له وكيع: لو أن رجلا نذر: لا يأكل إلا حلالاً، ولا يلبس إلا حلالاً، ولا يمشي إلا في حلال، لقلنا له: إخلع ثيابك، وارم بنفسك في الفرات، ولكن لا تجد إلا السعة؛ ثم قال وكيع: لو أن رجلاً بلغ في ترك الدنيا مثل: سلمان، وأبي ذر، وأبي الدرداء، ما قلنا له: زاهداً، لأن الزهد لا يكون، إلا على ترك الحلال المحض، والحلال المحض لا نعرفه اليوم، فالدنيا عندنا: حلال، وحرام، وشبهات، فالحلال: حساب، والحرام: عذاب، والشبهات: عتاب؛ فأنزل الدنيا بمنزل الميتة، خذ منها ما يقيمك، فإن كانت حلالاً: كنت قد زهدت فيها، وإن كانت حراماً: كنت قد أخذت منها ما يقيمك؛ لأنه لا يحل لك من الميتة، إلا قدر ما يقيمك؛ وإن كانت شبهات: كان فيها عتاب يسير. (٨/ ٣٧٠) * عن أبي الحسن بن أبي الورد قال: قال رجل: أتينا علي بن بكار، فقلنا له: حذيفة المرعشي يقرأ عليك السلام؛ فقال: عليكم وعليه السلام، إني لأعرفه يأكل الحلال منذ ثلاثين سنة. (٩/ ٣١٨) * عن محمد بن موسى بن حماد اليزيدي قال: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز الجروي ميراثه من مصر: مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، في كل كيس ألف دينار؛ فقال: يا أبا عبد الله، هذه من ميراث حلال، فخذها، واستعن بها على عيلتك؛ قال: لا حاجة لي بها، أنا في كفاية؛ فردها، ولم يقبل منها شيئاً. (٩/ ١٧٥) * كان غلام من الصيرفة يختلف إلى أحمد بن حنبل، فقاوله يوماً درهمين فقال: اشتر بهما كاغداً، فخرج الغلام، واشترى له، وجعل في جوف الكاغد خمسمائة دينار، وشده، وأوصله إلى بيت أحمد؛ فسأل، وقال: حمل إلينا من البياض، فقالوا: بلى، فوضع بين يديه، فلما أن فتحه، تناثرت الدنانير؛ فردها في مكانها، وسأل عن الغلام، حتى دل عليه، فوضعه بين يديه؛ فتبعه الفتى، وهو يقول: الكاغد اشتريته بدراهمك، خذه؛ فأبى أن يأخذ الكاغد أيضاً. (٩/ ١٧٦) * عن شقيق البلخي قال: لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام، فقلت: يا إبراهيم، تركت خراسان؛ فقال: ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، ومن جبل إلى جبل، فمن يراني؟ يقول موسوس: ومن يراني؟ يقول: هو حمال؛ ثم قال لي: يا شقيق، لم ينبل عندنا من نبل بالحج، ولا بالجهاد، وإنما نبل عندنا من نبل: من كان يعقل ما يدخل جوفه ـ يعني: الرغيفين من حله ـ؛ ثم قال: يا شقيق، ما إذا أنعم الله على الفقراء، لا يسألهم يوم القيامة: لا عن زكاة، ولا عن حج، ولا عن جهاد، ولا عن صلة رحم؛ إنما يسأل هؤلاء المساكين ـ يعني: الأغنياء ـ. (٧/ ٣٦٩ - ٣٧٠) * عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان رجل من بني إسرائيل يعمل بمسحاة له، فاصاب أباه، فشجه؛ فقال: لا تصحبني، من فعل بأبي ما فعل؛ فقطع يده، فبلغ ذلك بني إسرائيل، ثم إن إبنة الملك أرادت أن تصلي في بيت المقدس، فقال: من يبعث بها؟ قالوا: فلان، قال: فبعث إليه، فقال: إعفني، فقال: لا، قال: فأجلني إذاً أياماً؛ قال: فذهب، فقطع مذاكيره، فلما برأ، وضع مذاكيره في حق، ثم جاء به، وخاتمه عليه؛ فقال: هذه وديعتي عندك، فاحفظها؛ قال: ونزله الملك منزلاً منزلاً: أنزل يوم كذا كذا، ويوم كذا كذا وكذا، فإذا أتيت بيت المقدس، فأقم فيه كذا وكذا، فإذا أقبلت، فأنزل يوم كذا كذا وكذا، ويوم كذا كذا وكذا؛ فوقت له وقتاً معلوماً، فلما سار، جعلت ابنة الملك لا ترتفع به: تنزل حيث شاءت، وترتحل متى شاءت، وجعل إنما هو يحرسها، وينام عندها؛ فلما قدم عليه، قالوا له: إنما كان ينام عندها؛ فقال له الملك: خالفت أمري، وأراد قتله، فقال: أردد علي وديعتي، فلما ردها، فتح الحق، وكشف عن مثل الراحة؛ ففشى ذلك في بني إسرائيل، قال: فمات قاض لهم، فقالوا: من نجعل مكانه؟ قالوا: فلان، قال: فأبى، فلم يزالوا به، حتى قال: دعوني حتى أنظر في أمري؛ قال: فكحل عينيه بشيء، حتى ذهب بصره، قال: ثم جلس على القضاء، قال: فقام ليلة، فدعا الله، فقال: اللهم، إن كان هذا الذي صنعت لك رضى، فاردد على خلقي أحسن ما كان؛ قال: فأصبح، وقد رد الله عليه بصره ومقلتيه: أحسن ما كانتا، ويده، ومذاكيره. (٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣) * عن علي بن هشام القرشي قال: جاء سفيان الثوري إلى صيرفي بمكة، يشتري منه دراهم بدينار، فأعطاه الدينار، وكان معه آخر، فسقط من سفيان، فطلبه، فإذا إلى جانبه دينار آخر؛ فقال له الصيرفي: خذ دينارك، قال: ما أعرفه؛ قال: خذ الناقص، قال: فلعله الزائد؛ قال: فتركه ومضى. (٧/ ٥٣) * عن خلف بن تميم قال: قلت لإبراهيم بن أدهم: مذ كم نزلت بالشام؟ قال: منذ أربع وعشرين سنة، ما نزلتها لجهاد، ولا لرباط؛ فقلت: لأي شئ نزلتها؟ قال: لأشبع من خبز حلال. (٧/ ٣٥٣) * عن الحكيم ـ يعني: ابن عمر ـ قال: شهدت عمر بن عبد العزيز، وأرسل غلامه يشوى بكبكبة من لحم، فعجل بها؛ فقال: أسرعت بها، قال: شويتها في نار المطبخ، وكان للمسلمين مطبخ، يغديهم، ويعشيهم؛ فقال لغلامه: كلها يا بني، فإنك رزقتها، ولم أرزقها. (٥/ ٢٩١) العفو والصفح * عن معمر قال: صك رجل ابناً لقتادة - بن دعامة -، فاستعدى عليه عند بلال بن أبي بردة، فلم يلتفت إليه، فشكاه إلى القسري؛ فكتب إليه: إنك لم تنصف أبا الخطاب؛ فدعاه، ودعا وجوه أهل البصرة يتشفعون إليه، فأبى أن يشفعهم؛ فقال له: صكه كما صكك، فقال لابنه: يا بني، احسر عن ذراعيك، وارفع يديك، وشد؛ قال: فحسر عن ذراعيه، ورفع يديه، فأمسك قتادة يده، وقال: قد وهبناه لله، فإنه كان يقال: لا عفو، إلا بعد قدرة. (٢/ ٣٤٠) * قال إبراهيم بن أدهك: كان قتادة يقول: أفضل الناس: أعظمهم عند الناس عفواً، وأسفههم له صدراً. (٨/ ٥٤) * عن إبراهيم التيمي قال: إن كان الرجل من الحي ليجيء، فيسب الحارث بن سويد، فيسكت؛ فإذا سكت، قام، فنفض رداءه، ودخل. (٤/ ١٢٦) * عن الأعمش عن خيثمة قال: كان قوم يؤذونه، فقال: إن هؤلاء يؤذونني، ولا والله، ما طلبني أحد منهم بحاجة إلا قضيتها، ولا أدخل على أحد منهم أذى فقابلته به، ولأنا أبغض فيهم من الكلب الأسود؛ ولم يرون ذلك، إلا أنه والله، لا يحب منافق مؤمناً أبداً. (٤/ ١١٦) * عن عبد الصمد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً، فقل: يا أخي، اعف عنه، فإن العفو أقرب للتقوى؛ فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل؛ قل: فإن كنت تحسن تنتصر مثلاً بمثل، وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب أوسع، فإنه من عفا وأصلح، فأجره على الله، وصاحب العفو: ينام الليل على فراشه، وصاحب الانتصار: يقلب الأمور. (٨/ ١١٢) العقل * عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قال: لا تزال نفس أحدكم شابة في حب الشيء، ولو التقت ترقوتاه من الكبر؛ إلا الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، وقليل ما هم. (١/ ٢٢٣) * عن مطرف بن عبد الله قال: ما أوتي عبد بعد الإيمان: أفضل من العقل. (٢/ ٢٠٣) * وعنه قال: عقول الناس، على قدر زمانهم. (٢/ ٢٠٣) * عن مالك بن دينار قال: العاقل الكامل: من صلح مع الفاجر الجاهل. (٢/ ٣٧١) * عن معاوية بن قرة قال: إن القوم ليحجون، ويعتمرون، ويجاهدون، ويصلون، ويصومون؛ وما يعطون يوم القيامة: إلا على قدر عقولهم. (٢/ ٣٠٠) * عن الشافعي قال: كل ما قلت لكم، فلم تشهد عليه عقولكم، وتقبله، وتراه حقاً: فلا تقبلوه، فإن العقول مضطرة إلى قبول الحق. (٩/ ١٢٤) * وعنه قال: اللبيب العاقل: هو الفطن المتغافل. (٩/ ١٢٣) * وعنه قال: ليس العاقل: الذي يدفع بين الخير والشر، فيختار الخير؛ ولكن العاقل: الذي يدفع بين الشرين، فيختار أيسرهما. (٩/ ١٣٩) * وعنه قال: القول يزيد في الدماغ، والدماغ من العقل. (٩/ ١٣٧) . (٩/ ١٤١) * عن وكيع قال: إنما العاقل: من عقل عن الله أمره؛ ليس من عقل أمر دنياه. (٨/ ٣٧٠) * عن مكحول قال: من طابت ريحه: زاد في عقله؛ ومن نظف ثوبه: قل همه. (٥/ ٨٤) * عن سفيان بن عيينة قال: من زيد في عقله: نقص من رزقه. (٧/ ٢٧١) * وعنه قال: كان يقال: إن العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة، لم يزدد على الكثير منها إلا شراً. (٧/ ٢٧٧) * عن الشعبي قال: رزق صبيان هذا الزمان من العقل: مانقص من أعمارهم في هذا الزمان. (٤/ ٣٢٤) * قيل للشافعي: أخبرنا عن العقل، يولد به المرء؟ فقال: لا، ولكنه يلقح من مجالسة الرجال، ومناظرة الناس. (٩/ ١٢١) * عن وهب بن منبه قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إعقل عن الله، فإن أعقل الناس عن الله: أحسنهم عقلاً؛ وإن الشيطان ليفر من العاقل، وما يستطيع أن يكايده. (٤/ ٣٥) * عن وهب بن منبه قال: ما عبد الله عز وجل بشيء أفضل من العقل، وما يتم عقل امرىء، حتى تكون فيه عشر خصال: أن يكون الكبر منه مأموناً، والرشد فيه مأموراً، يرضى من الدنيا بالقوت، وما كان من فضل فمبذول، والتواضع فيها أحب إليه من الشرف، والذل فيها أحب إليه من العز، لا يسأم من طلب العلم دهره، ولا يتبرم من طالبي الخير، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه. والعاشرة: هي ملاك أمره، بها ينال مجده، وبها يعلو ذكره، وبها علاه في الدرجات في الدارين كليهما؛ قيل: وما هي؟ قال: أن يرى أن جميع الناس بين خير منه وأفضل، وآخر شر منه وأرذل، فإذا رأى الذي هو خير منه وأفضل: كسره ذلك، وتمنى أن يلحقه؛ واذا رأى الذي هو شر منه وأرذل، قال: لعل هذا ينجو وأهلك، ولعل لهذا باطناً لم يظهر لي، وذلك خير له، ويرى ظاهره: لعل ذلك شر لي؛ فهناك يكمل عقله، وساد أهل زمانه، وكان من السباق إلى رحمة الله عز وجل وجنته، إن شاء الله تعالى. (٤/ ٤٠ - ٤١) * وقال وهب بن منبه: لإزالة الجبل صخرة صخرة، وحجراً حجراً: أيسر على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل، لأنه إذا كان مؤمناً عاقلاً ذا بصيرة، فلهو أثقل على الشيطان من الجبال، وأصعب من الحديد؛ وأنه ليزايله بكل حيلة، فإذا لم يقدر أن يستزله، قال: يا ويله، ماله ولهذا، لا حاجة لي بهذا، ولا طاقة لي بهذا، فيرفضه؛ ويتحول إلى الجاهل، فيستأسره، ويستمكن من قياده، حتى يسلمه إلى الفضائح التي يتعجل بها في عاجل الدنيا: كالجلد، والحلق، وتسخيم الوجوه، والقطع، والرجم، والصلب؛ وأن الرجلين ليستويان في أعمال البر، فيكون بينهما كما بين المشرق والمغرب، أو أبعد: إذا كان أحدهما أعقل من الآخر. (٤/ ٢٦ - ٢٧) * وقال وهب بن منبه: وإني وجدت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه: أن الشيطان لم يكابد شيئاً أشد عليه من مؤمن عاقل، وأنه يكابد مائة ألف جاهل، فيسخر بهم، حتى يركب رقابهم، فينقادون له حيث شاء؛ ويكابد المؤمن العاقل، فيصعب عليه، حتى لا ينال منه شيئاً. (٤/ ٢٦) * عن أبي مسلم الصوري قال: كتب عباد بن عباد الخواص إلى إخوانه يعظهم: إعقلوا، والعقل نعمة، وإنه يوشك أن يكون خيره؛ فرب ذو عقل قد شغل قلبه بالتعمق فيما هو عليه ضرر، حتى صار عن الحق ساهياً كأنه لا يعلمه؛ إخوانكم، إن أرضوكم: لم تناصحوهم، وإن أسخطوكم: اغتبتموهم؛ فلا أنتم تورعتم في السخط، ولا أنتم ناصحتموهم الرضى؛ إنكم في زمان قد رق فيه الورع، وقل فيه الخشوع، وحملوا العلم، ففسدوا به، أحبوا أن يعرفوا بحمله، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعة العمل، فيطغوا فيه بالهوى، ليزينوا ما دخلوا فيه من الخطأ؛ فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها، وتقصيرهم تقصير لا يعرف فيه، كيف يهتدى السائل إذا كان الدليل حائرا؛ أحبوا الدنيا، وكرهوا منزلة أهلها، فشاركوهم في العيش، وزايلوهم بالقول. (٨/ ٢٨٢) * عن إبراهيم بن أدهم عن بحر السقا البصري: حدثني بعض الفقهاء: قال الحياء خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعلم دليله، والعمل فقهه، والصبر أمير جنوده، والرفق والده، والبر أخوه، وصوابه العقل؛ قيمة بدل العمل: فقهه. (٨/ ٥١) * عن زرافة صاحب المتوكل قال: لما انصرف ذو النون من عند أمير المؤمنين، دخل علي ليودعني؛ فقلت له: أكتب لي دعوة، ففعل، فقربت إليه جام لوز ينج، فقلت له: كل من هذا، فإنه يرزن الدماغ، وينفع العقل؛ فقال: ينفعه غير هذا، قلت: وما ينفعه؟ قال: إتباع أمر الله، والانتهاء عن نهيه؛ أما علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إنما العاقل: من عقل عن الله أمره ونهيته؟. (٩/ ٣٩٢) * عن الشافعي قال: قال ابن عباس لرجل: أي شيء هذا؟ فأخبره؛ قال: ثم أراه شيئاً أبعد منه، فقال: أي شيء هذا؟ قال: انقطع الطرف دونه؛ قال: فكما جعل لطرفك حد ينتهي إليه، كذلك جعل لعقلك حد ينتهي إليه. (٩/ ١٤١) * عن فضيل بن عياض قال: ليس من عبد، إلا وفيه ثلاثة خصال: أما اثنتين: يسترهما؛ وأما الثالثة: فلا يقوى؛ قيل: كيف ذاك يا أبا علي؟ قال: يظهر الرجل حسن الخلق في الخيرات، وليس بحسن الخلق؛ ويظهر السخاء، وليس بسخى؛ ولكن الثالثة: عقل الرجل عند المحاورة، إن كان له عقل عرفته، لا يقدر يتصنع. (٨/ ١١٣ - ١١٤) * عن الشعبي قال: إنما كان يطلب هذا العلم، من اجتمعت فيه خصلتان: العقل، والنسك؛ فإن كان عاقلاً ولم يكن ناسكاً، قيل: هذا أمر لا يناله إلا النساك، فلم تطلبه؛ وإن كان ناسكاً ولم يكن عاقلاً، قيل: هذا أمر لا يطلبه إلا العقلاء، فلم تطلبه؛ قال الشعبي: فقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما: لا عقل، ولا نسك. (٤/ ٣٢٣) * عن السماك قال: وعظ عمر ابن ذر، فجعل فتى من بني تميم يصرخ، ويتغير لونه، ولا أرى له دمعة تسيل، ثم سقط مغشياً عليه؛ ثم رأيته في مجلس ابن ذر يبكي، حتى أقول: الآن تخرج نفسه؛ فذكرت ذلك لعمر بن ذر، فقال: ابن أخي، إن العقل إذا طاش: فقدت الحرقة، وقلصت الدمعة؛ وإذا ثبت العقل: فهم صاحبه الموعظة، فأحرقته والله، وحزن، وبكى. (٥/ ١١٢ - ١١٣) * عن مكحول: أن كعب الأحبار قال: تجد الرجل: مستكثراً من أنواع أعمال البر، ويبلغ صنائع المعروف، ويكابد سهر الليل، وظمأ الهواجر، ولعله لا يساوي في ذلك كله عند ربه جيفة حمار؛ قيل: وكيف ذلك يا أبا إسحاق؟ قال: لقلة عقله، وسوء رغبته؛ وتجد الرجل: ينام الليل، ويفطر النهار، ولا يعرف بشيء من البر، ولا صنائع المعروف، ولعله عند الله من المقربين؛ قيل: وكيف ذلك يا أبا إسحاق؟ قال: لما قسم الله له العقل، فإن الله تعالى فرض على عباده: أن يعرفوه، وأن يطيعوه، وأن يعبدوه؛ وإنما عبده وعرفه وأطاعه من خلقه: العاقلون؛ وأما الجهال: فهم الذين جهلوه، فلم يعرفوه، ولم يطيعوه، ولم يعبدوه. (٦/ ٥ - ٦) * عن وهب بن منبه قال: لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس، قال له ملك: صف لي الناس؛ قال: محادثتك من لا يعلم، كمن يعلم الموتى؛ ومحادثتك من لا يعقل: كمثل رجل يبل الصخرة، حتى تبتل، أو يطبخ الحديد، يلتمس أدمه؛ ومحادثتك من لا يصغي لك: كمثل من يضع المائدة لأهل القبور؛ ونقل الحجارة من رأس الجبال، أيسر من محادثتك من لا يعقل. (٤/ ٣٦) * عن أحمد قال: قال لي أبو سليمان الداراني: من أي وجه أزال العاقل اللائمة عمن أساء إليه؟ قلت: لا أدري؛ قال: من أنه قد علم أن الله تعالى هو الذي ابتلاه به. (٩/ ٢٥٨) * عن عبد الله بن ميمون قال: سألت ذا النون عن كمال العقل وكمال المعرفة، فقال: إذا كنت قائماً بما أمرت به، تاركاً لتكلف ما كفيت، فأنت كامل العقل؛ وإذا كنت متعلقاً بالله في أحوالك، لا بأعمالك، غير ناظر إلى سواه: فأنت كامل المعرفة. (٩/ ٣٧٣) * قال سفيان بن عيينة: ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر، إنما العاقل: الذي إذا رأى ا لخير: اتبعه، وإذا رأى الشر: اجتنبه. (٨/ ٣٣٩) * عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: قلت لابن عمر: أي حاج بيت الله الحرام أفضل، وأعظم أجراً؟ قال: من جمع ثلاث خصال: نية صادقة، وعقلاً وافراً، ونفقة من حلال؛ فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: صدق؛ فقلت: إذا صدقت نيته، وكانت نفقته من حلال، فما يضره قلة عقله؟ فقال: يا أبا الحجاج، سألتني عما سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «والذي نفسي بيده، ما أطاع العبد ربه عز وجل بشيء، أفضل من حسن العقل؛ ولا يقبل الله تعالى صوم عبد، ولا صلاته، ولا حجه، ولا عمرته، ولا صدقته؛ ولا شيئاً مما يكون فيه من أنواع البر إذا لم يعمل بعقل؛ ولو أن جاهلاً، فاق المجتهدين في العبادة؛ كان ما يفسد، أكثر مما يصلح.» (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤) * عن أياس بن معاوية قال: أنا أكلم الناس بنصف عقلي؛ فإذا اختصم إلي اثنان: جمعت عقلي كله. (٣/ ١٢٤) * عن سعيد بن عامر قال: قال داود بن أبي هند: أتيت الشام، فلقيني غيلان؛ فقال: يا داود، إني أريد أن أسألك عن مسائل؛ قلت: سلني عن خمسين مسألة، وأسألك عن مسألتين؛ قال: سل يا داود؛ قلت: أخبرني، ما أفضل ما أعطي ابن آدم؟ قال: العقل، قلت: فاخبرني عن العقل، هو شيء مباح للناس: من شاء أخذه، ومن شاء تركه؛ أو هو مقسوم بينهم؛ قال: فمضى ولم يجبني. (٣/ ٩٣) * قال علي - رضي الله عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل» . (٢/ ٣٥ـ٣٦)