أنس: فوجدناه بين القتلى، به بضع وثمانون جراحة، من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به؛ قال: فما عرفناه، حتى عرفته أخته ببنانه؛ قال أنس: فكنا نقول لما أنزلت هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب:٢٣] . أنها فيه، وفي أصحابه. (١/ ١٢١) * عن ابن عباد بن عبد الله بن الزبير، حدثني أبي الذي أرضعني ـ وكان في تلك الغزاة ـ قال: لما قتل زيد وجعفر، أخذ ابن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويردد بعض التردد؛ ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه…لتنزلنه أو لتكرهنه إذ جلب الناس وشدوا الرنه…ما لي أراك تكرهين الجنه لطالما قد كنت مطمئنه…هل أنت إلا نطفة في شنه وقال عبد الله بن رواحة أيضاً: يا نفس إلا تقتلي تموتي…هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت…إن تفعلي فعلهما هديت يعني صاحبيه: زيداً، وجعفراً؛ ثم نزل، فلما نزل، أتاه ابن عمي بعظم من لحم؛ فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لاقيت من أيامك هذه ما قد لقيت؛ فأخذه من يده، ثم انتهش منه نهشة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس؛ فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، فتقدم، فقاتل حتى قتل، - رضي الله عنه -. (١/ ١٢٠) الشرك * عن الحسن - البصري - قال: والله، لقد عبدت بنوا إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرحمن تعالى: بحبهم الدنيا. (٢/ ١٥٦) * عن محمد بن سيرين قال: كانت شجرة في البرية تعبد من دون الله، فأخذ رجل فأساً، فخرج إليها، فقطعها؛ فغفر له. (٢/ ٢٧٣) * عن عكرمة قال: شكى نبي من الأنبياء إلى الله تعالى: الجوع، والعري؛ فأوحى الله تعالى إليه: أما ترضى: أني سددت عنك باب الشرك؟. (٣/ ٣٤١) * عن أبي الجوزاء قال: جاورت ابن عباس اثنتي عشرة سنة في داره؛ وما من القرآن آية، إلا وقد سألته عنها؛ وكان رسولي يختلف إلى أم المؤمنين غدوة وعشية؛ فما سمعت من أحد من العلماء، ولا سمعت: أن الله تعالى يقول لذنب: إني لا أغفره؛ إلا بالشرك به. (٣/ ٧٩) * عن حماد بن زيد قال: رأيت أيوب السختياني وضع يده على رأسه، وقال: الحمد لله الذي عافانا من الشرك؛ ليس بيني وبينه إلا أبو تميمة ـ يعني: أباه ـ. (٣/ ١١) الشعر * إخباره عليه الصلاة والسلام أن عمر رضي الله تعالى عنه لا يحب الباطل، أي: من اتخذ التمدح حرفة، واكتساباً؛ فيحمله الطمع في الممدوحين، على أن يهيم في الأودية، ويشين بفريته المحافل والأندية، فيمدح من لا يستحقه، ويضع من شأن من لا يستوجبه إذا حرمه نائله؛ فيكون رافعاً لمن وضعه الله عز وجل لطمعه، أو واضعاً لمن رفعه الله عز وجل لغضبه؛ فهذا الاكتساب والاحتراف: باطل؛ فلهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم إنه لا يحب الباطل. فأما الشعر، المحكم، الموزون: فهو من الحكم الحسن، المخزون، يخص الله تعالى به البارع في العلم ذا الفنون؛ وقد كان أبو بكر، وعمر، وعلي رضي الله تعالى عنهم يشعرون. (١/ ٤٦ - ٤٧) * عن محمد بن يزيد الرحبي قال: قيل لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: مالك لا تشعر؟ فانه ليس رجل له بيت من الأنصار، إلا وقد قال شعراً؛ قال: وأنا قد قلت، فاسمعوا: يريد المرء أن يعطى مناه…ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي…وتقوى الله أفضل ما استفادا (١/ ٢٥٥) * عن عاصم قالوا: قيل للربيع بن خيثم: ألا تتمثل ببيت شعر، فقد كان أصحابك يتمثلون؟ قال: ما من شئ يتمثل به، إلا كتب؛ وأنا أكره: أن أقرأ في أمامي بيت شعر يوم القيامة. (٢/ ١١٣) * عن يحيى بن خليف بن عقبة عن أبيه قال: سئل محمد ابن سيرين: أينشد الرجل الشعر، وهو على وضوء؟ فقال: نبئت أن فتاة كنت أخطبها…عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول أسنانها مائة أو زدن واحدة…وسائر الخلق منها بعد ممطول ثم قال: الله أكبر. (٢/ ٢٧٥) * عن أبي الوليد الضبي قال: رأيت شيخاً من الأعراب: له سن، يتوكأ على محجن، قد قصد مسعر بن كدام؛ فوجده يصلي، فأطال مسعر الصلاة، فأعي الشيخ، فجلس؛ فلما فرغ مسعر من صلاته، قال الشيخ: خذ من الصلاة كفيلاً، فقال له مسعر: اقصد لما يبقى عليك نفعه؛ كم بلغت من السنين؟ قال: قد أتى علي مائة سنة، وبضع عشرة سنة؛ قال مسعر في بعض هذا: ما كفاك واعظاً؟ فانظر لنفسك؛ فقال الشيخ: أحب اللواتي في صباهن غرة…وفيهن عن أزواجهن طماح مسرات حب مظهرات عداوة…تراهن كالمرضى وهن صحاح فقال مسعر: أفيك لهذا فضل؟ فقال: والله، ما بأخيك ناهض منذ أربعين، ولكن يجر بجيش بزبده؛ فتبسم مسعر، وقال: الشعر حسن وقبيح، وهو ديوان العرب. (٧/ ٢٢٢) * قيل للمعافي بن عمران: ما ترى في الرجل يقرض الشعر، ويقول؛ قال: هو عمرك، فأفنه فيما شئت. (٨/ ٢٨٩) * عن أنس - رضي الله عنه - قال: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، مشى عبد الله بن رواحة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله…اليوم نضربكم على تأويله ضرباً يزيل الهام عن مقيله…ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي حرم الله، تقول الشعر؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم «خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده: لهذا أشد عليهم من وقع السيف» . (٦/ ٢٩٢) * عن ابن شهاب قال: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن عتبة منزله، فإذا هو يغتاظ وينفخ؛ فقلت: مالي أراك مغتاظاً؟ قال: دخلت على أميرك آنفاً ـ يعني: عمر بن عبد العزيز ـ ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان، فسلمت عليهما، فلم يردا علي السلام؛ فقلت: ولا تعجبا أن تؤتيا فتكلما…فما خشي الأقوام شرا من الكبر وجنس تراب الأرض منه خلقتما…وفيه المعاد والمصير إلى الحشر فقلت له: يرحمك الله، مثلك في فقهك، وفضلك، وسنك: يقول الشعر؟ قال: إن المضرور، إذا نفث: برىء. (٣/ ٣٧٠) * عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ما كنت أذكر للشافعي قصيدة، إلا ربما أنشدنيها: من أولها، إلى آخرها. (٩/ ١٥١) * عن جرير بن عطية بن الخطفي ـ والخطفي اسمه: حذيفة بن بدر بن سلمة ـ قال: لما قدم عمر بن عبد العزيز، نهضت إليه الشعراء من الحجاز والعراق، فكان فيمن حضره: نصيب، وجرير، والفرزدق، والأحوص، وكثير، والحجاج القضاعي؛ فمكثوا شهراً لا يؤذن لهم، ولم يكن لعمر فيهم رأى ولا أرب، وإنما كان رأيه وبطانته ووزراؤه وأهل أربه: القراء، والفقهاء، ومن وسم عنده بورع، فكان يبعث إليهم حيث كانوا من بلدانهم، فوافق جرير قدوم عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ـ وكان ورعا، فقيها، مفوها في المنطق، نظير الحسن بن أبي الحسن في منطقه ـ فرآه جرير على باب عمر، مشمر الثياب، معتماً على لمة لاصقة برأسه، قد أرخى صنفيها بين يديه، فقال جرير: يا أيها القارئ المرخى عمامته…هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه…أني لدى الباب كالمشدود في قرني فقال له عون: من أنت؟ فقال جرير، فقال: إنه لا يحل لك عرضي، قال: فاذكرني للخليفة، قال: إن رأيت لك موضعاً فعلت، فدخل عون على عمر، فسلم عليه، ثم حمد الله، وذكر بعض كلامه ومواعظه، ثم قال: هذا جرير بالباب فاحرز لي عرضي منه، فأذن لجرير فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أخبرت أنك تحب أن توعظ، ولا تطرب، فأذن لي في الكلام، فأذن له، فقال: لجت أمامة في لومي وما علمت ... عرض اليمامة روحاتي ولا بكري ما هوم القوم مذ شدوا رحالهم ... إلا غشاشا لدى إغضارها اليسر يصرخن صرخ خصي المعزاء إذ ... وقدت شمس النهار وعاد الظل للقمر زرت الخليفة من أرض على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجوا من المطر أأذكر الضر والبلوى التي نزلت ... أم تكتفي بالذي نبئت من خبر ما زلت بعدك في دار تقحمني ... وضاق بالحي إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر كم بالمواسم من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر أذهبت خلقته حتى دعا ودعت ... يا رب بارك لطر الناس في عمر ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في الوكر لم ينهض ولم يطر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر فترقرقت عينا عمر، وقال: إنك لتصف جهدك، فقال: ما غاب عني وعنك أشد، فجهز إلى الحجاز عيراً تحمل الطعام والكسى والعطايا، يبث في فقرائهم، ثم قال: أخبرني أمن المهاجرين أنت يا جرير؟ قال: لا، قال: فشبك بينك وبين الأنصار رحم أو قرابة أو صهر؟ قال: لا، قال: فممن يقاتل على هذا الفيء أنت ويجلب على عدو المسلمين؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك في شيء من هذا الفيء حقا، قال: بلى والله، لقد فرض الله لي فيه حقاً إن لم تدفعني عنه، قال: ويحك وما حقك؟ قال: ابن سبيل أتاك من شقة بعيدة، فهو منقطع به على بابك، قال: إذاً أعطيك، فدعا بعشرين ديناراً فضلت من عطائه، فقال: هذه فضلت من عطائي، وإنما يعطى ابن السبيل من مال الرجل، ولو فضل أكثر من هذا أعطيتك، فخذها، فإن شئت فاحمد، وإن شئت فذم، قال: بل أحمد يا أمير المؤمنين، فخرج، فجهشت إليه الشعراء، وقالوا: ما وراءك يا أبا حزرة، قال: يلحق الرجل منكم بمطيته، فإني خرجت من ثم رجل يعطي الفقراء ولا يعطي الشعراء، وقال: وجدت رقى الشيطان لا تستفزه…وقد كان شيطاني من الجن راقياً. (٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨) الشكر * عن مطرف بن عبد الله قال: لأن أعافى، فأشكر؛ أحب إلي: من أن أبتلى، فأصبر. (٢/ ٢٠٠) * عن عمرو بن السكن قال: كنت عند سفيان بن عيينة، فقام إليه رجل من أهل بغداد؛ فقال: يا أبا محمد، أخبرني عن قول مطرف: لأن أعافى، فأشكر؛ أحب إلي: من أن أبتلى، فأصبر؛ أهو أحب إليك، أم قول أخيه أبي العلاء: اللهم، رضيت لنفسي ما رضيت لي؟ قال: فسكت سكتة؛ ثم قال: قول مطرف: أحب إلي؛ فقال الرجل: كيف، وقد رضي هذا لنفسه ما رضيه الله له؟ قال سفيان: إني قرأت القرآن، فوجدت صفة سليمان مع العافية التي كان فيها: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [صّ: ٣٠] . ووجدت صفة أيوب مع البلاء الذي كان فيه: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [صّ: ٤٤] . فاستوت الصفتان، وهذا معافى، وهذا مبتلى؛ فوجدت الشكر قد قام مقام الصبر؛ فلما اعتدلا: كانت العافية مع الشكر، أحب إلي، من البلاء مع الصبر. (٢/ ٢١٢ - ٢١٣) * عن أبي عبد الله الرازي قال: قال لي سفيان بن عيينة: يا أبا عبد الله، إن من شكر الله على النعمة: أن تحمده عليها، وتستعين بها على طاعته؛ فما شكر الله، من استعان بنعمته على معصيته. (٧/ ٢٧٨) * عن سفيان بن عيينة قال: الشاكر الذي يعلم أن النعمة من الله تعالى: أعطاه إياها، لينظر: كيف يشكر، وكيف يصبر. (٧/ ٢٨٧) * وعنه قال: مطرت مكة مطراً، تهدمت منه البيوت، فأعتق ابن رواد جارية: شكراً لله، إذ عافاه من ذلك. (٨/ ١٩١) * عن عون بن عبد الله قال: الخير الذي لا شر فيه: الشكر مع العافية؛ فكم من منعم عليه، غير شاكر؛ وكم من مبتلى، غير صابر. (٤/ ٢٥٤) * عن مسلم البطين قال: قلت لسعيد بن جبير: الشكر أفضل، أم الصبر؟ قال: الصبر والعافية، أحب إلي. (٤/ ٢٨٢) * قال رجل لأبي حازم - سلمة بن دينار: ما شكر العينين؟ فقال: إن رأيت بهما خيراً، أعلنته؛ وإن رأيت بهما شراً، سترته؛ قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهم خيراً، وعيته؛ وإن سمعت بهما شراً، دفنته؛ قال: ما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لك، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما؛ قال: وما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعاماً، وأعلاه علماً؛ قال؟ وما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ . إلى قوله} فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:٥ـ٧] . قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت ميتاً غبطته، استعملت بهما عمله؛ وإن رأيت ميتاً مقته، كففتهما عن عمله؛ وأنت شاكر لله عز وجل؛ فأما من يشكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه؛ فمثله: كمثل رجل له كساء، فأخذ بطرفه، ولم يلبسه؛ فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد، والثلج والمطر. (٣/ ٢٤٣) * عن عبد الله بن أبي نوح قال: قال رجل لي في بعض السواحل ـ وأنا قرأته في بعض أجزاء الربيع ـ: كم عاملته ـ تبارك اسمه ـ بما يكره، فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصي ذلك كثرة؛ قال: فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت: لا والله، ولكنه أحسن إلي، وأعانني؛ قال: فهل سألته شيئاً قط، فما أعطاك؟ قلت: وهل منعني شيئاً سألته؟ ما سألته شيئاً قط، إلا أعطاني، ولا استعنت به إلا أعانني؛ قال: أرأيت، لو أن بعض بني آدم: فعل بك بعض هذه الخلال، ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت أقدر له على مكافأة، ولا جزاء؛ قال: فربك تعالى أحق وأحرى: أن تدأب نفسك في أداء شكر نعمه عليك، وهو قديماً وحديثاً يحسن إليك؛ والله، لشكره أيسر من مكافأة عباده؛ إنه تبارك وتعالى: رضي بالحمد من العباد شكراً. (٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩) * قال ابن المنكدر لأبي حازم: يا أبا حازم، ما أكثر من يلقاني، فيدعو لي بالخير، ما أعرفهم، وما صنعت إليهم خيراً قط؛ قال له أبو حازم: لا تظن أن ذلك من عملك، ولكن انظر الذي ذلك من قبله، فاشكره؛ وقرأ ابن زيد: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم:٩٦] . (٣/ ٢٣٣) * عن يوسف بن أسباط قال: كنت بالكوفة أطبع اللبن في بني الأحمر، فجاء سفيان، فقعد إلي، فحدثني؛ ثم قال: يا يوسف، لا تشكر إلا من عرف موضع الشكر، قلت: وما موضع الشكر يا أبا عبد الله؟ فقال لي: إذا أوليتك معروفا، فكنت أنا أسر به منك، وأنا منك أشد استحياء، فأشكر؛ وإلا فلا. (٧/ ٥٤) * سئل عبد الله بن المبارك، وقيل له: ما ينبغي أن يجعل عظة شكرنا له؟ قال: زيادة آخرتكم، ونقصان دنياكم؛ وذلك: أن زيادة آخرتكم لا تكون، إلا بنقصان دنياكم؛ وزيادة دنياكم لا تكون، إلا بنقصان آخرتكم. (٨/ ١٦٧) * عن سلام بن أبي مطيع قال: أتينا الجريري ـ وكان من مشايخ أهل البصرة ـ وكان قدم من الحج؛ فجعل يقول: أبلانا الله في سفرنا كذا، وأبلانا في سفرنا كذا؛ ثم قال: كان يقال: إن تعداد النعم من الشكر. (٦/ ٢٠٠) * مر أبو معاوية - الأسود - يوماً، فوجد خمس عشرة حبة فول ـ يعني: باقلا ـ مسلوقاً؛ قال: فلقطها، ثم ولى وجهه إلى القبلة، فحمد الله، وأثنى عليه؛ ثم قال: أي رب، ارزقني شكر ما رزقتني، فإني لو حمدتك من يوم خلقت الدنيا، إلى أن تقوم الساعة؛ ما أديت شكر هذا اليوم. (٨/ ٢٧٢) * عن ابن جابر: أن أبا عبد رب - عبيدة بن مهاجر - كان من أكثر أهل دمشق مالاً، فخرج إلى أذربيجان في تجارة، فأمسى إلى جانب مرعى ونهر، فنزل به، قال أبو عبد رب: فسمعت صوتاً يكثر حمد الله في ناحية من المخرج، فاتبعته، فوافيت رجلا في حفير من الأرض ملفوفا في حصير، فسلمت عليه، فقلت: من أنت يا عبد الله؟ قال: رجل من المسلمين، قال: قلت: ما حالتك هذه؟ قال: نعمة يجب علي حمد الله فيها، قال: قلت: وكيف، وإنما أنت في حصير؟ قال: ومالي لا أحمد الله أن خلقني فأحسن خلقي، وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام، وألبسني العافية في أركاني، وستر علي ما أكره ذكره أو نشره، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه، قال: قلت: رحمك الله، إن رأيت أن تقوم معي إلى المنزل، فأنا نزول على النهر ههنا، قال: ولمه؟ قال: قلت: لتصيب من الطعام، ولنعطيك ما يغنيك من لبس الحصير، قال: ما بي حاجة، قال الوليد: فحسبت أنه قال: إن لي في أكل العشب كفاية عما قال أبو عبد رب؛ فانصرفت، وقد تقاصرت إلي نفسي ومقتها، إذ أني لم أخلف بدمشق رجلاً في الغنى يكاثرني، وأنا ألتمس الزيادة فيه، اللهم إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه، قال: فبت ولم يعلم إخواني بما قد أجمعت به، فلما كان من السحر، رحلوا كنحو من رحلتهم فيما مضى، وقدموا إلي دابتي، فركبتها وصرفتها إلى دمشق، رجاء ما أنا بصادق التوبة إن أنا مضيت في متجري، فسألني القوم، فأخبرتهم، وعاتبوني على المضي، فأبيت، قال: قال ابن جابر: فلما قدم تصدق بصامت ماله، وتجهز به في سبيل الله، قال ابن جابر: فحدثني بعض إخواني، قال: ما كست صاحب عباء يدانق في عباءة أعطيته ستة، وهو يقول سبعة، فلما أكثرت، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل دمشق، قال: ما تشبه شيخاً وفد علي أمس يقال له أبو عبد رب، اشترى مني سبعمائة كساء، بسبعة سبعة، ما سألني أن أضع له درهما، وسألني أن أحملها له، فبعثت أعواني، فما زال يفرقها بين فقراء الجيش، فما دخل إلى منزله منها بكساء. (٥/ ١٦٠ - ١٦١) * عن مضارب بن حزن قال: بينا أنا أسير من الليل، إذا رجل يكبر، فألحقته بعيري، قلت: من هذا المكبر؟ فقال: أبو هر (أبو هريرة) ، فقلت: ما هذا التكبير؟ قال: شكر، قلت على مه؟ قال: على أن كنت أجيراً لبرة بنت غزوان بعقبة رجلي وطعام بطني، وكان القوم إذا ركبوا، سقت بهم؛ وإذا نزلوا، خدمتهم؛ فزوجنيها الله، فهي امرأتي؛ وأنا: إذا ركب القوم ركبت، وإذا نزلوا خدمت. (١/ ٣٨٠) * عن وهيب بن الورد قال: لا يزال الرجل يأتيني، فيقول: يا أبا أمية، ما ترى فيمن يطوف بهذا البيت، ماذا فيه من الأجر؟ فأقول: اللهم غفراً؛ قد سألني عن هذا غيرك؛ فقلت: بل سلوني عن من طاف بهذا البيت سبعاً، ما قد أوجب الله تعالى عليه فيه من الشكر، حيث رزقه الله طواف ذلك السبع؛ قال: ثم يقول: لا تكونوا كالذي يقال له: تعمل كذا وكذا، فيقول: نعم، إن أحسنتم لي من الأجر. (٨/ ١٥٥) * عن سلام - بن أبي مطيع - قال: كن لنعمة الله عليك في دينك، أشكر منك لنعمة الله عليك في دنياك. (٦/ ١٨٨) * عن المنكدر قال: كان محمد - بن المنكدر - يقوم من الليل، فيتوضأ، ثم يدعو، فيحمد الله عز وجل، ويثني عليه، ويشكره، ثم يرفع صوته بالذكر؛ فقيل له: لم ترفع صوتك؟ قال: إن لي جارا يشتكي، يرفع صوته بالوجع، وأنا أرفع صوتي بالنعمة. (٣/ ١٤٦) * عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال: لما قال سفيان الثوري: لا أقوم حتى تحدثني، قال له: أنا أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير؛ يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة، فأحببت بقائها ودوامها: فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عز وجل قال في كتابه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: ٧] . وإذا استبطأت الرزق: فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:١٠ـ١٢] . يا سفيان، إذا حزبك أمر من سلطان أو غيره، فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة؛ فعقد سفيان بيده، وقال: ثلاث، وأي ثلاث؟ قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله، ولينفعنه الله بها. (٣/ ١٩٣)