فختموا بالاستغفار: إلا كتب مجلسهم ذلك استغفارا كله. (٦/ ٧٣) * قال عبد الواحد بن زيد: جالسوا أهل الدين، فإن لم تجدوهم: فجالسوا أهل المروءات، فإنهم لا يرفثون في مجالسهم. (٦/ ١٦٠) * عن محمد بن علي في حديث الثوري: وما رأيت الثوري في صدر مجلس قط، إنما كان يقعد إلى جنب الحائط، ويجمع بين ركبتيه. (٦/ ٣٧٨) * جلس سفيان الثوري ومالك بن مغول، فتذاكرا، حتى رقا؛ فقال سفيان: وددت أني لا أقوم من مجلسي، حتى أموت؛ فقال مالك: لكني لا أحب ذلك، معاينة الرسل، معاينة الرسل؛ ثم قام يبكي، يخط الأرض برجليه. (٧/ ١٨) * عن مبارك أبو حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقول لعلي ابن الحسن السليمي: إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك: مجالسة أهل الدنيا، وأهل الحرص، وإخوان الشياطين: الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله؛ وإياك وما يفسد عليك دينك، فإنما يفسد عليك دينك: مجالسة ذوي الألسن، المكثرين للكلام. وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك: أهل الحرص، وأهل الشهوات. وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي؛ ولا تصحب الفاجر، ولا تجالسه، ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله، ولا تؤاكل من يؤاكله، ولا تحب من يحبه، ولا تفش إليه سرك، ولا تبسم في وجهه، ولا توسع له في مجلسك؛ فإن فعلت شيئاً من ذلك: فقد قطعت عرى الإسلام. وإياك وأبواب السلطان، وأبواب من يأتي أبوابهم، وأبواب من يهوى هواهم؛ فإن فتنهم مثل فتن الدجال، فإن جاءك منهم أحد: فانظر إليه بوجه مكفهر، ولا تبال منهم شيئاً، فيرون أنهم على الحق، فتكون من أعوانهم؛ فإنهم لا يخالطون أحداً: إلا دنسوه؛ وكن مثل الأترجة: طيبة الريح، طيبة الطعم؛ لا تنازع أهل الدنيا في دنياهم: تكن محبباً إلى الناس. وإياك والمعصية، فتستحق سخط الله؛ واعلم: أنه لم يكن أحد أكرم على الله من آدم عليه السلام جبل الله تربته بيده، ونفخ فيه من روحه، وأكرمه بسجود ملائكته، وأسكنه جنته؛ فأخرجه منها بذنب واحد. واعلم يا أخي: أن الله تعالى لا يدخل أحداً الجنة بالمعاصي، وأن داود عليه السلام خليفة الله في الأرض: نزل ما نزل به بخطيئة واحدة، ولو أنا عملنا مثلها، لقلنا: ليست بخطيئة؛ فاتق الله يا أخي، واجتنب المعاصي وأهلها؛ فإن أهل المعاصي: استوجبوا من الله النقمة. وكن مبذولاً بمالك ونفسك لإخوانك، ولا تغشهم في السرور والعلانية، وابغض الجهال ومجالستهم، والفجار وصحبتهم؛ فإنه لا ينجو من جاورهم، إلا من عصم الله؛ وإذا كنت مع الناس: فعليك بكثرة التبسم والبشاشة؛ وإذا خلوت بنفسك: فعليك بكثرة البكاء، والهم، والحزن؛ فقد بلغنا والله أعلم: أن أكثر ما يجد المؤمن يوم القيامة في كتابه من الحسنات: الهم، والحزن. وإياك وخشوع النفاق، وأن تظهر على وجهك خشوعاً ليس في قلبك. (٧/ ٤٧ـ٤٨) * عن بكر بن محمد العابد قال: قلت لسفيان الثوري: دلني على رجل أجلس إليه؛ قال: تلك ضالة لا توجد. (٧/ ٥٢) * عن سفيان بن عيينة قال: الأواب: الحفيظ، الذي لا يقوم من مجلسه، حتى يستغفر الله عز وجل ويتوب. (٧/ ٢٧٩) * عن مساور الوراق يقول: إنما تطيب المجالس: بخفة الجلساء. (٧/ ٢٨٩) * عن ابن السماك قال: كلمت داود الطائي، قلت: لو جالست الناس؛ قال: إنما أنت بين اثنين: بين صغير لا يوقرك، وبين كبير يحصى عليك عيوبك. (٧/ ٣٤٤) * قال داود الطائي: تركتنا الذنوب، وإنا نستحي من كثير من مجالسة الناس. (٧/ ٣٥٩) * عن إبراهيم بن أدهم قال: حب لقاء الناس: من حب الدنيا، وتركهم: من ترك الدنيا. (٨/ ١٩) * قال إبراهيم بن أدهم: كنا إذا سمعنا بالشاب يتكلم في المجلس، أيسنا من خيره. (٨/ ٢٨) * عن إبراهيم بن أدهم قال: كنا إذا رأينا الحدث يتكلم مع الكبار: أيسنا من خلاقه، ومن كل خير عنده. (٨/ ٢٩) * عن الفضيل بن عياض قال: كان يقال: كن شاهداً لغائب، ولا تكن غائباً لشاهد؛ قال: كأنه يقول: إذا كنت في جماعة الناس: فأخف شخصك، وأحضر قلبك وسمعك، وع ما تسمع، فهذا شاهد لغائب؛ ولا تكن غائباً لشاهد؛ قال: كأنه يقول: تحضر المجالس: بيديك وسمعك وقلبك لامساه. (٨/ ٨٧ـ٨٨) * عن وهيب بن الورد قال: ما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ: إلا كان أولاهم بالله: الذي يفتتح بذكر الله، حتى يفيضوا في ذكره؛ وما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ، إلا كان أبعدهم من الله: الذي يفتتح بالشر، حتى يخوضوا فيه. (٨/ ١٥٣ـ١٥٤) * عن شقيق بن إبراهيم البلخي قال: قيل لابن المبارك: إذا صليت معنا، لم لا تجلس معنا؟ قال: أذهب مع الصحابة والتابعين؛ قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟ قال: أذهب أنظر في علمي، فأدرك آثارهم وأعمالهم؛ فما أصنع معكم، أنتم تغتابون الناس؟ فإذا كان سنة ثمانين: فالبعد من كثير من الناس أقرب إلى الله، وفر من الناس كفرارك من الأسد، وتمسك بدينك، يسلم لك مجهودك. (٨/ ١٦٤ـ١٦٥) * قال عبد الله بن المبارك: وما أعياني شيء، كما أعياني: أني لا أجد أخا في الله. (٨/ ١٦٨) * كان رجل من ولد عبد الله بن مسعود يجلس في مجلس ابن السماك، فكان يطيل السكوت؛ فقال له ابن السماك ذات يوم: يا فتى، ألا تخوض فيما يخوض فيه القوم من الحديث؟ فقال: إنما قعدت لأسمع، وأنصت لأفهم؛ وما كان من الحديث لغير الله: فعاقبته الندم؛ فقال: خرجت والله من معدن. (٨/ ٢٠٩) * عن عبيد الله بن محمد الكرماني: دخلت على محمد بن النضر الحارثي، فقلت له: كأنك تكره مجالسة الناس؟ قال: أجل؛ قلت له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟. (٨/ ٢١٧) * قال بشر بن الحارث: يا أبا زكريا، من جلس والأقداح تدور: لا تقبل شهادته. (٨/ ٣٤٦) * عن عبيد بن عمير قال: قال لقمان لابنه: يا بني، اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر الله فيه: فاجلس معهم، فإنك إن كنت عالما: ينفعك علمك، وإن كنت غبياً: يعلمونك، وإن يطلع الله عز وجل برحمة تصبك معهم؛ يا بني: تباعد، لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله عز وجل فيه؛ فإنك إن كنت عالماً: لا ينفعك علمك، وإن تك غبياً: يزيدوك غباء، وإن يطلع الله عز وجل إليكم بعد ذلك بسخط: يصبك معهم؛ ولا تغبطن امرأ رحب الذراعين، يسفك دماء المؤمنين؛ فإن له عند الله عز وجل قاتلاً لا يموت. (٩/ ٥٥) * عن مالك بن أنس قال: كان نافع يجالس زياد بن أبي زياد، فمات زياد، فكان نافع يمر بنا، فنقول: ألا نوسع لك رحمك الله؟ قال: فيأبى، ويقول: اتقوا هذه المجالس. (٩/ ٢٩٧) * وكان يقول: جالسوا الله كثيراً، وجالسوا الناس قليلاً. (١٠/ ٣٨٢) * وكان يقول: مجالسة الأضداد: ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال: تلقيح للعقول؛ وليس كل من يصلح للمجالسة: يصلح للمؤانسة؛ وليس كل من يصلح للمؤانسة: يؤمن على الأسرار؛ ولا يؤمن على الأسرار: إلا الأمناء، فقط. مجالس العلماء وآدابها * عن عبد الله بن بشر قال: إن الرجل ربما جلس إلى أيوب السختياني، فيكون لما يرى منه: أشد اتباعاً منه، لو سمع حديثه. (٣/ ٧) * عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب السختياني يقول: لقد جالست الحسن أربع سنين، فما سألته: هيبة له. (٣/ ١١) * جاء ابن لسليمان بن عبد الملك، فجلس إلى جنب طاووس، فلم يلتفت إليه؛ فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين، فلم تلتفت إليه. قال: أردت أن يعلم: أن لله عباداً يزهدون فيما في يديه. (٤/ ١٦) * عن عاصم قال: كان أبو عبد الرحمن السلمي إذا ابتدأ مجلسه، قال: لا يجالسنا رجل جالسَ شقيقاً الضبي، ولا يجالسنا حروري؛ وإياي والقصاص، إلا أبو الأحوص. قال عاصم: كنا نجلس إلى أبي الأحوص، فيتكلم بكلمات. (٤/ ١٩٣) * عن أبي عبد الرحمن السلمي: أن شقيقاً الضبي قال له: لم تنه الناس عن مجالستي؟ قال: إني رأيتك مضلاً لدينك، تطلب: أرأيت، أرأيت. (٤/ ١٩٣) * عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يجلسون، فيتذاكرون العلم، والخير، والفقه؛ ثم يفترقون، ولا يستغفر بعضهم لبعض. (٤/ ٢٢٥) * عن ابن جابر قال: أقبل يزيد بن عبد الملك بن مروان إلى مكحول وأصحابه، فلما رأيناه: هممنا بالتوسعة له؛ فقال مكحول: مكانكم، دعوه يجلس حيث أدرك: يتعلم التواضع. (١/ ١٨٤) * عن ضمرة عن ابن عطاء - بن ميسرة - عن أبيه قال: لا ينبغي للعالم: أن يعدو صوته مجلسه. (٥/ ١٩٩) * وقال عطاء - بن ميسرة: مجالس العلم: ربض بعضهم خلف بعض. (٥/ ١٩٩) * عن الحجاج بن عنبسة بن سعيد قال: اجتمع بنو مروان، فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين، فعطفناه علينا، وأذكرناه أرحامنا. قال: فدخلوا، فتكلم رجل منهم، فمزح. قال: فنظر إليه عمر. قال: فوصل له رجل كلامه بالمزاح. فقال عمر: لهذا اجتمعتم: لأخس الحديث، ولما يورث الضغائن؟ إذا اجتمعتم، فأفيضوا في كتاب الله تعالى؛ فإن تعديتم ذلك: ففي السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن تعديتم ذلك: فعليكم بمعاني الحديث. (٥/ ٢٧٢ـ٢٧٣) * عن حسان بن أبي سنان قال: والله، ما سمعت الحسن ذاكراً الدنيا في مجلسه قط؛ إلا أنه ربما قال: تعلمون أن أحداً يخرج، فيكتب معه إلى أخيه سعيد كتاباً؟. (٦/ ١٩٦) * عن عبد الرحمن بن مهدي قال: قلت لبشر بن منصور: إنا لنجلس مجلس خير وبركة. قال: نعم المجلس. قال: قلت له: إنه ربما لم يجلس إلي، فكأني أغتم. قال: إن كنت تشتهي أن يجلس إليك، اترك هذا المجلس. (٦/ ٢٤١) * عن بشر بن منصور قال: ما جلست إلى أحد، ولا جلس إلي أحد، فقمت من عنده، أو قام من عندي: إلا علمت أني، لو لم أقعد إليه، أو يقعد إلي: كان خيراً لي. (٦/ ٢٤١) * عن حماد بن زيد قال: ما رأيت مثل مجلس هشام بن حسان: أحسن سمتاً وهدياً؛ وإن كان ليحدث، فبكى، وتجري الدموع على لحيته؛ من غير تكلح، ولا تقبض. (٦/ ٢٧٣) * كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدث: توضأ، وجلس على فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة، ثم حدث؛ فقيل له في ذلك. فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحدث به، إلا على طهارة متمكناً. وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم، أو يستعجل؛ فقال: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (٦/ ٣١٩) * عن نافع بن عبد الله قال: جالست مالكاً - بن أنس - أربعين سنة، أو خمساً وثلاثين سنة؛ كل يوم أبكر، وأهجر، وأروح: ما سمعته يقرأ علي إنسان شيئاً قط. (٦/ ٣٢٠ـ٣٢١) * عن ابن المبارك قال: تعجبني مجالس سفيان الثوري، كنت إذا شئت: رأيته في الورع، وإذا شئت: رأيته مصلياً، وإذا شئت: رأيته غائصاً في الفقه؛ فأما مجلس أتيته: فلا أعلم أنهم صلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى قاموا عن شغب ـ يعني: مجلس أبي حنيفة وأصحابه ـ. (٦/ ٣٥٨) * عن قبيصة قال: ما رأيت الأغنياء أذل منهم: في مجلس سفيان الثوري؛ ولا الفقراء أعز منهم: في مجلس سفيان الثوري. (٦/ ٣٦٥) * كان سفيان الثوري يقول لأصحاب الحديث: تقدموا يا معشر الضعفاء. (٦/ ٣٦٥) * عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا نكون عند سفيان الثوري؛ فكأنه قد أوقف للحساب، فلا نجترئ أن نكلمه، فنعرض بذكر الحديث، فيذهب ذلك الخشوع؛ فإنما هو: حدثنا، وحدثنا. (٦/ ٣٧١) * عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت سفيان الثوري يقول: جلست ذات يوم، ومعنا سعيد بن السائب الطائفي؛ فجعل سعيد يبكي، حتى رحمته. فقلت له: يا سعيد، ما يبكيك، وأنت سمعتني أذكر أهل الجنة؟ قال سعيد: يا سفيان، ما يمنعني أن أبكي، وإذا ذكرت مناقب الخير: رأيتني عنها بمعزل؟ قال سفيان: وحق له أن يبكي. (٧/ ٣٨) * عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: كنا في مجلس سفيان الثوري، وهو يسأل رجلاً رجلاً: عما يصنع في ليله؛ فيخبره. حتى دار القوم؛ فقالوا: يا أبا عبد الله، قد سألتنا فأخبرناك؛ فأخبرنا أنت: كيف تصنع في ليلك؟ فقال: لها عندي أول نومة: تنام ما شاءت، لا أمنعها؛ فإذا استيقظت: فلا أقيلها والله. (٧/ ٦٠) * عن أحمد بن عاصم قال: التقى سفيان الثوري وفضيل ابن عياض، فتذاكرا، فبكيا. فقال سفيان: إني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا: أعظم مجلس جلسناه: بركة. قال له فضيل: ترجو، لكني أخاف أن يكون: أعظم مجلس جلسناه علينا شؤماً؛ أليس نظرت إلى أحسن ما عندك، فتزينت به لي، وتزينت لك به، فعبدتني وعبدتك؟ قال: فبكى سفيان، حتى علا نحيبه؛ ثم قال: أحييتني، أحياك الله. (٧/ ٦٤) * عن حفص بن غياث قال: كنا نتعزى بمجلس سفيان الثوري عن الدنيا. (٧/ ٨٢) * عن سفيان بن عيينة قال: كان يقال: جالس الحكماء، فإن مجالستهم غنيمة، وصحبتهم سليمة، ومؤاخاتهم كريمة. (٧/ ٢٨٤) * عن حفص بن غياث قال: كنا نستغني بمجلس سفيان عن الدنيا. (٨/ ٣٤٩) * عن السائب سلم بن جنادة، قال: جالست وكيع بن الجراح سبع سنين، فما رأيته بزق، وما رأيته مس والله حصاة بيده، وما رأيته جلس مجلسه فتحرك، وما رأيته: إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله. (٨/ ٣٦٩) * كان وكيع ابن الجراح إذا أراد أن يحدث: احتبى، فإذا احتبى: سأله أصحاب الحديث؛ فإذا نزع الحبوة، لم يسألوه؛ وكان إذا حدث: استقبل القبلة. (٨/ ٣٦٩) * عن يحيى بن هشام النحوي قال: طالت مجالستنا لمحمد بن إدريس الشافعي؛ فما سمعت منه لحنة قط، ولا كلمة غيرها أحسن منها. (٩/ ١٢٨) * عن أبي داود السجستاني قال: لقيت مائتين من مشايخ العلم؛ فما رأيت مثل أحمد بن حنبل: لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم. (٩/ ١٦٤) * عن خلف بن سالم قال: كنا في مجلس يزيد بن هارون، فمزح يزيد مع مستمليه، فتنحنح أحمد بن حنبل ـ وكان في المجلس ـ. فقال يزيد: من المتنحنح؟ فقيل له: أحمد بن حنبل. فضرب بيده على جبينه، وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا، حتى لا أمزح؟. (٩/ ١٦٩) * عن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل لما طعن، فجعلت سكرات الموت تغشاه، ثم يفيق الإفاقة، فيقول: اخنقني خنقاتك، فوعزتك، إنك لتعلم أن قلبي يحب لقاءك، اللهم إنك تعلم: أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا، لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. (٥/ ١٠٣) * عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قال: لولا ثلاث خلال، لأحببت أن لا أبقى في الدنيا، فقالت: وما هن؟ فقال: لولا وضوع وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار، يكون تقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام، كما تنتقى الفاكهة. (١/ ٢١٢) المال * عن ثابت البناني قال: كان رجل عاملاً للعمال، فجمع ماله، فجعله في سارية، فلما حضرته الوفاة، أمر به، فنثر بين يديه، فجعل يقول: يا ليتها كانت بعراً، يا ليتها كانت بعراً. (٢/ ٣٢٥) * عن علي - رضي الله عنه - قال: أشد الأعمال ثلاثة: إعطاء الحق من نفسك، وذكر الله على كل حال، ومواساة الأخ في المال. (١/ ٨٥) * عن سعيد بن جبير قال: من إضاعة المال أن يرزقك الله حلالاً، فتنفقه في معصية الله. (٤/ ٢٨١) * عن عوف بن الحسن قال: باع طلحة أرضاً له بسبعمائة ألف، فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرقاً من مخافة المال حتى أصبح، ففرقه. (١/ ٨٩) * عن صفوان بن عمرو: أن أبا الدرداء كان يقول: يا معشر أهل الأموال، بردوا على جلودكم من أموالكم، قبل أن نكون وإياكم فيها سواء، ليس إلا أن تنظروا فيها وننظر فيها معكم. (١/ ٢١٨) * عن يزيد بن ميسرة: أن رجلاً ممن مضى: جمع مالاً وولداً، فأوعى، ولم يدع صنفا من أصناف المال، إلا اتخذه، وابتنى قصراً، وجعل عليه بابين وثيقين، وجعل عليه حرساً من غلمانه، ثم جمع أهله، وصنع لهم طعاماً، وقعد على سريره، ورفع إحدى رجليه على الأخرى، وهم يأكلون، فلما فرغوا من طعامهم؛ قال: يا نفس، انعمي لسنين قد جمعت ما يكفيك؛ قال: فلم يخلو من كلامه، حتى أقبل إليه ملك الموت في هيئة رجل، عليه خلقان من الثياب، في عنقه مخلاة، يتشبه بالمساكين؛ فقرع الباب قرعة أفزعه، وهو على فرشه، فوثب إليه الغلمة؛ فقالوا: ما أنت؟ وما شأنك؟ قال: ادعو لي مولاكم، قالوا: إليك يخرج مولانا؟ قال: نعم، فادعوه؛ قال: فأرسل إليهم مولاهم: من هذا الذي قرع الباب؟ فأخبروه بهيئته؛ قال: فهلا فعلتم، وفعلتم؟ قالوا: قد فعلنا، ثم أقبل أيضاً، فقرع الباب قرعة هي أشد من الأولى؛ قال: وهو على فراشه، قال: فوثب إليه الحرس، فقالوا: قد جئت أيضاً؟ قال: نعم، فادعوا لي مولاكم، وأخبروه أني ملك الموت؛ قال: فلما سمعوه، ألقي عليهم الذل والتخشع؛ فجاء الحرس، فأخبروا سيدهم بالذي قال لهم ملك الموت، فقال لهم سيدهم: قولوا له قولاً لينا، وقولوا له: هل يأخذ معه أحداً غيره؛ قال: فأتوه، فأخبروه بذلك، قال: فدخل عليه، فقال: قم فاصنع في مالك ما أنت صانع، فإني لست بخارج منها حتى أخرج نفسك؛ وأحضر ماله بين يديه؛ فقال حين رآه: لعنك الله من مال، فأنت شغلتني عن عبادة ربي، ومنعتني أن أتخلى لربي؛ فأنطق الله المال، فقال: لم سببتني، وقد كنت وضيعاً في أعين الناس، فرفعتك لما يرى عليك من أثري، وكنت تحضر سدد الملوك فتدخل، ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة، فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون، فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبل الخبث ولا أتعاصى، ولو انفقتني في سبيل الله لم أتعاصى عليك؟ فأنت ألوم فيه مني؛ إنما خلقت أنا، وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق بإثم، ومنطلق ببر. فهكذا يقول المال، فاحذروا؛ فأتى ملك الموت روحه، فمات السياق لهما، ودخل حديث بعضهم على بعض. (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١) * عن هشام قال: سمعت الحسن - البصري - يحلف بالله: ما أعز أحد الدرهم، إلا أذله الله. (٢/ ١٥٢)