الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» فقال السائل: رحمك الله، صف لي من علامات وجود قلبه، قال: محبوسة يا فتى في سر الملاطفة، مخصوصة بعلم المكاشفة، مقلبة بتنعم النظر في مشاهدة الغيب، وحجاب العز، ورفعة المنعة؛ فهي القلوب التي أسرت أوهامها بعجب نفاذ إتقان الصنع، فعندها تصاعدت المنى، وتواترت على جوارحها فوائد؛ فلهذا فانقطعت النفوس عن كل ميل إلى راحة، وانزعجت الهموم، وفرت من الرفاهة، فنعمت بسرائر الهداية، وعلمت طرق الولاية، وغذيت من لطيف الكفاية، وأرسلت في روضة ا لبصيرة، وأحلت القلوب محلاً نظرت فيه بلا عيان، وجالت بلا مشاهدة، وخوطبت بلا مشافهة؛ فهذا يا فتى صفة أهل محبة الله، من أهل المراقبة والحياء، والرضا والتوكل، فهم الأبرار من العمال، وهم الزهاد من العلماء، وهم الحكماء من النجباء، وهم المسارعون من الأبرار، وهم دعاة الليل والنهار، وهم أصحاب صفاء التذكار، وأصحاب الفكر والاعتبار، وأصحاب المحن والاختبار؛ هم قوم أسعدهم الله بطاعته، وحفظهم برعايته، وتولاهم بسياسته، فلم تشتد لهم همة، ولم يتسقط لهم إرادة، همومهم في الجد والطلب، وأرواحهم في النجاة والهرب، يستقلون الكثير من أعمالهم، ويستكثرون القليل من نعم الله عليهم، إن أنعم عليهم شكروا، وإن منعوا صبروا، يكاد يهيج منهم صراخ إلى مواطن الخلوات، ومعابر العبر والآيات، فالحسرات في قلوبهم تتردد، وخوف الفراق في قلوبهم يتوقد؛ نعم يا فتى، هؤلاء قوم أذاقهم الله طعم محبته، ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته، فقطعهم ذلك عن الشهوات، وجانبوا اللذات، وداموا في رحمة من له الأرض والسماوات؛ فقد اعتقدوا الرضا قبل وقوع البلاء، ومنقطعين عن إشارة النفوس، منكرين للجهل المأسوس، طاب عيشهم، ودام نعيمهم، فعيشهم سليم، وغناهم في قلوبهم مقيم، كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب فقطعوا، وكان الله المنا والمطلوب، دعاهم إليه فأجابوه، بالحث يروي، ودوام السير؛ فلم تقم لهم أشغال، إذ استبقوا دعوة الجبار، فعندها يا فتى غابت عن الفتنة بدواهيها، وظهرت أسباب المعرفة بما فيها، فصار مطيتهم إليه الرغبة، وسائقهم الرهبة، وحاديهم الشوق، حتى أدخلهم في رق عبوديته، فليس تلحقهم فترة في نية، ولا وهن في عزم، ولا ضعف في حزم، ولا تأويل في رخصة، ولا ميل إلى دواعي غرة؛ قال السائل: أرى هذا مراداً بالمحبة، قال: نعم يا فتى، هذه صفة المرادين بالمحبة؛ فقال: كيف المحن على هؤلاء؟ فقال: سهلة في علمها، صعبة في اختيارها، فمنحهم على قدر قوة إيمانهم؛ قال: فمن أشدهم محناً؟ قال: أكثرهم معرفة، وأقواهم يقينا، وأكملهم إيماناً، كما جاء في الخبر: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» . (١٠/ ٩٩ - ١٠١) * عن أبي الدرداء: أنه أبصر رجلاً في جنازة، وهو يقول: جنازة من هذه؟ فقال أبو الدرداء: هذا أنت، يقول الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:٣٠] . (٦/ ١٢٠) * عن عبد الرحمن بن حيان المصري قال: قيل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، ما بال الميت ينزع نفسه وهو ساكت، وابن آدم يضطرب من القرصة؟ قال: لأن الملائكة توثقه ثم قرأ: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: ٦١] . (٨/ ١١١) * عن الأوزاعي قال: خرج الناس يستسقون، وفيهم بلال بن سعد، فقال: يا أيها الناس، ألستم تقرون بالإساءة؟ قالوا: نعم، قال: اللهم إنك قلت: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: ٩١] ، وكل يقر لك بالإساءة، فاغفر لنا واسقنا. قال: فسقوا. (٥/ ٢٢٦) * قال عبد الله بن أبي زكريا: ما من أمة يكون فيهم خمسة عشر رجلاً، يستغفرون الله في كل يوم خمساً وعشرين مرة، فتعذب تلك الأمة؛ واقرؤوا إن شئتم: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذريات:٣٦] . (٥/ ١٤٩) * عن وهيب قال: لقي رجل عالم رجلاً عالماً، هو فوقه في العلم؛ فقال له: يرحمك الله، أخبرني عن هذا البناء الذي لا إسراف فيه، ما هو؟ قال: هو ما سترك من الشمس، وأكنك من المطر؛ فقال: يرحمك الله، فأخبرني عن هذا الطعام الذي نصيبه لا إسراف فيه؛ قال: ما سد الجوع، ودون الشبع؛ قال: فأخبرني يرحمك الله، عن هذا اللباس الذي لا إسراف فيه، ما هو؟ قال: ما ستر عورتك، وأدفاك؛ قال: فأخبرني يرحمك الله، عن هذا الضحك الذي لا إسراف فيه، ما هو؟ قال: التبسم، ولا يسمعن؛ قال: يرحمك الله، فأخبرني عن هذا البكاء الذي لا إسراف فيه، ما هو؟ قال: لا تملن من البكاء من خشية الله؛ قال: يرحمك الله، فما الذي أخفي من عملي؟ قال: ما يظن بك: أنك لم تعمل حسنة قط، إلا أداء الفرائض؛ قال: يرحمك الله، فما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه صلوات الله عليهم إلى عباده؛ وقد قيل في قول الله عز وجل {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْت ُ} [مريم:٣١] . قيل: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أينما كان. (٨/ ١٥٢) * قال محمد بن أسلم: زعمت الجهمية: أن القرآن مخلوق؛ وقد أشركوا في ذلك، وهم لا يعملون؛ لأن الله تعالى، قد بين أن له كلاماً؛ فقال: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} [الأعراف: ١٤٤] . وقال في آية أخرى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء: ١٦٤] . فأخبر أن له كلاماً، وأنه كلم موسى عليه السلام، فقال في تكليمه إياه: يا موسى، (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ؛ فمن زعم أن قوله: يا موسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ {خلق، وليس بكلامه، فقد أشرك بالله؛ لأنه زعم: أن خلقاً قال لموسى: إني أنا ربك، فقد جعل هذا الزاعم رباً لموسى، دون الله؛ وقول الله أيضاً لموسى في تكليمه: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: ١٤] . فقد جعل هذا الزاعم إلها لموسى غير الله؛ وقال في آية أخرى لموسى في تكليمه إياه يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] . فمن لم يشهد: أن هذا كلام الله وقوله، تكلم به، والله قاله؛ وزعم أنه خلق فقد عظم شركه وافتراؤه على الله؛ لأنه زعم أن خلقا قال لموسى: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: ٣٠] . فقد جعل هذا الزاعم للعالمين رباً غير الله، فأي شرك أعظم من هذا؟ فتبقى الجهمية في هذه القصة بين كفرين اثنين: إن زعموا أن الله لم يكلم موسى، فقد ردوا كتاب الله، وكفروا به؛ وإن زعموا أن هذا الكلام ـ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] ـ خلق، فقد أشركوا بالله. ففي هؤلاء الآيات بيان: أن القرآن كلام الله تعالى، وفيها بيان شرك من زعم أن كلام الله خلق، وقول الله خلق، وما أوحى الله إلى أنبيائه خلق. (٩/ ٢٤٥) * عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: بعث إلى هشام بن عبد الملك، فقال لي: يا إبراهيم، إنا قد عرفناك صغيراً، واختبرناك كبيراً، فرضينا سيرتك وحالك؛ وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي، وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر؛ قال: فقلت: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين، فالله يجزيك ويثيبك، وكفى به جازياً ومثيباً، وأما الذي أنا عليه، فمالي بالخراج بصر، ومالي عليه قوة؛ قال: فغضب، حتى اختلج وجهه، وكان في عينيه قبل، فنظر إلى نظراً منكراً، ثم قال: لتلين طائعاً، أو لتلين كارهاً؛ قال: فأمسكت عن الكلام، حتى رأيت غضبه قد انكسر، وسورته قد طفئت فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال: نعم، قلت: إن الله سبحانه قال في كتابه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب: ٧٢] الآية. فوالله يا أمير المؤمنين، ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن؛ وما أنا بحقيق أن تغضب علي إذ أبيت، ولا تكرهني إذ كرهت؛ قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلا فقها، لقد رضينا عنك، وأعفيناك. (٥/ ٢٤٤)