عبد الرحمن ابن مهدي: يعني: بعثهم قبل أن يخلقهم. (٩/ ٥٣) * عن محمد بن إدريس الشافعي قال: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك، خير من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء؛ وذلك: أنه رأى قوماً يتجادلون في القدر بين يديه؛ فقال الشافعي: في كتاب الله: المشيئة دون خلقه، والمشيئة إرادة الله؛ يقول الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠] . فأعلم خلقه: أن المشيئة له، وكان يثبت القدر. (٩/ ١١٢) * عن مالك - بن أنس - أنه قال لرجل: سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم؛ قال: إن الله تعالى يقول: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:١٣] . فلا بد من أن يكون ما قال الله تعالى. (٦/ ٣٢٦) * عن حماد بن زيد قال: قلت لداود بن أبي هند: ما قلت في القدر؟ قال: أقول ما قال مطرف: لم نوكل إلى القدر، وإليه نصير. (٣/ ٩٢) * عن سعيد بن عامر قال: قال داود بن أبي هند: أتيت الشام، فلقيني غيلان؛ فقال: يا داود، إني أريد أن أسألك عن مسائل؛ قلت: سلني عن خمسين مسألة، وأسألك عن مسألتين؛ قال: سل يا داود؛ قلت: أخبرني، ما أفضل ما أعطي ابن آدم؟ قال: العقل، قلت: فاخبرني عن العقل، هو شيء مباح للناس: من شاء أخذه، ومن شاء تركه؛ أو هو مقسوم بينهم؛ قال: فمضى ولم يجبني. (٣/ ٩٣) * عن الربيع بن أبي مسلم قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج ـ وهو موثق ـ، فبكيت؛ فقال لي: ما يبكيك؟ قلت: الذي أرى بك؛ قال: فلا تبك؛ إن هذا كان في علم الله عز وجل أن يكون؛ ثم قرأ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: ٢٢] الآية. (٤/ ٢٨٩) * عن أبي سنان قال: اجتمع وهب بن منبه، وعطاء الخراساني؛ فقال له عطاء: يا أبا عبد الله، ما هذا الكلام الذي بلغني أنه قد فشا عنك في القدر؟ فقال وهب بن منبه: ما تكلمت في القدر بشيء، ولا أعرف هذا؛ ثم حدث وهب بن منبه، فقال: قرأت نيفاً وتسعين كتاباً من كتب الله عز وجل، منها سبعون، أو نيف وسبعون، ظاهرة في الكتابين؛ ومنها عشرون، لا يعلمها إلا قليل من الناس؛ فوجدت فيها كلها: أن من وكل إلى نفسه شيئاً من المشيئة، فقد كفر. (٤/ ٢٤) * عن حبيب بن الشهيد قال: سمعت إياس بن معاوية يقول: ما كلمت أحداً من أصحاب الأهواء بعقلي كله، إلا القدرية، فإني قلت لهم: ما الظلم فيكم؟ قالوا: أن يأخذ الإنسان ما ليس له؛ فقلت لهم: فإن لله عز وجل كل شيء. (٤/ ١٢٤) * عن سعيد بن سلام البصري قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لقيت عطاء بمكة، فسألته عن شئ؛ فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة؛ قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً؟ قلت: نعم؛ قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحداً بذنب؛ فقال لي عطاء: عرفت، فالزم. (٣/ ٣١٤) * عن مجاهد: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر:٤٨] . قال: هم المكذبون بالقدر. (٣/ ٢٩٩) * عن مسعر قال: إن التكذيب بالقدر أبو جاد الزندقة. (٧/ ٢١٨) * عن أنس بن عياض: أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن وقف على قوم، وهم يتذاكرون شأن القدر؛ فقال: لئن كنتم صادقين ـ وأعوذ بالله أن تكونوا صادقين ـ لما في أيديكم: أعظم مما في يدي ربكم؛ إن كان الخير والشر بأيديكم. (٣/ ٢٦٠) * وعنه، أن غيلان وقف على ربيعة؛ فقال: يا ربيعة، أنت الذي تزعم: أن الله عز وجل يحل أن يعصى؟ قال: ويلك يا غيلان، أفأنت الذي تزعم: أن الله يعصى قسراً؟. (٣/ ٢٦٠) * عن أيوب السختياني قال: إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون. (٣/ ١٢) * عن أبي نضرة - المنذر بن مالك - قال: ينتهي القدر إلى هذه الآية: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: ١٠٧] . (٣/ ٩٨) * عن جسر أبي جعفر قال: قلت ليونس: مررت بقوم يختصمون في القدر؛ قال: لو همتهم ذنوبهم، لما اختصموا في القدر. (٣/ ٢١) * عن ابن جريج قال: رأيت عطاء يطوف بالبيت؛ فقال لقائده: امسكوا، واحفظوا عني خمساً: القدر: خيره وشره، حلوه ومره: من الله تعالى، ليس للعبد فيه مشيئة، ولا تفويض؛ وأهل قبلتنا مؤمنون، حرام دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها؛ وقتال الفئة الباغية: بالأيدي، والنعال؛ لا بالسلاح؛ والشهادة على الخوارج بالضلالة. (٣/ ٣١٢) * عن سفيان بن عيينة قال: إذا جمعت هاتين كل أمري: إذا صبرت على البلاء، ورضيت بالقضاء. قال سفيان: وقال عمر بن الخطاب: ما أبالي على ما أصبحت: على ما أحب، أو على ما أكره؛ إني لا أدري: الخير فيما أحب، أو فيما أكره. (٧/ ٢٧١) * عن يحي بن سعيد قال: القدر، والعلم، والكتاب: عندنا واحد؛ وسمعته، وسأله ابنه محمد؛ فقال: يا أبت، المعاصي تقدر؟ فقال: المعاصي تقدر. (٨/ ٣٨١) * عن هارون أبو محمد البربري أن عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة، على قضائها، وعلى خراجها، فكتب إليه ميمون يستعفيه، وقال: كلفتني مالا أطيق: اقضي بين الناس، وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق، فكتب عمر إليه: أجب من الخراج الطيب، واقض ما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إلى، فإن الناس لو كانوا إذا كبر عليهم أمر تركوه، ما قام دين ولا دنيا (٤/ ٨٨) . القلوب وأحوالها * قال عبد الله بن مسعود: إن للقلوب شهوة وإقبالاً، وإن للقلوب فترة وإدباراً؛ فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها. (١/ ١٣٤) * وعنه قال: إياكم وحزائز القلوب، وما حز في قلبك من شيء، فدعه. (١/ ١٣٥) * عن منذر قال: جاء ناس من الدهاقين إلى عبد الله بن مسعود، فتعجب الناس من غلظ رقابهم، وصحتهم؛ قال: فقال عبد الله: إنكم ترون الكافر: من أصح الناس جسماً، وأمرضهم قلباً؛ وتلقون المؤمن: من أصح الناس قلباً، وأمرضهم جسماً؛ وأيم الله، لو مرضت قلوبكم، وصحت أجسامكم؛ لكنتم أهون على الله من الجعلان. (١/ ١٣٥) * وعنه قال: من استطاع منكم أن يجعل كنزه: حيث لا يأكله السوس، ولا تناله السراق، فليفعل؛ فإن قلب الرجل مع كنزه. (١/ ١٣٥) * عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: القلوب أربعة: قلب أغلف: فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح: فذلك قلب المنافق، وقلب أجرد، فيه سراج يزهر: فذاك قلب المؤمن، وقلب فيه نفاق وإيمان: فمثل الإيمان: كمثل شجرة، يمدها ماء طيب، ومثل النفاق: مثل القرحة، يمدها قيح ودم، فأيهما ما غلب عليه، غلب. (١/ ٢٧٦) * عن حميد قال: بينما الحسن البصري ـ في يوم من رجب ـ في المسجد، وهو يمص ماء، ويمجه: تنفس تنفساً شديداً، ثم بكى، حتى ارتعدت منكباه؛ ثم قال: لو أن بالقلوب حياة، لو أن بالقلوب صلاحاً: لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة؛ إن ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة، ما سمع الخلائق بيوم قط: أكثر فيه من عورة بادية، ولا عين باكية، من يوم القيامة. (٢/ ١٤٣ـ١٤٤) * عن علي بن زيد قال: رآني سعيد بن المسيب وعلي جبة خز؛ فقال: إنك لجيد الجبة؛ قلت: وما تغني عني، وقد أفسدها علي سالم؟ فقال سعيد: أصلح قلبك، والبس ما شئت. (٢/ ١٧٣) * عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: إنما سمي القلب: من تقلبه؛ ألا، وإن القلب: مثل ريشة معلقة بشجرة، في فضاء من الأرض، تفيؤها الريح ظهراً لبطن. (١/ ٢٦٣) * عن سلمان - رضي الله عنه - قال: مثل القلب والجسد: مثل أعمى، ومقعد؛ قال المقعد: إني أرى ثمرة، ولا أستطيع أن أقوم إليها، فاحملني؛ فحمله، فأكل، وأطعمه. (١/ ٢٠٥) * عن أبي عبيدة بن الجراح قال: مثل قلب المؤمن: مثل العصفور، يتقلب كل يوم كذا وكذا مرة. (١/ ١٠٢) * عن محمد بن واسع قال: أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب؛ وكثرة مثافنة النساء وحديثهن؛ وملاحاة الأحمق، تقول له، ويقول لك؛ ومجالسة الموتى؛ قيل: وما مجالسة الموتى؟ قال: مجالسة كل غني مترف، وسلطان جائر. (٢/ ٣٥١) * عن سعيد بن عاصم قال: كان قاص يجلس قريباً من مسجد محمد بن واسع؛ فقال يوماً وهو يوبخ جلساءه: مالي أرى القلوب لا تخشع، ولا أرى العيون لا تدمع؟ ومالي لا أرى الجلود لا تقشعر؟ فقال محمد بن واسع: يا عبد الله، مالي أرى القوم أتوا إثما من قبلك؛ إن الذكر إذا خرج من القلب: وقع على القلب. (٢/ ٣٥١) * عن ابن سيرين قال: إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً: جعل له واعظاً من قلبه، يأمره وينهاه. (٢/ ٢٦٤) * قيل للربيع بن خثيم: لو جالستنا، فقال: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة، فسد علي. (٢/ ١١٦) * عن الحسن البصري قال: حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور؛ وأقرعوا النفوس، فإنها خليعة؛ وإنكم إن أطعتموها , تنزل بكم إلى شر غاية. (٢/ ١٤٤) * عن سفيان الثوري قال: إياكم والبطنة: فإنها تقسي القلب؛ واكظموا الغيظ، ولا تكثروا الضحك: فإنه يميت القلوب. (٧/ ٣٦) * قال مطرف بن عبد الله: لو أخرج قلبي، فجعل في يدي هذه اليسار؛ وجيء بالخير، فجعل في هذه اليمنى: ما استطعت أن أولج قلبي منه شيئاً، حتى يكون الله تعالى، يضعه. (٢/ ٢٠١) * وعنه قال: كأن القلوب ليست منا، وكأن الحديث يعني به غيرنا. (٢/ ٢٠٢) * عن جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: زرع الله في قلوبنا وقلوبكم: المودة على ذكره، وجعل قلوبنا وقلوبكم: أوطانا تحن إليه، وأجرى علينا وعليكم المغفرة، كما جرت علينا وعليكم الذنوب؛ إن الله تعالى: لم يستودع شيئاً قط إلا حفظه، وأنا مستودع الله ديننا ودينكم، وخواتيم أعمالنا، وخواتيم أعمالكم؛ كما استودعت أم موسى موسى، وكما استودع يعقوب يوسف؛ ودائع الله التي لا تضيع، في السماوات ولا في الأرض؛ وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. (٢/ ٣١٠) * عن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية. (٢/ ١٩٩) * عن عبد الله بن مسعود قال: إنما القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره. (١/ ١٣١) * عن مالك بن دينار قال: زمرنا لكم، فلم ترقصوا؛ أي: وعظناكم، فلم تتعظوا. (٢/ ٣٥٨) * وعنه قال: لو أني أعلم: أن قلبي يصلح على كناسة، لجلست عليها. (٢/ ٣٦٤) * وعنه قال: يقولون: الجهاد؛ أنا من نفسي في جهاد. (٢/ ٣٦٣) * عن مالك بن دينار قال: إن الأبرار: تغلي قلوبهم بأعمال البر، وإن الفجار: تغلي قلوبهم بأعمال الفجور؛ والله يرى همومكم، فانظروا همومكم يرحمكم الله. (٢/ ٣٧٠) * عن الحسن البصري، أن شاباً مر به، وعليه بردة له؛ فدعاه، فقال: إيه، ابن آدم معجب بشبابه، معجب بجماله، معجب بثيابه؛ كأن القبر قد وارى بدنك، وكأنك قد لاقيت عملك؛ فداو قلبك، فإن حاجة الله إلى عباده: صلاح قلوبهم. (٢/ ١٥٤) * عن أبي قلابة قال: ما من أحد يريد خيراً أو شراً، إلا وجد في قلبه آمراً وزاجراً: آمرا يأمر بالخير، وزاجراً ينهى عن الشر. (٢/ ٢٨٣) * عن جعفر قال: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة: نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة؛ وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع، حسبت أن وجهه وجه ثكلى. (٢/ ٣٤٧) * عن عبد القدوس بن بكر بن خنيس، قال: كان الحسن بن صالح وأخوه علي، وكان علي يفضل عليه، وكان يقرآن القرآن وأمهما، يتعاونون على العبادة، بالليل لا ينامون، وبالنهار لا يفطرون؛ فلما ماتت أمهما، تعاونا على القيام والصيام عنهما، وعن أمهما؛ فلما مات علي: قام الحسن عن نفسه، وعنهما؛ وكان يقال للحسن: حية الوادي ـ يعني: لا ينام بالليل ـ وكان يقول: إني أستحيي من الله تعالى أن أنام تكلفاً، حتى يكون النوم هو الذي يصير عني؛ فإذا أنا نمت ثم استيقظت، ثم عدت نائماً: فلا أرقد الله عيني؛ وكان لا يقبل من أحد شيئاً، فيجيء إليه صبيه وهو في المسجد، فيقول: أنا جائع، فيعلله بشيء، حتى يذهب الخادم إلى السوق، فيبيع ما غزلت مولاته من الليل، ويشتري قطنا، ويشتري شيئاً من الشعير، فيجيء به؛ فتطحنه، ثم تعجنه، فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم؛ وترفع له ولأهله لإفطارهما، فلم يزل على ذلك رحمه الله (٧/ ٣٢٨) * عن عمرو - بن قيس الملائي - قال: لا تجالس صاحب زيغ، فيزيغ قلبك. (٥/ ١٠٣) * سئل معروف الكرخي: بم تخرج الدنيا من القلب؛ فقال: بصفاء الود، وحسن المعاملة. (٨/ ٣٦٧) * عن بشر بن الحارث قال: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. (٨/ ٣٥٠) * عن أبي سليمان الداراني قال: إذا جاءت الدنيا إلى القلب: ترحلت الآخرة منه، وإذا كانت الدنيا في القلب: لم تجيء الآخرة تزحمها؛ لأن الدنيا لئيمة، والآخرة عزيزة. (٩/ ٢٦٠) * وعنه قال: القلب بمنزلة المرآة إذا جليت؛ لا يمد شيء من الذباب إلى الفيل، إلا مثل لها. (٩/ ٢٧٨) * عن عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلاً هو أرق من سفيان؛ قال: وقال ابن مهدي: وكنت أرامقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا في أول الليل، ثم ينتفض فزعاً مرعوباً، ينادي: النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات؛ كأنه يخاطب رجلاً في البيت، ثم يدعو بماء إلى جانبه، فيتوضأ؛ ثم يقول على إثر وضوئه: اللهم، إنك عالم بحاجتي، غير معلم بما أطلب، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار؛ اللهم، إن الجزع قد أرقني من الخوف، فلم يؤمني، وكل هذا من نعمتك السابغة علي؛ وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك. إلهي، قد علمت أن لو كان لي عذر في التخلي، ما أقمت مع الناس طرفة عين؛ ثم يقبل على صلاته، وكان البكاء يمنعه من القراءة، حتى أني كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه؛ قال ابن مهدي: وما كنت أقدر أن أنظر إليه، استحياء وهيبة منه. (٧/ ٦٠) * عن أبي سليمان الداراني قال: كل قلب فيه شك، فهو ساقط. (٩/ ٢٥٦) * عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول، فلم يستطع الشيخ يتخطاه، فاضطجعت له، فمر على ظهري؛ ثم قمت، فأخذت بيده، ثم دفعنا إلى منزل الحسن، فطرقت الباب، فخرجت إلينا جارية سداسية؛ فقالت: من هذا؟ قلت: هذا ميمون بن مهران، أراد لقاء الحسن؛ فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قلت لها: نعم؛ قالت: يا شقي، ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء؟ قال: فبكى الشيخ، فسمع الحسن بكاءه، فخرج إليه، فاعتنقا، ثم دخلا؛ فقال ميمون: يا أبا سعيد، قد أنست من قلبي غلظة، فاستلن لي منه؛ فقرأ الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم : {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:٢٠٥ ـ ٢٠٧] . قال: فسقط الشيخ، فرأيته يفحص برجله كما تفحص الشاة المذبوحة؛ فأقام طويلاً ثم أفاق؛ فجاءت الجارية، فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا؛ فأخذت بيد أبي، فخرجت به؛ ثم قلت: يا أبتاه، هذا الحسن، قد كنت أحسب أنه أكبر من هذا؛ قال: فوكزني في صدري وكزة، ثم قال: يا بني، لقد قرأ علينا آية، لو فهمتها بقلبك، لا بقي لها فيك كلوم. (٤/ ٨٢ـ٨٣) * عن أبي جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم؛ قال: قلت لذي النون: كم الأبواب إلى الفطنة؟ قال: أربعة أبواب، أولها الخوف، ثم الرجاء، ثم المحبة، ثم الشوق؛ ولها أربعة مفاتيح: فالفرض: مفتاح باب الخوف، والنافلة: مفتاح باب الرجاء، وحب العبادة والشوق: مفتاح باب المحبة، وذكر الله الدائم بالقلب واللسان: مفتاح باب الشوق؛ وهي درجة الولاية، فإذا هممت بالارتقاء في هذه الدرجة، فتناول مفتاح باب الخوف، فإذ فتحته: اتصلت إلى باب الفطنة مفتوحاً لا غلق عليه، فإذا دخلته: فما أظنك تطيق ما ترى فيه، حينئذ يجوز شرفك الأشراف، ويعلو ملكك ملك الملوك؛ واعلم أي أخي، أنه: ليس بالخوف ينال الفرض، ولكن: بالفرض ينال الخوف؛ ولا بالرجاء تنال النافلة، ولكن: بالنافلة ينال الرجاء؛ كما أنه: ليس بالأبواب تنال المفاتيح، ولكن: بالمفاتيح تنال الأبواب؛ واعلم، أنه من تكامل فيه الفرض: فقد تكامل فيه الخوف، ومن جاء بالنافلة: فقد جاء بالرجاء، ومن جاء بمحبة العبادة: فقد وصل إلى الله، ومن شغل قلبه ولسانه بالذكر: قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه؛ وهذا سر الملكوت، فاعلمه، واحفظه، حتى يكون الله عز وجل هو الذي يناوله من يشاء من عباده. (٩/ ٣٧٨ـ٣٧٩) * عن إسحاق بن إبراهيم قال: ما رأيت أحداً أخوف على نفسه، ولا أرجى للناس: من الفضيل؛ كانت قراءته: حزينة، شهية، بطيئة، مترسلة، كأنه يخاطب إنساناً؛ وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة: تردد فيها، وسأل، وكانت صلاته بالليل أكثر ذلك قاعداً، تلقى له حصير في مسجده، فيصلي من أول الليل ساعة، حتى تغلبه عينه، فيلقي نفسه على الحصير، فينام قليلاً ثم يقوم، فإذا غلبه النوم: نام؛ ثم يقول هكذا، حتى يصبح؛ وكان دأبه إذا نعس: أن ينام؛ ويقال: أشد العبادة: ما يكون هكذا. (٨/ ٨٦) * عن عمر بن ذر قال: لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة قد سكنوا إلى فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم من الضجعة والنوم: قاموا إلى الله فرحين مستبشرين، بما قد وهب لهم من حسن عبادة ـ السهر، وطول التهجد ـ فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم؛ فانقضى عنهم الليل، وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة؛ فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم الليل: بربح، وغبن؛ أصبح هؤلاء: قد ملوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء: متطلعين إلى مجيء الليل للعبادة؛ شتان ما بين الفريقين، فاعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده؛ فإن المغبون: من غبن خير الليل والنهار، والمحروم: من حرم خيرهما؛ إنما جعلا سبيلا للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم؛ فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيى القلوب بذكر الله؛ كم من قائم في هذا الليل: قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل: قد ندم على طول نومته، عندما يرى من كرامة الله للعابدين غداً؛ فاغتنموا ممر الساعات، والليالي، والأيام؛ رحمكم الله. (٥/ ١١٤) * قال فتح الموصلي: من أدام النظر بقلبه، ورثه ذلك: الفرح بالمحبوب؛ ومن آثره على هواه، ورثه ذلك: حبه إياه؛ ومن اشتاق إليه، وزهد فيما سواه، ورعى حقه، وخافه بالغيب، ورثه ذلك: النظر إلى وجهه الكريم. (٨/ ٢٩٣) * قال شقيق البلخي: متى أغفل العبد قلبه عن الله، والتفكر في صنعه ومنته عليه، ثم مات: مات عاصياً؛ لأن العبد، ينبغي له: أن يكون قلبه أبداً مع الله؛ يقول: يا رب، اعطني الإيمان، وعافني من البلاء، واستر لي من عيوبي، وارزقني، واجعل نعمك متوالية علي؛ فهو أبداً متفكر في نعم الله عليه؛ فالتفكر في منة الله: شكر، والغفلة عنه: سهو. (٨/ ٧١) * قال إبراهيم بن أدهم: على القلب ثلاثة أغطية: الفرح، والحزن، والسرور؛ فإذا فرحت بالموجود: فأنت حريص، والحريص محروم؛ وإذا حزنت على المفقود: فأنت ساخط، والساخط معذب؛ وإذا سررت بالمدح: فأنت معجب، والعجب يحبط العمل؛ ودليل ذلك كله قوله تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد:٢٣] . (٨/ ٣٤) * عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: حدثني يا ميمون؛ قال: فحدثته حديثاً بكى منه بكاء شديداً؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، لو علمت أنك تبكي هذا البكاء، لحدثتك حديثاً ألين من هذا؛ فقال: يا ميمون، إنا نأكل هذه الشجرة العدس، وهي ـ ما علمت ـ مرقة للقلب، مغزرة للدمعة، مذلة للجسد. (٥/ ٢٧١ـ٢٧٢) * عن إبراهيم بن بشار قال: وقف رجل صوفي على إبراهيم ابن أدهم؛ فقال: يا أبا إسحاق، لم حجبت القلوب عن الله؟ قال: لأنها أحبت ما أبغض الله: أحبت الدنيا، ومالت إلى دار الغرور، واللهو، واللعب؛ وتركت العمل لدار فيها حياة الأبد، في نعيم لا يزول ولا ينفد، خالداً مخلداً، في ملك سرمد، لا نفاد له ولا انقطاع. (٨/ ١٢ـ١٣) * عن الحسني - الحسين بن يحيى - قال: من أراد: أن يغزر دمعه، ويرق قلبه؛ فليأكل، وليشرب في نصف بطنه. (٨/ ٣١٨) * عن مجاهد: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة:٨١] . قال: الذنوب تحيط بالقلوب، كلما عمل ذنباً: ارتفعت؛ حتى تغشى القلب، وحتى يكون هكذا؛ ثم قبض يده؛ ثم قال: هو الران. (٣/ ٢٨٣) * عن عبيد الله بن شميط بن عجلان قال: سمعت أبي يقول: إن الله عز وجل جعل قوة المؤمن في قلبه، ولم يجعلها في أعضاءه؛ ألا ترون: أن الشيخ يكون ضعيفاً، يصوم الهواجر، ويقوم الليل؛ والشاب يعجز عن ذلك. (٣/ ١٣٠) * عن الأعمش قال: سمعت مجاهداً يقول: القلب بمنزلة الكف، فإذا أذنب الرجل ذنباً: انقبض إصبع، حتى تنقبض أصابعه كلها إصبعاً إصبعا؛ قال: ثم يطبع عليه؛ فكانوا يرون: أن ذلك الران؛ قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:١٤] . (٣/ ٢٨٢) * عن أبي جعفر - محمد بن علي الباقر - قال: الإيمان: ثابت في القلوب، واليقين: خطرات؛ فيمر اليقين بالقلب، فيصير كأنه زبر الحديد؛ ويخرج منه، فيصير كأنه خرقة بالية. (٣/ ١٨٠) * عن شهر بن حوشب قال: إذا حدث الرجل القوم، فإن حديثه يقع من قلوبهم: موقعه من قلبه. (٦/ ٦٢) * عن سفيان بن دينار قال: سألت ماهان الحنفي: ما كانت أعمال القوم؟ قال: كانت أعمالهم قليلة، وكانت قلوبهم سليمة. (٤/ ٣٦٥) * عن أبي جعفر قال: إياكم والخصومة: فإنها تفسد القلب، وتورث النفاق. (٣/ ١٨٤) * عن يوسف بن أسباط قال: قال لي حذيفة المرعشي: ما أصيب أحد بمصيبة، أعظم من قساوة قلبه. (٨/ ٢٦٩) * عن مالك بن دينار قال: إن لله عقوبات في القلوب والأبدان: ضنك في المعيشة، ووهن في العبادة؛ وما ضرب عبد بعقوبة: أعظم من قسوة القلب. (٦/ ٢٨٧) * وعنه قال: إن القلب إذا لم يحزن: خرب؛ كما أن البيت إذا لم يسكن: خرب. (٦/ ٢٨٧) * وعنه قال: من فرح بمدح الباطل: فقد استمكن الشيطان من دخول قلبه. (٦/ ٢٨٧) * عن عمر بن عبد العزيز قال: لا ينفع القلب: إلا ما خرج من القلب. (٥/ ٢٨٨) * عن أبي عبد الله الأنطاكي قال: إذا صارت المعاملة إلى القلب: استراحت الجوارح. (٩/ ٢٨١) * عن خالد بن معدان قال: خلقت القلوب من طين، وإنها لتلين في الشتاء. (٥/ ٢١٣) * عن مكحول قال: أرق الناس قلوباً: أقلهم ذنوباً. (٥/ ١٨٠) * عن أبي معاوية الأسود قال: القلب المعنى بأمر الله: في علو من الله. (٨/ ٢٧٣) * قال حذيفة بن قتادة المرعشي: القلوب قلبان: قلب ملح في مسألة، وقلب يتوقع ساعته، فحدثته أبا سليمان فقال: كل قلب يتوقع متى قرع الباب، يجيئه إنسان فيعطيه؛ فذاك قلب فاسد. (٨/ ٢٦٨) * عن سعيد بن زيد قال سمعت أبا خزيمة يقال: القصد إلى الله بالقلوب: أبلغ من حركات الأعمال: الصلاة، والصيام، ونحوها. (٩/ ٣١١) * عن أبي إدريس قال: قلب نقي في ثياب دنسة: خير من قلب دنس في ثياب نقية. (٥/ ١٢٢) * عن ميمون بن مهران قال: العلماء: هم ضالتي في كل بلدة، وهم بغيتي؛ ووجدت صلاح قلبي: في مجالسة العلماء. (٤/ ٨٥) * عن كعب الأحبار قال: من عرف الله بقلبه ن وحمد الله بلسانه، لم يفت من فيه حتى ينزل الله الزيادة؛ وذلك: لأن الله أسرع بالخير، وأولى بالفضل. (٥/ ٣٦٥) * عن مالك بن دينار قال: إن البدن إذا سقم، لم ينجع فيه طعام، ولا شراب، ولا نوم، ولا راحة؛ وكذلك القلب، إذا علقه حب الدنيا، لم تنجع فيه الموعظة. (٢/ ٣٦٢) * عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: كانوا يمثلون: مثل الذي يسمع القرآن إذا قُرأ ولا يؤمن، مثل جيش خرجوا، فغنموا، فقسموا الغنائم، فأعطوا بعضهم، ولم يعطوا بعضاً؛ فقالوا: كنا جميعاً، ما شأننا، لا نعطى؟ فقال: إنكم لم تكونوا تؤمنون. (٤/ ٢٤٦) * عن مالك بن دينار قال: يا حملة القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض؛ فإن الله ينزل الغيث من السماء إلى الأرض، فيصيب الحش، فتكون فيه الحبة، فلا يمنعها نتن موضعها: أن تهتز، وتخضر، وتحسن؛ فيا حملة القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم، أين أصحاب سورة؟ أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما. (٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩) * عن مجاهد قال: القلب بمنزلة الكف، فإذا أذنب الرجل ذنباً، انقبض اصبع، حتى تنقبض أصابعه كلها إصبعاً إصبعاً، قال: ثم يطبع عليه؛ فكانوا يرون: أن ذلك الران، قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:١٤] . (٣/ ٣٨٢) * عن سلمان - رضي الله عنه - قال: مثل القلب والجسد، مثل أعمى ومقعد، قال المقعد: إني أرى ثمرة، ولا أستطيع أن أقوم إليها، فاحملني، فحمله؛ فأكل، وأطعمه. (١/ ٢٠٥) * عن مالك بن دينار قال: إذا لم يكن في القلب حزن، خرب، كما إذا لم يكن في البيت ساكن، يخرب. (٢/ ٣٦٠) * عن الأعمش عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر، وسمعوا القرآن، جعلوا يبكون؛ فقال أبو بكر: هكذا كنا، ثم قست القلوب. (١/ ٣٤) * عن محمد بن يزيد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: بلغني: أنه يأتي على الناس زمان، تمتلىء قلوبهم في ذلك الزمان من حب الدنيا، فلا تدخله الخشية؛ قال سفيان: وأنت تعرف ذلك، إذا ملأت جراباً من شيء، حتى يمتلىء؛ فأردت أن تدخل فيه غيره، لم تجد لذلك من خلاء. (٧/ ٣٨) * عن عبد الله بن خبيق قال: قال لي يوسف بن أسباط: عجبت، كيف تنام عين مع المخافة؟ أو يعقل قلب مع النفس بالمحاسبة؟ من عرف وخوف حق الله على عباده، ولم يشتمل علينا عيناه إجلالاً بإعطاء المجهود من نفسه؛ خلق الله القلوب مساكن، فصارت للشهوات؛ الشهوات: مفسدة للقلوب، وتلف للأموال، فاحلاق للوجوه؛ لا تمحو الشهوات من القلوب، إلا خوف مزعج، أو شوق مفلق. (٨/ ٢٣٨)