أحدهم: أنا على قول ما لم أقل، أقدر مني على رد ما قلت؛ وقال الآخر: إذا قلتها ملكتني، وإذا لم أقلها ملكتها؛ وقال الآخر: لا أندم على ما لم أقل، وقد أندم على ما قلت؛ وقال الآخر: عجبت لمن يتكلم بالكلمة، إن وقعت عليه ضرته، وإن لم ترفع عليه لم تنفعه. (٨/ ١٧٠) * عن كعب الأحبار قال: قلة النطق: حكمة، فعليكم بالصمت، فإنه رعة حسنة، وقلة وزر، وخفة من الذنوب؛ فأحسنوا باب الحلم، فإن بابه الصمت والصبر؛ فان الله تعالى يبغض الضحاك، من غير عجب؛ والمشاء إلى غير أرب؛ ويحب الوالي: الذي يكون كراعي، ولا يغفل عن رعيته؛ واعلموا: أن كلمة الحكمة ضالة المسلم، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه: أن تذهب رواته. (٥/ ٣٦٧) * قال وهيب بن الورد: قال حكيم من الحكماء: العبادة ـ أو قال: الحكمة ـ عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، وواحدة في العزلة؛ فأردت نفسي من الصمت على شيء، فلم أقدر عليه؛ فصرت إلى العزلة، فحصلت لي التسعة. (٨/ ١٤٢) * عن أحمد بن إبراهيم بن بشار قال: سألت إبراهيم بن أدهم عن العبادة، فقال: رأس العبادة: التفكر والصمت، إلا من ذكر الله؛ ولقد بلغني حرف ـ يعني: عن لقمان ـ قال: قيل له: يا لقمان، ما بلغ من حكمتك؟ قال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف مالا يعنيني؛ ثم قال: يا ابن بشار، إنما ينبغي للعبد: أن يصمت، أو يتكلم بما ينتفع به، أو ينفع به، من موعظة، أو تنبيه، أو تخويف، أو تحذير؛ واعلم: أن إذا كان للكلام مثل: كان أوضح للمنطق، وأبين في المقياس، وأنقى للسمع، وأوسع لشعوب الحديث؛ يا ابن بشار: مثل لبصر قلبك: حضور ملك الموت وأعوانه لقبض روحك، فانظر: كيف تكون؟ ومثل له: هول المطلع، ومسائلة منكر ونكير، فانظر: كيف تكون؟ ومثل له: القيامة، وأهوالها، و أفزاعها، والعرض، والحساب، والوقوف، فانظر: كيف تكون؟ ثم صرخ صرخة، وقع مغشياً عليه. (٨/ ١٧) * عن وهب بن منبه قال: الأجر مفروض، ولكن: لا يستوجبه من لا يعمل له، ولا يجده من لا يبتغيه، ولا يبصره من لا ينظر إليه. وطاعة الله عز وجل قريبة ممن يرغب فيها، بعيدة ممن زهد فيها، ومن يحرص عليها يتبعها، ومن لا يحبها لا يجدها، لا يستو من سعى إليها، ولا يدركها من أبطأ عنها. وطاعة الله تشرف من أكرمها، وتهين من أضاعها؛ وكتاب الله عز وجل يدل عليها، والإيمان بالله يحض عليها، والحكمة تزينها بلسان الرجل الحليم، ولا يكون المرء حليماً، حتى يطيع الله عز وجل ولا يعصي الله إلا أحمق؛ وكما لا يكمل نور النهار إلا بالشمس، ولا يعرف الليل إلا بغروب الشمس، كذلك: لا يكمل الحلم إلا بطاعة الله، ولا يعصي الله حليم، كما لا تطير الدابة إلا بجناحين، ولا يستطيع من لا جناح له أن يطير. كذلك لا يطيع الله من لا يعمل له، ولا يطيق عمل الله من لا يطيعه؛ وكما لا مكث للنار في الماء حتى تطفئ، كذلك لا مكث للرياء من العمل، حتى يبور؛ وكما يبدي سر الزانية حبلها، ويخزيها، ويفضحها، كذلك يفتضح بالعمل السيئ من كان يغر الجليس بالقول الحسن، إذا قال ما لا يفعل؛ وكما تكذب معذرة السارق السرقة إذا ظهر عليها عنده، كذلك تكذب معصية القارئ إذا كان يعملها؛ وتبين أنه لم يرد بقراءته وجه الله تعالى. (٤/ ٦٢) * عن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الحكمة: لا خير لك ـ أو لا عليك ـ: أن تعلمن ما تعلم، ولا تعمل بما قد علمت؛ فإن مثل ذلك: مثل رجل قد احتطب حطبا، فحزمه حزمة، فذهب ليحملها، فعجز عنها؛ فضم إليها أخرى. (٢/ ٣٧٥) * عن حفص بن حميد قال: سألت داود الطائي عن مسألة، فقال داود: أليس المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب، أليس يجمع له آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة، فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل، فإذا أفنى عمره فيه، فمتى يعمل. (٧/ ٣٤١) * عن يونس بن ميسرة قال: قالت الحكمة: يا ابن آدم، تلتمسني؟ وأنت تجدني في حرفين: تعمل بخير ما تعلم، وتدع شر ما تعلم. (٥/ ٢٥١) * عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: إن من ورائكم فتنا: يكثر فيها المال، ويفتتح القرآن، حتى يقرأه: المؤمن، والمنافق، والصغير، والكبير، والأحمر، والأسود؛ فيوشك قائل يقول: مالي أقرأ على الناس القرآن، فلا يتبعوني عليه، فما أظنهم يتبعوني عليه: حتى ابتدع لهم غيره؛ إياكم إياكم ما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان يقول في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق؛ فاقبلوا الحق، فإن على الحق نوراً؛ فقالوا: وما يدرينا رحمك الله: أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال: هي كلمة تنكرونها منه، وتقولون: ما هذه؟ فلا يثنيكم، فإنه يوشك أن يفيء، ويراجع بعض ما تعرفون؛ وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة، من ابتغاهما وجدهما. (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣) * عن الفضيل بن عياض قال: إنما هما عالمان: عالم دنيا، وعالم آخرة؛ فعالم الدنيا: علمه منشور، وعالم الآخرة: علمه مستور؛ فاتبعوا عالم الآخرة، واحذروا عالم الدنيا لا يصدكم بسكره، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: ٣٤] الآية. تفسير الأحبار: العلماء، والرهبان: العباد؛ ثم قال الفضيل: إن كثيرا من علمائكم: زيه أشبه بزي كسرى وقيصر منه لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، إن محمداً لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، لكن رفع له علم، فسموا إليه؛ قال: وسمعت الفضيل يقول: العلماء كثير، والحكماء قليل، وإنما يراد من العلم الحكمة، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] وقال: لو كان مع علمائنا صبر، ما غدوا لأبواب هؤلاء ـ يعني: الملوك ـ؛ وسمعت رجلاً يقول للفضيل: العلماء ورثة الأنبياء؛ فقال الفضيل: الحكماء ورثة الأنبياء؛ وقال رجل للفضيل: العلماء كثير؛ فقال الفضيل: الحكماء قليل. (٨/ ٩٢) * عن الفضيل بن عياض قال: إنما هما عالمان: عالم دنيا، وعالم آخرة؛ فعالم الدنيا: علمه منشور، وعالم الآخرة: علمه مستور؛ فاتبعوا عالم الآخرة، واحذروا عالم الدنيا لا يصدكم بسكره، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: ٣٤] الآية. تفسير الأحبار: العلماء، والرهبان: العباد؛ ثم قال الفضيل: إن كثيرا من علمائكم: زيه أشبه بزي كسرى وقيصر منه لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، إن محمداً لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، لكن رفع له علم، فسموا إليه؛ قال: وسمعت الفضيل يقول: العلماء كثير، والحكماء قليل، وإنما يراد من العلم الحكمة، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] وقال: لو كان مع علمائنا صبر، ما غدوا لأبواب هؤلاء ـ يعني: الملوك ـ؛ وسمعت رجلاً يقول للفضيل: العلماء ورثة الأنبياء؛ فقال الفضيل: الحكماء ورثة الأنبياء؛ وقال رجل للفضيل: العلماء كثير؛ فقال الفضيل: الحكماء قليل. (٨/ ٩٢) * عن سفيان - بن عيينة - قال: قالوا لبعض الحكماء: ما لكم أحرص الناس على طلب العلم؟ قالوا: لأنا أعمل الناس به. (٧/ ٢٨١ - ٢٨٢) * عن أبي جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم؛ قال: قلت لذي النون: كم الأبواب إلى الفطنة؟ قال: أربعة أبواب، أولها الخوف، ثم الرجاء، ثم المحبة، ثم الشوق؛ ولها أربعة مفاتيح: فالفرض: مفتاح باب الخوف، والنافلة: مفتاح باب الرجاء، وحب العبادة والشوق: مفتاح باب المحبة، وذكر الله الدائم بالقلب واللسان: مفتاح باب الشوق؛ وهي درجة الولاية، فإذا هممت بالارتقاء في هذه الدرجة، فتناول مفتاح باب الخوف، فإذ فتحته: اتصلت إلى باب الفطنة مفتوحاً لا غلق عليه، فإذا دخلته: فما أظنك تطيق ما ترى فيه، حينئذ يجوز شرفك الأشراف، ويعلو ملكك ملك الملوك؛ واعلم أي أخي، أنه: ليس بالخوف ينال الفرض، ولكن: بالفرض ينال الخوف؛ ولا بالرجاء تنال النافلة، ولكن: بالنافلة ينال الرجاء؛ كما أنه: ليس بالأبواب تنال المفاتيح، ولكن: بالمفاتيح تنال الأبواب؛ واعلم، أنه من تكامل فيه الفرض: فقد تكامل فيه الخوف، ومن جاء بالنافلة: فقد جاء بالرجاء، ومن جاء بمحبة العبادة: فقد وصل إلى الله، ومن شغل قلبه ولسانه بالذكر: قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه؛ وهذا سر الملكوت، فاعلمه، واحفظه، حتى يكون الله عز وجل هو الذي يناوله من يشاء من عباده. (٩/ ٣٧٨ـ٣٧٩) * عن وهب بن الورد قال: قرأت في الحكمة: للكفر أربعة أركان: ركن منه: الغضب؛ وركن منه: الشهوة؛ وركن منه: الطمع؛ وركن منه: الخوف. (٤/ ٧٠) * عن يزيد عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، وكان لا يجالس أحداً قط، ولا يتكلم في شيء من أمر الدنيا: إلا تحول عنه؛ فدخل ذات يوم المسجد، فنظر إلى نفر قد اجتمعوا، فرجا أن يكونوا على ذكر خير؛ فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول: قدم غلامي، فأصاب كذا وكذا، وقال آخر: جهزت غلامي؛ فنظر إليهم، فقال: سبحان الله، أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كرجل أصابه مطر غزير وابل، فالتفت، فإذا هو بمصرعين عظيمين؛ فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر، فدخل، فإذا البيت لا سقف له. جلست إليكم، وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير، فإذا أنتم أصحاب الدنيا. وقال له قائل حين كبر ورق: لو قصرت عن بعض ما تصنع؟ فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الخيلة، ألستم تقولون لفارسها: دعها، وارفق بها؛ حتى إذا رأيتم الغاية، فلا تستبقوا منها شيئاً؟ قالوا: بلى. قال: فإني أبصرت الغاية، وإن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، فسابق ومسبوق. (٢/ ١٢٣) * عن معاوية بن قرة قال: مكتوب في الحكمة: لا تجالس بحلمك السفهاء، ولا تجالس بسفهك العلماء. (٢/ ٣٠١) * عن جعفر بن محمد: الصلاة: قربان كل تقي، والحج: جهاد كل ضعيف، وزكاة البدن: الصيام، والداعي بلا عمل: كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب يده على فخده عند مصيبته: فقد حبط أجره، والصنيعة لا تكونن صنيعة: إلا عند ذي حسب ودين؛ والله تعالى منزل الصبر: على قدر المصيبة، ومنزل الرزق: على قدر المؤونة؛ ومن قدر معيشته: رزقه الله تعالى، ومن بذر معيشته: حرمه الله تعالى. (٣/ ١٩٤ـ١٩٥) * قال أبو سليمان الداراني: طوبى: لمن حذر سكرات الهوى، وسورة الغضب والفرح: بشيء من الدنيا، فصبر على مرارة التقوى. وطوبى: لمن لزم الجادة: بالانكماش والحذر، وتخلص من الدنيا: بالثواب والهرب، كهربه من السبع الكلب. طوبى: لمن استحكم أموره: بالاقتصاد، وأعتقد الخير: للمعاد، وجعل الدنيا: مزرعة، وتنوق في البذر: ليفرح غداً بالحصاد. طوبى: لمن انتقل بقلبه من دار الغرور، ولم يسع لها سعيها: فيبرز من حظوات الدنيا وأهلها منه على بال، اضطربت عليه الأحوال. من ترك الدنيا للآخرة: ربحهما، ومن ترك الآخرة للدنيا: خسرهما؛ وكل أم يتبعها بنوها: بنو الدنيا: تسلمهم إلى خزي شديد، ومقامع من حديد، وشراب الصديد؛ وبنو الآخرة: تسلمهم إلى عيش رغد، ونعيم الأبد؛ في ظل ممدود، وماء مسكوب، وأنهار تجري بغير أخدود. وكيف يكون حكيماً: من هو لها يهوى ركون؟ وكيف يكون راهباً: من يذكر ما أسلفت يداه ولا يذوب. الفكر في الدنيا: حجاب عن الآخرة، وعقوبة لأهل الولاية؛ والفكرة في الآخرة: تورث الحكمة، وتحي القلب؛ ومن نظر إلى الدنيا مولية: صح عنده غرورها، ومن نظر إليها مقبلة بزينتها: شاب في قلبه جبها، ومن تمت معرفته: اجتمع همه في أمر الله؛ وكان أمر الله شغله. (٩/ ٢٧٨) * مر حكيم من الحكماء بفتية من الحلماء وهم قعود على روضة معشبة؛ فقال: يا معشر الأحياء، ما يوقفكم بمدرجة الموتى؟ قالوا: قعدنا نعتبر. قال: فإني أعيذكم بالذي نالكم الحياة في زمن الموتى، إلا تركنوا إلى ما رفضه من أنالكم الحياة. (١٠/ ١٤٢ـ١٤٣) * عن عون - بن عبد الله بن عتبة - قال: الخير من الله كثير، ولكنه لا يبصره من الناس إلا يسير، وهو للناس من الله معروض، ولكنه: لا يبصره من لا ينظر إليه، ولا يجده من لا يبتغيه، ولا يستوجبه من لا يعلم به؛ ألم تروا إلى كثرة نجوم السماء؟ فإنه لا يهتدي بها إلا العلماء. (٤/ ٢٤٥) الحلم * عن وهب بن منبه أنه قال لرجل من جلسائه: ألا أعلمك طباً لا يتعايا فيه الأطباء، وفقها لا يتعايا فيه الفقهاء، وحلماً لا يتعايا فيه الحلماء؟ قال: بلى يا أبا عبد الله؛ قال: أما الطب الذي لا يتعايا فيه الأطباء: فلا تأكل طعاماً، إلا ما سميت الله على أوله، وحمدته على آخره؛ وأما الفقه الذي لا يتعايا فيه الفقهاء: فإن سئلت عن شيء عندك فيه علم، فأخبر بعلمك، وإلا فقل: لا أدري؛ وأما الحلم الذي لا يتعايا فيه الحلماء: فأكثر الصمت، إلا أن تسأل عن شيء. (٤/ ٣٥٩) * عن أبي موسى الأشعري قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوافقناه حين فتح خيبر، فأسهم لنا ـ أو قال: فأعطانا ـ منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئاً، إلا لمن شهد معنا أصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه، قسم لها معهم؛ فكان ناس من الناس يقولون لنا ـ يعني: أهل السفينة ـ سبقناكم بالهجرة؛ قال: ودخلت أسماء بنت عميس، فقال لها عمر: هذه الحبشية البحرية؟ قالت أسماء: نعم؛ فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فغضبت، وقالت كلمة: كلا والله، كنتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار ـ أو: أرض ـ البعداء والبغضاء في الحبشة، وذلك في الله ورسوله، وأيم الله، لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى أذكر ما قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسأله، والله، لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك؛ فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «فما قلت له؟» قالت: قلت كذا وكذا؛ قال: «ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم هجرتان» قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب يأتوني أرسالاً، يسألوني عن هذا الحديث؛ ما من الدنيا شيء هم أفرح به، ولا أعظم في أنفسهم، مما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد مني هذا الحديث، «ولكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي إلىَّ» . (٢/ ٧٤ - ٧٥) * عن قيس بن عبد الملك قال: قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته، وعرض له رجل بيده طومار؛ قال: فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف أن يحبس دونه، فرماه بالطومار، فالتفت أمير المؤمنين، فأصابه في وجهه، فشجه؛ فنظرت إلى الدماء تسيل على وجهه، وهو في الشمس؛ فقرأ الكتاب، وأمر له بحاجته، وخلى سبيله. (٥/ ٣١١٩) * عن ثابت البناني قال: جاء رجل إلى صلة بن أشيم ـ وهو يأكل ـ فقال: إن فلاناً قتل، أو مات ـ يعني: أخاه ـ فقال له: إذن، فكل فقد نعى إلي أخي منذ حين؛ قال الله عز وجل {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:٣٠] . (٢/ ٢٣٨) * عن أزهر قال: جاء غلام لعبد الله بن عون؛ قال: فقأت عين الناقة؛ قال: بارك الله فيك؛ قال: قلت: فقأت عينها، فتقول بارك الله فيك؛ قال: أقول: أنت حر لوجه الله. (٣/ ٣٩) * عن رجاء بن حيوة قال: الحلم أرفع من العقل، لأن الله تسمى به. (٥/ ١٧٢) * عن يحيى بن أبي كثير قال: لا يعجبك حلم امرئ حتى يغضب، ولا أمانته حتى يطمع؛ فإنك لا تدري على أي شقيه يقع. (٣/ ٦٩) * عن أبي سوار العدوي: أنه أقبل عليه رجل بالأذى، فسكت، حتى إذا بلغ منزله، أو دخل؛ قال: حسبك إن شئت. (٢/ ٢٥٠) * قال يحيى بن أبي كثير: لا يعجبك حلم امرئ حتى يغضب، ولا أمانته حتى يطمع، فإنك لا تدري على أي شقيه يقع. (٣/ ٦٩) * عن معاوية بن أبي سفيان: أنه خطب الناس، وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة، فقال له أبو مسلم: يا معاوية، إن هذا المال ليس بمالك، ولا مال أبيك، ولا مال أمك، فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا، ونزل فاغتسل، ثم رجع فقال: أيها الناس، إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا بمال أبي ولا أمي، وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفىء النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل» . أغدوا على عطاياكم على بركة الله عز وجل (٥/ ١٧٩) * عن الفضيل بن عياض قال: كان يقال: من أخلاق الأنبياء، والأصفياء الأخيار، الطاهرة قلوبهم: خلائق ثلاثة: الحلم، والأناة، وحظ من قيام الليل. (٨/ ٩٥) * عن إبراهيم - بن أدهم - قال: قال لقمان لابنه: ثلاثة لا يعرفوا إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم، إلا عند الغضب؛ ولا الشجاع: إلا في الحرب، إذا لقي الأقران؛ ولا أخاك: إلا عند حاجتك إليه. الحوار - المناظرة * عن عبد الله بن عباس قال: لما اعتزلت الحرورية، قلت لعلي: يا أمير المؤمنين، أبرد عني الصلاة، لعلي آتي هؤلاء القوم، فأكلمهم؛ قال: إني أتخوفهم عليك؛ قال: قلت: كلا إن شاء الله، فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية، ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلت على قوم لم أر قوماً قط أشد اجتهاداً منهم، أيديهم كأنها ثفن إبل، ووجوههم مقلبة من آثار السجود؛ قال: فدخلت، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم نزل الوحي وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه، وقال بعضهم: لنحدثنه؛ قال: قلت: أخبروني: ما تنقمون على ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وختنه، وأول من آمن به وأصحاب رسول الله معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثا، قلت: وما هن؟ قالوا: أولاهن: أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال الله عز وجل {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: ٥٧] . قال: قلت: وماذا؟ قالوا: قاتل، ولم يسب، ولم يغنم؛ لئن كانوا كفار، لقد حلت له أموالهم، وإن كانوا مؤمنين، لقد حرمت عليه دماؤهم؛ قال: قلت: وماذا قالوا؟ ومحا نفسه عن أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين؛ قال: قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - مالا تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم. قال: قلت: أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله، فإنه يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ إلى قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ٩٥] . وقال في المرأة وزوجها: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: ٣] . أنشدكم الله، أفحكم لرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وصلاح ذات بينهم، أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ فقالوا: اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم؛ قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم؛ قال: وأما قولكم: إنه قاتل، ولم يسب، ولم يغنم: أتسبون أمكم، ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، فقد كفرتم؛ وإن زعمتم أنها ليست بأمكم، فقد كفرتم، وخرجتم من الإسلام؛ إن الله عز وجل يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: ٦] . فأنتم تترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم؛ أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم؛ قال: وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً؛ فقال: «أكتب، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» فقالوا: والله، لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك؛ ولكن أكتب: محمد بن عبد الله؛ فقال: «والله، إني لرسول الله، وإن كذبتموني؛ أكتب يا علي: محمد بن عبد الله» فرسول الله كان أفضل من علي؛ أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، فرجع منهم عشرون ألفاً؛ وبقي أربعة آلاف، فقتلوا. (١/ ٣١٨ - ٣٢٠) * عن مرة بن شرحبيل قال: سئل سلمان بن ربيعة عن فريضة، فخالفه عمرو بن شرحبيل، فغضب سلمان بن ربيعة، ورفع صوته؛ فقال عمرو بن شرحبيل: والله، لكذلك أنزلها الله تعالى؛ فأتيا أبا موسى الأشعري، فقال: القول ما قال أبو ميسرة؛ وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب إن أرشدك رجل؛ وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساوره ـ يعني: تساره ـ ولا ترد عليه، والناس يسمعون. (٤/ ١٤٢ - ١٤٣) * عن ابن شوذب قال: قسم أمير من أمراء البصرة على قراء أهل البصرة، فبعث إلى مالك بن دينار، فقبل؛ وأبى محمد بن واسع، فقال: يا مالك، قبلت جوائز السلطان؟ قال: فقال: يا أبا بكر، سل جلسائي؛ فقالوا: يا أبا بكر، اشترى بها رقاباً فأعتقهم؛ فقال له محمد: أنشدك الله، أقبلت الساعة له على ما كان عليه قبل أن يجزيك؛ قال: اللهم لا؛ قال: ترى أي شيء دخل عليك؟ فقال مالك لجلسائه: إنما مالك جمار، إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع. (٢/ ٣٥٤) * عن أبي موسى الأشعري قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوافقناه حين فتح خيبر، فأسهم لنا ـ أو قال: فأعطانا ـ منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئاً، إلا لمن شهد معنا أصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه، قسم لها معهم؛ فكان ناس من الناس يقولون لنا ـ يعني: أهل السفينة ـ سبقناكم بالهجرة؛ قال: ودخلت أسماء بنت عميس، فقال لها عمر: هذه الحبشية البحرية؟ قالت أسماء: نعم؛ فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فغضبت، وقالت كلمة: كلا والله، كنتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار ـ أو: أرض ـ البعداء والبغضاء في الحبشة، وذلك في الله ورسوله، وأيم الله، لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى أذكر ما قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسأله، والله، لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك؛ فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «فما قلت له؟» قالت: قلت كذا وكذا؛ قال: «ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم هجرتان» قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب يأتوني أرسالاً، يسألوني عن هذا الحديث؛ ما من الدنيا شيء هم أفرح به، ولا أعظم في أنفسهم، مما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد مني هذا الحديث، «ولكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي إلىَّ» . (٢/ ٧٤ - ٧٥) الحياء * عن زاذان عن سلمان - رضي الله عنه - قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبد شراً، أو هلكة: نزع منه الحياء، فلم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً؛ فإذا كان مقيتاً ممقتاً، نزعت منه الرحمة؛ فلم تلقه إلا فظاً غليظاً، فإذا كان كذلك، نزعت منه الأمانة، فلم تلقه إلا خائناً مخوناً؛ فإذا كان كذلك، نزعت ربقة الإسلام من عنقه، فكان لعيناً ملعناً. (١/ ٢٠٤) * عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه قال: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبي، فقال علي لفاطمة: إئتي أباك، فسليه خادماً، تقي به العمل؛ فأتت أباها حين أمست، فقال لها: «مالك يا بنية؟» قالت: لا شيء، جئت لأسلم عليك؛ واستحيت أن تسأل شيئاً، فلما رجعت، قال لها علي: ما فعلت؟ قالت: لم أسأله شيئاً، واستحييت منه؛ حتى إذا كانت الليلة القابلة، قال لها: إئتي أباك، فسليه خادماً، تتقين به العمل؛ فأتت أباها، فاستحيت أن تسأله شيئاً؛ حتى إذا كانت الليلة الثالثة مساءً، خرجناً جميعاً، حتى أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ما أتى بكما؟» فقال علي: يا رسول الله، شق علينا العمل، فأردنا أن تعطينا خادماً نتقي به العمل؛ فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم «هل أدلكما على خير لكما من حمر النعم؟» قال علي: يا رسول الله، نعم؛ قال: «تكبيرات، وتسبيحات، وتحميدات، مائة، حين تريدا أن تناما، فتبيتا على ألف حسنة؛ ومثلها حين تصبحان، فتقومان على ألف حسنة» ؛ فقال علي: فما فاتتني، منذ سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا ليلة صفين، فإني نسيتها، حتى ذكرتها من آخر الليل، فقلتها. (١/ ٦٩) * عن عروة بن الزبير عن أبيه: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خطب الناس، فقال: يا معشر المسلمين، استحيوا من الله عز وجل؛ فوالذي نفسي بيده، إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء، متقنعاً بثوبي، استحياء من ربي عز وجل (١/ ٣٤) * عن عمر بن ذر عن مجاهد قال: أوحى الله إلى الملكين: أخرجا آدم وحواء من الجنة، فإنهما قد عصياني؛ فالتفت آدم إلى حواء باكياً، وقال: استعدى للخروج من جوار الله، هذا أول شؤم المعصية؛ فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه، وتعلق به غصن؛ فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس رأسه يقول: العفو؛ فقال الله: فرارا مني، فقال: بل حياء منك سيدي. (٥/ ١١٣) * عن محمد بن حاتم قال: قال الفضيل: لو خيرت بين أن أبعث فأدخل الجنة، وبين أن لا أبعث؛ لا اخترت أن لا أبعث؛ قلت لمحمد بن حاتم: هذا من الحياء؟ قال: نعم، هذا من طريق الحياء من الله عز وجل (٨/ ٨٤) * عن أبي حصين قال: أتيت سعيد بن جبير بمكة، فقلت: إن هذا الرجل قادم ـ يعني: خالد بن عبد الله ـ ولا آمنه عليك، فأطعني واخرج؛ فقال: والله لقد فررت، حتى استحييت من الله، قلت: والله، إني لأراك كما سمتك أمك: سعيداً؛ قال: فقدم مكة، فأرسل إليه، فأخذه. زاد واصل في حديثه، قال: فأخبرني يزيد أبو عبد الله، قال: أتينا سعيد بن جبير حين جيء به، فإذا هو طيب النفس، وبنية له في حجره؛ فنظرت إلى القيد، فبكت؛ قال: فتبعناه إلى باب الجسر، فقال له الحرس: أعطنا كفلاء، فإنا نخاف أن تغرق نفسك، قال يزيد: فكنت فيمن تكفل به. (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥) * عن إياس بن معاوية بن قرة قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكر عنده الحياء؛ فقال: الحياء من الدين؛ فقال عمر: بل هو الدين كله؛ فقال إياس: حدثني أبي عن جدي، قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر عنده الحياء، فقالوا: يا رسول الله، الحياء من الدين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «بل هو الدين كله» . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «إن الحياء، والعفاف، والعي عي اللسان، لا عي القلب، والعمل: من الإيمان؛ وإنهن يزدن في الآخرة، وينقصن من الدنيا، وما يزدن من الآخرة، أكثر مما يزدن في الدنيا» . قال إياس: فأمرني عمر بن عبد العزيز، فأمليتها عليه، وكتبها بخطه، ثم صلى بنا الظهر، وإنها لفي كفه ما يضعها، إعجاباً بها. (٣/ ١٢٥) * عن الحسن قال: وذكر عثمان رضي الله عنه، وشدة حياءه: إن كان ليكون في البيت، والباب عليه مغلق، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه. (١/ ٥٦) * عن أحمد بن عاصم قال: أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي، ليس المعرفة: الإقرار به، ولكن المعرفة: التي إذا عرفت، استحييت. (٩/ ٢٨٢) * عن عبيد بن عمير قال: آثروا الحياء من الله، على الحياء من الناس. (٣/ ٢٦٨) * عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: أدركنا أقواماً، وإن أحدهم يستحي من الله تعالى في سواد الليل. قال سفيان: يعني التكشف. (٤/ ٣٥٩) * عن أبي مجلز قال: قال لي أبي موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم، فما أقيم صلبي، حياء من ربي عز وجل (١/ ٢٦٠) * عن أبي سليمان الداراني قال: إذا استحى العبد من ربه عز وجل، فقد استكمل الإيمان. (٩/ ٢٥٧) * عن مجاهد قال: إن المسلم، لو لم يصب من أخيه إلا حياء منه يمنعه من المعاصي، لكفاه. (٣/ ٢٨٠) * عن سفيان ابن عيينة قال: قال لقمان: خير الناس: الحيي، الغني؛ قيل: الغنى في المال؟ قال: لا، ولكن: الذي إذا احتيج إليه نفع، وإذا استغنى عنه نفع؛ قيل: فمن شر الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً. (٧/ ٣٠٧) * كان الأسود - بن يزيد النخعي - مجتهداً في العبادة، يصوم حتى يخضر جسده ويصفر، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد؛ فلما احتضر، بكى؛ فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: مالي لا أجزع، ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل، لهمني الحياء منه، مما قد صنعته؛ إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير، فيعفو عنه، فلا يزال مستحياً منه؛ ولقد حج الأسود ثمانين حجة. (٢/ ١٠٣)