الصوفي: أخذك بيد هذا، وإدخالك الدكان بدعة. (٧/ ٣٣) * عن سفيان الثوري قال: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة ـ وهو يعلم أنه صاحب بدعة ـ خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه. (٧/ ٣٣) * وعنه قال: من سمع بدعة، فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم. (٧/ ٣٣) * عن عبد الواحد بن زيد قال: قال لي أيوب: قل للثوري: لا تصحب عمرو بن عبيد؛ قال: فقلت ذلك له، فقال: إني أجد عنده أشياء لا أجدها عند غيره؛ فقلت ذلك لأيوب؛ فقال لي أيوب: من تلك الأشياء أخاف عليه. (٧/ ٣٣) * عن إبراهيم بن المغيرة ـ وكان شيخاً حجاجاً ـ قال: سألت سفيان: أأصلي خلف من يقول: الإيمان قول بلا عمل؟ قال: لا، ولا كرامة. (٧/ ٢٧) * عن حرملة بن يحي قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة؛ فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي. (٩/ ١١٣) * عن أحمد بن عبد الله بن يونس قال: سمعت رجلاً يقول لسفيان: رجل يكذب بالقدر، أأصلي وراءه؟ قال: لا تقدموه، قال: هو إمام القرية، ليس لهم إمام غيره؛ قال: لا تقدموه، لا تقدموه؛ وجعل يصيح. (٧/ ٢٦) * عن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز بن أبي رواد، وكنت في جنازته، حتى وضع عند باب الصفا؛ فصف الناس، وجاء الثوري، فقال الناس: جاء الثوري، جاء الثوري؛ حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة، ولم يصل عليه؛ لأنه كان يرمى بالإرجاء. (٧/ ٢٩) * عن عطاء الخراساني قال: أبى الله أن يأذن لصاحب بدعة بتوبة. (٥/ ٨٩) * عن سفيان الثوري قال: من زعم أن: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الاخلاص:١] مخلوق، فقد كفر بالله عز وجل (٧/ ٣٠) * وعنه قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية: المعصية، يتاب منها؛ والبدعة، لا يتاب منها. (٧/ ٢٦) * وعنه أيضاً، أنه قال: من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة، فقد خرج من عصمة الله تعالى. (٧/ ٢٦) * عن حسان بن عطية قال: ما ابتدعت بدعة، إلا ازدادت مضياً؛ ولا تركت سنة، إلا ازدادت هرباً. (٦/ ٧٣) * عن حسان بن عطية قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم، إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ولا يعيدها إلى قوم، إلى يوم القيامة. (٦/ ٧٣) * عن عبد الله بن نافع قال: سمعت مالكاً يقول: لو أن رجلاً ركب الكبائر كلها، بعد أن لا يشرك بالله، ثم تخلى عن هذه الأهواء والبدع ـ وذكر كلاماً ـ، دخل الجنة. (٦/ ٢٥) * دخل رجل على مالك بن أنس، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق، اقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله، إنما أحكي كلاماً سمعته، فقال: لم أسمعه من أحد، إنما سمعته منك؛ وعظم هذا القول. (٦/ ٣٢٥) * عن أبي إدريس الخولاني قال: لأن أرى في جانب المسجد ناراً، لا أستطيع إطفاءها، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة، لا أستطيع تغييرها. (٥/ ١٢٤) * عن مطر الوراق قال: عمل قليل في سنة، خير من عمل كثير في بدعة؛ ومن عمل عملاً في سنة، قبل الله منه عمله؛ ومن عمل عملاً في بدعة، رد الله بدعته عليه. (٣/ ٧٦) * عن أبي قلابة قال: ما ابتدع رجل بدعة، إلا استحل السيف. (٢/ ٢٨٧) * عن الشافعي قال: خلفت بالعراق شيئاً أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير، يشتغلون به عن القرآن. (٩/ ١٤٦) * عن إبراهيم النخعي قال: لو كنت مستحلاً دم أحد من أهل القبلة، لا ستحللت دم الخشبية. (٤/ ٢٢٣) * عن الأعمش قال: ذكر عند إبراهيم النخعي: المرجئة، فقال: والله، لهم أبغض إلي من أهل الكتاب. (٤/ ٢٢٣) * سئل الشافعي أن يضع في الإرجاء كتاباً، فأبي؛ وكان ينهى عن الجدل والكلام فيه، ويذم أهل البدع، ويأمر بالنظر في الفقه. (٩/ ١١٥) * عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: ١٥٣] ، قال: البدع والشبهات. (٣/ ٢٩٣) * عن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً، إلا ازداد من الله بعداً. (٣/ ٩) * عن زكريا بن الصلت قال: من نظر إلى مبتدع بعينه، فقد أعان النظر على العمى؛ ألا فجنبوا أشفار العيون، بالإغماض عن نظر المبتدعين. (١٠/ ٤٠٠) * عن المعتمر ـ بن سليمان بن طرخان ـ قال: سمعت أبي يقول: إني أصلي خلف صاحب السيف، ولا أصلي خلف القدري؛ لأن أصحاب السيف مخلصون. (٣/ ٣٣) * عن المعتمر ـ بن سليمان بن طرخان ـ قال: قال أبي: أما والله، لو كشف الغطاء، لعلمت القدرية: أن الله ليس بظلام للعبيد. (٣/ ٣٣) * عن سفيان الثوري قال: الجهمية كفار، والقدرية كفار. (٧/ ٢٨) * سئل رجل سفيان الثوري، فقال: على بابي مسجد، إمامه صاحب بدعة. قال: لا تصل خلفه. قال: تكون الليلة مطيرة، وأنا شيخ كبير. قال: لا تصل خلفه. (٧/ ٢٨) * وعنه قال: ليس من ضلالة، إلا وعليها زينة؛ فلا تعرض دينك إلى من يبغضه. (٧/ ٢٩) * وعنه قال: خالفتنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل؛ ونحن نقول: الإيمان يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص؛ ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله. (٧/ ٢٩) * وعنه قال: ليس أحد أبعد من كتاب الله، من المرجئة. (٧/ ٢٩) * وعنه قال: أرج كل شيء مما لا تعلم إلى الله، ولا تكن مرجئاً؛ واعلم أن ما أصابك من الله، ولا تكن قدرياً. (٧/ ٣٣) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * وعنه قال: لقد تركت المرجئة هذا الدين، أرق من السابري. (٧/ ٣٣) * عن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد ـ وذكر هؤلاء الجهمية ـ فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. (٦/ ٢٥٨) * عن فطر بن حماد بن واقد قال: سألت حماد بن زيد، فقلت: يا أبا إسماعيل، إمام لنا يقول: القرآن مخلوق؛ أصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة. (٦/ ٢٥٨) * عن عبد الرحمن بن عمر قال: ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع، واجتهادهم في العبادة. فقال: لا يقبل الله، إلا ما كان على الأمر والسنة؛ ثم قرأ: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: ٢٧] ، فلم يقبل ذلك منهم، ووبخهم عليه؛ ثم قال: إلزم الطريق والسنة. (٩/ ٨) * وعنه قال: كان عبد الرحمن يكره الجلوس إلى أصحاب الرأي وأصحاب الأهواء، ويكره أن يجالسهم، أو يماريهم؛ فقلت له: أترى للرجل إذا كانت له خصومة، وأراد أن يكتب عهده، أن يأتيهم؟ قال: لا، أمشيك إليهم توقير؟ وقد جاء فيمن وقر صاحب بدعة ماجاء؟. (٩/ ٨ - ٩) * عن إسحاق بن عيسى قال: كنا عند حماد بن زيد، ومعنا وهب بن جرير؛ فذكرنا شيئاً من قول أبي حنيفة؛ قال حماد بن زيد: اسكت، لا يزال الرجل منكم داحضاً في بوله، يذكر أهل البدع في مجلس عشيرته، حتى يسقط من أعينهم؛ ثم أقبل علينا حماد، فقال: أتدرون ما كان أبو حنيفة؟ إنما كان يخاصم في الإرجاء، فلما خاف على مهجته، تكلم في الرأي، فقاس سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضها ببعض ليبطلها؛ وسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تقاس. (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩) * عن معاذ بن مكرم قال: رآني ـ عبدالله ـ ابن عون مع عمرو بن عبيد في السوق، فأعرض عني، فاعتذرت إليه؛ فقال: أما إني قد رأيتك، فما زادني. (٣/ ٤٠) * مر ـ عبدالله ـ ابن عون برجل من قريش، وهو جالس مع عمرو بن عبيد؛ فقال: السلام عليك، ما تصنع ههنا؟. (٣/ ٤١) * عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني صاحب ـ عبدالله ـ بن عون، أنه سأله رجل، فقال: أرى قوماً يتكلمون في القدر، فأسمع منهم؛ قال: فقال ابن عون: قال الله عز وجل {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إلى قوله: الظَّالِمِينَ} [الأنعام:٦٨] ؛ قال الأنصاري: فسماهم الظالمين الذين يخوضون في القدر. (٣/ ٤١) * عن خويل قال: كنت عند يونس بن عبيد، فجاء رجل، فقال: أتنهانا عن مجالسة عمرو بن عبيد، وقد دخل عليه ابنك قبل؟ فقال له يونس: إتق الله؛ فتغيظ، فلم يبرح أن جاء ابنه؛ فقال: يا بني، قد عرفت رأيي في عمرو، فتدخل عليه؟ فقال: يا أبت، كان معي فلان؛ فجعل يعتذر إليه؛ فقال: أنهاك عن الزنا والسرقة وشرب الخمر، ولأن تلقى الله عز وجل بهن، أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو وأصحاب عمرو. (٣/ ٢٠ - ٢١) * عن عاصم بن الأحول قال: جلست إلى قتادة، فذكر عمرو بن عبيد، فوقع فيه ونال منه؛ فقلت له: أبا الخطاب، ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض؟ فقال: يا أبا أحيول، ألا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة، فينبغي لها أن تذكر، حتى يحذر؟. (٢/ ٣٣٥) * عن سفيان بن عيينة قال: ليس في الأرض صاحب بدعة، إلا وهو يجد ذلة تغشاه؛ قال: وهي في كتاب الله؛ قالوا: وأين هي من كتاب الله؟ قال: أما سمعتم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [لأعراف: ١٥] ؟ قالوا: يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة؛ قال: كلا، اتلوا ما بعدها: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [لأعراف: ١٥٢] ؛ لكل مفتر ومبتدع، إلى يوم القيامة. (٧/ ٢٨٠) * عن عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ـ وذكر عنده رجل من الجهمية، أنهم ذكروا عنده: أن الله تبارك وتعالى خلق آدم بيده؛ فقال: عجنه بيده، وحرك بيديه بالعجين ـ، فقال عبد الرحمن: لو استشارني هذا السلطان في الجهمية، لأشرت عليه أن يستتيبهم، فإن تابوا، وإلا ضرب أعناقهم. (٩/ ٧ - ٨) * عن عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ـ وسئل عن الصلاة خلف أصحاب الأهواء ـ، فقال: يصلى خلفهم، ما لم تكن داعية إلى بدعته، مجادلاً بها؛ إلا هذين الصنفين: الجهمية والرافضة؛ فإن الجهمية كفار بكتاب الله عز وجل، والرافضة ينتقصون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. عن أحمد بن إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ـ وذكروا عنده الجهمية، وأنهم يقولون: القرآن مخلوق ـ، فقال: إنهم يريدون أن ينفوا عن الله الكلام، وأن يكون القرآن كلام الله، وأن الله تعالى كلم موسى؛ وقد ذكره الله تعالى، فقال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء: ١٦٤] . (٩/ ٧) * عن عبد الرحمن بن مهدي قال: من زعم أن القرآن مخلوق، استتبه، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه؛ لأنه كافر بالقرآن، قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء: ١٦٤] . (٩/ ٧) * وعنه قال: من قال: القرآن مخلوق؛ فلا تصل خلفه، ولا تمش معه في طريق، ولا تناكحه. (٩/ ٧) * عن إبراهيم بن زياد ـ سبلان ـ قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي: ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: لو كان لي سلطان، لقمت على الجسر، فكان لا يمر بي أحد إلا سألته؛ فإذا قال لي: مخلوق؛ ضربت عنقه، وألقيته في الماء. (٩/ ٧) * عن أبي بكر بن أبي الأسود قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ـ ويحي بن سعيد القطان جالس، وذكر الجهمية، فقال: ـ ما كنت لأناكحهم، ولا أصلي خلفهم؛ ولو أن رجلاً منهم خطب إلى أمة لي، ما زوجته. (٩/ ٦) * عن محمد بن المثنى قال: رأيت في حجر عبد الرحمن بن مهدي كتاباً فيه حديث رجل قد ضرب عليه؛ فقلت: يا أبا سعيد، لم ضربت على حديثه؟ قال: أخبرني يحي أنه يرمي برأي جهم، فضربت على حديثه. (٩/ ٦) * عن الفضيل بن عياض قال: من أحب صاحب بدعة: أحبط عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. (٨/ ١٠٣) * وعنه قال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق، فخذ في طريق آخر. (٨/ ١٠٣) * وعنه قال: لا يرتفع لصاحب بدعة إلى الله عز وجل عمل. (٨/ ١٠٣) * وعنه قال: من أعان صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام. (٨/ ١٠٣) * وعنه قال: نظر المؤمن إلى المؤمن جلاء القلب، ونظر الرجل إلى صاحب البدعة يورث العمى. (٨/ ١٠٣) * وعنه قال: من أتاه رجل فشاوره، فقصر عمله، فدله على مبتدع؛ فقد غش الإسلام. (٨/ ١٠٣) * وعنه قال: من علامة البلاء: أن يكون الرجل صاحب بدعة. (٨/ ١٠٨) * قال ابن المبارك: يكون مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة. (٨/ ١٦٨) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل يقول: لأن آكل عند اليهودي والنصراني، أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة؛ فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدى بي، وإذا أكلت عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس. أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد؛ وعمل قليل في سنة، خير من عمل صاحب بدعة. ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة؛ ومن جلس إلى صاحب بدعة فاحذره. وصاحب بدعة، لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه؛ فمن جلس إليه، ورثه الله عز وجل العمى. وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة، رجوت أن يغفر الله له، وإن قل عمله، فإني أرجو له؛ لأن صاحب السنة يعرض كل خير؛ وصاحب بدعة لا يرتفع له إلى الله عمل، وإن كثر عمله. قال: وسمعت الفضيل يقول: إن الله عز وجل وملائكته يطلبون حلق الذكر، فانظر مع من يكون مجلسك؛ لا يكون مع صاحب بدعة، فإن الله تعالى لا ينظر إليهم؛ وعلامة النفاق: أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة؛ وأدركت خيار الناس، كلهم أصحاب سنة، وهم ينهون عن أصحاب البدعة. (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) * عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن عز وجل، ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، فتمسه النار؛ وليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن، فاقشعر جلده من مخافة الله عز وجل، إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينا هي كذلك، إذ أصابتها الريح، فتحاتت عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه، كما تحات عن هذه الشجرة ورقها؛ وإن اقتصاداً في سبيل وسنة، خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنته؛ فانظروا أعمالكم، فإن كانت اجتهاداً أو اقتصاداً، أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم. (١/ ٢٥٣) * عن سفيان الثوري قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله، فقال: أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت سنته، وكفوا مؤنته؛ واعلم أنه لم يبتدع إنسان قط بدعة، إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة فيها؛ فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، واعلم أن من سن السنن، قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والتعمق والحمق، فإن السابقين الماضين عن علم وقفوا، وببصرنا قد كفوا. (٥/ ٣٣٨) * قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة، لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبداً، حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلىّ عند الموت؛ وما أحب أن يهون علي الموت، لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن. (٥/ ٣١٦) * عن منصور بن عمار قال: كتب إلي بشر المريسي: أعلمني، ما قولكم في القرآن، مخلوق هو، أو غير مخلوق؟ فكتبت إليه: بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد: عافانا الله وإياك من كل فتنة، فإن يفعل، فأعظم بها نعمة، وإن لم يفعل، فهو الهلكة؛ كتبت إلي أن أعلمك: القرآن مخلوق، أو غير مخلوق؛ فاعلم: أن الكلام في القرآن بدعة، يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له بتكلف، والمجيب ما ليس عليه؛ والله تعالى الخالق، وما دون الله مخلوق، والقرآن كلام مخلوق؛ فانته بنفسك وبالمختلفين في القرآن، إلى أسمائه التي سماه الله بها، تكن من المهتدين؛ ولا تبتدع في القرآن من قلبك اسماً، فتكون من الضالين؛ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [لأعراف: ١٨٠] . جعلنا الله وإياكم ممن يخشونه بالغيب، وهم من الساعة مشفقون. (٩/ ٣٢٦) * عن أبي إسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي في الرجل يسأل: أمؤمن أنت حقاً؟ قال: إن المسألة عما سئل من ذلك بدعة، والشهادة عليه تعمق، ولم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؛ ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، إلا مثل القول فيه جدل، المنازعة فيه حدث وهزؤ؛ ما شهادتك لنفسك بذلك، بالذي يوجب لك تلك الحقيقة، إن لم تكن كذلك، ولا تركك الشهادة لنفسك بها بالتي تخرجك من الإيمان، إن كنت كذلك وإن الذي يسألك عن إيمانك، ليس يشك في ذلك بمثل، ولكنه يريد أن ينازع الله علمه في ذلك، حتى يزعم أن علمه وعلم الله في ذلك سواء؛ فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم؛ وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدع، حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخلوا في تلك البدعة، بعد ما ردها عليهم علماؤهم وفقهاؤهم؛ فأسربها قلوب طوائف من أهل الشام، فاستحلتها ألسنتهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيهم؛ ولست بآيس: أن يدفع الله سيء هذه البدعة، إلى أن يصير جواباً بعد مواد، إلى أن تفرغ في دينهم وتباغض؛ ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم، فإنه لم يدخر عنهم خيراً حق لكم دونهم، لفضل عندكم، وهم أصحاب نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذين اختارهم له، وبعثه فيهم، ووصفهم بما وصفهم، فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الفتح: ٢٩] . ويقول: إن فرائض الله ليس من الإيمان، وإن الإيمان قد يطلب بلا عمل؛ وإن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وإن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء؛ وما هكذا جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه بلغنا: أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون ـ أو: بضع وستون ـ جزءاً، أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» . وقال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه} [الشورى: ١٣] . والدين هو التصديق، وهو الإيمان والعمل؛ فوصف الله الدين قولاً وعملاً، فقال: {) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: ١١] . فالتوبة من الشرك قول، وهي من الإيمان، والصلاة والزكاة عمل. (٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥) * عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] . كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء، ما وجد من مسألته؛ فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، حتى علاه الرحضاء ـ يعني: العرق ـ ثم رفع رأسه، ورمى بالعود؛ وقال: الكيف معقول، والإستواء مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة؛ وأمر به، فأخرج. (٦/ ٣٢٦) * قال يونس بن عبيد: ثلاثة احفظوهن عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ عليه القرآن، ولا يخلون أحدكم مع امرأة شابة يقرأ عليها القرآن، ولا يمكن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء. (٣/ ٢١) * عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن، لا تدخل على السلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة، وإن قلت: أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك لذي هوى، فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه. (٤/ ٨٥) * قال رجل لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله، أوصني، قال: إياك والأهواء، إياك والخصومة، إياك والسلطان. (٧/ ٢٨) * عن وهب بن إسماعيل الأسدي قال: كنا عند سفيان الثوري، فجاءه رجل، فسأله عن مسألة، وعلى رأسه قلنسوة سوداء، فنظر إليه، فأعرض عنه، ثم سأله الثانية: فنظر إليه، فأعرض عنه، فقال له: يا أبا عبد الله، يسألك الناس فتجيبهم، وأسألك، فتنظر إلي، ثم تعرض عني، فقال: هذا الذي تسألني: أي شيء تريد به؟ قال: السنة، قال: فهذا الذي على رأسك، أي شيء هو من السنة؟ هذه سنة سنها رجل سوء يقال له: أبو مسلم، لا تستن بسنته؛ قال: فنزع الرجل قلنسوته، فوضعها، ثم لبث قليلاً، ثم قام فذهب. (٧/ ٤٩) * عن عبد الله بن محيريز قال: يذهب الدين سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة. (٥/ ١٤٤) * عن خلف بن حوشب قال: قال لي الربيع بن أبي راشد إقرأ علي، فقرأت عليه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} [الحج: ٥] . فقال: لولا أن تكون بدعة، لسحت، أو همت في الجبال. (٥/ ٧٧) * عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: جئت أبي، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواماً ما رأيت خيراً منهم، يذكرون الله تعالى، فيرعد أحدهم، حتى يغشى عليه من خشية الله تعالى؛ فقعدت معهم؛ قال: لا تقعد معهم بعدها؛ فرأى كأنه لم يأخذ ذلك في؛ فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن، فلا يصيبهم هذا؛ أفتراهم أخشع لله تعالى من أبي بكر وعمر؟ فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم. (٣/ ١٦٧ - ١٦٨) بر الوالدين * عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول، فلم يستطع الشيخ يتخطاه؛ فاضطجعت له، فمر على ظهري. (٤/ ٨٢) * عن الأشجعي قال: استسقت أم مسعر ماء منه في بعض الليل، فذهب، فجاء بقربة ماء؛ فوجدها قد غلبها النوم، فثبت بالشربة على يديه، حتى أصبح. (٧/ ٢١٧) * عن عبدالله ابن عون: أنه نادته أمه، فأجابها، فعلا صوته؛ فأعتق رقبتين. (٣/ ٣٩) * عن منصور بن المعتمر قال: كان يقال: للأم ثلاث أرباع البر. (٥/ ٤٢) * عن ميمون بن مهران قال: ثلاث، المؤمن والكافر فيهن سواء: الأمانة تؤديها إلى من ائتمنك عليها، من مسلم أو كافر؛ وبر الوالدين، قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [لقمان: ١٥] .. الآية؛ والعهد، تفي به لمن عاهدت، من مسلم أو كافر. (٤/ ٨٧) * عن هشام بن حسام قال: حدثني بعض آل سيرين، قال: ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط، إلا وهو يتضرع. (٢/ ٢٧٣) * ودخل رجل على محمد ـ ابن سيرين ـ وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد، أيشتكي شيئاً؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون حاله إذا كان عند أمه. (٢/ ٢٧٣) * عن محمد بن المنكدر قال: بت أغمز رجل أمي، وبات عمر يصلي؛ وما يسرني أن ليلتي بليلته. (٣/ ١٥٠) * وكان محمد بن المنكدر يضع خده على الأرض، ثم يقول لأمه: قومي، ضعي قدمك على خدي. (٣/ ١٥٠) * عن كعب الأحبار أنه سئل عن العقوق، فقال: إذا أمرك أبواك فلم تعطهما، فقد عققتهما؛ وإذا دعوا عليك، فقد عققتهما العقوق كله. (٦/ ٣٢) * سأل رجل ابن المبارك، فقال: إن أمي لم تزل تقول: تزوج، حتى تزوجت. فالآن قالت لي: طلقها؛ فقال: إن كنت عملت عمل البر كله، وبقي هذا عليك، فطلقها؛ وإن كنت تطلقها، وتأخذ إلى مشاغبة أمك فتضر بها، فلا تطلقها. (٨/ ٣٤٥) * كان كهمس بن الحسن يعمل في الجص كل يوم بدانقين، فإذا أمسى، اشترى به فاكهة، فأتى بها إلى أمه. (٦/ ٢١٢) * عن عبد الرحمن الحنفي قال: رأى كهمس بن الحسن عقرباً في البيت، فأراد أن يقتلها أو يأخذها، فسبقته إلى حجرها، فأدخل يده في الحجر يأخذها، وجعلت تضربه؛ فقيل: ما أردت إلى هذا؟ لم أدخلت يدك في حجرها تخرجها؟ قال: إني أحمد، خفت أن تخرج من الحجر، فتجيء إلى أمي، فتلدغها. (٦/ ٢١١) * عن كعب الأحبار قال: والذي نفسي بيده، إن الله ليجعل حين العبد إذا كان عاقاً لوالديه، فيعجله العذاب؛ وإن الله ليزيد في عمر العبد إذا كان برا بوالديه ليزداد براً وخيراً. (٥/ ٣٧٨) * قال بلال الخواص: رأيت الخضر عليه السلام في النوم، فقلت له: ما تقول في بشر؟ قال: لم يخلف بعده مثله؛ قلت: ما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: صديق؛ قلت: ما تقول في أبي ثور؟ قال: رجل طالب حق؛ قلت: فأنا بأي وسيلة رأيتك؟ قال: ببرك بأمك. (٩/ ١٨٧) * عن عبيد الله بن محمد القرشي: حدثني شيخ من بني نمير، قال: كان كهمس أبر شيء بأمه؛ قال: فكان في جيرانهم عرس فيه مخنثون، قال: فجعلوا يرفعون أصواتهم يغنون، فكان هكذا يتكلم: أحمد ما تحسنون؛ فأرسل إليهم سليمان بن علي الهاشمي بصرة ـ وكان يكسح البيت، ويخدم أمه ـ فأرسل بالصرة إليه؛ أحسبه قال: اشتر بها خادماً لأمك ـ لأنه كان مشغولاً بخدمتها ـ، فأراده على أن يأخذها، فأبى، فألقاها في البيت؛ فأخذها، وخرج يتبعه، حتى دفعها إليه. (٦/ ٢١٢) * عن غسان بن المفضل: حدثني رجل من قريش، قال: كان عمرو بن عبيد يأتي كهمساً ـ بن الحسن ـ، يسلم عليه ويجلس عنده، هو وأصحابه؛ فقالت له أمه: إني أرى هذا وأصحابه، وأكرههم، وما يعجبوني، فلا تجالسهم؛ قال: فجاء إليه عمرو وأصحابه، فأشرف عليهم، فقال: إن أمي قد كرهتك وأصحابك، فلا تأتوني. (٦/ ٢١٢) * قال محمد بن الهيثم: كنت أدخل على أخت بشر في صغري، فأعطتني يوماً كبة من غزل، فقالت: بع هذه الكبة، واشتر بها خبزاً وسمكاً؛ ففعلت؛ فدخل بشر، والخبز والسمك موضوع؛ فقال بشر: ما هذا الطعام؟ قالت: رأيت أمي وأمك في المنام، فقالت: إن أردت فرحي وإدخالك السرور علي: فبيعي من غزلك، واشتري خبزاً وسمكاً، فإن أخاك بشراً يشتهيها؛ قالت: فلما ذكرت أمي وأمه بكى، وقال: رحمها الله، تغتم لي حية وميتة. (٨/ ٣٥٣) * قال عمر بن عبدالعزيز لميمون بن مهران: يا ميمون، لا تدخل على هؤلاء الأمراء، وإن قلت: آمرهم بالمعروف، ولا تخلون بامرأة، وإن قلت: أقرئها القرآن، ولا تصلن عاقا، فإنه لن يصلك وقد قطع أباه. (٥/ ٣٤٥) * عن عبد الله بن يوسف: أن أبا عبد رب كان يشتري الرقاب فيعتقهم، فاشترى يوماً عجوزاً رومية، فأعتقها؛ فقالت: ما أدري أين آوي، فبعث بها الى منزله، فلما انصرف من المسجد، أتى بالعشاء، فدعاها، فأكلت، ثم راطنها، فإذا هي أمه؛ فسألها الإسلام، فأبت، فكان يبلغ من برها ما يبلغ؛ فأتى يوماً بعد صلاة العصر يوم الجمعة، فأخبر أنها أسلمت، فخر ساجداً حتى غابت الشمس. (٥/ ١٦٠) البركة * عن بركة الأزدي قال: وضأت مكحولاً، فأتيته بالمنديل، فأبي أن يمسح به وجهه، ومسح وجهه بطرف ثوبه؛ فقال: الوضوء بركه، وأنا أحب أن لا تعدو ثوبي. (٥/ ١٧٨) * عن عميرة بنت مسعود، حدثته: أنها دخلت هي وأخواتها ـ وهن خمس ـ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبايعنه، ووجدنه يأكل قديداً؛ فمضغ لهن قديده، ثم ناولهن إياها؛ فاقتسمنها، فمضغت كل واحدة منهن قطعة؛ قال: فلقين الله ما وجدن في أفواههن خلوفاً، ولا اشتكين من أفواههن شيئاً. (٢/ ٧٠) * عن سليمان بن حيان العذري قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: كنت من أصحاب الصفة، فشكى أصحابي الجوع؛ فقالوا: يا واثلة، أذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، استطعم لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فذهبت، فقلت: يا رسول الله، إن أصحابي يشكون الجوع؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم يا عائشة، هل عندك من شيء؟ قالت: يا رسول الله، ما عندي إلا فتات خبز؛ قال: هاتيه؛ فجاءت بجراب، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصحيفة، فأفرغ الخبز في الصحفة، ثم جعل يصلح الثريد بيده، وهو يربوا، حتى امتلأت الصحيفة؛ فقال: يا واثلة، اذهب، فجئ بعشرة من أصحابك وأنت عاشرهم؛ فذهبت، فجئت بعشرة من أصحابي وأنا عاشرهم، فقال: اجلسوا، خذوا بسم الله، خذوا من حواليها، ولا تأخذوا من أعلاها، فإن البركة تنحدر من أعلاها؛ فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا، وفي الصحيفة مثل ما كان فيها؛ ثم جعل يصلحها بيده وهي تربوا، حتى امتلأت الصحيفة؛ فقال: يا واثلة، اذهب فجئ بعشرة من أصحابك؛ فذهبت فجئت بعشرة؛ فقال: اجلسوا، فجلسوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا؛ ثم قال: اذهب فجئ بعشرة من أصحابك؛ فذهبت وجئت بعشرة، ففعلوا مثل ذلك؛ فقال: هل بقي أحد؟ قلت: نعم، عشرة، فقال: اذهب فجئ بهم؛ فذهبت فجئت بهم؛ فقال: اجلسوا؛ فجلسوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا، وبقي في الصحيفة مثل ما كان؛ ثم قال: يا واثلة، اذهب بها إلى عائشة. (٢/ ٢٢ـ٢٣) البكاء * عن أبي الحسن البصري قال: حدثنا أبوعروة، وكان جاراً حذاه من الدموع، وكان يقول: لكل أناس مقبر بفنائهم…فهم ينقصون والقبور تزيد فهم جيرة الأحياء أما مزارهم…فدان و أما الملتقى فبعيد (٦/ ٢٤٦) * عن حماد بن زيد قال: غلب أيوب السختياني البكاء يوماً، فقال: الشيخ إذا كبر مج، وغلبه فوه، فوضع يده على فيه؛ وقال: الزكمة ربما عرضت. (٣/ ٣٢٣) * عن ثابت البناني أنه قرأ: {تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: ٧] : قال: تأكله إلى فؤاده وهو حي، لقد تبلغ فيهم العذاب؛ ثم بكى، وأبكى من حوله. (٢/ ٣٢٣) * عن أبي هارون قال: كان عون ـ بن عبدالله بن عتبة ـ يحدثنا، ولحيته ترتش بالدموع. (٤/ ٢٤٩) * عن ثور قال: قرأت في بعض الكتب: بكاء المؤمن في قلبه، وبكاء المنافق في عينه. (٦/ ٩٥) * عن ابن عمر قال: صليت خلف عمر، فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف. (١/ ٥٢) * عن الشافعي قال: قرأ رجل وإنسان حاضر: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: ٤] ، فجعل الرجل يبكي؛ فقيل له: يا بغيض، هذا موضع بكاء. (٩/ ١٣٨) * عن الحارث بن عبيد قال: كان عبد الواحد بن زيد يجلس إلى جنبي عند مالك بن دينار، فكنت لا أفهم كثيراً من موعظة مالك، لكثرة بكاء عبد الواحد. (٦/ ١٥٩) * كان مالك بن دينار إذا قام في محرابه، قال: يارب، قد عرفت ساكن الجنة وساكن النار، ففي أي الدارين مالك؛ ثم بكى. (٢/ ٣٨٣) * عن الحسن بن علي بن مسلم السكوني قال: كان لأبي بكر بن أبي مريم في خديه مسلكاً من الدموع. (٦/ ٨٩) * عن عبد الله بن عيسى قال: كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء. (١/ ١٢١) * عن حماد بن زيد قال: رأيت ثابتاً البناني يبكي، حتى أرى أضلاعه تختلف. (٢/ ٣٢٢) * عن مكحول قال: رأيت رجلاً يصلي، وكلما ركع وسجد بكى؛ فاتهمته أنه يرائي، فحرمت البكاء سنة. (٥/ ١٨٤) * عن أبي رجاء قال: كان هذا الموضع من ابن عباس ـ أي مجرى الدموع ـ كأنه الشراك البالي من الدموع. (٢/ ٣٠٧) * عن يزيد بن ميسرة قال: البكاء من سبعة أشياء: من الفرح، والحزن، والفزع، والوجع، والرياء، والشكر، وبكاء من خشية الله؛ فذلك الذي تطفئ الدمعة منه أمثال الجبال من النار. (٥/ ٢٣٥) * قرأ ابن عمر: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين:١] حتى بلغ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:٦] ؛ فبكى حتى خر، وامتنع من قراءة ما بعده. (١/ ٣٠٥) * عن نافع قال: ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة، إلا بكى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ .. الآية [البقرة: ٢٨٤] . ثم يقول: إن هذا الإحصاء لشديد. (١/ ٣٠٥) * كانت عائشة رضي الله عنها تقرأ: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: ٣٣] ؛ فتبكي حتى تبل خمارها. (٢/ ٤٩) * عن هشام بن الحسن قال: كان عمر يمر بالآية في ورده، فتخنقه، فيبكي، حتى يسقط؛ ثم يلزم بيته، حتى يعاد، يحسبونه مريضاً. (١/ ٥١) * عن نسير ين ذعلوق قال: كان الربيع بن خثيم يبكي، حتى تبل لحيته دموعه؛ فيقول: أدركنا أقواماً، كنا في جنبهم لصوصاً. (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) * عن عبد الرحمن بن عجلان قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام يصلي، فمر بهذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ... } الآية [الجاثية: ٢١] . فمكث ليلته حتى أصبح، ما جاوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد. (٢/ ١١٢) * عن القاسم بن أبي أيوب الأعرج قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل، حتى عمش. (٤/ ٢٧٢) * عن عبد الله بن رباح قال: كان صفوان بن محرز المازني، إذا قرأ هذه الآية: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: ٢٢٧] ، بكى حتى أقول: اندق قصيص زوره (١) . (٢/ ٢١٤) * عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان ـ بن عفان ـ، إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته. (١/ ٦١) * عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر، وسمعوا القرآن، جعلوا يبكون؛ فقال أبو بكر: هكذا كنا، ثم قست القلوب. (١/ ٣٤) * عن عروة بن الزبير قال: دخلت على أسماء وهي تصلي، فسمعتها، وهي تقرأ هذه الآية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور:٢٧] ؛ فاستعاذت، فقمت وهي تستعيذ؛ فلما طال علي، أتيت السوق، ثم رجعت، وهي في بكائها تستعيذ. (٢/ ٥٥) * عن أشعث بن سوار قال: دخلت على يزيد الرقاشي في يوم شديد الحر، فقال: يا أشعث، على الماء البارد في يوم الظمأ؛ ثم قال: والهفاه، سبقي العابدون، وقطع بي؛ قال: وكان قد صام ثنتين وأربعين سنة. (٣/ ٥٠) * عن حفص بن حميد قال: قال لي زياد بن جرير: اقرأ علي، فقرأت عليه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح:١ـ٣] ؛ فقال: يا ابن أم زياد: أنقض ظهر رسول اله - صلى الله عليه وسلم -؟ فجل يبكي كما يبكي الصبي. (٤/ ١٩٧) * عن سفيان الثوري قال: جلست ذات يوم، ومعنا سعيد بن السائب الطائفي؛ فجعل سعيد يبكي، حتى رحمته؛ فقلت له: يا سعيد، ما يبكيك، وأنت سمعتني أذكر أهل الجنة؟ قال سعيد: يا سفيان، ما يمنعني أن أبكي، وإذا ذكرت مناقب الخير، رأيتني عنها بمعزل؟ قال سفيان: وحق له أن يبكي. (٧/ ٣٧ - ٣٨) * عن مالك بن أنس قال: كنا ندخل على أيوب السختياني، فإذا ذكرنا له حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ بكى، حتى نرحمه. (٣/ ٤) * عن سفيان قال: كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يوماً جالساً، فغطى رأسه، ثم اضطجع فبكى؛ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: رياء ظاهر، وشهوة خفيه. (٣/ ٢٥٩) * عن عون ـ بن عبدالله بن عتبة ـ قال: لما أتت عبد الله بن مسعود وفاة عتبة ـ يعني أخاه ـ بكى؛ فقيل له: أتبكي؟ قال: كان أخي في النسب، وصاحبي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما أحب مع ذلك أني كنت قبله؛ إن يموت فاحتسبه، أحب إلي من أن أموت، فيحتسبني. (٤/ ٢٥٣) * عن عطاء الخفاف قال: ما لقيت سفيان الثوري إلا باكياً؛ فقلت: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً. (٧/ ٥١) * عن حماد بن زيد قال: دخلنا على محمد بن واسع في مرضه نعوده، قال: فجاء يحي البكاء يستأذن عليه؛ فقالوا: يا أبا عبد الله، هذا أخوك أبو سلمة على الباب؛ قال: من سلمة؟ قالوا: يحي؛ قال: من يحي؟ قالوا: يحي البكاء ـ قال حماد: وقد علم أنه يحي البكاء ـ؛ فقال: إن شر أيامكم يوم نسبتم فيه إلى البكاء. (٢/ ٣٤٧) * مرض عامر بن عبد قيس، فبكى؛ فقيل له: ما يبكيك، وقد كنت، وقد كنت؟ فيقول: مالي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؛ والله ما أبكي حرصاً على الدنيا، ولا جزعاً من الموت، ولكن لبعد سفري، وقلة زادي؛ وإني أمسيت في صعود وهبوط، جنة أو نار؛ فلا أدري إلى أيهما أصير. (٢/ ٨٨) * سُئل أبو عبد الله القرشي عن البكاء الذي يعتري العبد، من أي وجه يعتريه؟ فقال: الباكي في بكائه مستريح إلى لقائه، إلا أنه منقطع، راجع عما كان بينه وبينه، فدخل عليه استراحة وشفاء؛ ثم أنشأ يقول: بكيت بعين ليس تهدي دموعها…أسعدها قلب حزين متيم فنوديت كم تبكي؟ فقلت لأنني…فقدت أواناً كنت فيه أكلم وكان جزائي منكم غير ما أرى…فقد حل بي أمر جليل معظم فقال: كذا من كان فينا بحظه…إذ الحظ وصف قد يبيد ويعدم ولكننا لا نشتكي ضر ما بنا…ونستره حتى يبين فيعلم (١٠/ ٣٣٨ - ٣٣٩) * بات هرم بن حيان العبدي عند حممة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فبات حممة ليلته يبكي كلها حتى أصبح، فلما أصبح، قال له هرم بن حيان: يا حممة، ما أبكاك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور، فتخرج من فيها، وتناثر نجوم السماء، فأبكاني ذلك. قال: وكانا يصطحبان أحياناً بالنهار، فيأتيان سوق الريحان، فيسألان الله تعالى الجنة، ويدعوان؛ ثم يأتيان الحدادين، فيتعوذان من النار، ثم يفترقان إلى منازلهما. (٢/ ٣٤٧) * حضر محمد بن واسع محضراً فيه بكاء، فلما فرغوا أتوا بالطعام، فتنحى محمد بن واسع ناحية، فجلس؛ فقالوا له: يا أبا بكر، ألا تدنوا إلى الطعام فتأكل؟ قال: إنما يأكل من بكى. كأنه يعيب عليهم الطعام بعد البكاء، أو مع البكاء. (٢/ ٣٤٧) * عن عروة بن الزبير قال: لما أراد ابن رواحة الخروج إلى أرض مؤتة من الشام، أتاه المسلمون يودعونه؛ فبكى، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: أما والله، ما بي حب الدنيا، ولا صبابة لكم؛ ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} [مريم:٧١] فقد علمت أني وارد النار، ولا أدري كيف الصدر بعد الورود. (١/ ١١٨) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن عنبسة الخواص قال: كان عتبة ـ بن أبان الغلام ـ يزورني، فربما بات عندي؛ قال: فبات عندي ذات ليلة، فبكى من السحر بكاءً شديداً؛ فلما أصبح، قلت له: قد فزعت قلبي الليلة ببكائك، ففيم ذاك يا أخي؟ قال: يا عنبسة، إني والله ذكرت يوم العرض على الله؛ ثم مال ليسقط، فاحتضنته، فجعلت أنظر إلى عينيه يتقلبان، قد اشتدت حمرتهما؛ قال: ثم أزبد، وجعل يخور؛ فناديته: عتبة، عتبة؛ فأجابني بصوت خفي: قطع ذكر يوم العرض على أوصال المحبين؛ قال: ويردده، ثم جعل يحشرج البكاء، ويردده حشرجة الموت، ويقول: تراك مولاي تعذب محبيك، وأنت الحي الكريم؟ قال: فلم يزل يرددها حتى والله أبكاني. (٦/ ٢٣٥) * عن صالح المري قال: للبكاء دواع بالفكرة في الذنوب، فإن أجابت على ذلك القلوب، وإلا نقلتها إلى الموقف، وتلك الشدائد والأهوال، إن أجابت، وإلا فاعرض عليها التقلب في أطباق النيران. ثم بكى، وغشي عليه، وتصايح الناس. (٦/ ١٦٧) * عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر: أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى، وكثر بكاؤه، حتى فزع أهله؛ وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء؛ فأرسلوا إلى أبي حازم، فأخبروه بأمره؛ فجاء أبو حازم إليه، فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ قد رعت أهلك، أفمن علة؟ أم ما بك؟ فقال: إنه مرت بي آيه في كتاب الله عز وجل قال وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: ٤٧] ؛ قال: فبكى أبو حازم أيضاً معه، واشتد بكاؤهما. فقال بعض أهله لأبي حازم: جئناك لتفرج عنه، فزدته؛ فأخبرهم ما الذي أبكاه. (٣/ ١٤٦) * عن أبي سفيان عن أشياخه: أن سعد بن أبي وقاص دخل على سلمان يعوده، فبكى سلمان، فقال له سعد: ما يبكيك؟ تلقى أصحابك، وترد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحوض، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنك راض؛ فقال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا؛ ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إلينا، فقال: "ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب" . وهذه الأساود حولي ـ وإنما حوله مطهرة، أو انجابة، ونحوها ـ؛ فقال له سعد: إعهد إلينا عهداً نأخذ به بعدك؛ فقال له: أذكر ربك عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت. (١/ ١٩٥ - ١٩٦) * عن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل، قام شطر الليل؛ قال: فسأله أيوب، كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [قّ:١٩] . فجعل يرتل، ويكثر في ذاكم النشيج. لفظ أبي عبيدة. (١/ ٣٢٧) * منصور بن عمار يقول: كان الليث بن سعد إذا تكلم بمصر، أحد قفاه؛ فتكلمت في مسجد الجامع يوماً، فاذا رجلان قد دخلا من باب المسجد، فوقفا على الحلقة، فقالا: من المتكلم؟ فأشاروا إلي، فقالا: أجب أبا الحارث الليث، فقمت وأنا أقول: واسوأتاه، ألقى من مرلد هكذا؛ فلما دخلت على الليث سلمت، فقال لي: أنت المتكلم في المسجد؟ قلت: نعم، رحمك الله؛ فقال لي: إجلس، ورد علي الكلام الذي تكلمت به، فأخذت في ذلك المجلس بعينه، فرق الشيخ وبكى، وسرى عني؛ وأخذت في صفة الجنة والنار، فبكى الشيخ، حتى رحمته؛ ثم قال لي بيده: اسكت، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: منصور، قال: ابن من؟ قلت: ابن عمار، قال: أنت أبو السري؟ قلت: نعم؛ قال: الحمد لله الذي لم يمتني، حتى رأيتك، ثم قال: يا جارية، فجاءت، فوقفت بين يديه، فقال لها: جيئيني بكيس كذا وكذا، فجاءت بكيس فيه ألف دينار؛ فقال: يا أبا السرى، خذ هذا إليك، وصن هذا الكلام أن تقف به على أبواب السلاطين، ولا تمدحن أحداً من المخلوقين بعد مدحتك لرب العالمين، ولك في كل سنة مثلها؛ قلت: رحمك الله، إن الله قد أنعم إلي وأحسن؛ قال: لا ترد علي شيئاً أصلك به؛ فقبضتها، وخرجت؛ قال: لا تبطئ علي، فلما كان في الجمعة الثانية، أتيته؛ فقال لي: أذكر شيئاً، فأخذت في مجلس لي، فتكلمت، فبكى الشيخ، وكثر بكاؤه؛ فلما أردت أن أقوم؛ قال: أنظر ما في ثنى الوسادة، فإذا خمسمائة دينار؛ فقلت: رحمك الله، عهدي بصلتك بالأمس؛ قال: لا ترد علي شيئاً أصلك به، متى أراك؟ قلت: الجمعة الداخلة؛ قال: كأنك فتت عضواً من أعضائي، فلما كانت الجمعة الداخلة، أتيته مودعاً؛ فقال لي: خذ في شيء أذكرك به، فتكلمت، فبكى الشيخ، وكثر بكاؤه؛ ثم قال لي: يا منصور، انظر ما في ثنى الوسادة، فإذا ثلاثمائة دينار، قال: أعدها للحج؛ ثم قال: يا جارية، هاتي ثياب إحرام منصور، فجاءت بإزار فيه أربعون ثوباً؛ قلت: رحمك الله، أكتفي بثوبين؛ فقال لي: أنت رجل كريم، فيصحبك قوم، فأعطهم؛ وقال للجارية التي تحمل الثياب معه: وهذه الجارية لك. (٧/ ٣٢٠ - ٣٢١) * عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه، قلت: عسى الله أن ينفعني به؛ قال: يا أخي، إن الله قد توعدني: إن أنا عصيته، أن يسجنني في النار؛ والله، لو لم يتوعدني أن يسجنني، إلا في الحمام، لكنت حرياً أن لا تجف لي عين؛ قال: فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، فقال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي، فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي، ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا؛ ولربما أضجر ذلك امرأتي، فتقول: يا ويحها، ما خصصت به من طول الحزن معك في الحياة الدنيا، ما تقر لي معك عين. (٥/ ١٦٤) * عوف بن الحارث بن الطفيل، وهو ابن أخي عائشة لأمها: أن عائشة باعت رباعها؛ فقال ابن الزبير: لأحجرن عليها، فقالت عائشة رضي الله عنها لله علي أن لا أكلم ابن الزبير، حتى أفارق الدنيا؛ فطالت هجرتها، فاستشفع ابن الزبير بكل أحد، فأبت أن تكلمه؛ فقالت: والله لا آثم فيه أبداً، فلما طالت هجرتها، كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود عائشة، فدخلوا عليها معهم ابن الزبير، فاعتنقها ابن الزبير، فبكى، وبكت عائشة رضي الله تعالى عنها بكاءً كثيراً، وناشدها ابن الزبير الله والرحم؛ فلما أكثروا عليها، كلمته، ثم بعثت إلى اليمن، فابتيع لها أربعين رقبة، فأعتقتها. قال عوف: ثم سمعت بعد ذلك تذكر نذورها ذلك، فتبكي، حتى تبل دموعها خمارها. (٢/ ٤٩) * عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان لعمر بن عبد العزيز سفط فيه دراعة من شعر، وغل، وكان له بيت في جوف بيت يصلي فيه، لا يدخل فيه أحد، فإذا كان في آخر الليل، فتح ذلك السفط، ولبس تلك الدراعة، ووضع الغل في عنقه؛ فلا يزال يناجي ربه ويبكي، حتى يطلع الفجر؛ ثم يعيده في السفط. (٥/ ٢٩١) * عن يعلى بن عطاء عن أمه: أنها كانت تصنع لعبد الله بن عمرو الكحل، وكان يكثر من البكاء؛ قال: ويغلق عليه بابه، ويبكي عيناه؛ قال: وكانت أمي تصنع له الكحل. (١/ ٢٩٠) * عن ميمون بن مهران: أن راهباً دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: ألم أخبر أنك تديم البكاء؟ فمم ذاك؟ قال: إني والله يا أمير المؤمنين، عهدت الناس، وما شيء عندهم آثر من دينهم؛ وما شيء اليوم، آثر عندهم من دنياهم؛ فعلمت أن الموت اليوم خير للبر والفاجر. قال: فلما خرج، قال عمر: صدق يا أبا أيوب الراهب. (٤/ ٩١) * سالم بن بشر بن جحل: أن أبا هريرة بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بعد سفري، وقلة زادي، وأني أصبحت في صعود مهبط، على جنة ونار، لا أدري أيهما يؤخذ بي. (١/ ٣٨٣) * عن عيسى بن عمر قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلاً، فيقف على القبور؛ فيقول: يا أهل القبور، قد طويت الصحف، وقد رفعت الأعمال؛ ثم يبكي، ويصف بين قدميه، حتى يصبح؛ فيرجع، فيشهد صلاة الصبح. (٤/ ١٥٨) * عن ابن شهاب الزهري قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة، فبكى أهله حين رأوه يبكي؛ فقال: والله ما بكيت جزءا من الموت، ولا صبابة لكم، ولكني بكيت من قول الله عز وجل {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} [مريم:٧] . فأيقنت أني واردها، ولم أدر، أأنجو منها، أم لا؟. (١/ ١١٨) * عن عبد الله ابن عبيدة: أن نفراً اجتمعوا في حجرة صفية بنت حيي، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكروا الله، وتلوا القرآن، وسجدوا؛ فنادتهم صفية: هذا السجود وتلاوة القرآن، فأين البكاء؟ (٢/ ٢١٥) * عن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى رضي الله تعالى عنه بالبصرة، فقال: يا أيها الناس، إبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء، حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت. (١/ ٢٦١) * عن سيار عن جعفر قال: كان حبيب أبو محمد رقيقاً، من أكثر الناس بكاء؛ فبكى ذات ليلة بكاء كثيراً، فقالت عمر ة ـ بالفارسية ـ: لم تبكي يا أبا محمد؟ قال لها حبيب ـ بالفارسية ـ: دعيني، فإني أريد أن أسلك طريقاً لم أسلكه قبل. (٦/ ١٥٤) * منصور بن عمار يقول: تكلمت في مجلس، فيه سفيان بن عيينة، وفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك؛ فأما سفيان بن عيينة: فتغرغرت عيناه، ثم نشفتا من الدموع؛ وأما ابن المبارك: فسالت دموعه؛ وأما الفضيل: فانتحب، فلما قام فضيل وابن المبارك، قلت لسفيان: يا أبا محمد، ما منعك أن يجيء منك ما جاء من صاحبك، قال: هذا أكمد للحزن، إن الدمعة إذا خرجت، استراح القلب. (٧/ ٣٠٢) * عن عتبة بن غزوان قال: لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة، مالنا طعام، إلا ورق الحبلة، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما يخالطه شيء. (١/ ١٧١ـ١٧٢) * عن وهب قال: ما من شئ، إلا يبدو صغيراً، ثم يكبر؛ إلا المصيبة، فإنها تبدو كبيرة، ثم تصغر. (٤/ ٦٣) * عن وهب بن منبه قال: البلاء للمؤمن، كالشكال للدابة. (٤/ ٥٦) * عن وهب بن منبه قال: من أصيب بشيء من البلاء، فقد سلك به طريق الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. (٤/ ٥٦) * عن أبي الجلد قال: ليحلن البلاء على أهل الصلاة خصوصاً لا يراد غيرهم، والأمم حولهم آمنون يرتعون، حتى أن الرجل ليرجع يهودياً أو نصرانياً. (٦/ ٥٦) * عن نوف البكالى قال: مثل هذه الأمة: مثل المرأة الحامل، يرجى لها الفرج على رأس ولدها؛ وهذه الأمة، إذا لج بها البلاء، لم يكن لها فرج دون الساعة. (٦/ ٥٠) * عن الجنيد بن محمد قال: البلاء على ثلاثة أوجه: على المخلطين عقوبات، وعلى الصادقين تمحيص جنايات، وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات. (١٠/ ٢٧١) * عن يزيد بن ميسرة قال: لا تضر نعمة معها شكر، ولا بلاء معه صبر؛ ولبلاء في طاعة الله، خير من نعمة في معصية الله. (٥/ ٢٣٦) * عن عثمان بن بزدويه قال: كنت مع وهب بن منبه وسعيد بن جبير يوم عرفة، تحت نخيل ابن عامر؛ فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله، كم لك منذ خفت من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي وهي حامل، فجائني الذي في بطنها، وقد خرج وجهه؛ فقال له وهب: إن من كان قبلكم، إذا أصاب أحدهم بلاء، عده رخاء؛ وإذا أصابه رخاء، عده بلاء. (٤/ ٥٦/٥٧) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشدته، فلما أصابنا البلاء، اعترفنا لذلك، ومرنا عليه، وصبرنا له؛ ولقد رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، خرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي، فإذا قطعة جلد بعير؛ فأخذتها، فغسلتها، ثم أحرقتها، فوضعتها بين حجرين، ثم استفها، وشربت عليها من الماء، فقويت عليها ثلاثاً. (١/ ٩٣) * عن الحسن قال: خطب عتبة بن غزوان، فكان أول أمير خطب على منبر البصرة؛ ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومالنا طعام، إلا ينوي الشجر، حتى قرحت أشداقنا، غير أني التقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك؛ قال: فما بقي من الرهط السبعة، إلا أمير، على مصر من الأمصار. (١/ ٩٣) * عن أسماء ـ بنت أبي بكر ـ قالت: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؛ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيثاً، فلطم خدي لطمة، خر منها قرطي؛ قالت: ثم انصرفوا. (٢/ ٥٦) * عن أبي بكر الواسطي قال: قال سمنون بن حمزة: يا رب، قد رضيت بكل ما تقضيه علي، فاحتبس بوله أربعة عشر يوماً، فكان يلتوي كما تلتوي الحية على الرمل، يتقلب يميناً وشمالاً؛ فلما أطلق بوله، قال: يا رب، تبت إليك. وأنشدت عن جعفر عن سمنون: أنا راض بطول صدك عني…ليس إلا لأن ذاك هواكا فامتحن بالجفا صبري على…الود ودعني معلقا برجاكا (١٠/ ٣١٠) * عن أبي أبا بكر الزقاق قال: كان سبب ذهاب بصري: أني خرجت في وسط السنة أريد مكة، وفي وسطي نصف جل، وعلى كتفي نصف جل، فرمدت إحدى عيني، فمسحت الدموع بالجل، فقرح المكان، فكانت الدموع والدم، يسيلان من عيني وقرحتي، وأنا من سكر إرادتي لم أحس به؛ وإذا أثرت الشمس في يدي، قلبتها ووضعتها على عيني، رضاء مني بالبلاء؛ وكنت في التيه وحدي، فخطر بقلبي: أن علم الشريعة يباين علم الحقيقة، فهتف بي هاتف من شجر البادية: يا أبا بكر، كل حقيقة لا تتبعها شريعة، فهي كفر. (١٠/ ٣٤٤) * قال صدقة المقابري لرجل كان يواخيه ويصحبه: كيف تجدك؟ فقال: إن الذي بي من البلاء، أقل مما أصبت من لذة الهوى، ولو أصابني من البلاء، بقدر ما نلت من لذة الهوى، إذا لاجتمع علي جميع البلاء. وكان كثيرا ينشد أبياتا للثقفي: أما ترى الموت ما ينفك مختطفا…من كل ناحية نفساً فيحويها قد نغصت أملاً كانت تؤمله…وقام في الحي ناعيها وباكيها وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم…بعد النضارة ثم الله يحييها وصار ما جمعوا منها وما دخروا…من الأقارب يحويه أدانيها فامهد لنفسك في أيام مدتها…واستغفر الله مما أسلفته فيها (١٠/ ٣١٧) * سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإن يعقوب فقد سبطاً من ولده، فبكى حتى ابيضت عيناه، ولم يعلم أنه مات؛ وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي في غزاة واحدة؛ أفترون حزنهم يذهب من قلبي؟. (٣/ ١٣٦) * عن إبراهيم النخعي: أنه بكى في مرضه، فقالوا له: يا أبا عمران، ما يبكيك؟ قال: وكيف لا ابكي، وأنا انظر رسولاً من ربي يبشرني، إما بهذه، وإما بهذه؟ (٤/ ٢٢٤) * عن محمد ابن واسع قال: لقد أدركت رجالاً، كان الرجل، يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته؛ ولقد أدركت رجالاً، يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خده، ولا يشعر به الذي إلى جانبه. (٢/ ٣٤٧) * عن ربيع بن عتاب قال: كنت أمشي مع زياد ابن جرير، فسمع رجلاً يحلف بالأمانة؛ قال: فنظرت إليه وهو يبكي، قلت: ما يبكيك؟ فقال: أما سمعت هذا يحلف بالأمانة؟ فلئن تحك أحشائي حتى تدمى، أحب إلي من أحلف بالأمانة. (٤/ ١٩٦) * مر الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة، فجلس يحمد الله ويبكي، فمر به رجل؛ فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية، وأهل النار بأهل البلاء؛ فذلك الذي أبكاني. (٥/ ٧٨) * عن أبي سليمان ـ الداراني ـ قال: عودوا أعينكم البكاء، وقلوبكم التفكر. (٩/ ٢٧٤) * عن عاصم قال: سمعت شقيق بن سلمة يقول وهو ساجد: رب اغفر لي، رب اعف عني، إن تعف عني، فطولا من فضلك، وإن تعذبني، غير ظالم لي، ولا مسبوق؛ قال: ثم يبكي، حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد. (٤/ ١٠٢) * عن كعب الأحبار قال: وجدت في التوراة: من خرج من عينه مثل الذباب من الدمع، من خشية الله، أمنه الله من عذاب جهنم. (٥/ ٣٧٠) * وعنه قال: ما من رجل بكى من خشية الله، فتسيل دموعه على الأرض، فتقطر، فتصيبه النار، أبداً، حتى يرجع قطر السماء، إذا وقع على الأرض من السماء. (٥/ ٣٦٦) * وعنه قال: لأن أبكي من خشية الله، فتسيل دموعي على وجنتي؛ أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهباً. (٥/ ٣٦٦) * عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: حدثني يا ميمون؛ قال: فحدثته حديثاً بكى منه بكاء شديداً؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، لو علمت أنك تبكي هذا البكاء، لحدثتك حديثاً ألين من هذا؛ فقال: يا ميمون، إنا نأكل هذه الشجرة العدس، وهي ـ ما علمت ـ مرقة للقلب، مغزرة للدمعة، مذلة للجسد. (٥/ ٢٧١ـ٢٧٢) * عن أنس قال: ذهبت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أم أيمن يزورها، فقربت له طعاماً، أو شراباً؛ فأما إن كان صائماً، وأما لم يرده؛ فجعلت تخاصمه ـ أي: كل ـ فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال أبو بكر لعمر: من بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها، فلما رأتهما بكت؛ فقالا لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما أبكي، إني لأعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صار إلى خير مما كان فيه؛ ولكني أبكي لخبر السماء انقطع عنا، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. (٢/ ٦٨) * عن جعفر بن برقان قال: بلغنا: أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان يقول: أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث: ضحكت من مؤمل الدنيا، والموت يطلبه؛ وغافل لا يغفل عنه؛ وضاحك ملء فيه، لا يدري أمسخط ربه، أم مرضيه؛ وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة، محمد وحزبه؛ وهول المطلع عند غمرات الموت؛ والوقوف بين يدي رب العالمين، حين لا أدري: إلى النار انصرافي، أم إلى الجنة. (١/ ٢٠٧) * عن عبد الواحد بن يزيد قال: يا إخوتاه، ألا تبكون خوفاً من النيران؟ ألا، وإنه من بكى خوفاً من النار: أعاذه الله تعالى منها؛ يا إخوتاه: ألا تبكون خوفاً من شدة العطش يوم القيامة؟ يا إخوتاه: ألا تبكون؟ بلى، فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا، لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس، مع خير القدماء والأصحاب: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. قال: ثم جعل يبكي، حتى غشى عليه. (٦/ ١٦١) البلاء * عن عتبة بن غزوان قال: لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة، مالنا طعام، إلا ورق الحبلة، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما يخالطه شيء. (١/ ١٧١ـ١٧٢) * قال عبد الرحمن بن عوف: بلينا بالضراء، فصبرنا؛ وبلينا بالسراء فلم نصبر. (١/ ١٠٠) * عن وهب بن منبه قال: ما من شئ، إلا يبدو صغيراً، ثم يكبر؛ إلا المصيبة، فإنها تبدو كبيرة، ثم تصغر. (٤/ ٦٣) * عن وهب بن منبه قال: البلاء للمؤمن، كالشكال للدابة. (٤/ ٥٦) * عن وهب بن منبه قال: من أصيب بشئ من البلاء، فقد سلك به طريق الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. (٤/ ٥٦) * عن أبي الجلد قال: ليحلن البلاء على أهل الصلاة خصوصاً لا يراد غيرهم، والأمم حولهم آمنون يرتعون، حتى أن الرجل ليرجع يهودياً أو نصرانياً. (٦/ ٥٦) * عن نوف البكالي قال: مثل هذه الأمة: مثل المرأة الحامل، يرجى لها الفرج على رأس ولدها؛ وهذه الأمة، إذا لج بها البلاء، لم يكن لها فرج دون الساعة. (٦/ ٥٠) * عن الجنيد بن محمد قال: البلاء على ثلاثة أوجه: على المخلطين عقوبات، وعلى الصادقين تمحيص جنايات، وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات. (١٠/ ٢٧١) * عن يزيد بن ميسرة قال: لا تضر نعمة معها شكر، ولا بلاء معه صبر؛ ولبلاء في طاعة الله، خير من نعمة في معصية الله. (٥/ ٢٣٦) * عن عثمان بن بزدويه قال: كنت مع وهب بن منبه وسعيد بن جبير يوم عرفة، تحت نخيل ابن عامر؛ فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله، كم لك منذ خفت من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي وهي حامل، فجائني الذي في بطنها، وقد خرج وجهه؛ فقال له وهب: إن من كان قبلكم، إذا أصاب أحدهم بلاء، عده رخاء؛ وإذا أصابه رخاء، عده بلاء. (٤/ ٥٦/٥٧) * عن سعد قال: كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشدته، فلما أصابنا البلاء، اعترفنا لذلك، ومرنا عليه، وصبرنا له؛ ولقد رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، خرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي، فإذا قطعة جلد بعير؛ فأخذتها، فغسلتها، ثم أحرقتها، فوضعتها بين حجرين، ثم استفها، وشربت عليها من الماء، فقويت عليها ثلاثاً. (١/ ٩٣) * عن الحسن قال: خطب عتبة بن غزوان، فكان أول أمير خطب على منبر البصرة؛ ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومالنا طعام، إلا ينوي الشجر، حتى قرحت أشداقنا، غير أني التقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك؛ قال: فما بقي من الرهط السبعة، إلا أمير، على مصر من الأمصار. (١/ ٩٣) * عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؛ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيثاً، فلطم خدي لطمة، خر منها قرطي؛ قالت: ثم انصرفوا. (٢/ ٥٦) * عن أبي بكر الواسطي قال: قال سمنون بن حمزة: يا رب، قد رضيت بكل ما تقضيه علي، فاحتبس بوله أربعة عشر يوماً، فكان يلتوي كما تلتوي الحية على الرمل، يتقلب يميناً وشمالاً؛ فلما أطلق بوله، قال: يا رب، تبت إليك. وأنشدت عن جعفر عن سمنون: أنا راض بطول صدك عني…ليس إلا لأن ذاك هواكا فامتحن بالجفا صبري على…الود ودعني معلقا برجاكا (١٠/ ٣١٠) * عن أبي أبا بكر الزقاق قال: كان سبب ذهاب بصري: أني خرجت في وسط السنة أريد مكة، وفي وسطي نصف جل، وعلى كتفي نصف جل، فرمدت إحدى عيني، فمسحت الدموع بالجل، فقرح المكان، فكانت الدموع والدم، يسيلان من عيني وقرحتي، وأنا من سكر إرادتي لم أحس به؛ وإذا أثرت الشمس في يدي، قلبتها ووضعتها على عيني، رضاء مني بالبلاء؛ وكنت في التيه وحدي، فخطر بقلبي: أن علم الشريعة يباين علم الحقيقة، فهتف بي هاتف من شجر البادية: يا أبا بكر، كل حقيقة لا تتبعها شريعة، فهي كفر. (١٠/ ٣٤٤) * قال صدقة المقابري لرجل كان يواخيه ويصحبه: كيف تجدك؟ فقال: إن الذي بي من البلاء، أقل مما أصبت من لذة الهوى، ولو أصابني من البلاء، بقدر ما نلت من لذة الهوى، إذا لاجتمع علي جميع البلاء. وكان كثيرا ينشد أبياتا للثقفي: أما ترى الموت ما ينفك مختطفا…من كل ناحية نفساً فيحويها قد نغصت أملاً كانت تؤمله…وقام في الحي ناعيها وباكيها وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم…بعد النضارة ثم الله يحييها وصار ما جمعوا منها وما دخروا…من الأقارب يحويه أدانيها فامهد لنفسك في أيام مدتها…واستغفر الله مما أسلفته فيها (١٠/ ٣١٧) * سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإن يعقوب فقد سبطاً من ولده، فبكى حتى ابيضت عيناه، ولم يعلم أنه مات؛ وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي في غزاة واحدة؛ أفترون حزنهم يذهب من قلبي؟. (٣/ ١٣٦) * عن إبراهيم النخعي: أنه بكى في مرضه، فقالوا له: يا أبا عمران، ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي، وأنا انظر رسولاً من ربي يبشرني، إما بهذه، وإما بهذه؟ (٤/ ٢٢٤) * عن حذيفة رضي الله عنه قال: تعودوا الصبر، فأوشك أن ينزل بكم البلاء؛ أما أنه لا يصيبنكم أشد مما أصابنا نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (١/ ٢٨٣) * عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعداً ـ بن أبي وقاص ـ يقول: لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى يضع أحدنا كما تضع الشاة. (١/ ٩٢) * عن سعيد بن جبير قال: مازال البلاء بأصحابي، حتى رأيت أن ليس لله في حاجة، حتى نزل بي البلاء. (٤/ ٢٨١) * عن سفيان الثوري قال: ليس بفقيه، من لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة. (٧/ ٥٥) * عن إبراهيم النخعي قال: إني لأرى الشيء، أكرهه في نفسي، فما يمنعني أن أعيبه، إلا كراهية أن أبتلى بمثله. (٤/ ٢٣١) * عن طاووس قال: لم يجهد البلاء من لم يتول اليتامى، أو يكون قاضياً بين الناس في أموالهم، أو أميراً على رقابهم. (٤/ ١٣) * عن عبد الملك بن أبجر قال: ما من الناس إلا مبتلى بعافية، لينظر كيف شكره، أو مبتلى ببلية، لينظر كيف صبره. (٥/ ٨٥) * عن عون بن عبدالله بن عتبة قال: إن الله ليكره عبده على البلاء، كما يكره أهل المريض مريضهم، وأهل الصبي صبيهم، على الدواء؛ ويقولون: اشرب هذا، فإن لك في عاقبته خيراً. (٤/ ٢٥٢) * عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ألا حبذا المكروهات: الموت والفقر، وأيم الله، إن هو إلا الغنى أو الفقر، وما أبالي بأيهما ابتليت؛ إن كان الغنى، إن فيه للعطف؛ وإن كان الفقر، إن فيه للصبر. (١/ ١٣٢) * عن سالم بن أبي حفصة قال: لما أتى سعيد بن جبير الحجاج، قال: أنت شقي بن كسير، قال: أنا سعيد بن جبير، قال: لأقتلنك، قال: أنا إذاً كما سمتني أمي؛ ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجهوه الى قبلة النصاري، قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] . ثم قال: إني أستعيذ منك بما عاذت به مريم، قال: قالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً} [مريم:١٨] . قال سفيان: لم يقتل بعد سعيد بن جبير، إلا رجلاً واحداً. (٤/ ٢٩٠) * عن ابن عباس، أنه قال: وقع في قلب أم شريك الإسلام، فأسلمت وهي بمكة، وهي إحدى نساء قريش، ثم إحدى بني عامر بن لؤي، وكانت تحت أبي العسكر الدوسي؛ فأسلمت، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً، فتدعوهن، وترغبهن في الإسلام؛ حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا: لولا قومك، لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم؛ قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء، موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثاً، لا يطعمونني، ولا يسقوني؛ قالت: فما أتت عليّ ثلاث، حتى ما في الأرض شيء أسمعه؛ قالت: فنزلوا منزلاً، وكانوا إذا نزلوا منزلاً أوثقوني في الشمس، واستظلوا هم منها، وحبسوا عني الطعام والشراب، فلا تزال تلك حالي، حتى يرتحلوا؛ قالت: فبينما هم قد نزلوا منزلاً، وأوثقوني في الشمس، واستظلوا منها، إذا أنا بأبرد شيء على صدري، فتناولته، فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلاً، ثم نزع فرفع، ثم عاد، فتناولته، فشربت منه، ثم رفع، ثم عاد أيضاً، فتناولته، فشربت منه قليلاً، ثم رفع؛ قالت فصنع به مراراً، ثم تركت، فشربت حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي؛ فلما استيقظوا، إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة؛ قالوا لي: أتحللت، فأخذت سقاءنا، فشربت منه؟ قلت: لا والله، ما فعلت، ولكنه كان من الأمر كذا وكذا؛ قالوا: لئن كنت صادقة، لدينك خير من ديننا؛ فلما نظروا إلى أسقيتهم، وجدوها كما تركوها، فأسلموا عند ذلك؛ وأقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوهبت نفسها له بغير مهر، فقبلها، ودخل عليها. (٢/ ٦٦ - ٦٧) * عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية أم عمار؛ فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون، فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، من حر الحديد والشمس؛ فلما كان من العشي، أتاهم أبو جهل لعنه الله، ومعه حربة، فجعل يشتمهم، ويوبخهم. (١/ ١٤٠) * ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيباً، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً، حتى أجمعوا قتله؛ فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته إياها، فدرج بني لها، حتى أتاه؛ قالت: وأنا غافلة، فوجدته مجلسه على فخذه، والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك؛ قالت: والله، ما رأيت أسيراً قط، خيراً من خبيب، والله، لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنه لموثق في الحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً؛ فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، فتركوه؛ ثم قال: ولله، لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً؛ ثم قال: فلست أبالي حين أقتل مسلماً…على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ…يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة: عقبة بن الحارث، فقتله. (١/ ١١٢ - ١١٣) * عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البلاء، وهو يغدو ويروح، في أمان من الوليد بن المغيرة؛ قال: والله، إن غدوي ورواحي آمناً، بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني، يلقون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي؛ فمشى إلى الوليد بن المغيرة، فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره؛ قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد على جواري علانية، كما أجرتك علانية؛ قال: فانطلقا، ثم خرجا، حتى أتيا المسجد، فقال لهم الوليد: هذا عثمان، قد جاء يرد على جواري، قال لهم: قد صدق، قد وجدته وفياً كريم الجوار؛ ولكني قد أحببت أن لا أستجبر بغير الله، فقد رددت عليه جواره؛ ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب القيسي في المجلس من قريش، ينشدهم فجلس معهم عثمان، فقال لبيد وهو ينشدهم: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال عثمان: صدقت. فقال: وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، نعيم أهل الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله، ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث فيكم هذا؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان، حتى سرى ـ أي عظم أمرهما ـ، فقام إليه ذلك الرجل: فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب، يرى ما بلغ من عثمان؛ فقال: أما والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، فقد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: بلى والله، إن عيني الصحيحة، لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر، يا أبا عبد شمس؛ فقال عثمان بن مظعون فيما أصيب من عينه: فإن تك عيني في رضا الرب نالها…يدا ملحد في الدين ليس بمهتد فقد عوض الرحمن منها ثوابه…ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد فإني وإن قلتم غوي مضلل…سفيه على دين الرسول محمد أريد بذاك الله والحق ديننا…على رغم من يبغي علينا ويعتدي (١/ ١٠٣ - ١٠٤) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال، وهو يعذب، وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحد أحد الله يا بلال، ثم يقبل ورقة بن نوفل على أمية بن خلف، وهو يصنع ذلك ببلال؛ فيقول: أحلف بالله عز وجل، لئن قتلتموه على هذا، لأتخذته حناناً؛ حتى مر به أبو بكر الصديق يوماً وهم يصنعون ذلك، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين، حتى متى؟ قال: أنت أفسدته، فأنقذه مما ترى؛ فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود، أجلد منه وأقوى على دينك، أعطيكه به، قال: قد قبلت، قال: هو لك؛ فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، وأخذ بلالاً فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم. (١/ ١٤٨) * كان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح مولداً من مولديهم، وهو بلال بن رباح، كان اسم أمه، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب؛ فكان أمية يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا، حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى؛ فيقول، وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. (١/ ١٤٨) * عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد؛ فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم فمنعه الله تعالى بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر: فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم: فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس، فما منهم أحد، إلا وأتاهم على ما أرادوا، إلا بلالاً، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه؛ فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. (١/ ١٤٩) * عن سعيد بن وهب قال: دخلت مع سلمان رضي الله تعالى عنه على صديق له من كندة يعوده، فقال له سلمان: إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالبلاء، ثم يعافيه، فيكون كفارة لما مضى، فيستعتب فيما بقي؛ وأن الله عز اسمه: يبتلي عبده الفاجر بالبلاء، ثم يعافيه، فيكون كالبعير، عقله أهله، ثم أطلقوه، فلا يدرى فيم عقلوه حين عقلوه، ولا فيم أطلقوه حين أطلقوه. (١/ ٢٠٦) * عن خيثمة عبد الرحمن قال: تقول الملائكة: يا رب، عبدك المؤمن، تزوى عنه الدنيا، وتعرضه للبلاء؛ قال: فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن ثوابه، فاذا رأوا ثوابه، قالوا: يا رب، لا يضره ما أصابه في الدنيا. قال: ويقولون: عبدك الكافر، تزوى عنه البلاء، وتبسط له الدنيا؛ قال: فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن عقابه، قال: فإذا رأوا عقابه، قالوا: يا رب، لا ينفعه ما أصابه من الدنيا. (٤/ ١١٨) * عن هشام ابن عروة قال: خرج أبي إلى الوليد بن عبد الملك، فوقع في رجله الأكلة، فقال له الوليد: يا أبا عبد الله، أرى لك قطعها، قال: فقطع، وإنه لصائم، فما تضور وجهه؛ قال: ودخل ابن له ـ أكبر ولده ـ اصطبل الدواب، فرفسته دابة، فقتلته؛ فما سمع من أبي في ذلك شئ، حتى قدم المدينة؛ فقال: اللهم، إنه كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحداً، وأبقيت ثلاثة، فلك الحمد؛ وكان لي بنون أربعة، فأخذت واحداً، وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد؛ وأيم الله، لئن أخذت، لقد أبقيت، ولئن أبليت، طالما عافيت. عن مسلمة بن محارب: لما شخص عروة من عند الوليد إلى المدينة، أتته قريش والأنصار، يعزونه في ابنه ورجله؛ فقال له عيسى بن طلحة بن عبيد الله: يا أبا عبد الله، قد صنع الله بك خيراً، والله، ما بك حاجة إلى المشي، فقال: ما أحسن ما صنع الله إلي، وهب سبعة بنين، فمتعني بهم ما شاء، ثم أخذ واحداً، وأبقى ستة؛ وأخذ عضواً، وأبقى لي خمساً: يدين، ورجلاً، وسمعاً، وبصراً. (٢/ ١٧٩) * عن مسلم بن يسار، أنه قال: قدمت البحرين واليمامة على تجارة، فإذا أنا بالناس مقبلين ومدبرين، فقصدت إليه، فإذا أنا بامرأة جالسة في مصلاها، عليها ثياب غليظة، وإذا هي كئيبة محزونة، قليلة الكلام، وإذا كل من رأيت، ولدها، وخولها، وعبيدها؛ والناس مشغولون بالبياعات والتجارات، فقضيت حاجتي، ثم أتيتها، وودعتها؛ فقالت: حاجتنا إليك: أن تأتينا إذا جئت إلينا بحاجة، فتنزل بنا؛ قال: فانصرفت، فلبثت حيناً، ثم إني توجهت إلى بلدها في حاجة، فلما قدمتها، لم أرد دون منزلها شيئا مما كنت رأيت، فأتيت منزلها، فلم أر أحداً، فأتيت الباب، فاستفتحت، فإذا أنا بضحك امرأة وكلامها، ففتح لي، فدخلت، فإذا أنا بها جالسة في بيت، وإذا عليها ثياب حسنة رقيقة، وإذا الضحك الذي سمعت كلامها وضحكها، وإذا امرأة ليس معها في بيتها شيء قط، فاستنكرت؛ وقلت: قد رأيتك على حالين فيهما عجب: حالك في قدمتي الأولى، وحالك هذه؛ قالت: لا تعجب، فإن الذي قد رأيت من حالتي الأولى: إني كنت فيما رأيت من الخير والسعة، وكنت لا أصاب بمصيبة في ولد، ولا خول، ولا مال، ولا أوجه في تجارة إلا سلمت، ولا يبتاع لي شيء إلا ربحت فيه، وتخوفت أن لا يكون لي عند الله خير، فكنت مكتئبة لذلك، وقلت: لو كان لي عند الله خير لابتلاني؛ فتوالت علي المصائب، في ولدي الذي رأيت، وخولي، ومالي، وما بقي لي منه شيء، فرجوت أن يكون الله قد أراد بي خيراً فابتلاني، وذكرني، ففرحت لذلك، وطابت نفسي، فانصرفت، فلقيت عبد الله بن عمر، فأخبرته بخبرها؛ فقال: رحم الله هذه، ما فاتها أيوب النبي عليه السلام إلا بقليل، لكنى تخرق مطر في هذا ـ أو كلمة نحوها ـ؛ فوجهت به يصلح، فعمل لي ما كنت أريد، فأحزنني ذلك. (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦) * عن يونس ـ يعني: ابن عبيد ـ قال: كان طاعون قبل بلاد ميمون، فكتبت إليه أن أسأله عن أهله؛ فكتب إلي: بلغني كتابك، تسألني عن أهلي، وأنه مات من أهلي وخاصتي سبعة عشر إنساناً، وأني أكره البلاء إذا أقبل، فإذا أدبر، لم يسرني أنه لم يكن؛ أما أنت، فعليك بكتاب الله، وإن الناس قد لهوا عنه ـ يعني: نسوه ـ واختاروا عليه الأحاديث: أحاديث الرجال، وإياك والمراء في الدين. (٤/ ٩٠) * عن الشعبي قال: سأل عمر بلالاً مما لقي من المشركين: فقال خباب: يا أمير المؤمنين، أنظر إلى ظهري، فقال عمر: ما رأيت كاليوم! قال: أوقدوا لي ناراً، فما أطفأها إلا ودك ظهري. (١/ ١٤٤) * عن خباب بن الأرت قال: لم يكن أحد إلا أعطى ما سألوه، يوم عذبهم المشركون، إلا خباباً، كانوا يضعونه على الرضف، فلم يسعوا منه شيئاً. (١/ ١٤٤) * عن حارثة بن مضرب قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى، فقال: ما أعلم أحد لقي من البلاء ما لقيت، لقد مكثت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما أجد درهماً، وإن في ناحية بيتي هذا أربعين ألفاً ـ يعني: دراهم ـ لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا ـ أو: نهى ـ أن يتمنى أحد الموت، لتمنيته. (١/ ١٤٤) * عن حمزة العبدي قال: أتينا مرة بن شراحيل، فقال: ألا إن الله عز وجل لم يكتب على عبد بلاء، إلا أمضاه عليه، وإن أطاعه ذلك العبد؛ ولم يكتب لعبد رزقاً، إلا وفاه إياه، وإن عصاه ذلك العبد. (٤/ ١٦٣) * عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليبعثنا في السرية، ما لنا زاد إلا السلف ـ يعني: الجراب ـ من التمر، فيقسمه صاحبه بيننا، قبضة قبضة، حتى يصير إلى تمرة؛ قال: فقلت: وما كان يبلغ من التمرة، قال: لا تقل ذلك يا بني، ولبعد أن فقدناها، فاختلطنا إليها. (١/ ١٧٩) * عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:١ـ٢] . قال: كان الله تعالى يبعث النبي إلى أمته، فيلبث فيهم، إلى انقضاء أجله من الدنيا، ثم يقبضه الله تعالى إليه؛ فتقول الأمة من بعده ـ أو من شاء منهم ـ: إنا على منهاج النبي وسبيله، فينزل الله تعالى بهم البلاء، فمن ثبت منهم على ما كان عليه النبي، فهو الصادق؛ ومن خالف ذلك، فهو الكاذب. (٣٢٦) * عن عبد الله بن محمد بن سفيان قال: حدثني محمد بن أبي قاسم مولى ابن هاشم ـ وكان قد قارب المائة ـ قال: وعظ عابد جباراً، فأمر به، فقطعت يداه ورجلاه، وحمل إلى متعبده؛ فجاء إخوانه يعزونه، فقال: لا تعزوني، ولكن هنئوني بما ساق الله إلي. ثم قال: إلهي، أصبحت في منزلة الرغائب، أنظر إلى العجائب؛ إلهي، أنت تتودد بنعمتك إلي من يؤذيك، فكيف توددك إلى من يؤذى فيك. (١٠/ ١٣٥ - ١٣٦) * عن سهل بن عبد الله يقول: البلوى من الله على وجهين: بلوى رحمة، وبلوى عقوبة؛ فبلوى الرحمة: تبعث صاحبها على إظهار فقره إلى الله تعالى، وترك التدبير؛ وبلوى العقوبة: تبعث صاحبها على اختياره وتدبيره. (١٠/ ٢١١) * عن أبي العباس بن عطاء قال: قرن ثلاثة أشياء بثلاث، قرنت الفتنة بالمنية، وقرنت المحنة بالاختبار، وقرنت البلوى بالدعاوى. (١٠/ ٣٠٢) * عن بشر بن الحارث قال: ما أعلم أحداً من الناس إلا مبتلي: رجل بسط الله تعالى له في رزقه، فينظر كيف شكره؛ ورجل قبض الله عز وجل عنه من رزقه، فينظر كيف صبره. (٨/ ٣٥٠) * عن وهيب بن الورد قال: إن الله تعالى إذا أراد كرامة عبد: أصابه بضيق في معاشه، وسقم في جسده، وخوف في دنياه، حتى ينزل به الموت وقد بقيت عليه ذنوب شدد بها عليه الموت، حتى يلقاه وما عليه شيء؛ وإذا هان عليه عبد: يصحح جسده، ويوسع عليه في معاشه، ويؤمنه في دنياه، حتى ينزل به الموت، وله حسنات يخفف عنه بها الموت، حتى يلقاه وماله عنده شيء. (٨/ ١٥٦) * وسئل الحارث بن أسد فقيل له: رحمك الله، البلاء من الله للمؤمنين، كيف سببه؟ قال: البلاء على ثلاث حجات: على المخلطين نقم وعقوبات، وعلى المستأنفين تمحيص الجنايات، وعلى العارفين من طريق الاختبارات. فقيل له: صف تفاوتهم فيما تعبدوا به؛ قال: أما المخلطون: فذهب الجزع بقلوبهم، وأسرتهم الغفلة، فوقعوا في السخط؛ وأما المستأنفون: فأقاموا لله، بالصبر في مواطن البلاء، حتى تخلصوا ونجوا منه، بعد مكابدة ومؤنة؛ وأما العارفون: فتلقوا البلاء بالرضا عن الله عز وجل فيما قضى، وعلموا أن الله عدل في القضاء، فسروا بحلول المكروه، لمعرفة عواقب اختيار الله لهم. قيل له: فما معنى هذه الآية: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:٣١] . أو لم يعلم؟ قال: بلى، قد علم ما يكون قبل أن يكون؛ ولكن معنى قوله: حَتَّى نَعْلَمَ : حتى نرى المجاهدين في جهادهم، والصابرين في صبرهم؛ وقد روي أن الله تعالى، أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: إني لحفي بالمريدين لي، وإن بعيني ما تحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب رضائي، أتراني أضيع لهم عملاً؟ أو أنسى لهم أثراً؟ كيف؟ وأنا ذو الجود، أجود بفضلي على المولين عني، فكيف بالمقبلين إلي. قيل: رحمك الله، ما الذي أفاد قلوب العارفين وأهل العقل عنه، في مخاطبة الآية؟ قال: تلقوا المخاطبة من الله بقوة الفهم عن الله، حتى كأنهم يسمعون منه، وأنه أقرب إليهم في وقت البلاء من أنفسهم إلى أبدانهم، فعلموا أنهم بعينه، فقووا على إقامة الصبر، والرضا في حالة المحن، إذ كانوا بعين الله، والله تعال يراهم؛ فحين أسقطوا عن قلوبهم الاختيار، والتملك باحتيال قوة: ولجوا إليه، وطرحوا الكنف بين يديه، واستبسلت جوارحهم في رق عبوديته بين يدي مليك مقتدر، فشال عند ذلك صرعتهم، وأقال عثرتهم، وأحاطهم من دواعي الفتور، ومن عارض خيانة الجزع، وأدخلهم في سرادق، حسن الإحاطة من ملمات العدو ونزغاته، وتسويله وغروره؛ فأسعفهم بمواد الصبر منه، ومنحهم حسن المعرفة والتفويض؛ ففوضوا أمورهم إليه، وألجؤا إليه همومهم، واستندوا بوثيق حصن النجاة: رجاء روح نسيم الكفاية، وطيب عيش الطمأنينة، وهدو سكون الثقة، ومنتهى سرور تواتر معونات المحنة، وعظيم جسيم قدر الفائدة، وزيادات قدر البصيرة؛ وعلموا: أنه قد علم منهم مكنون سرهم، وخفى مرادهم، ويكون ما حصل في القلوب من يقينهم، وما شارت إليه في بواطن أوهامها، وسر غيبها؛ فعظم منهم حرص الطلب، وغاب منهم مكامن فتور الجد لمعرفة المعذرة فيهم، فهؤلاء في مقامات حسن المعرفة، وحالات اتساع الهداية، وحسن بهاء البصيرة، فاعتزوا بعزة الاعتماد على الله. فقال له السائل: حسبي، رحمك الله، فقد عرفتني ما لم أكن أعرف، وبصرتني ما لم أكن أبصر، وكشفت عن قلبي ظلمة الجهل، بنور العلم، وفائدة الفهم، وزيادات اليقين، وثبتني في مقامي، وزدتني في قدر رغبتي، وروحتني من ضيق خاطري؛ فأرشدك الله إلى سبيل النجاة، ووفقك للصواب، بمنه ورأفته؛ إنه ولي حميد. (١٠/ ٩٢ - ٩٣) * قال ذو النون: البلاء ملح المؤمن، إذا عدم البلاء، فسد ماله. (٩/ ٣٧٣) * عن خيثمة بن عبدالرحمن، قيل له: أي شيء يسمن في الجدب والخصب، ونصف شيء يهزل في الخصب والجدب؟ قال: أما الذي يسمن في الجدب والخصب، فهو المؤمن، إن أعطى شكر، وإن ابتلي صبر؛ والذي يهزل في الخصب والجدب، فهو الكافر، إن أعطي لم يشكر، وإن ابتلي لم يصبر، وشيء هو أحلى من العسل، ولا ينقطع، وهي الألفة التي جعلها الله بين المؤمنين. (٤/ ١١٨) * عن وهب بن منبه: أنه كان يقول: الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، إن فتر قائدها: صدت عن الطريق ولم تستقم لسائقها، وإن فتر سائقها: حرنت ولم تتبع قائدها، فإذا اجتمعا: استقامت طوعاً أو كرهاً، ولا تستطيع أبدى إلا بالطوع والكره، إن كان كلما كره الإنسان شيئاً من دينه تركه، أوشك أن لا يبقى معه من دينه شئ. (٤/ ٣١) * وعنه قال: من علامة البلاء: أن يكون الرجل صاحب بدعة. (٨/ ١٠٨) * عن مالك بن أنس: أنه بلغه: أن عيسى عليه السلام كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله؛ ولكن، لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب؛ ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد؛ فإنما الناس رجلان: مبتلى، ومعافى؛ فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. (٦/ ٣٢٨) * عن أبي الربيع سليمان بن داود قال: كان الشافعي إذا حدث، كأنما يقرأ سورة من القرآن، وكان فصيحاً؛ فمرض مرضاً شديداً؛ فقال: اللهم، إن كان هذا لك رضي: فزد؛ فبلغ ذلك إدريس بن يحيى الخولاني، فبعث إليه: يا أبا عبد الله، لست أنا، ولا أنت من رجال البلاء؛ قال: فبعث إليه: يا أبا عمرو، ادع الله لي بالعافية. (٩/ ١٣٥)