التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
الشافعي عن أفضل الناس بعد

الطفيل الغنوي: جزى الله عنا جعفرا حين أسرقت…بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا…تلاقي الذي لاقوه منا لملت هم خلطونا بالنفوس وبالجوى…إلى حجرات آزفات أظلت (٩/ ١٥٣ - ١٥٤) * عن مجمع بن يحيى الأنصاري قال: دخل عبد الرحمن بن أبي ليلى على الحجاج، فقال: إذا أردتم رجلاً يشتم عثمان بن عفان، فها هو ذا؛ قال: فقلت له: إنه يمنعني من ذلك آيات في كتاب الله ثلاثة؛ قال الله عز وجل {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:٨] . فكان عثمان منهم. وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ {إلى قوله: الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:٩] ، فكان منهم. وقال عز وجل {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:١٠] . فكان منهم؛ فقال: صدقت. (٤/ ٣٥٢) * عن أبي عبيدة: أن سعيد بن زيد قال لابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأين هو؟ قال: في الجنة هو؛ قال: ثم توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فأين هو؟ قال: ذاك الأواه، عند كل خير يبتغي؟ قال: توفي عمر رضي الله تعالى عنه، فأين هو؟ قال: إذا ذكر الصالحون، فحيهلا بعمر. (٤/ ٢٠٦) * عن الفرات بن السائب قال: سألت ميمون بن مهران، قلت: علي أفضل عندك، أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد، حتى سقطت عصاه من يده؛ ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما، ذرهما، كانا رأسي الإسلام، ورأسي الجماعة؛ فقلت: فأبو بكر كان أول إسلاما، أو علي؟ قال: والله، لقد آمن أبو بكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - زمن بحيرا الراهب حين مر به، واختلف فيما بينه وبين خديجة رضي الله تعالى عنها، حتى أنكحها إياه؛ وذلك كله قبل أن يولد علي. (٤/ ٩٣) * عن عبدة بنت خالد بن معدان عن أبيها قالت: قل ما كان خالد يأوي إلى فراش مقيله، إلا وهو يذكر فيه شوقه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم يسميهم، ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم، فعجل ربي قبضي إليك؛ حتى يغلبه النوم وهو في بعض ذلك. (٥/ ٢١٠) * عن أبي جعفر - محمد بن علي الباقر - قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد جهل السنة. (٣/ ١٨٥) * عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: عن حلية السيوف؛ فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه؛ قال: قلت: وتقول: الصديق؟ قال: فوثب وثبة، واستقبل القبلة؛ ثم قال: نعم الصديق، فمن لم يقل له: الصديق، فلا صدق الله له قولاً في الدنيا والآخرة. (٣/ ١٨٥) * عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: عن قوله عز وجل {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة:٥٥] . قال: أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ قلت: يقولون: هو علي؛ قال: علي منهم. (٣/ ١٨٥) * عن مالك بن أنس قال: إن راهباً كان بالشام، فلما رأى أوائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين قدموا الشام ونظرآه، قال: والذي نفسي بيده، ما بلغ حواري عيسى بن مريم عليهما السلام، الذين صلبوا على الخشب، ونشروا بالمناشير، من الاجتهاد: ما بلغ أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال عبد الله بن وهب: قلت لمالك بن أنس: تسميهم، فسمى: أبا عبيدة، ومعاذاً، وبلالاً، وسعد بن عبادة. (٦/ ٣٢٧) * عن رسته أبي عروة ـ رجل من ولد الزبير ـ قال: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقرأ مالك هذه الآية: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ حتى بلغ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح:٢٩] . فقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد أصابته الآية. (٦/ ٣٢٧) * قال مالك بن أنس: من تنقص أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين؛ ثم تلا قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [الحشر: ٧] . حتى أتى قوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً} [الحشر: ١٠] الآية. فمن تنقصهم، أو كان في قلبه عليهم غل: فليس له في الفيء حق. (٦/ ٣٢٧) * وعنه قال: واعجباً، يسأل جعفر وأبو جعفر عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (٦/ ٣٢٧) * عن عمر بن ذر قال: ذكرت لعطاء بن أبي رباح الكف عن تناول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا ذكرهم بصالح ما ذكرهم الله، وأن لا يتناولهم بنقص أحدهم، ولا طعن عليه، وأن لا يشهد على أحد من أهل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ وصدق رسول الله، وأقر بما جاء به من الله: أنه كافر، وأنهم مؤمنون؛ من عمل منهم حسنة، رجونا له ثواب الله، وأحببنا ذلك منه؛ ومن تناول منهم معصية الله، كرهنا ما عمل به من معصية الله، وكان ذلك ذنباً يغفره الله، أو يعاقب عليه إن شاء؛ فإن الله عز وجل يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: ٤٨] . فذلك إلى الله، قال: هذا الذي أحببت أباك عليه، وهو الذي تفرق عنه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يرحمهم الله، ويغفر لنا ولهم. (٥/ ١١٠) * عن سفيان الثوري قال: أئمة العدل خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم؛ من قال غير هذا، فقد اعتدى. (٦/ ٣٧٨) * عن الأوزاعي قال: كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله. (٦/ ١٤٢) * عن أشعث قال: سمعت الشعبي يقول: إذا اختلف الناس في شيء، فانظر كيف صنع عمر، فإن عمر: لم يكن يصنع شيئاً حتى يشاور؛ قال: فذكرت ذلك لابن سيرين، فقال: إذا رأيت الرجل يخبرك: أنه أعلم من عمر، فاحذره. (٤/ ٣٢٠) * عن سفيان الثوري قال: من قدم علياً على أبي بكر وعمر، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وأخشى: أن لا ينفعه مع ذلك عمل. (٧/ ٢٧ - ٢٨) * وعنه قال: نأخذ بقول عمر في الجماعة، ونأخذ بقول ابنه في الفرقة. (٧/ ٢٨) * عن الشافعي قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أب لي أن أخضب لساني فيها. (٩/ ١١٤) * عن الربيع بن سليمان بن المرادي قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: ما ساق الله هؤلاء الذين يتقولون في علي، وفي أبي بكر وعمر، وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا ليجري الله لهم الحسنات وهم أموات. (٩/ ١١٤) * عن سفيان الثوري قال: نعم المداوي، إذا دخل البصرة: حدث بفضائل علي، وإذا دخل الكوفة: حدث بفضائل عثمان. (٧/ ٢٧) * عن عطاء بن مسلم قال: قال لي سفيان الثوري: إذا كنت في الشام: فاذكر مناقب علي؛ وإذا كنت بالكوفة: فاذكر مناقب أبي بكر وعمر. (٧/ ٢٧) * عن شعيب بن حرب قال: ذكروا سفيان الثوري عند عاصم بن محمد، فذكروا مناقبه، حتى عدوا خمس عشرة منقبة؛ فقال: فرغتم؟ إني لأعرف فيه فضيلة، أفضل من هذه كلها: سلامة صدره لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. (٧/ ٢٧) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن عبد الوهاب الحلبي قال: سألت سفيان الثوري ونحن نطوف بالبيت: عن الرجل، يحب أبا بكر وعمر، إلا أنه يجد لعلي من الحب، ما لا يجد لهما؟ قال: هذا رجل به داء، ينبغي أن يسقى دواء. (٧/ ٢٧) * عن جابر قال: قال لي محمد بن علي: يا جابر، بلغني أن قوماً بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا، ويتنالون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ويزعمون أني أمرتهم بذلك؛ فأبلغهم إني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده، لو وليت لتقربت إلى الله تعالى بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد، إن لم أكن أستغفر لهما، وأترحم عليهما؛ إن أعداء الله لغافلون عنهما. (٣/ ١٨٥) * عن شعبة الخياط مولى جابر الجعفي قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي، لما ودعته: أبلغ أهل الكوفة أني بريء ممن تبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما. (٣/ ١٨٥) * عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده أبو حنيفة والزائغون في الدين، يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها: اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله؛ ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها؛ من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منص ور؛ ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً. (٦/ ٣٢٤) * عن أبي العالية قال: تعلموا الإسلام، فإذا علمتموه، فلا ترغبوا عنه؛ وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الصراط يميناً وشمالاً؛ وعليكم بسنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، قبل أن يقتلوا صاحبهم، وقبل أن يفعلوا الذي فعلوه بخمس عشرة سنة؛ وإياكم وهذه الأهواء المتفرقة، فإنها تورث بينكم العداوة والبغضاء. (٢/ ٢١٨) * عن خيثمة بن عبد الرحمن، قيل له: أي شيء يسمن في الجدب والخصب، ونصف شيء يهزل في الخصب والجدب؟ قال: أما الذي يسمن في الجدب والخصب، فهو المؤمن، إن أعطى شكر، وإن ابتلي صبر؛ والذي يهزل في الخصب والجدب، فهو الكافر، إن أعطي لم يشكر، وإن ابتلي لم يصبر، وشيء هو أحلى من العسل، ولا ينقطع، وهي الألفة التي جعلها الله بين المؤمنين. (٤/ ١١٨) * عن محمد بن إسحاق قال: لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، استشار الناس، فقام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، إمض لما أمرك الله به، فنحن معك، والله، ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون؛ ولكن، إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون؛ والله الذي بعثك بالحق نبياً: لو سرت بنا إلى برك الغماد، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيراً، ودعا له. (١/ ١٧٣) * عن أيوب السختياني قال: نبئت أن طاوساً كان يقول: ما رأيت أحداً كان أشد تعظيما لحرمات الله، من ابن عباس رضي الله تعالى عنه؛ والله، لو أشاء إذا ذكرته أن أبكي، لبكيت. (١/ ٣٢٩) * عن أبي موسى الأشعري قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوافقناه حين فتح خيبر، فأسهم لنا ـ أو قال: فأعطانا ـ منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئاً، إلا لمن شهد معنا أصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه، قسم لها معهم؛ فكان ناس من الناس يقولون لنا ـ يعني: أهل السفينة ـ سبقناكم بالهجرة؛ قال: ودخلت أسماء بنت عميس، فقال لها عمر: هذه الحبشية البحرية؟ قالت أسماء: نعم؛ فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فغضبت، وقالت كلمة: كلا والله، كنتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار ـ أو: أرض ـ البعداء والبغضاء في الحبشة، وذلك في الله ورسوله، وأيم الله، لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى أذكر ما قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسأله، والله، لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك؛ فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «فما قلت له؟» قالت: قلت كذا وكذا؛ قال: «ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم هجرتان» قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب يأتوني أرسالاً، يسألوني عن هذا الحديث؛ ما من الدنيا شىء هم أفرح به، ولا أعظم في أنفسهم، مما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد مني هذا الحديث، «ولكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي إلىَّ» . (٢/ ٧٤ - ٧٥) * عن عروة بن الزبير: أن الأنصار لما سمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله، وأيقنوا، واطمأنت أنفسهم إلى دعوته، فصدقوه، وآمنوا به، كانوا من أسباب الخير؛ وواعدوه الموسم من العام القابل، فرجعوا إلى قومهم؛ بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا رجلاً من قبلك، فيدعو الناس إلى كتاب الله، فإنه أدنى أن يتبع؛ فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير ـ أخا بني عبد الدار ـ فنزل بني غنم على أسعد بن زرارة، يحدثهم، ويقص عليهم القرآن؛ فلم يزل مصعب عند سعد بن معاذ، يدعو، ويهدي الله على يديه؛ حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح، وكسرت أصنامهم؛ ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يدعى: المقرئ. (١/ ١٠٧) * عن أنس بن مالك قال: لما كان ليلة الغار، قال أبو بكر: يا رسول الله، دعني فلأدخل قبلك، فإن كانت حية أو شيء، كانت لي قبلك، قال: «أدخل» فدخل أبو بكر، فجعل يلتمس بيديه، فكلما رأى جحراً جاء بثوبه فشقه، ثم ألقمه الحجر، حتى فعل ذلك بثوبه أجمع؛ قال: فبقي جحر، فوضع عقبه عليه، ثم أدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فلما أصبح، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - «فأين ثوبك يا أبا بكر؟» فأخبره بالذي صنع، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده، فقال: «اللهم، اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة» فأوحى الله تعالى إليه: إن الله قد استجاب لك. (١/ ٣٢) * عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أسلم الزبير وهو ابن ست عشرة سنة، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعن هشام بن عروة عن أبيه، قال: إن أول رجل سل سيفه: الزبير بن العوام، سمع نفحة نفحها الشيطان، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرج الزبير يشق الناس بسيفه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بأعلى مكة، فلقيه، فقال: «مالك يا زبير» قال: أخبرت أنك أخذت؛ قال: فصلى عليه، ودعا له ولسيفه. (١/ ٨٩) * عن جبير بن نفير: أن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: والله، ما رأينا رجلاً أقضا بالقسط، ولا أقول بالحق، ولا أشد على المنافقين منك ـ يا أمير المؤمنين ـ، فأنت خير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال عوف بن مالك: كذبتم والله، لقد رأينا خيراً منه بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: من هو يا عوف؟ فقال: أبو بكر؛ فقال عمر: صدق عوف وكذبتم، والله، لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي. (٥/ ١٣٤) الصبر * عن أبي الدرداء قال: ذروة الإيمان: الصبر للحكم، والرضى بالقدر، والإخلاص في التوكل، والاستسلام للرب عز وجل (١/ ٢١٦) * عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: مرض ابن لأبي طلحة من أم سليم؛ قال: فمات الصبي في المخدع، فسجته، ثم قامت، فهيأت لأبي طلحة إفطاره ـ كما كانت تهيئ له كل ليلة ـ فدخل أبو طلحة، وقال لها: كيف الصبي؟ قالت: بأحسن حال، فحمد الله؛ ثم قامت، فقربت إلى أبي طلحة إفطاره، ثم قامت إلى ما تقوم إليه النساء، فأصاب أبو طلحة من أهله؛ فلما كان السحر، قالت: يا أبا طلحة، ألم تر آل فلان؟ استعاروا عارية، فتمتعوا بها؛ فلما طلبت منهم، شق عليهم؛ قال: ما انصفوا؛ قالت: فإن ابنك كان عارية من الله عز وجل، وإن الله تعالى قد قبضه، فحمد الله، واسترجع؛ ثم غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم «يا أبا طلحة، بارك الله لكما في ليلتكما» , فحملت بعبد الله بن أبي طلحة. عن أنس قال: كان لأبي طلحة ابن من أم سليم، فمات، فقالت لأهلها: لا تخبروا أبا طلحة بابنه، حتى أكون أنا أحدثه؛ قال: فجاء، فقربت إليه عشاءه وشرابه، فأكل وشرب، قال: ثم تصنعت له، أحسن ما كانت تصنع له قبل ذلك؛ فلما شبع، وروي، وقع بها؛ فلما عرفت: أنه قد شبع، وروى، وقضى حاجته منها؛ قالت: يا أبا طلحة، أرأيت: لو أن أهل بيت، أعاروا عاريتهم أهل بيت آخرين، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يحبسوا عاريتهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب إبنك؛ قال: فغضب، ثم قال: تركتيني حتى تلطخت بما تلطخت به، ثم تحدثيني بموت ابني؟ فانطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا نبي الله، ألم تر إلى أم سليم، صنعت كذا وكذا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» , قال: فتلقيت تلك الليلة، فحملت بعبد الله ابن أبي طلحة. (٢/ ٥٧ - ٥٨) * عن أم سليم قالت: توفي ابن لي، وزوجي غائب، فقمت، فسجيته في ناحية من البيت؛ فقدم زوجي، فقمت، فتطيبت له، فوقع علي، ثم أتيته بطعام، فجعل يأكل؛ فقلت: ألا أعجبك من جيراننا؟ قال: وما لهم؟ قلت: أعيروا عارية، فلما طلبت منهم، جزعوا، فقال: بئس ما صنعوا؛ فقلت: هذا ابنك، فقال: لا جرم لا تغلبيني عن الصبر الليلة، فلما أصبح، غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبره؛ فقال: «اللهم، بارك لهم في ليلتهم» فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة، كلهم قد قرؤا القرآن. (٢/ ٥٩) * عن زهير الباني قال: مات ابن لمطرف بن عبد الله بن الشخير، فخرج على الحي ـ قد رجل جمته، ولبس حلته ـ فقيل له: ما نرضى منك بهذا، وقد مات ابنك؛ فقال: أتأمروني أن أستكين للمصيبة؟ فوالله، لو أن الدنيا وما فيها لي، فأخذها الله مني، ووعدني عليها شربة ماء غداً، ما رأيتها لتلك الشربة أهلاً؛ فكيف: بالصلوات، والهدى، والرحمة. (٢/ ١٩٩) * عن يونس بن يزيد قال: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يوم تصيبة المصيبة، مثله قبل أن تصيبه. (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢) * عن سفيان الثوري قال: أتدرون ما تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ يقول: لا يعطي أحد، إلا ما أعطيت؛ ولا يقي أحد، إلا ما وقيت. (٧/ ١٤٠) * عن سفيان بن عيينة قال: قيل لبعض الحكماء: ما الصبر؟ قال: الذي يكون في الحال، الذي إذا نزل به ما يكره: صبر؛ وكان مثل حاله الأول: إذا لم يكن أصابه البلاء. (٧/ ٢٨٠) * عزى ابن السماك رجلاً، فقال: إن المصيبة واحدة: إن جزع أهلها، أو صبروا؛ والمصيبة بالأجر، أعظم من المصيبة بالموت. (٨/ ٢٠٨ - ٢٠٩) * عن ميمون بن مهران قال: ما نال رجل من جسيم الخير، نبي، ولا غيره: إلا بالصبر. (٤/ ٩٠) * عن ابن ذر - أبو ذر عمر بن ذر - قال: من أجمع على الصبر في الأمور، فقد حوى الخير؛ والتمس معاقل البر، وكمال الأجور. (٥/ ١١١) * عن سفيان الثوري قال: ثلاثة من الصبر: لا تحدث بمصيبتك، ولا بوجعك، ولا تزك نفسك. (٦/ ٣٨٩) * عن أبي سلميان الداراني قال: ثلاثة من أعلام الصبر: التباعد عن الخلطاء في الشدة؛ والسكون إليه مع تجرع غصص البلية؛ وإظهار الغنى مع حلول الفقر، بساحة المعيشة. (٩/ ٣٦٢) * عن عمر بن عبد العزيز قال: الرضا قليل، والصبر معول المؤمن. (٥/ ٣٤٢) * عن صالح المري قال: لو كان الصبر حلواً، ما قال الله عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم اصبر؛ ولكن قال له: اصبر، فإن الصبر مر. (٦/ ١٧١) * عن عمران القصير قال: الأحر كريم، يصبر أياماً قلائل. (٦/ ١٧٧) * عن عبد الواحد بن زيد قال: من نوى الصبر على طاعة الله: صبره الله عليه، وقواه لها؛ ومن نوى الصبر عن معاصي الله: أعانه الله على ذلك، وعصمه منها. (٦/ ١٦٣) * عن سفيانالثوري قال: إنما الأجر على قدر الصبر. (٧/ ٥٤) * عن سفيان بن عيينة قال: لم يعط العباد أفضل من الصبر، به دخلوا الجنة. (٧/ ٣٠٥) * عن إبراهيم بن سعد قال: سمع علي بن الحسين ناعية في بيته، وعنده جماعة؛ فنهض إلى منزله، ثم رجع إلى مجلسه؛ فقيل له: أمن حدث كانت الناعية؟ قال: نعم؛ فعزوه، وتعجبوا من صبره؛ فقال: إنا أهل بيت نطيع الله فيما نحب، ونحمده فيما نكره. (٣/ ١٣٨) * عن علي بن الحسين قال: إذا كان يوم القيامة، ينادى مناد: أين أهل الصبر؟ فيقوم ناس من الناس، فيقال: على ما صبرتم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله عز وجل؛ فيقال: صدقتم، أدخلوا الجنة. (٣/ ١٣٨ - ١٣٩) * نظر إبراهيم بن أدهم إلى رجل: قد أصيب بمال، ومتاع، ووقع الحريق في دكانه؛ فاشتد جزعه، حتى خولط في عقله؛ فقال: يا عبد الله، إن المال مال الله، متعك به إذ شاء، وأخذه منك إذ شاء؛ فاصبر لأمره، ولا تجزع، فإن من تمام شكر الله على العافية: الصبر له على البلية؛ ومن قدم: وجد، ومن أخر: فقد ندم. (٨/ ٣٢ - ٣٣) * عن وهب بن منبه قال: أتى رجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أتى به، استعظم الناس مكانه، وساءهم أمره؛ فقال له صاحب شرطة الملك: ائتني بجدي نذبحه، مما يحل لك أكله، فاعطنيه، فإن الملك إذا دعا بلحم الخنزير، أتيتك به، فكله؛ فذبح جدياً، فأعطاه إياه، ثم أتى به الملك، فدعا له بلحم الخنزير، فأتى صاحب الشرط باللحم الذي كان أعطاه إياه ـ وهو: لحم الجدي ـ فأمره الملك أن يأكله، فأبى، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه، ويأمره بأكله، ويريه: أنه اللحم الذي دفعه إليه؛ فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب شرطته أن يقتله، فلما ذهب به؛ قال: ما منعك أن تأكل، وهو اللحم الذي دفعت إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره؟ قال: قد علمت أنه هو، ولكن: خفت أن يقتاس بي الناس؛ فكل من أراده على أكل لحم الخنزير، قال: قد أكله فلان، فيقتاس بي، فأكون فتنة لهم؛ فقتل. (٤/ ٥٥ - ٥٦) * عن إبراهيم بن متة السمرقندي قال: سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن عن أحمد بن حنبل؛ قلت: هو إمام؟ قال: إي والله، وكما يكون الإمام؛ إن أحمد: أخذ بقلوب الناس، إن أحمد: صبر على الفقر سبعين سنة. (٩/ ١٧٦) * لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وسهل بن عبد العزيز، ومزاحم مولى عمر ـ في أيام متتابعة ـ دخل الربيع بن سبرة عليه؛ وقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحداً، أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة؛ والله، ما رأيت مثل ابنك إبناً، ولا مثل أخيك أخاً، ولا مثل مولاك مولى قط؛ فطأطأ عمر رأسه، فقال لي رجل معي على الوسادة: لقد هيجت عليه، قال: ثم رفع رأسه، فقال: كيف قلت الآن يا ربيع؟ فأعدت عليه ما قلت أولاً، قال: لا والذي قضى عليه ـ أو قال: عليهم ـ بالموت: ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن. (٥/ ٣٣٠) * عن محمد بن عمرو قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب، قال: ما أنعم الله على عبد نعمة، ثم انتزعها منه، فعاضه مما انتزع منه الصبر؛ إلا كان ما عاضه خيراً مما انتزع منه؛ ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠] . (٥/ ٢٩٨) * عن أحمد بن محمد التستري قال: ذكروا: أنه مر عليه ـ يعني: أحمد بن حنبل ـ ثلاثة أيام، ما كان طعم فيها؛ فبعث إلى صديق له، فاستقرض شيئاً من الدقيق، فعرفوا في البيت شدة حاجته إلى الطعام؛ فخبزوا بالعجلة، فلما وضع بين يديه؛ قال: كيف عملتم خبزتم بسرعة هذا؛ فقيل له: كان التنور في دار صالح ابنه مسجرا، وخبزنا بالعجلة؛ فقال: ارفعوا، ولم يأكل، فأمر بسد بابه، إلى دار صالح. (٩/ ١٧٧) * قال بشر الحافي: لا ينبغي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إلا من يصبر على الأذى. (٨/ ٣٣٧) * وعنه قال: النظر إلى الأحمق سخنة عين، والنظر إلى البخيل يقسي القلب، ومن لم يحتمل الغم والأذى، لم يقدر أن يدخل فيما يحب. (٨/ ٣٥٠) * عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: تعودوا الصبر، فأوشك أن ينزل بكم البلاء؛ أما أنه لا يصيبنكم أشد مما أصابنا نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (١/ ٢٨٣) * عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى؛ قال: هذه المرأة السوداء، أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف؛ قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت أن يعافيك» قالت: أصبر، ولكن: أدع الله أن لا أتكشف، فدعا لها. (٢/ ٧٢) الصدع بالحق * عن أبي ذر - رضي الله عنه أن رجلاً أتاه، فقال: إن مصدقي عثمان ازدادوا علينا، أنغيب عنهم، بقدر ما ازدادوا علينا؟ فقال: لا، قف مالك، وقل: ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلاً فذروه، فما تعدوا عليك، جعل في ميزانك يوم القيامة ـ وعلى رأسه فتى من قريش ـ؛ فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال: أرقيب أنت علي؟ فوالذي نفسي بيده، لو وضعتم الصمصامة ههنا، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تحتزوا، لأنفذتها. (١/ ١٦٠) * قال عمر بن الخطاب: إن لله عباداً: يميتون الباطل بهجره، ويحيون الحق بذكره، رغبوا فرعبوا، ورهبوا فرهبوا، خافوا فلا يأمنون، أبصروا من اليقين مالم يعاينوا، فخلطوه بما لم يزايلوه، أخلصهم الخوف؛ فكانوا يهجرون ما ينقطع عنهم، لما يبقى لهم الحياة عليهم نعمة، والموت لهم كرامة؛ فزوجوا الحور العين، وأُخدموا الولدان المخلدين. (١/ ٥٥) * عن يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قال: ما رأيت أحداً أصفق وجهاً في ذات الله، من سفيان الثوري. (٧/ ١٣) * عن خالد بن معدان قال: من التمس المحامد في مخالفة الحق، رد الله تلك المحامد عله ذماً؛ ومن اجترأ على الملاوم في موافقة الحق، رد الله تلك الملاوم عليه حمداً. (٥/ ٢١٣ - ٢١٤) * عن سعيد الثعلبي قال: لما خرج إبراهيم ومحمد على أبي جعفر المنصور، أراد أهل الثغور أن يعينوه عليهما، فأبوا ذلك، فوقع في يد ملك الروم الألوف من المسلمين أسرى، وكان ملك الروم يحب أن يفادى بهم، ويأبى أبو جعفر؛ فكتب الأوزاعي إلى أبي جعفر كتاباً: أما بعد، فإن الله تعالى إسترعاك أمر هذه الأمة، لتكون فيها بالقسط قائماً، وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - في خفض الجناح والرأفة متشبها؛ وأسأل الله تعالى: أن يسكن على أمير المؤمنين دهماء هذه الأمة، ويرزقه رحمتها؛ فإن سايحة المشركين: غلبت عام أول، وموطؤهم حريم المسلمين، واستنزالهم العواتق والذراري من المعاقل والحصون، وكان ذلك بذنوب العباد، وما عفا الله عنه أكثر؛ فبذنوب العباد: استنزلت العواتق والذرارى، من المعاقل والحصون، لا يلقون لهم ناصراً، ولاعنهم مدافعاً، كاشفات عن رؤسهن وأقدامهن؛ فكان ذلك بمرأى ومسمع، وحيث ينظر الله إلى خلقه وإعراضهم عنه؛ فليتق الله أمير المؤمنين، وليتبع بالمفادات بهم من الله سبيلاً، وليخرج من محجة الله تعالى، فإن الله تعالى قال لنبيه: ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا؛ والله يا أمير المؤمنين: ما لهم يومئذ فيء موقوف، ولا ذمة تؤدى خراجاً، إلا خاصة أموالهم؛ وقد بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إني لأسمع بكاء الصبي خلفي في الصلاة، فأتجوز فيها، مخافة أن تفتتن أمه؛ فكيف بتخليتهم يا أمير المؤمنين في أيدي عدوهم؟ يمتهنونهم، ويتكشفون منهم مالا نستحله نحن إلا بنكاح، وأنت راعي الله، والله تعالى فوقك، ومستوف منك يوم توضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل، أتينا بها، وكفى بنا حاسبين؛ فلما وصل إليه كتابه، أمر بالفداء. (٦/ ١٣٥ - ١٣٦) * حج سليمان بن عبد الملك، فخرج حاجبه ذات يوم، فقال: إن أمير المؤمنين قال: ابعثوا إلي فقيها أسأله عن بعض المناسك؛ قال: فمر طاووس، فقالوا: هذا طاووس اليماني، فأخذه الحاجب، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: اعفني، فأبى؛ قال: فأدخله عليه، فقال طاووس: فلما وقفت بين يديه، قلت: إن هذا المجلس، يسألني الله عنه؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن صخرة كانت على شفير جب في جهنم، هوت فيها سبعين خريفاً، حتى استقرت قرارها؛ أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا، ثم قال: ويلك، لمن أعدها الله؟ قلت: لمن أشركه الله في حكمه فجار، قال: فبكا لها. (٤/ ١٥) * عن الزهري قال: نظر سليمان بن عبد الملك إلى رجل يطاف به بالكعبة، له جمال وتمام؛ فقال: يا ابن شهاب، من هذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، هذا طاووس اليماني، وقد أدرك عدة من الصحابة؛ فأرسل إليه سليمان، فاتاه، فقال: لو ما حدثتنا؛ فقال: حدثني أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «إن أهون الخلق على الله: من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فلم يعدل فيهم» . فتغير وجه سليمان، فاطرق طويلاً، ثم رفع رأسه، فقال: لو ما حدثتنا؛ فقال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد علياً ـ قال: دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، فقال: «إن لكم على قريش حقاً، ولهم على الناس حق: ما استرحموا فرحموا، واستحكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا؛ فمن لم يفعل ذلك، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» . فتغير وجه سليمان، فاطرق طويلاً، ثم رفع رأسه، فقال: لو ما حدثتني؛ فقال: حدثني ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن آخر أية نزلت في كتاب الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: ٢٨١] الآية. (٤/ ١٥ - ١٦) * عن المفضل بن مهلهل قال: خرجت حاجاً مع سفيان، فلما صرنا إلى مكة، وافينا الأوزاعي بها، فاجتمعنا: أنا، الأوزاعي، وسفيان، في دار؛ قال: وكان على الموسم: عبد الصمد بن علي الهاشمي، فدق داق الباب، فقلنا: من هذا؟ قال: الأمير؛ فقام الثوري، فدخل المخدع، وقام الأوزاعي، فتلقاه؛ فقال له عبد الصمد بن علي: من أنت أيها الشيخ؟ قال: أبو عمرو الأوزاعي، قال: حياك الله بالسلام؛ أما إن كتبك كانت تأتينا، فكنا نقضي حوائجك؛ ما فعل سفيان الثوري؟ قال: قلت: دخل المخدع؛ فدخل الأوزاعي في إثره، فقال: إن هذا الرجل، ما قصد إلا قصدك؛ فخرج سفيان مغضباً، فقال: سلام عليكم، كيف أنتم؟ فقال له عبد الصمد: أتيتك، أكتب هذه المناسك عنك؛ فقال له سفيان: أولا أدلك على ما هو أنفع لك منها؟ قال: وما هو؟ قال: تدع ما أنت فيه؛ فقال: وكيف أصنع بأمير المؤمنين أبي جعفر؟ قال: إن أردت الله، كفاك أبا جعفر؛ فقال له الأوزاعي: يا أبا عبد الله، إن هؤلاء: ليس يرضون منك، إلا بالأعظام لهم، فقال له: يا أبا عمرو، إنا لسنا نقدر أن نضربهم، وإنما نؤذيهم بمثل هذا الذي ترى؛ قال مفضل: فالتفت إلى الأوزاعي، فقال: قم بنا من هاهنا، فإني لا آمن من هذا، يبعث من يضع في رقابنا حبالاً، وإن هذا ما يبالي. (٧/ ٣٩) * عن يحيى بن سعيد بن حبان عن أبيه، قال: جمع المختار رباع أهل الكوفة على صحيفة مختومة: يبايعون على ما فيها، ويقرون بها؛ فقلت: لأنظرن ما يصنع الحارث بن سويد، فلما دعيت، إذا هو بين يدي القوم، فمشيت إلى جنبه؛ فقلت: يا أبا عائشة، أتدري ما في هذه الصحيفة؟ قال: إليك عني، فإني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما كنت لأدع قولاً أقوله، أدرأ به عني سوطين. (٤/ ١٢٧) * عن أبي حيان التيمي عن أبيه، قال: دعا الناس المختار إلى كتاب مختوم ليبايعوه، ويقروا بما فيه، لا يدرون ما فيه؛ قال: فانطلق الحي، وانطلقت معهم، قال: وبعضنا سعى ببعض؛ فنظرت، فإذا الحارث بن سويد أمام القوم، فقال له أحدنا: يا أبا عائشة، ما رأيت مثل ما تمشي فيه منيباً إلى كتاب مختوم، لا يدرى ما فيه، أكفر فيه، أم سحر؟ قال: دعنا منك أيها الرجل، إني سمعت عبد الله يقول: ما من كلام أتكلم به لدى سلطان، يدرأ به عني سوط، إلا كنت متكلماً لديه. (٤/ ١٢٧ - ١٢٨) * عن طلحة بن عبد الملك الإيلي قال: دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك، وعنده أيوب ابنه، وهو يومئذ ولي عهده، قد عقد له من بعده؛ فجاء إنسان يطلب ميراثاً من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء، يرثن في العقار شيئاً؛ فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله، وأين كتاب الله؛ فقال: يا غلام، إذهب، فأتني بسجل عبد الملك بن مروان، الذي كتب في ذلك، فقال له عمر: لكأنك أرسلت إلى المصحف؛ قال أيوب: والله، ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين، ثم لا يشعر، حتى تفارقه رأسه؛ فقال له عمر: إذا أفضى الأمر إليك وإلى مثلك، فما يدخل على هؤلاء، أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا؛ فقال سليمان: مه، ألأبي حفص تقول هذا؟ قال عمر: والله، لئن كان جهل علينا يا أمير المؤمنين، ما حلمنا عنه. (٥/ ٢٨٠ - ٢٨١) * عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير عن أبيه، قال: أخرج معاوية غنائم قبرص إلى طرسوس، من ساحل حمص، ثم جعلها هناك في كنيسة، يقال لها: كنيسة معاوية؛ ثم قام في الناس، فقال: إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم: سهم لكم، وسهم للسفن، وسهم للقبط، فإنه لم يكن لكم قوة على عدو البحر، إلا بالسفن والقبط؛ فقام أبو ذر، فقال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، على: أن لا تأخذني في الله لومة لائم: أتقسم يا معاوية للسفن سهماً، وإنما هي فيئنا؛ وتقسم للقبط سهما، وإنما هم أجراؤنا؟ فقسمها معاوية على قول أبي ذر. (٥/ ١٣٤) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن مغيرة قال: جاء ابن أبي نعيم إلى الحجاج، وهو يقتل في الجماجم؛ فقال: يا حجاج، لا تسرف في القتل، إنه كان منصوراً؛ قال: والله، لقد هممت أن أروى الأرض من دمك؛ قال: يا حجاج، ما في بطنها أكثر مما على ظهرها؛ فلم يقتله. (٥/ ٧٠) * عن ابن عائشة عن أبيه قال: حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة، فاجتهد أن يستلم الحجر، فلم يمكنه؛ وجاء علي بن الحسين، فوقف له الناس، وتنحوا، حتى استلمه؛ قال: ونصب لهشام منبر، فقعد عليه؛ فقال له أهل الشام: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعرفه؛ فقال الفرزدق: لكني أعرفه، هذا علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم يكاد يمسكه عرفان راحته ... عند الحطيم إذا ما جاء يستلم إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف ما أنكرت والعجم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... ولا يكلم إلا حين يبتسم (٣/ ١٣٩) * عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أن فاد بأسارى المسلمين، وإن أحاط ذلك بجميع مالهم. (٥/ ٣١٢) * دخل سليمان بن عبد الملك المدينة حاجاً، فقال: هل بها رجل أدرك عدة من الصحابة؟ قالوا: نعم، أبو حازم؛ فأرسل إليه، فلما أتاه، قال: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال: ونصف جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني، ولم تأتني؛ قال: والله، ما عرفتني قبل هذا، ولا أنا رأيتك، فأي جفاء رأيت مني؛ فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال: أصاب الشيخ، وأخطأت أنا؛ فقال: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟ فقال: عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب؛ قال: صدقت، فقال: يا أبا حازم، ليت شعري، ما لنا عند الله تعالى غداً؟ قال: إعرض عملك على كتاب الله عز وجل، قال: وأين اجده من كتاب الله تعالى، قال: قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار:١٣ـ١٤] . قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبوحازم: {قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [لأعراف: ٥٦] . قال سليمان: ليت شعري، كيف العرض على الله غداً؟ قال أبوحازم: أما المحسن، كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء، كالآبق يقدم به على مولاه؛ فبكى سليمان، حتى علا نحيبه، واشتد بكاؤه؛ فقال: يا أبا حازم، كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصلف، وتمسكوا بالمروءة، وتقسموا بالسوية، وتعدلوا في القضية؛ قال: يا أبا حازم، وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه بحقه، وتضعه بحقه في أهله؛ قال: يا أبا حازم، من أفضل الخلائق؟ قال: أولوا المروءة والنهى؛ قال: فما أعدل العدل؟ قال: كلمة صدق عند من ترجوه وتخافه؛ قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال: دعاء المحسن للمحسنين؛ قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقل، إلى يد البائس الفقير، لا يتبعها من، ولا أذى؟ قال: يا أبا حازم، من أكيس الناس؟ قال: رجل ظفر بطاعة الله تعالى، فعمل بها، ثم دل الناس عليها؛ قال: فمن أحمق الخلق؟ قال: رجل اغتاظ في هوى أخيه وهو ظالم له، فباع آخرته بدنياه؛ قال: يا أبا حازم، هل لك أن تصحبنا، وتصيب منا، ونصيب منك؟ قال: كلا؛ قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركن إليكم شيئاً قليلا، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات، ثم لا يكون لي منه نصيراً؛ قال: يا أبا حازم، إرفع إلي حاجتك؛ قال: نعم، تدخلني الجنة، وتخرجني من النار؛ قال: ليس ذاك إلي؛ قال: فما لي حاجة سواها؛ قال: يا أبا حازم، فادع الله لي؛ قال: نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك، فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان من أعدائك، فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى؛ قال سليمان: قط؛ قال أبو حازم: قد أكثرت وأطنبت إن كنت أهله، وإن لم تكن أهله، فما حاجتك أن ترمي عن قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل نصيحة تلقيها إلي؛ قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر، فأخذوه عنوة بالسيف، من غير مشورة، ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة، وارتحلوا؛ فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم؟ فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت؛ قال أبو حازم: كذبت، إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق، ليبيننه للناس ولا يكتمونه؛ قال: يا أبا حازم، أوصني؛ قال: نعم، سوف أوصيك وأوجز: نزه الله تعالى، وعظمه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك؛ ثم قام، فلما ولى، قال: يا أبا حازم، هذه مائة دينار، أنفقها، ولك عندي أمثالها كثير؛ فرمى بها، وقال: والله، ما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي؟ أني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً، وردي عليك بذلاً، إن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما ورد ماء مدين، قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: ٢٤] . فسأل موسى عليه السلام ربه عز وجل، ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان، ولم تفطن الرعاة لما فطنتا إليه؛ فأتيا أباهما ـ وهو: شعيب عليه السلام ـ فأخبرتاه خبره، قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعاً، ثم قال لإحداهما: إذهبي أدعيه، فلما أتته، أعظمته، وغطت وجهها؛ ثم قالت: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ} [القصص: ٢٥] . فلما قالت: لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا . كره موسى عليه السلام ذلك، وأراد أن لا يتبعها، ولم يجد بداً من أن يتبعها، لأنه كان في أرض مسبعة وخوف؛ فخرج معها، وكانت امرأة ذات عجز، فكانت الرياح تصرف ثوبها، فتصف لموسى عليه السلام عجزها، فيغض مرة، ويعرض أخرى؛ فقال: يا أمة الله، كوني خلفي؛ فدخل موسى إلى شعيب عليهما السلام، والعشاء مهيأ، فقال: كل، فقال موسى عليه السلام لا، قال شعيب: ألست جائعاً؟ قال: بلى، ولكني من أهل بيت لا يبيعون شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، أخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما؛ قال شعيب عليه السلام لا يا شاب، ولكن هذه عادتي وعادة آبائي، قرى الضيف، وإطعام الطعام؛ قال: فجلس موسى عليه السلام، فأكل. فإن كانت هذه المائة دينار عوضاً عما حدثتك، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل منه، وإن كان من مال المسلمين، فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم، وإلا فلا حاجة لي فيها؛ إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى، حيث كانت أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نكسوا، ونفسوا، وسقطوا من عين الله تعالى، وآمنوا بالجبت والطاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم، ويشاركونهم في دنياهم، وشركوا معهم في قتلهم؛ قال ابن شهاب: يا أبا حازم، إياي تعني، أو بي تعرض؟ قال: ما إياك اعتمدت، ولكن ما تسمع؛ قال سليمان: يا بن شهاب، تعرفه؟ قال: نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته كلمة قط؛ قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أجبت الله لأجبتني؛ قال ابن شهاب: يا أبا حازم، تشتمني؟ قال سليمان: ما شتمك، ولكن شتمتك نفسك، أما علمت: أن للجار على الجار حقاً كحق القرابة؛ فلما ذهب أبو حازم، قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين، تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟ قال: لا. (٣/ ٢٣٤ـ٢٣٧) * وعنه أيضاً أنه قال: ما من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائر. (٤/ ٨٧) * قال الحارث بن سريج: دخلت مع الشافعي على خادم الرشيد، وهو في بيت قد فرش بالديباج، فلما وضع الشافعي رجله على العتبة أبصر الديباج، فرجع ولم يدخل، فقال له الخادم: ادخل، فقال: لا يحل افتراش هذا، فقام الخادم متمشيا، حتى دخل بيتا قد فرش بالأرميني، ثم دخل الشافعي، فأقبل عليه، وقال: هذا حلال وذاك حرام، وهذا أحسن من ذاك وأكثر ثمناً منه، فتبسم الخادم وسكت. (٩/ ١٢٦ - ١٢٧) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن معاوية بن أبي سفيان: أنه خطب الناس، وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة، فقال له أبو مسلم: يا معاوية، إن هذا المال ليس بمالك، ولا مال أبيك، ولا مال أمك، فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا، ونزل فاغتسل، ثم رجع فقال: أيها الناس، إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا بمال أبي ولا أمي، وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفىء النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل» . اغدوا على عطاياكم على بركة الله عز وجل (٥/ ١٧٩) * عن علي بن زيد بن جدعان قال: قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج , لا يبعث إليك، ولا يهيجك، ولا يؤذيك؟ قال: والله ما أنه صلى ذات يوم مع أبيه صلاة، فجعل لا يتم ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفا من حصباء فحصبته بها، قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة. (٢/ ١٦٥) * عن محمد بن أبي القاسم قال: وعظ عابد جباراً، فأمر به، فقطعت يداه ورجلاه وحمل إلى متعبده، فجاء إخوانه يعزونه، فقال: لا تعزوني، ولكن هنئوني بما ساق الله إلي، ثم قال: إلهي أصبحت في منزلة الرغائب أنظر إلى العجائب، إلهي أنت تتودد بنعمك إلى من يؤذيك، فكيف توددك إلى من يؤذى فيك. (١٠/ ١٣٥ - ١٣٦) * عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: أقمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فعلمني الإسلام، وقرأت من القرآن شيئاً؛ فقلت: يا رسول الله، إني أريد أن أظهر ديني؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «إني أخاف عليك أن تقتل» قلت: لا بد منه، وإن قتلت؛ قال: فسكت عني، فجئت، وقريش حلقاً يتحدثون في المسجد، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ فانتقضت الخلق، فقاموا فضربوني، حتى تركوني كأني نصب أحمر، وكانوا يرون أنهم قد قتلوني؛ فأفقت، فجئت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأى ما بي من الحال؛ فقال لي: «ألم أنهك؟» فقلت: يا رسول الله، كانت حاجة في نفسي فقضيتها؛ فأقمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: إلحق بقومك، فإذا بلغك ظهوري، فأتني. (١/ ١٥٨) * عن جعفر بن مرزوق قال: بعث ابن هبيرة إلى ابن سيرين، والحسن، والشعبي؛ قال: فدخلوا عليه؛ فقال لابن سيرين: يا أبا بكر، ماذا رأيت منذ قربت من بابنا؟ قال: رأيت ظلماً فاشياً؛ قال: فغمزه ابن أخيه بمنكبه، فالتفت إليه ابن سيرين، فقال: إنك لست تسأل، إنما أنا اسأل؛ فأرسل إلى الحسن بأربعة آلاف، وإلى ابن سيرين بثلاثة آلاف، وإلى الشعبي بألفين؛ فأما ابن سيرين فلم يأخذها. (٢/ ٢٦٨) * عن عون ابن أبي شداد العبدي قال: بلغني أن الحجاج بن يوسف: لما ذكر له سعيد ابن جبير، أرسل إليه قائداً من أهل الشام، من خاصة أصحابه، يسمى: المتلمس ابن الأحوص، ومعه عشرون رجلاً من أهل الشام، من خاصة أصحابه؛ فبينما هم يطلبونه، إذا هم براهب في صومعة له، فسألوه عنه؛ فقال الراهب: صفوه لي؛ فوصفوه له، فدلهم عليه؛ فانطلقوا، فوجدوه ساجداً، يناجي بأعلى صوته؛ فدنوا منه، فسلموا عليه، فرفع رأسه، فأتم بقية صلاته، ثم رد عليهم السلام؛ فقالوا: إنا رسل الحجاج إليك، فأجبه؛ قال: ولا بد من الإجابة؟ قالوا: لا بد من الإجابة؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه؛ ثم قام، فمشى معهم، حتى انتهى إلى دير الراهب؛ فقال الراهب: يا معشر الفرسان، أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم، فقال لهم: اصعدوا الدير، فأن اللبوة والأسد يأويان حول الدير، فعجلوا الدخول قبل المساء؛ ففعلوا ذلك، وأبى سعيد أن يدخل الدير؛ فقالوا: ما نراك، إلا وأنت تريد الهرب منا؛ قال: لا، ولكن لا أدخل منزل مشرك أبداً؛ قالوا: فإنا لا ندعك، فإن السباع تقتلك؛ قال سعيد: لا ضير، إن معي ربي، فيصرفها عني، ويجعلها حرساً حولي يحرسونني من كل سوء إن شاء الله؛ قالوا: فأنت من الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء، ولكن عبد من عبيد الله، خاطئ مذنب؛ قال الراهب: فليعطني ما أثق به على اطمأنينته؛ فعرضوا على سعيد: أن يعطي للراهب ما يريد؛ قال سعيد: إني أعطي العظيم الذي لا شريك له، لا أبرح مكاني حتى أصبح إن شاء الله، فرضي الراهب ذلك؛ فقال لهم: اصعدوا، وأوتروا القسي، لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح، فإنه كره الدخول علي في الصومعة لمكانكم؛ فلما صعدوا، وأوتروا القسي، إذا هم بلبوة قد أقبلت؛ فلما دنت من سعيد: تحاكت به، وتمسحت به، ثم ربضت قريباً منه، وأقبل الأسد، فصنع مثل ذلك؛ فلما رأى الراهب ذلك، وأصبحوا، نزل إليه؛ فسأله عن شرائع دينه، وسنن رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ ففسر له سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب، وحسن إسلامه؛ وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه، ويقبلون يديه ورجليه، ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل، فصلوا عليه؛ فيقولون: يا سعيد، قد حلفنا الحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك: لا ندعك، حتى نشخصك إليه، فمرنا بما شئت؛ قال: امضوا لأمركم، فإني لائذ بخالقي، ولا راد لقضائه؛ فساروا، حتى بلغوا واسطاً، فلما انتهوا إليها؛ قال لهم سعيد: يا معشر القوم، قد تحرمت بكم وبصحبتكم، ولست أشك أن أجلي قد حضر، وأن المدة قد انقضت، فدعوني الليلة: آخذا أهبة الموت، واستعد لمنكر ونكير، واذكر عذاب القبر، وما يحثى علي من التراب؛ فإذا أصبحتم، فالميعاد بيني وبينكم: الموضع الذي تريدون؛ قال بعضهم: لا نريد أثراً بعد عين، وقال بعضهم: قد بلغتم أملكم، واستوجبتم جوائزكم من الأمير، فلا تعجزوا عنه؛ فقال بعضهم: يعطيكم ما أعطى الراهب، ويلكم، أما لكم عبرة بالأسد كيف تحاكت به، وتمسحت به، وحرسته إلى الصباح، فقال بعضهم: هو على أدفعه إليكم إن شاء الله؛ فنظروا إلى سعيد: قد دمعت عيناه، وشعث رأسه، واغبر لونه، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم يضحك منذ يوم لقوه وصحبوه؛ فقالوا بجماعتهم: يا خير أهل الأرض، ليتنا لم نعرفك، ولم نسرح إليك، الويل لنا ويلاً طويلاً: كيف ابتلينا بك؟ اعذرنا عند خالقنا بوم الحشر الأكبر، فإنه القاضي الأكبر، والعدل الذي لا يجور؛ فقال سعيد: ما أعذرني لكم، وأرضاني لما سبق من علم الله تعالى في؛ فلما فرغوا من البكاء، والمجاوبة، والكلام فيما بينهم، قال كفيله: أسألك بالله يا سعيد، لما زودتنا من دعائك وكلامك، فإنا لن نلقى مثلك أبداً، ولا نرى أنا نلتقي إلى يوم القيامة؛ قال: ففعل ذلك سعيد، فخلوا سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه، وهم مختفون الليل كله، ينادون بالويل واللهف؛ فلما انشق عمود الصبح: جاءهم سعيد بن جبير، فقرع الباب، فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة، فنزلوا إليه، وبكوا معه طويلاً، ثم ذهبوا به إلى الحجاج، وآخر معه؛ فدخلا إلى الحجاج، فقال الحجاج: اتيتموني بسعيد بن جبير؟ قالوا: نعم، وعاينا منه العجب، فصرف بوجهه عنهم؛ فقال: ادخلوه علي، فخرج المتلمس، فقال لسعيد: استودعتك الله، واقرأ عليك السلام؛ قال: فأدخل عليه، فقال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: أنت الشقي بن كسير؟ قال: بل كانت أمي أعلم باسمي منك؛ قال: شقيت أنت، وشقيت أمك؛ قال: الغيب يعلمه غيرك؛ قال: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى؛ قال: لو علمت أن ذلك بيدك، لاتخذتك إلها؛ فقال: فما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة، إمام الهدى عليه الصلاة والسلام؛ قال: فما قولك في علي، في الجنة هو، أوفى النار؟ قال: لو دخلتها، فرأيت أهلها، عرفت من فيها؛ قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل؛ قال: فأيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي؛ قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم؛ قال: أبيت أن تصدقني؟ قال: إني لم أحب أن أكذبك؛ قال: فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من الطين، والطين تأكله النار؛ قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب؛ قال: ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فجمعه بين يدي سعيد بن جبير؛ فقال له سعيد: إن كنت جمعت هذه لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة: تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدنيا، إلا ما طاب وزكا؛ ثم دعا الحجاج بالعود والناي، فلما ضرب بالعود، ونفخ في الناي: بكى سعيد بن جبير؛ فقال له: ما يبكيك؟ هو اللهو؛ قال سعيد: بل هو الحزن، أما النفخ: فذكرني يوماً عظيماً، يوم ينفخ في الصور؛ وأما العود: فشجرة قطعت في غير حق؛ وأما الأوتار: فأنها معاء الشاء، يبعث بها معك يوم القيامة؛ فقال الحجاج: ويلك يا سعيد؛ فقال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة، وأدخل النار؛ فقال الحجاج: اختر يا سعيد، أي قتلة تريد أن أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله، ما تقتلني قتلة، إلا فتلك الله مثلها في الآخرة؛ قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو، فمن الله، وأما أنت: فلا براءة لك، ولا عذر؛ قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج من الباب ضحك، فأخبر الحجاج بذلك، فأمر برده؛ فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جراءتك على الله، وحلم الله عنك؛ فأمر بالنطع، فبسط؛ فقال: اقتلوه؛ فقال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين؛ قال: شدوا به لغير القبلة؛ قال سعيد: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] قال: كبوه لوجهه؛ قال سعيد: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: ٥٥] قال الحجاج: اذبحوه؛ قال سعيد: أما أني أشهد وأحاج: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، خذها مني، حتى تلقاني يوم القيامة؛ ثم دعا سعيد الله، فقال: اللهم، لا تسلطه على أحد يقتله بعدي؛ فذبح على النطع رحمه الله؛ قال: وبلغنا أن الحجاج عاش بعده خمسة عشر ليلة، ووقع الآكلة في بطنه، فدعا بالطبيب لينظر إليه، فنظر إليه، ثم دعا بلحم منتن، فعلقه في خيط، ثم أرسله في حلقه، فتركها ساعة، ثم استخرجها، وقد لزق به من الدم؛ فعلم أنه ليس بناج؛ وبلغنا، أنه كان ينادي بقية حياته: مالي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلي. (٤/ ٢٩١ـ٢٩٤) صفات الصالحين * عن حاتم الأصم قال: اطلب نفسك في أربعة أشياء: العمل الصالح بغير رياء، والأخذ بغير طمع، والعطاء بغير منة، وإلا إمساك بغير بخل. (٨/ ٨٣) * عن أبي سليمان الداراني قال: أهل المعرفة: دعاؤهم غير دعاء الناس، وهمتهم غير همة الناس. (٩/ ٢٥٦) * عن حاتم الأصم قال: لا يغلب المؤمن عن خمسة أشياء: عن الله عز وجل، وعن القضاء، وعن الرزق، وعن الموت، وعن الشيطان. (٨/ ٧٩) * عن شقيق البلخي قال: المؤمن مشغول بخصلتين، والمنافق مشغول بخصلتين: المؤمن: بالعبر والتفكر، والمنافق: بالحرص والأمل. (٨/ ٧٩) * عن حاتم الأصم قال: إذا رأيتم من الرجل ثلاث خصال، فاشهدوا له بالصدق: إذا كان لا يحب الدراهم، ويسكن قلبه بهذين الرغيفين، ويعزل قلبه من الناس. (٨/ ٧٧) * عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: رضى الناس غاية لا تدرك، وليس لي إلى السلامة من سبيل؛ فعليك بما ينفعك فالزمه. (٩/ ١٢٢) * عن يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال: سمعت الشافعي يقول: يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء؛ فكن بين المنقبض، والمنبسط. (٩/ ١٢٢) * عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: المؤمن: قليل الكلام، كثير العمل؛ والمنافق: كثير الكلام، قليل العمل؛ كلام المؤمن حكم، وصمته تفكر، ونظره عبرة، وعمله بر؛ وإذا كنت كذا: لم تزل في عبادة. (٨/ ٩٨) * عن حاتم قال: سمعت شقيقاً البلخي يقول: مثل المؤمن: كمثل رجل، غرس نخلة، وهو يخاف أن يحمل شوكاً؛ ومثل المنافق: كمثل رجل، زرع شوكاً، وهو يطمع أ يحصد تمراً؛ هيهات هيهات؛ كل من عمل حسناً فإن الله لا يجزيه إلا حسناً، ولا تنزل الأبرار منازل الفجار. (٨/ ٧١) * عن يوسف بن أسباط قال: الأشياء ثلاثة: حلال بين، وحرام بين لا شك فيه، وشبهات بين ذلك؛ فالمؤمن: من إذا لم يجد الحلال، يتناول من الشبهات ما يقيمه. (٨/ ٢٣٩) * عن أبي سليمان الداراني قال: جلساء الرحمن يوم القيامة: من جعل فيهم خصال باقية: الكرم، والحلم، والعلم، والحكمة، والرحمة، والرأفة، والفضل، والصفح، والإحسان، والعطف، والبر، واللطف. (٩/ ٢٦٦) * عن ذي النون قال: وقال بعضهم علم القوم: بأن الله يراهم على كل حال، فاحترزوا به عمن سواه؛ فقال له غيره من أصحابه من الزهاد ـ وكان حاضرا بمجلسه، يقال له طاهر ـ: يا أبا الفيض، رحمك الله، بل نظروا بعين اليقين، إلى محبوب القلب، فرأوه في كل حالة موجوداً، وفي كل لمحة ولحظة قريباً، وبكل رطب ويابس عليما، وعلى كل ظاهر وباطن شهيداً، وعلى كل مكروه ومحبوب قائماً، وعلى تقريب العبيد وتبعيد القريب مقتدراً؛ ولهم في كل الأحوال والأعمال سائساً، ولما يريدهم به موفقاً، فاستغنوا بسياسته، وتدبيره، وتقويته: عن تدبير أنفسهم؛ وخاضوا البحار، وقطعوا القفار، بروح النظر إلى نظره البهيج؛ وخرقوا الظلمات بنور مشاهدته، وتجرعوا المرارات بحلاوة وجوده، وكابدوا الشدائد، واحتملوا الأذى في جنب قربه، وإقيان عليهم؛ وخاطروا بالنفوس فيما يعلمون، ويحملون ثقة منهم باجتيازه، ورضوا بما يضعهم فيه من الأحوال: محبة منهم لإرادته، وموافقة لرضاه، ساخطين على أنفسهم، معرفة منهم بحقه، واستعدادا للعقوبة بعدله عليهم؛ فأداهم ذلك إلى الابتلاء منه، فلم تسع عقولهم، ومفاصلهم، وقلوبهم محبة لغيره، ولم تبق زنة خردلة منه خالية منه، ولا باقياً فيهم سواه؛ فهم له بكليتهم، وهو لهم حظ في الدنيا والآخرة، وقد رضي عنهم ورضوا عنه، وأحبهم فأحبوه، وكانوا له وكان لهم، وآثروه وآثرهم، وذكروه فذكرهم؛ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢] . فصاح عند ذلك ذو النون، وقال: أين هؤلاء، وكيف الطريق إليهم، وكيف المسلك؟ فصاح به: يا أبا الفيض، الطريق مستقيم، والحجة واضحة؛ فقال له: صدقت والله يا أخي، فالهرب إليه، ولا تعرج إلى غيره. (٩/ ٣٥٢/٣٥٣) * عن ذي النون قال: إن المؤمن إذا آمن بالله، واستكحم إيمانه: خاف الله، فإذا خاف الله: تولدت من الخوف هيبة الله، فإذا سكن درجة الهيبة: دامت طاعته لربه، فإذا أطاع: تولدت من الطاعة الرجاء، فإذا سكن درجة الرجاء: تولدت من الرجاء المحبة، فإذا استحكمت معاني المحبة في قلبه: سكن بعدها درجة الشوق، فإذا اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله، فاذا أنس بالله: اطمأن إلى الله، فإذا اطمأن إلى الله: كان ليله في نعيم، ونهاره في نعيم، وسره في نعيم، وعلانيته في نعيم. (٩/ ٣٥٩ - ٣٦٠) * عن محمد بن أحمد الشمشاطي قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إن لله عباداً، أسكنهم دار السلام: فأخمصوا البطون عن مطاعم الحرام، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام، وقيدوا الجوارح عن فضول الكلام، وطووا الفرش، وقاموا جوف الظلام، وطلبوا الحور الحسان، من الحي الذي لا ينام؛ فلم يزالوا في نهارهم صياماً، وفي ليلهم قياماً، حتى أتاهم ملك الموت عليه السلام (٩/ ٣٦٠) * عن أبي عبد الله الساجي قال: خمس خصال ينبغي للمؤمن أن يعرفها: إحداهن: معرفة الله تعالى، والثانية: معرفة الحق، والثالثة: إخلاص العمل لله، والرابعة: العمل بالسنة، والخامسة: أكل الحلال؛ فإن عرف الله، ولم يعرف الحق: لم ينتفع بالمعرفة؛ وإن عرف، ولم يخلص العمل لله: لم ينتفع بمعرفة الله؛ وإن عرف، ولم يكن على السنة: لم ينفعه؛ وإن عرف، ولم يكن المأكل من حلال: لم ينتفع به بالخمس؛ وإذا كان من حلال: صفا له القلب، فأبصر به أمر الدنيا والآخرة؛ وإن كان من شبهة: اشتبهت عليه الأمور بقدر المأكل؛ وإذا كان من حرام: أظلم عليه أمر الدنيا والآخرة؛ وإن وصفه الناس بالبصر: فهو أعمى، حتى يتوب. (٩/ ٣١٠) * عن الفضيل بن عياض قال: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان: حتى يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وحتى لا يبالي من أكل الدنيا، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله عز وجل (٨/ ٩٤) * عن الفضيل بن عياض قال: حرام على قلوبكم: أن تصيبوا حلاوة الإيمان، حتى تزهدوا في الدنيا. (٨/ ٩٤) * عن أبي الفيض ذي النون المصري قال: إن لله صفوة من خلقه، وأن لله لخيره من خلقه. قيل له: يا أبا الفيض، فما علامتهم؟ قال: إذا خلع العبد الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة. قيل له: يا أبا الفيض، فما علامة إقبال الله عز وجل على العبد؟ قال: إذا رأيته صابراً، شاكراً، ذاكراً؛ فذلك علامة إقبال الله على العبد. قيل: فما علامة إعراض الله عن العبد؟ قال: إذا رأيته ساهياً، راهباً، معرضاً عن ذكر الله؛ فذاك حين يعرض الله عنه؛ ثم قال: ويحك، كفى بالمعرض عن الله، وهو يعلم أن الله مقبل عليه، وهو معرض عن ذكره , قيل له: يا أبا الفيض، فما علامة الأنس بالله؟ قال: إذا رأيته: يؤنسك بخلقه، فإنه يوحشك من نفسه؛ وإذا رأيته يوحشك من خلقه: فإنه يؤنسك بنفسه؛ ثم قال أبو الفيض: الدنيا والخلق لله عبيد، خلقهم للطاعة، وضمن لهم أرزاقهم، ونهاهم، وحذرهم، وأنذرهم؛ فحرصوا على ما نهاهم الله عنه، وطلبوا الأرزاق، وقد ضمنها الله لهم، فلا هم في أرزاقهم استزادوا؛ ثم قال: عجبا لقلوبكم: كيف لا تتصدع؟ ولأجسامكم: كيف لا تتضعضع؟ إذا كنتم تسمعون ما أقول لكم وتعقلون. (٩/ ٣٤٣) * قال الفضيل بن عياض: لم يدرك عندنا من أدرك: بكثرة صيام، ولا صلاة؛ وإنما أدرك: بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة. (٨/ ١٠٣) * عن أبي حازم المديني قال: من أعظم خصلة المؤمن: أن يكون أشد خوفاً على نفسه، وأرجاه لكل مسلم. (٨/ ٥٤) * عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: يا سفيه، ما أجهلك، ألا ترضى أن تقول: أنا مؤمن، حتى تقول: أنا مستكمل الإيمان! لا والله، لا يستكمل العبد الإيمان: حتى يؤدي ما افترض الله تعالى عليه، ويجتنت ما حرم الله تعالى عليه، ويرضى بما قسم الله تعالى له؛ ثم يخاف مع ذلك: ألا يتقبل منه. (٨/ ١٠١) الصوم * عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، ويصبح يوم السابع، وهو ألثينا. (١/ ٣٣٥) * عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ألا أدلكم على غنيمة باردة؟ قالوا: ماذا يا أبا هريرة؟ قال: الصوم في الشتاء. (١/ ٣٨١) * وعنه، أنه كان وأصحابه: كانوا إذا صاموا: قعدوا في المسجد؛ وقالوا: نطهر صيامنا. (١/ ٣٨٢) * عن سعيد بن المسيب قال: رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله، فيقول: هل عندكم من شيء؟ فإن قالوا: لا، قال: فإني صائم. (١/ ٣٨٢) * عن عباس بن فروخ قال: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: تضيفت أبا هريرة سبع ليال؛ فقلت له: كيف تصوم ـ أو: كيف صيامك ـ يا أبا هريرة؟ قال: أما أنا، فأصوم أول الشهر ثلاثاً، فإن حدث لي حدث، كان لي أجر شهري. (١/ ٣٨٢) * عن أبي عثمان النهدي: أن أبا هريرة كان في سفر، فلما نزلوا، وضعوا السفرة، وبعثوا إليه وهو يصلي، فقال: إني صائم؛ فلما كادوا يفرغون، جاء، فجعل يأكل الطعام؛ فنظر القوم إلى رسولهم، فقال: ما تنظرون؟ قد والله أخبرني أنه صائم؛ فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «صوم شهر رمضان، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر: صوم الدهر» وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر، فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله. (١/ ٣٨٢) * عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: خرجنا غازين في البحر، فبينما نحن والريح لنا طيبة، والشراع لنا مرفوع؛ فسمعنا مناديا ينادي: يا أهل السفينة، قفوا أخبركم، حتى والى بين سبعة أصوات؛ قال أبو موسى: فقمت على صدر السفينة، فقلت: من أنت، ومن أين أنت؟ أو ما ترى أين نحن، وهل نستطيع وقوفاً؟ قال: فأجابني الصوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله عز وجل على نفسه؟ قال: قلت: بلى، أخبرنا؛ قال: فإن الله تعالى قضى على نفسه: أنه من عطش نفسه لله عز وجل في يوم حار، كان حقاً على الله: أن يرويه يوم القيامة؛ قال: فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار، الشديد الحر، الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان فيصومه. (١/ ٢٦٠) * عن ابن شوذب قال: كان ابن سيرين: يصوم يوماً، ويفطر يوماً؛ وكان الذي يفطر فيه: يتغدى، فلا يتعشى؛ ثم يتسحر، ويصبح صائماً. (٢/ ٢٧٢) * عن الزهري قال: دخلنا على علي بن الحسين بن علي، فقال: يا زهري، فيم كنتم؟ قلت: تذاكرنا الصوم، فأجمع رأيي ورأى أصحابي: على أنه ليس من الصوم شيء واجب، إلا شهر رمضان؛ فقال: يا زهري، ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهاً، عشرة منها واجبة كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربعة عشرة خصلة، صاحبها بالخيار: إن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب؛ قال: قلت: فسرهن يا ابن رسول الله؛ قال: أما الواجب: فصوم شهر رمضان، وصيام شهرين متتابعين ـ يعني: في قتل الخطأ ـ لمن لم يجد العتق، قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً} [النساء: ٩٢] الآية. وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين، لمن لم يجد الإطعام، قال الله عز وجل {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] . وصيام حلق الرأس، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: ١٩٦] الآية. صاحبه بالخيار: إن شاء صام ثلاثاً؛ وصوم دم المتعة، لمن لم يجد الهدي، قال الله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ} [البقرة: ١٩٦] الآية. وصوم جزاء الصيد، قال الله عز وجل {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] الآية. وإنما يقوم ذلك الصيد قيمة، ثم يقص ذلك الثمن على الحنطة. وأما الذي صاحبه بالخيار: فصوم يوم الاثنين والخميس، وصوم ستة أيام من شوال بعد رمضان، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء؛ كل ذلك صاحبه بالخيار: إن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ وأما صوم الإذن: فالمرأة لا تصوم تطوعاً، إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة. وأما صوم الحرام: فصوم يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك: نهينا أن نصومه كرمضان، وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر حرام، والضيف: لا يصوم تطوعاً، إلا بإذن صاحبه؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «من نزل على قوم، فلا يصومن تطوعاً، إلا بإذنهم» ويؤمر الصبي بالصوم إذا لم يراهق، تأنيسا، وليس بفرض؛ وكذلك من أفطر لعلة من أول النهار، ثم وجد قوة في بدنه: أمر بالإمساك، وذلك تأديب الله عز وجل، وليس بفرض؛ وكذلك المسافر: إذا أكل من أول النهار، ثم قدم: أمر بالإمساك. وأما صوم الإباحة: فمن أكل، أو شرب، ناسياً من غير عمد، فقد أبيح له ذلك، وأجزأه عن صومه. وأما صوم المريض، وصوم المسافر: فإن العامة اختلفت فيه، فقال بعضهم: يصوم، وقال قوم: لا يصوم؛ وقال قوم: إن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ وأما نحن، فنقول: يفطر في الحالين جميعاً؛ فإن صام في السفر والمرض، فعليه القضاء، قال الله عز وجل {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] . (٣/ ١٤١ - ١٤٢) * عن يونس بن عبد الأعلى قال: قيل لوكيع: أنت رجل تديم الصيام، وأنت كذا، فعلى ماذا؟ قال: بفرحي على الإسلام. (٨/ ٣٦٩) * عن إبراهيم بن أدهم، أنه كان إذا دعي إلى طعام: أكل وهو صائم، ولم يقل: إني صائم. (٨/ ١٠) * عن الحسن قال: السائحون هم الصائمون. (٩/ ٤٤) * عن إبراهيم النخعي قال: الكذب: يفطر الصائم. (٤/ ٢٢٧) * عن هنيدة ـ امرأة إبراهيم النخعي ـ، أن إبراهيم: كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً. (٤/ ٢٢٤) * عن مكحول قال: الطيب: غذاء الصائم. (٥/ ١٨٤) * عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: الصوم من الحلال: أن تدخله، ومن الحرام: أن تخرجه. (٤/ ٢٥٢) * وعنه قال: أفضل الصيام، الصيام من أربع: من المطعم، والمأثم، والمحرم، وأن تفطر على صدقة. (٤/ ٢٥٢) * عن عطاء بن السائب قال: كان عبد الرحمن بن أبي نعم يواصل خمسة عشر يوماً: لا يأكل، ولا يشرب. (٥/ ٦٩) * عن سعيد بن جبير: أنه سئل عن القبلة لصائم، قال: قيل: فإنه بريد سوء. (٤/ ٢٨٩) * كان عبد الله بن عون: يصوم يوماً، ويفطر يوماً. (٣/ ٤٠) * عن إسحاق قال: قد كبرت وضعفت، ما أصوم: إلا ثلاثة من الشهر، والاثنين والخميس، وشهور الحرم. (٩/ ٣٣٩) * عن يزيد بن عبد ربه قال: عدت مع خالي علي بن مسلم أبا بكر بن أبي مريم وهو في النزع، فقلت له: رحمك الله، لو جرعت جرعت ماء، فقال بيده: لا، ثم جاء الليل، فقال: أذن؟ فقلت: نعم، فقطرنا في فمه قطرة ماء، ثم غمضناه، فمات رحمه الله؛ وكان لا يقدر أحداً ينظر إليه، من خوى فمه من الصيام. (٦/ ٨٩) * عن يزيد بن عبد ربه قال: عدت مع خالي علي بن مسلم أبا بكر بن أبي مريم وهو في النزع، فقلت له: رحمك الله، لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده: لا، ثم جاء الليل، فقال: أذن؟ فقلت: نعم، فقطرنا في فمه قطرة ماء، ثم غمضناه، فمات رحمه الله؛ وكان لا يقدر أحداً ينظر إليه، من خوى فمه من الصيام. (٦/ ٨٩) * عن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل لما طعن، فجعلت سكرات الموت تغشاه، ثم يفيق الإفاقة، فيقول: اخنقني خنقاتك، فوعزتك، إنك لتعلم أن قلبي يحب لقاءك، اللهم إنك تعلم: أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا، لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. (٥/ ١٠٣) * عن أشعث بن سوار قال: دخلت على يزيد الرقاشي في يوم شديد الحر، فقال: يا أشعث، على الماء البارد في يوم الظمأ؛ ثم قال: والهفاه، سبقي العابدون، وقطع بي؛ قال: وكان قد صام ثنتين وأربعين سنة. (٣/ ٥٠) * عن كعب الأحبار قال: كان داود عليه السلام يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ فإذا هو وافق صيامه يوم جمعة، أعظم فيه الصدقة؛ ثم يقول: صيامه، كصيام خمسين ألف سنة، كطول يوم القيامة؛ وكذلك سائر الأعمال، الأجر فيه مضعف. (٥/ ٣٨٢) * عن شفى - بن ماتع الأصبحي - قال: إن الرجلين ليكونان في الصلاة، مناكبهما جميعاً؛ ولما بينهما، كما بين السماء والأرض؛ وإنهما ليكونان في بيت، صيامهما واحد؛ ولما بين صيامهما، كما بين السماء والأرض. (٥/ ١٦٧) * عن سعيد بن جبير قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر؛ تعجبه العبادة. وكان يقول: أيقظوا خدمكم يتسحرون، لصوم يوم عرفة. (٤/ ٢٨١) * عن أبي إسحاق قال: قد كبرت وضعفت، ما أصوم: إلا ثلاثة من الشهر، والاثنين والخميس، وشهور الحرم (٤/ ٣٣٩) الصوفية * عن الشافعي قال: لولا أن رجلاً عاقلاً تصوف، لم يأت الظهر: حتى يصير أحمق. (٩/ ١٤٢) * وعنه قال: أسس التصوف على الكسل. (٩/ ١٣٧) * عن أبي عبد الله القاضي: حدثني أبي، قال: كان عندنا ببغداد رجل من التجار، صديقاً لي، وكان كثيراً ما أسمعه يقع في الصوفية؛ قال: فرأيته بعد ذلك يصحبهم، فأنفق عليهم جميع ما ملك؛ قال: فقلت له: أليس كنت تبغضهم؟ قال: فقال لي: ليس الأمر على ما توهمت، قلت له: كيف؟ قال: صليت الجمعة يوماً، وخرجت، فرأيت بشر بن الحارث الحافي يخرج من المسجد مسرعاً؛ قال: فقلت في نفسي: أنظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد، ليس يستقر في المسجد؛ قال: فتركت حاجتي، فقلت: أنظر أين يذهب؛ قال: فتبعته، فرأيته تقدم إلى الخباز، واشترى بدرهم خبزاً؛ قال: قلت: أنظر إلى الرجل يشتري خبزاً؛ قال: فتقدم إلى الشواء، فأعطاه درهماً، وأخذ الشواء؛ قال: فزادني عليه غيظاً؛ قال وتقدم إلى الحلاوى، واشترى فالوذجاً بدرهم؛ فقلت في نفسي: والله، لأنغصن عليه حين يجلس ويأكل؛ قال: فخرج إلى الصحراء، وأنا أقول: يريد الخضرة والماء؛ قال: فما زال يمشي إلى العصر، وأنا خلفه؛ قال: فدخل قرية، وفي القرية مسجد، وفيه رجل مريض؛ قال: فجلس عند رأسه، وجعل يلقمه؛ قال: فقمت لأنظر إلى القرية، قال: فبقيت ساعة، ثم رجعت، فقلت للعليل: أين بشر؟ قال: ذهب إلى بغداد؛ قال: فقلت: وكم بيني وبين بغداد؟ فقال: أربعون فرسخا؛ فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إيش عملت بنفسي، وليس عندي ما أكتري، ولا أقدر على المشي؛ قال: إجلس حتى يرجع، قال: فجلست إلى الجمعة القابلة؛ قال: فجاء بشر في ذلك الوقت، ومعه شئ يأكله المريض، فلما فرغ، قال له العليل: يا أبا نصر، هذا رجل صحبك من بغداد، وبقي عندي منذ الجمعة، فرده إلى موضعه؛ قال: فنظر إلي كالمغضب، وقال: لم صحبتني؟ قال: فقلت: أخطأت؛ قال: قم فامش، قال: فمشيت إلى قرب المغرب؛ قال: فلما قربنا، قال لي: أين محلتك من بغداد؟ قلت: في موضع كذا؛ قال: أذهب، ولا تعد؛ قال: فتبت إلى الله عز وجل، وصحبتهم وأنا على ذلك. (٨/ ٣٥٣) * عن أبي أبا بكر الزقاق قال: كان سبب ذهاب بصري: أني خرجت في وسط السنة أريد مكة، وفي وسطي نصف جل، وعلى كتفي نصف جل، فرمدت إحدى عيني، فمسحت الدموع بالجل، فقرح المكان، فكانت الدموع والدم، يسيلان من عيني وقرحتي، وأنا من سكر إرادتي لم أحس به؛ وإذا أثرت الشمس في يدي، قلبتها ووضعتها على عيني، رضاء مني بالبلاء؛ وكنت في التيه وحدي، فخطر بقلبي: أن علم الشريعة يباين علم الحقيقة، فهتف بي هاتف من شجر البادية: يا أبا بكر، كل حقيقة لا تتبعها شريعة، فهي كفر. (١٠/ ٣٤٤) صنائع المعروف * عن علي - رضي الله عنه - قال: الأعمال ثلاثة: إعطاء الحق من نفسك، وذكر الله على كل حال، ومواساة الأخ في المال. (١/ ٨٥) * عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً، أو جمعة، أو ما شاء الله، أحب إلي من حجة بعد حجة؛ ولطبق بدانق، أهديه إلى أخ لي في الله عز وجل، أحب إلي من دينار، أنفقه في سبيل الله عز وجل (١/ ٣٢٨) * عن الربيع بن خيثم، أنه قال لأهله: اصنعوا لنا خبيصاً، فصنعوا له، فدعا رجلاً به خبل، فجعل يلقمة، ولعابه يسيل؛ فلما ذهب، قال أهله: تكلفنا، وصنعنا، ما يدري هذا ما أكل؛ فقال الربيع: لكن الله. (٢/ ١٠٧) * عن مطرف ابن عبد الله بن الشخير، أنه قال لبعض إخوانه: يا أبا فلان، إذا كانت لك إلي حاجة، فلا تكلمني فيها، ولكن: اكتبها إلي في رقعة، ثم ارفعها إلي، فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال؛ وقد قال الشاعر: لا تحسبن الموت موت البلى…وإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكن ذا…أشد من ذاك لذل السؤال وقال الشاعر أيضا: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله…عوضاً وإن نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته…رجح السؤال وخف كل نوال فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلاً…فابذله للمتكرم المفضال (٢/ ٢١٠) * عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنت لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، والصق بطني من الجوع، واستقري الرجل الآية من كتاب الله، هي معي، كي ينقلب بي، فيطعمني؛ وكان خير الناس للمساكين: جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا، فيطعمنا ما كان في بيته؛ إن كان ليخرج إلينا العكة، فنشقها، فنلعق ما فيها. (١/ ١١٧) * عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان جعفر - رضي الله عنه يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويحدثهم، ويحدثونه؛ و كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسميه: أبا المساكين. (١/ ١١٧) * عن الزهري قال: استكثروا من شيء لا تمسه النار؛ قيل: وما هو؟ قال: المعروف. (٣/ ٣٧١) * عن جعفر بن محمد، أنه قال لسفيان الثوري: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله، وتصغيره، وستره. (٣/ ١٩٨) * عن محمد بن المنكدر قال: إن من موجبات المغفرة: إطعام المسكين السغبان. (٣/ ١٤٩) * عن الحسن - بن أبي الحسن - قال: والله، لقد أدركت أقواماً: كان أحدهم يخلف أخاه في أهله أربعين عاماً، ينفق عليهم. (٦/ ٢٧٠) * عن علي بن أبي جميلة قال: قال لي زياد بن صخر اللخمي: إذا صنعت يداً، فاصنعها إلى ذي دين، أو حسيب (٦/ ٩١) * عن سفيان الثوري قال: وجدنا أصل كل عداوة: اصطناع المعروف إلى اللئام. (٦/ ٣٩٠) * عن بشر بن منصور، أنه ما قام في المسجد سائل قط، فلم يعط شيئاً، إلا أعطاه. (٦/ ٢٤٠) * عن سفيان بن عيينة قال: نزل محمد بن المنكدر على محمد ابن سوقة بالكوفة، فحمله على حمار؛ فسألوه، فقالوا: يا أبا عبد الله، أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن؛ قالوا: فما بقي مما يستلذ؟ قال: الإفضال على الإخوان. (٥/ ٦) * عن مهدي بن سابق قال: طلب ابن أخ محمد بن سوقة منه شيئاً، فبكى، فقال له: والله يا عم، لو علمت أن مسألتي تبلغ منك هذا، ما سألتك؛ قال: ما بكيت لسؤالك، إنما بكيت: لأني لم أبتديك قبل سؤالك. (٥/ ٦ - ٧) * كان إبراهيم بن أدهم: إذا بقي من الدقيق في الغرارة قليل، تركه لهم، ويعمل في القطاير ـ يعني: الرهص ـ ولا أعلم، إلا أني سمعت أبا الوليد يقول: قال رفقاء إبراهيم: تعالوا نأكل كل خبز في الجونة، حتى إذا جاء، لم يجد شيئاً، عجل ليلة أخرى ـ يعني: يرجع قبل أن يفنى الخبز ـ وكان يبطئ بعد العشاء الآخرة؛ قال: فأكلوا كل شيء في الجونة، وأطفئوا السراج، ورقدوا؛ قال: فجاء إبراهيم، فنظر في الجونة، فلم يجد فيها خبزاً؛ فقال: إنا لله، رقدوا بلا عشاء؛ قال: فقدح، وأسرج، فعجن، وخبز لهم سلة؛ قال: ثم نبههم، فقال: اجلسوا اجلسوا، ما كنتم تعملون لكم عشاء قبل أن ترقدوا؟ قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقال: انظروا: أي شيء أردنا به، وأي شيء عمل هو؟ (٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥) * وقع من يد أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل مقراض في البئر، فجاء ساكن له، فأخرجه، فلما أن أخرجه، ناوله أبو عبد الله مقدار نصف درهم، أو أقل، أو أكثر؛ فقال: المقراض يسوى قيراطاً، لا آخذ شيئاً؛ فخرج، فلما كان بعد أيام، قال له: كم عليك من كراء الحانوت؟ قال: كراء ثلاثة أشهر، وكراؤه في كل شهر: ثلاثة دراهم؛ فضرب على حسابه، وقال: أنت في حل. (٩/ ١٧٩) * عن إبراهيم الحربي قال: حملني أبي إلى بشر بن الحارث فقال: يا أبا نصر ابني هذا مشتهر بكتابة الحديث والعلم، فقال لي: يا بني هذا العلم ينبغي أن يعمل به، فإن لم يعمل به كله فمن كل مائتين خمسة، مثل زكاة الدراهم. وقال له أبي: أبا نصر، تدعو له؟ فقال: دعاؤك له أبلغ، دعاء الوالد لولده، كدعاء النبي لأمته؛ قال إبراهيم: فاستحليت كلامه، فاستحسنته، فإذا أنا مار إلى صلاة الجمعة، فإذا بشر يصلي في قبة الشعر، فقمت وراءه أركع إلى أن يؤذن بالأذان؛ فقام رجل رث الحال والهيئة، فقال: يا قوم، إحذروا أن أكون صادقاً، وليس من الاضطرار اختيار، ولا يسع السكوت عند العدم، ولا السؤال مع الوجود، ولا فاقة؛ رحمكم الله؛ قال: فرأيت بشراً أعطاه قطعة دانق، قال إبراهيم: فقمت إليه، فأعطيته درهما؛ فقلت: أعطني القطعة، قال: لا أفعل، فقلت: هذان درهمان، قال: وكان معي عشرة دراهم صحاح؛ قلت: هذه عشرة دراهم، فقال لي: يا هذا، وأي شئ رغبتك في دانق، تبذل فيه عشرة صحاحاً؟ قال: قلت: هذا رجل صالح، قال: فقال لي: فأنا في معروف هذا أرغب، ولست أستبدل بالنعم نقماً، وإلى أن آكل هذه، فرح عاجل، أو منية قاضية. قال إبراهيم: فقلت: انظروا معروف من آخذ؛ فقلت: يا شيخ، دعوة؛ فقال لي: أحيا الله قلبك، ولا أماته، حتى يميت جسمك، وجعلك ممن يشتري نفسه بكل شئ، ولا يبيعها بشيء. (٨/ ٣٤٧ - ٣٤٨) * عن وهب بن منبه قال: اتخذوا اليد عند المساكين، فإن لهم يوم القيامة دولة. (٤/ ٧١)

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.