التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها

رجل من العلماء: اثنتان أنا أعالجهما منذ ثلاثين سنة: ترك الطمع فيما بيني وبين الناس، وإخلاص العمل لله عز وجل (٧/ ٢٧٠) * عن ك عب ـ الأحبار ـ قال: من تعبد لله ليلة، حيث لا يراه أحد يعرفه، خرج من ذنوبه، كما يخرج من ليلته. (٥/ ٣٨٣) * عن سفيان ـ الثوري ـ قال: كان يقال: من كانت سريرته أفضل من علانيته، فذلك الفضل، ومن كانت سريرته شراً من علانيته، فذلك الجور. (٧/ ٣٠) * عن ابن المبارك قال: ما رأيت رجلاً ارتفع، مثل مالك بن أنس، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة. (٦/ ٣٣٠) * عن سفيان الثوري قال: إن أقبح الرغبة: أن تطلب الدنيا، بعمل الآخرة. (٧/ ٥٤) * عن سلمان ـ الفارسي ـ رضي الله عنه قال: لكل امرئ جواني وبراني، فمن يصلح جوانيه، يصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه، يفسد الله برانيه. (١/ ٢٠٣) - عن المنذر قال: قال محمد بن الحنفية: يا منذر، قلت: لبيك، قال: كل ما لا يبتغى به وجه الله تعالى يضمحل. (٣/ ١٧٦) * عن حماد بن سلمة قال: من طلب الحديث لغير الله، مُكر به. (٦/ ٢٥١) * قال رجل لمحمد بن النضر: أين أعبد الله؟ قال: أصلح سريرتك، واعبده حيث شئت. (٠٨/ ٢٢٢) * عن ذي النون قال: قال بعض الحكماء: ما خلص العبد لله، إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف. (٩/ ٣٦٦) * قال علي رضي الله عنه كونوا لقبول العلم، أشد اهتماماً منكم بالعمل؛ فإنه لن يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل. (١/ ٧٥) * عن عبيد بن عبد الله بن عتبة قال: ما كان البر يعرف في عمر، ولا في ابنه، حتى يقولا، أو يفعلا. (٠١/ ٣١١) * عن سهل بن عبد الله قال: لا يصح الإخلاص، إلا بترك سبعة: الزندقة، والشرك، والكفر، والنفاق، والبدعة، والرياء، والوعيد. (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣) * عن أبي سعيد الخزار قال: كل باطن يخالف الظاهر، فهو باطل. (١٠/ ٢٤٧) * عن أبي يزيد ـ البسطامي ـ قال: لو صفت لي تهليله، ما باليت بعدها بشيء. (١٠/ ٤٠) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن سهل بن عبد الله قال: من كان عمله لله، جلا ذلك عن قلبه ذكر كل شيء سوى الله. (١٠/ ١٩٨) * عن الجنيد قال: إن الله عز وجل يخلص إلى القلوب من برة، حسبما خلصت القلوب به إليه من ذكره، فانظر ماذا خالط قلبك. (١٠/ ٢٧٩) * قال عبد الله بن مطرف: تخليص العمل، حتى يخلص أشد من العمل، والاتقاء على العمل بعد ما يخلص، أشد من العمل. (١٠/ ١٢١) * قال أيضاً: تصفيه العمل من الآفات، أشد من العمل. (١٠/ ١٢٢) * قال الخواص: الفقير: يعمل على الإخلاص، وجلاء القلب، وحضوره للعمل. والغني: يعمل على كثرة الوسواس، وتفرقة القلب في مواضع الأعمال. (١٠/ ٣٢٧ - ٣٢٨) * عن أبي التياح قال: كان الرجل يقرأ عشرين سنة، لا يشعر به جيرانه. (٣/ ٨٣) * قال الشافعي: وددت أن الخلق يتعلمون هذا العلم، ولا ينسب إلي منه شيء. (٩/ ١١٨) * عن يحي بن أبي كثير قال: ما صلح منطق رجل، إلا عرفت ذلك في سائر عمله؛ ولا فسد منطق رجل، إلا عرفت ذلك في سائر عمله. (٣/ ٦٨) * كان أيوب السختياني يقوم الليل كله، فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح، رفع صوته، كأنه قام تلك الساعة. (٣/ ٨) * عن سعيد بن المسيب قال: من هم بصلاة، أو صيام، أو عمرة، أو حج، أو شيء من الخير، ثم لم يفعل، كان له ما نوى. (٨/ ٥٢) * عن الأعمش قال: كان عبد الرحمن بن أبى ليلى يصلي، فإذا دخل الداخل، نام على فراشه. (٤/ ٣٥١) * عن هشام بن حسان قال: ما رأيت أحداً يطلب بالعلم وجه الله، إلا يونس بن عبيد. (٣/ ١٩) * عن محمد بن واسع قال: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة، وامرأته معه، لا تعلم به. (٢/ ٢٠٥) * قال أبو عبد الله الواهبي: ما أخلص عبد قط، إلا أحب أن يكون في جب لا يعرف، ومن أدخل فضولاً من الطعام، أخرج فضولاً من الكلام. (١٠/ ١٨) * قال علي بن فضيل لأبيه: يا أبت، ما أحلى كلام أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا بني، وتدري لم حلا؟ قال: لا يا أبت، قال: لأنهم أرادوا الله به. (١٠/ ٢٣) * عن ابن أبي الورد قال: آفة الخلق في حرفين: اشتغال بنافلة، وتضييع فريضة، وعمل جوارح، بلا مواطأة القلب؛ وإنما منعوا الوصول، بتضييع الأصل. (١٠/ ٣١٦) * قال الشافعي: وددت أن كل علم أعلمه، يعلمه الناس، أوجر عليه، ولا يحمدوني. (٩/ ١١٩) * قال ابن عيينة: ما أخلص عبد لله أربعين يوماً، إلا أنبت الله الحكمة في قلبه نباتاً، وأنطق لسانه بها، وبصره عيوب الدنيا، داءها ودواءها. (٧/ ٢٨٧) * قال ذو النون: ثلاثة من أعمال الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤيتهم في الأعمال نظراً إلى الله، واقتضاء ثواب العمل في الآخرة بحسن عفوا الله في الدنيا، بحسن المدحة. (٩/ ٣٦١ - ٣٦٢) * قال إبراهيم النخعي: ما أحد ممن يتكلم أن يطلب به وجه الله، من إبراهيم التيمي، ولوددت أنه انفلت منه كفافاً. (٤/ ٢١٢ - ٢١٣) * عن القواريري قال: سمعت حماد بن زيد يقول: دخلنا على محمد بن واسع في مرضه نعوده، قال: فجاء يحيى البكاء يستأذن عليه، فقالوا: يا أبا عبد الله، هذا أخوك أبو سلمة على الباب، قال: من أبو سلمة؟ قالوا: يحيى، قال: من يحيى؟ قالوا: يحيى البكاء؛ قال حماد: وقد علم أنه يحيى البكاء، فقال: إن شر أيامكم، يوم نسبتم فيه إلى البكاء. (٢/ ٣٤٧) * عن عبد الله بن عيسى الرقي قال: قال لي حذيفة: هل لك أن تجمع لك الخير كله في حرفين؟ قلت في نفسي: تراه فاعلاً، قال: قلت: ومن لي بذلك؟ قال: مداراة الخير من حله، وإخلاص العمل لله؛ حسبك. (٨/ ٢٧٠) * عن أبي سليمان ـ الداراني ـ قال: من عمل شيئاً من أنواع الخير بلا نية، أجزأته النية الأولى، حين اختار الإسلام على الأديان كلها؛ لأن هذا العمل من سنن الإسلام، ومن شعائر الإسلام. (٩/ ٢٧١) * عن عيسى بن حازم قال: كنا مع إبراهيم بن أدهم في بيت، ومعه أصحاب له، فأتوا ببطيخ، فجعلوا يأكلون، ويمزحون، ويترامون بينهم؛ فدق رجل الباب، فقال لهم إبراهيم: لا يتحركن أحد، قالوا: يا أبا إسحاق، تعلمنا الرياء؟ نفعل في السر شيئاً لا نفعله في العلانية؟ فقال: اسكتوا، إني أكره أن يعصى الله في، وفيكم. (٨/ ٩) * كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله تعالى عنهما: من خلصت نيته، كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس؛ ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله من قلبه، شانه الله عز وجل؛ فما ظنك في ثواب الله، في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام. (١/ ٥٠) * عن عبد الواحد بن زيد قال: الإجابة مقرونة بالإخلاص، لا فرقة بينهما. (٦/ ١٦٢) * عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: إن بعض الأشياخ حضرته الصلاة، فقيل له: تقدم، فأبى، فقيل له: ما منعك؟ قال: خفت أن يمر الإشارة، فيقول: إنما قدموا هذا، لأنه خيرهم. (٤/ ٣٥٩) * عن سهل بن منصور قال: كان بشر يصلي يوماً، فأطال الصلاة، ورأى رجلاً ينظر إليه، ففطن له بشر؛ فقال للرجل: لا يعجبك ما رأيت مني، فإن إبليس قد عبد الله مع الملائكة كذا وكذا. (٤/ ٣٥٩) * عن بديل العقيلي قال: من أراد بعلمه وجه الله: أقبل الله عليه بوجهه، وأقبل بقلوب العباد إليه؛ ومن عمل لغير الله تعالى: صرف عنه وجهه، وصرف بقلوب العباد عنه. (٣/ ٦٢) * عن ثابت البناني قال: نية المؤمن أبلغ من عمله، إن المؤمن ينوي أن يقوم الليل، ويصوم النهار، ويخرج من ماله، فلا تتابعه نفسه على ذلك؛ فنيته أبلغ من عمله. (٢/ ٣٢٦) * قال أبو يزيد ـ البسطامي ـ: طلقت الدنيا ثلاثا ثلاثا، بتاتا لا رجعة فيها، وصرت إلى ربي وحدي، فناديته بالاستغاثة: إلهي، أدعوك دعاء لم يبق له غيرك؛ فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، والإياس من نفسي، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء، أن أنساني نفسي بالكلية، ونصب الخلائق بين يدي، مع إعراضي عنهم. (١٠/ ٣٦) * عن ابن أبي الحواري قال: قلت لأحمد بن شبويه: إن أبا صفوان قال: ما ضعف بدن قط عن نية، فقال: قال سفيان الثوري: ما ضعف بدن قط عن مبلغ نيته، فقدموا النية ثم اتبعوها. (٧/ ٥٤) * سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلاً يقول: اللهم إني أستنفق مالي ونفسي في سبيلك؛ فقال عمر: أو لا يسكت أحدكم إذاً، فإن ابتلي، صبر؛ وإن عوفي، شكر. (١/ ٥١) * عن أيوب ـ السختياني ـ قال: والله ما صدق عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه. (٣/ ٦) * عن زائدة: أن منصور صام ستين سنة، يقوم ليلها، ويصوم نهارها؛ وكان يبكي، فتقول له أمه: يا بني، قتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح، كحل عينيه، ودهن رأسه، وفرق شفتيه، وخرج إلى الناس. (٥/ ٤١) * عن حسان ـ بن عطية ـ قال: صلاة الرجل عند أهله، من عمل السر. (٦/ ٧٢) * عن محمد بن أبي الرجاء القرشي قال: قال ابن السماك: أي أخي، أسر أعمالك على نفسك، ثم قبحها جهدك بعقلك، لعله يدعوك بقبحها إلى ترك مهاودتها؛ واعلم: أنك ليس تبلغ غاية قبحها عند ربك؛ فسله أن يمن عليك بعفوه. (٨/ ٢٠٧) * عن محمد بن المبارك الصوري قال: أعمال الصادقين لله بالقلوب: وأعمال المرائين بالجوارح للناس؛ فمن صدق، فليقف موقف العمل لله، لعلم الله به، لا لعلم الناس لمكان عمله. (٩/ ٢٩٨) * كان عبد الله بن غالب إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحة خيراً: قرأت كذا، وصليت كذا، وذكرت كذا، وفعلت كذا؛ فيقال له: يا أبا فراس، إن مثلك لا يقول مثل هذا، فيقول: إن الله تعالى يقول: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:١١] ، وأنتم تقولون: لا تحدث بنعمة ربك. (٢/ ٢٥٧) * عن عقبة بن عبد الغافر قال: دعوة في السر، أفضل من سبعين في العلانية، وإذا عمل العبد في العلانية عملاً حسناً، وعمل في السر مثله، قال الله لملائكته: هذا عبد حقاً. (٢/ ٢٦١) * كان حسان ـ بن أبي سنان ـ يفتح باب حانوته، فيضع الدواة، وينشر حسابه، ويرخي ستره، ثم يصلي؛ فإذا أحس بإنسان قد جاء، يقبل على الحساب، يريه أنه كان في الحساب. (٣/ ١١٥) * عن عبد الله بن مسعود قال: إذا أصبح أحدكم صائماً، ـ أو قال: إذا كان أحدكم صائماً ـ فليترحل؛ وإذا تصدق بصدقة بيمينه، فليخفها عن شماله، وإذا صلى صلاة، أو صلى تطوعاً، فليصلها في داخله. (١/ ١٣٦) * قال إبراهيم النخعي: لو أن عبداً اكتتم العبادة كما يكتتم الفجور، لأظهر الله ذلك منه. (٤/ ٢٢٨) * عن أبي العالية قال: تعلمت الكتاب والقرآن، فما شعر بي أهلي، ولا رئي في ثوبي مداد. (٢/ ٢١٧) * كان عمرو بن قيس: إذا بكى، حول وجهه إلى الحائط، ويقول لأصحابه: إن هذا زكام. (٥/ ١٠٣) * عن سعيد بن المسيب قال: من هم بصيام، أو صدقة، أو حج، أو عمرة، أو شيء من الخير، فحال دونه حائل؛ كتب الله له أجره. (٨/ ٥٢) * عن أبي العالية قال: قال لي أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم لا تعمل لغير الله، فيكلك الله إلى من عملت له. (٢/ ٢٢٠) * قال أبو حازم: اكتم حسناتك، أشد مما تكتم سيئاتك. (٣/ ٢٤٠) * قال إبراهيم بن شيبان: من أراد أن يكون معدوداً في الأحرار، مذكوراً عند الأبرار، فليخلص عبادة ربه؛ فإن المتحقق في العبودية، مسلم من الأغيار. (١٠/ ٣٦١) * قال الحارث المحاسبي: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين ظاهره بالمجاهدة وأتباع السنة، لقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: ٦٩] . (١٠/ ٧٥) * عن أبي محمد المرتعش قال: أفضل الأرزاق: تصحيح العبودية على المشاهدة، ومعانقة الخدمة على موافقة السنة؛ ولا وصول إلى محبة الله، إلا: ببغض ما أبغضه الله ـ وهي فضول الدنيا ـ، وأماني النفس، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه؛ ولا سبيل إلى تصحيح المعاملة، إلا: بالإخلاص فيها، والصبر عليها. (١٠/ ٣٥٥) * عن السرى بن المغلس قال: انقطع من انقطع عن الله بخصلتين، واتصل من اتصل بالله بأربع خصال؛ فأما من انقطع عن الله بخصلتين: فيتخطى إلى نافلة بتضييع فرض، والثاني: عمل بظاهر الجوارح لم يواطىء عليه صدق القلوب؛ وأما الذي اتصل به المتصلون: فلزوم الباب، والتشمير في الخدمة، والصبر على المكاره، وصيانات الكرامات. (١٠/ ١٢٠) * كان أبو وائل إذا صلى في بيته، ينشج نشيجا؛ ولو جعلت له الدنيا، على أن يفعله وأحد يراه، ما فعل. (٤/ ١١٠) * عن الأعمش قال: كنت عند إبراهيم ـ النخعي ـ، وهو يقرأ في المصحف، فاستأذن عليه رجل، فغطى المصحف؛ وقال: لا يرى هذا أني أقرأ فيه كل ساعة. (٤/ ٢٢٠) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * عن أبي التياح قال: أدركت أبي، ومشيخة الحي: إذا صام أحدهم، ادهن، ولبس صالح ثيابه؛ ولقد كان الرجل، يقرأ عشرين سنة، ما يعلم به جيرانه. (٦/ ٢٩٠) ، (٣/ ٨٣) * قال كعب ـ الأحبار ـ: طوبى للذين يجعلون بيوتهم قبلة ـ يعني مسجداً، قال: والمساجد بيوت المتقين في الأرض، ويباهي الله تعالى ملائكته، بالمخفي صلاته، وصيامه، وصدقته. (٥/ ٣٨٣) * عن ممشاد الدينوري قال: أحسن الناس مالاً: من أسقط من نفسه رؤية الخلق، وكان صافي الخلوات، لسره راعياً، واعتمد في جميع أموره: على من كان له كافياً، واثقاً بضمانه. (١٠/ ٣٥٣) * عن الحارث المحاسبي قال: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة، لقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:٦٩] . (١٠/ ٧٥) * عن إبراهيم ـ النخعي ـ قال: من ابتغى شيئاً من العلم، يبتغي به وجه الله عز وجل؛ آتاه الله منه ما يكفيه. (٤/ ٢٢٨) * عن أبي إدريس الخولاني قال: من تعلم طرق الحديث ليستفئ به قلوب الناس، لم يرح رائحة الجنة. (٥/ ١٢٣) * قال شقيق بن إبراهيم البلخي: لو أن رجلاً أقام مائتي سنة، لا يعرف هذه الأربعة أشياء، لم ينج من النار إن شاء الله؛ أحدها: معرفة الله؛ والثاني: معرفة نفسه؛ والثالث: معرفة أمر الله ونهيه؛ والرابع: معرفة عدو الله وعدو نفسه. وتفسير معرفة الله: أن تعرف بقلبك: أنه لا يعطى غيره، ولا مانع غيره، ولا ضار غيره، ولا نافع غيره؛ وأما معرفة النفس: أن تعرف نفسك: أنك لا تنفع ولا تضر، ولا تستطيع شيئاً من الأشياء، بخلاف النفس؛ وخلاف النفس: أن تكون متضرعاً إليه؛ وأما معرفة أمر الله تعالى ونهيه: أن تعلم: أن أمر الله عليك، وأن رزقك على الله، وأن تكون واثقاً بالرزق مخلصاً في العمل؛ وعلامة الإخلاص: أن لا يكون فيك خصلتان: الطمع والجزع؛ وأما معرفة عدو الله: أن تعلم: أن لك عدواً، لا يقبل الله منك شيئا، إلا بالمحاربة، والمحاربة في القلب: أن تكون محارباً، مجاهداً، متعباً للعدو. (٨/ ٦٠ - ٦١) * قال خالد بن معدان: استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي، فلما قدم عمر بن الخطاب حمص، قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه ـ وكان يقال لأهل حمص: الكويفة الصغرى، لشكايتهم العمال ـ، قالوا: نشكوا أربعاً: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها، قال: وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: وعظيمة، قال: وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا، قال: عظيمة، قال: وماذا؟ قالوا يغنظ الغنظة بين الأيام ـ يعني تأخذه موتة ـ قال: فجمع عمر بينهم وبينه، وقال: اللهم لا تفيل رأيي فيه اليوم ما تشكون منه، قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: والله إن كنت لأكره ذكره، ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ، ثم أخرج إليهم، فقال: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: ما تقول؟ إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عز وجل، قال: وما تشكون؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجف، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم من آخر النهار، قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام، قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعة، فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله، ما أحب أني في أهلي وولدي، وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - شيك بشوكة، ثم نادى: يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم، إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً، قال: فتصيبني تلك الغنظة، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيل فراستي، فبعث إليه بألف دينار، وقال: استعن بها على التابعين، فقالت امرأته: الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك، ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها، قالت: نعم، فدعا رجلاً من أهل بيته يثق به، فصررها صررا، ثم قال: انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإلى يتيم آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مبتلى آل فلان؛ فبقيت منها ذهيبة، فقال: أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله، فقالت: ألا تشتري لنا خادماً ما فعل ذلك المال؟ قال: سيأتيك أحوج ما تكونين. (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) * عن خالد بن دريك قال: كانت في ابن محيريز خصلتان، ما كانتا في أحد ممن أدركت من هذه الأمة: كان أبعد الناس أن يسكت عن حق بعد أن يتبين له حتى يتكلم فيه، غضب من غضب، ورضي من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده. (٥/ ١٤٥) * قال وهيب: لقي رجل فقيه رجلاً هو أفقه منه، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال: يا عبد الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (٨/ ١٥٥) * قال حاتم الأصم: إذ تصدقت بالدراهم فإنه ينبغي لك خمسة أشياء: أما واحد فلا ينبغي لك أن تعطى وتطلب الزيادة، ولا ينبغي لك أن تعطي من ملامة الناس، ولا ينبغي لك أن تمن على صاحبه، ولا ينبغي لك إذا كان عندك درهمان فتعطي واحدا تأمن هذا الذي بقي عندك، ولا ينبغي لك أن تعطى تبتغي الثناء؛ وقال: مثلهما مثل رجل يكون له دار فيها غنم له، وللدار خمسة أبواب، وخارج الدار ذئب يدور حولها، فإن أخذت أربعة أبواب وبقي واحد، دخل الذئب وقتل الغنم كلها، وهكذا إذا تصدقت وأردت من هذه الخمسة الأشياء شيئاً واحداً، فقد أبطلت الصدقة. (٨/ ٧٧) * عن ابن عائشة قال: قال أبي: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين. (٣/ ١٣٦) * عن محمد بن إسحاق قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون، لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل. (٣/ ١٦٣) * عن بشر بن الحارث يقول: الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد، ثم قال: ذاك يركب ويرجع ويراه الناس، وهذا يعطى سراً لا يراه إلا الله عز وجل (٨/ ٣٣٩) * وعنه قال: ما من عمل أفضل من طلب الحديث، إذا صحت النية فيه. (٦/ ٣٦٦) * عن حماد بن زيد قال: غلب أيوب ـ السختياني ـ البكاء يوماً، فقال: الشيخ إذا كبر مج، وغلبه فوه، فوضع يده على فيه؛ وقال: الزكمة ربما عرضت. (٣/ ٣٢٣) الأخلاق والسجايا * عن علي بن بذيمة قال: رأيت عمر ـ بن عبدالعزيز ـ بالمدينة وهو أحسن الناس لباسا، وأطيب الناس ريحا، وهو أخيل الناس في مشيته، ثم رأيته بعد يمشي مشية الرهبان، فمن حدثك أن المشية سجية بعد عمر فلا تصدقه. (٥/ ٣٢٥) * عن خالد بن دريك قال: كانت في ابن محيريز خصلتان، ما كانتا في أحد ممن أدركت من هذه الأمة: كان أبعد الناس أن يسكت عن حق بعد أن يتبين له حتى يتكلم فيه، غضب من غضب، ورضي من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده. (٥/ ١٤٥) * عن يحيى بن سعيد يقول: ما ينبغي في الحديث غير خصلة: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون نبياً لأحد، ويكون يفهم ما يقال له، وينصر الرجال، ثم يتعاهد ذاك. (٨/ ٣٨٠) * وروي عن أبي جعفر محمد بن الفرجي قال: [خرجت من الشام على طريق المفازة، فوقعت في التيه، فمكثت فيه أياماً حتى أشرفت على الموت، قال: فبينا أنا كذلك، إذا أنا براهبين يسيران كأنهما خرجا من مكان قريب يريدان ديراً لهما قريباً، فقمت إليهما، فقلت: أين تريدان؟ قالا: لا ندري، قلت: أتدريان أين أنتما؟ قالا: نعم، نحن في ملكه ومملكته وبين يديه، فأقبلت على نفسي أوبخها، وأقول لها: راهبان يتحققان بالتوكل دونك، فقلت لهما: أتأذنان في الصحبة؟ قالا: ذلك إليك، فاتبعتهما، فلما جن الليل قاما إلى صلاتهما وقمت إلى صلاتي، فصليت المغرب بتيمم، فنظرا إلي وقد تيممت، فضحكا مني، فلما فرغا من صلاتهما بحث أحدهما الأرض بيده، فإذا بماء قد ظهر وطعام موضوع، فبقيت أتعجب من ذلك، فقالا: مالك؟ أدن فكل واشرب، فأكلنا وشربنا وتهيأت للصلاة، ثم نضب الماء فذهب، فلم يزالا في الصلاة وأنا أصلي على حدة، حتى أصبحنا وصلينا الصبح، ثم أخذنا في المسير، فمكثنا على ذلك إلى الليل، فلما جننا الليل تقدم الآخر فصلى بصاحبه، ثم دعا بدعوات، وبحث الأرض بيده، فنبع الماء وحضر الطعام، فلما كانت الليلة الثالثة، قالا: يا مسلم هذه نوبتك الليلة، فاستخر الله، قال: فتعبت فيها واستحييت، ودخل بعضي في بعض، قال: فقلت: اللهم إني أعلم أن ذنوبي لم تدع لي عندك جاها، ولكن أسألك ألا تفضحني عندهما، ولا تشمتهما بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وبأمة نبيك، فإذا بعين خرارة وطعام كثير، فأكلنا من ذلك الطعام وشربنا، ولم نزل كذلك حتى بلغتني النوبة الثانية، ففعلت كذلك، فإذا بطعام اثنين وشراب، فكففت يدي وأريهما أني آكل ولم آكل، فسكتا عني، فلما كانت النوبة الثالثة أصابني كذلك، فقالا لي: يا مسلم ما هذا؟ قلت: لا أدري، فلما كان في جوف الليل غلبتني عيناي، فإذا بقائل يقول: يا محمد أردنا بك الإيثار الذي اختصصنا به محمداً - صلى الله عليه وسلم - من بين الأنبياء والرسل، فهي علامته وكرامتك وكرامة أمته من بعده إلى يوم القيامة، قال: فبلغت نوبتي، وكان الأمر على هذه الصورة، فقالا لي: يا مسلم ما هذا؟ مالنا نرى طعامك ناقصاً؟ قلت: أولا تعلمان ما هذا؟ قالا: لا، قلت: هذا خلق خص الله به نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - وخص به أمته، إن الله عز وجل يريد به الإيثار فقد آثرتكما، قال: فقالا: نحن نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لقد صدقت قولك، هذا خبر نجده في كتبنا، خص الله به محمداً - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فأسلما، فقلت لهما: في الجمعة والجماعة، قالا: ذلك الواجب، قلت: نعم، قالا: فاسأل الله أن يخرجنا من هذا التيه إلى أقرب الأماكن من الشام، قال: فبينا نحن نسير، إذ أشرفنا على بيوتات بيت المقدس. (١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩) * عن وهب بن منبه قال: لكل شيء علامة يعرف بها وتشهد له أو عليه، وإن للدين ثلاث علامات يعرف بهن، وهي: الإيمان، والعلم، والعمل؛ وللإيمان ثلاث علامات: الإيمان بالله، وملائكته، وبكتبه، ورسله؛ وللعمل ثلاث علامات: الصلاة، والزكاة، والصيام؛ وللعلم ثلاث علامات: العلم بالله، وبما يحب الله وما يكره؛ وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويقول مالا يعلم، ويتعاطى مالا ينال؛ وللظالم ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة؛ وللمنافق ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان أحد عنده، ويحرص في كل أموره على المحمدة؛ وللحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب المحسود، ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة؛ وللمسرف ثلاث علامات: يشتري بما ليس له، ويأكل بما ليس له، ويلبس ما ليس له؛ وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأتم؛ وللغافل ثلاث علامات: السهو، واللهو، والنسيان. (٤/ ٤٧ - ٤٨) * عن عون قال: إن الحلم والحياء والعي ـ عي اللسان لا عي القلب ـ والفقه من الإيمان، وهن مما ينقصن من الدنيا ويزدن في الآخرة، وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا، ألا وإن البذاء والجفاء والبيان من النفاق، وهن مما يزدن في الدنيا وينقصن من الآخرة، وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا. (٤/ ٢٤٨) * عن خليد بن عبد الله العصري قال: تلقى المؤمن عفيفاً سؤلا، وتلقاه غنياً فقيراً، قال: تلقاه عفيفاً عن الناس، سؤلا لربه عز وجل، ذليلاً لربه عزيزاً في نفسه، غنياً عن الناس فقيراً إلى ربه. قال قتادة: تلك أخلاق المؤمن، هو أحسن معونة، وأيسر الناس مؤونة. (٢/ ٢٣٣) * عن وهب بن منبه قال: كان إذا كان في الصبي خلقان: الحياء، والرهبة؛ طمع رشده. (٤/ ٣٦) الاتباع * قال محمد بن أسلم: إن هؤلاء قد كتبوا رأي أبي حنيفة، وكتبت أنا الأثر، فأنا عندهم طريق، وهم عندي طريق؛ وقال لي: يا أبا عبد الله، أصل الإسلام في هذه الفرائض، وهذه الفرائض في حرفين، ما قال الله ورسوله: افعل، فهو فريضة ينبغي أن يفعل، وما قال الله ورسوله: لا تفعل، فينبغي أن ينتهي عنه فتركه فريضة، وهذا في القرآن وفي فريضة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم يقرؤونه، ولكن لا يتفكرون فيه، قد غلب عليهم حب الدنيا، حديث عبد الله بن مسعود: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطاً، فقال: «هذا سبيل الله» . ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» . ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:١٥٣] . وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم «إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وأمتي تفترق على ثلاثة وسبعين، كلها في النار إلا واحدة» . قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» . فرجع الحديث إلى واحد، والسبيل الذي قال في حديث ابن مسعود والذي قال: «ما أنا عليه وأصحابي» . فدين الله في سبيل واحد، فكل عمل أعمله أعرضه على هذين الحديثين، فما وافقهما عملته، وما خالفهما تركته؛ ولو أن أهل العلم فعلوا، لكانوا على أثر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنهم فتنهم حب الدنيا وشهوة المال، ولو كان في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال: «كلها في النار إلا واحدة» . قال: كلها في الجنة إلا واحدة، لكان ينبغي أن يكون قد تبين علينا في خشوعنا وهمومنا وجميع أمورنا، خوفاً أن نكون من تلك الواحدة، فكيف وقد قال: كلها في النار إلا واحدة؟ (٩/ ٢٤٢ - ٢٤٣) * عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن عز وجل، ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، فتمسه النار؛ وليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن، فاقشعر جلده من مخافة الله عز وجل، إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينا هي كذلك، إذ أصابتها الريح، فتحاتت عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه، كما تحات عن هذه الشجرة ورقها؛ وإن اقتصاداً في سبيل وسنة، خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنته؛ فانظروا أعمالكم، فإن كانت اجتهاداً أو اقتصاداً، أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم. (١/ ٢٥٣) * عن سفيان الثوري قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله، فقال: أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت سنته، وكفوا مؤنته؛ واعلم أنه لم يبتدع إنسان قط بدعة، إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة فيها؛ فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، واعلم أن من سن السنن، قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والتعمق والحمق، فإن السابقين الماضين عن علم وقفوا، وببصرنا قد كفوا. (/٣٣٨) * قالت حفصة بنت عمر لعمر - رضي الله عنه يا أمير المؤمنين، لو لبست ثوباً هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاماً هو أطيب من طعامك؛ فقد وسع الله عز وجل من الرزق، وأكثر من الخير، فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شدة العيش؛ فما زال يذكرها، حتى أبكاها، فقال لها: والله إن قلت ذلك، أما والله لئن استطعت، لأشاركنهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما عيشهما الرخي. (١/ ٤٨ - ٤٩) * عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده أبو حنيفة والزائغون في الدين، يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها: اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله؛ ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها؛ من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور؛ ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً. (٦/ ٣٢٤) * عن أبي سليمان الداراني يقول: كل من كان في شيء من التطوع يلذ به، فجاء وقت فريضة، فلم يقطع وقتها لذة التطوع، فهو في تطوعه مخدوع؛ قال: وسمع أبا سليمان يقول: ليس ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به، حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر، عمل به، وحمد الله عز وجل على ما وفق من قلبه. (٩/ ٢٦٩) * عن حاجب بن خليف البرجمي قال: شهدت عمر ابن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه: فهو دين ينفذ به، وننتهي إليه؛ وما سن سواهما: فإنا نرجئه. (٥/ ٢٩٨) * عن عون: أن عمر رأى رجلاً يشير بشماله، فقال: يا هذا، إذا تكلمت فلا تشر بشمالك، أشر بيمينك؛ فقال الرجل: ما رأيت كاليوم، أن رجلاً دفن أعز الناس إليه، ثم إنه يهمه يميني من شمالي، فقال عمر: إذاً استأثر الله بشيء قاله عنه. (٥/ ٣٢٦) * قال عثمان: جاء رجل إلى مالك وسأله عن مسألة، قال: فقال له: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم كذا. فقال الرجل: أرأيت؟ قال مالك: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣] . (٦/ ٣٢٦) * قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة، لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبداً، حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلىّ عند الموت؛ وما أحب أن يهون علي الموت، لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن. (٥/ ٣١٦) * قال إبراهيم بن هاني: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام، ثم قال: اطلب لي موضعاً حتى أتحول إليه، قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله، قال: إذا فعلت أفدتك؛ فطلبت له موضعاً، فلما خرج، قال لي: اختفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثة أيام، ثم تحول، وليس ينبغي أن نتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرخاء، ونتركه في الشدة. (٩/ ١٨٠) * عن حسان بن عطية قال: ركعتان يستن فيهما العبد، خير من سبعين ركعة لا يستن فيهما. (٦/ ٧٥) * عن الشافعي قال: الأصل القرآن والسنة، أو قياس عليهما، والإجماع أكثر من الحديث. (٩/ ١٠٩) * عن سفيان الثوري قال: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. (٧/ ٣٢) * قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية وموافقة السنة؛ وكان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل؛ وإنما الإيمان اسم جامع، كما يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل؛ فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق ذلك بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها؛ ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله، لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين. (٦/ ١٤٣ - ١٤٤) * عن الحارث المحاسبي قال: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة، لقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:٦٩] . (١٠/ ٧٥) * قال عبد الله الرازي: لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته، مزق ابنه أبو بكر قميصاً كان عليه، ففتح أبو عثمان عينيه، وقال: يا بني خلاف، السنة في الظاهر، رياء باطن في القلب. (١٠/ ٢٤٥) * عن الجنيد: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. (١٠/ ٢٥٥) (يُتْبَع .. اقلب الصفحة) * وعنه قال: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول، واتبع سنته، ولزم طريقته؛ فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه. (١٠/ ٢٥٧) * عن أبي الحسين بن هند قال: المتمسك بكتاب الله، هو الملاحظ للحق على دوام الأوقات، والمتمسك بكتاب الله، لا يخفي عليه شيء من أمر دينه ودنياه، بل يجري في أوقاته على المشاهدة، لا على الغفلة، فيأخذ الأشياء من معدنها، ويضعها في معدنها. (١٠/ ٣٦٣) * قال أبو عبد الله الحارث بن أسد، وسئل ما علامة محبة الله للعبد، فقال للسائل: ما الذي كشف لك عن طلب علم هذا؟ فقال: قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ٣١] ، فعلمت أن علامة محبة العبد لله اتباع رسوله، ثم قال: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ٣١] فما علامة محبة الله للعبد؟ فقال: لقد سألت عن شيء غاب عن أكثر القلوب، إن علامة محبة الله للعبد: أن يتولى الله سياسة همومه، فيكون في جميع أموره هو المختار لها، ففي الهموم التي لا تعترض عليها حوادث القواطع، ولا تشير إلى التوقف، لأن الله هو المتولي لها، فأخلاقه على السماحة، وجوارحه على الموافقة، يصرخ به ويحثه بالتهديد والزجر؛ فقال السائل: وما الدليل على ذلك؟ فقال: خبر النبي - صلى الله عليه وسلم «إذا أحب الله عبداً، جعل له واعظاً من نفسه، وزاجراً من قلبه، يأمره وينهاه» فقال السائل: زدني من علامة محبة الله للعبد، قال: ليس شيء أحب إلى الله من أداء الفرائض، بمسارعة من القلب والجوارح، والمحافظة عليها، ثم بعد ذلك كثرة النوافل، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم «قول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» فقال السائل: رحمك الله، صف لي من علامات وجود قلبه، قال: محبوسة يا فتى في سر الملاطفة، مخصوصة بعلم المكاشفة، مقلبة بتنعم النظر في مشاهدة الغيب، وحجاب العز، ورفعة المنعة؛ فهي القلوب التي أسرت أوهامها بعجب نفاذ إتقان الصنع، فعندها تصاعدت المنى، وتواترت على جوارحها فوائد؛ فلهذا فانقطعت النفوس عن كل ميل إلى راحة، وانزعجت الهموم وفرت من الرفاهة، فنعمت بسرائر الهداية، وعلمت طرق الولاية، وغذيت من لطيف الكفاية، وأرسلت في روضة ا لبصيرة، وأحلت القلوب محلاً نظرت فيه بلا عيان، وجالت بلا مشاهدة، وخوطبت بلا مشافهة؛ فهذا يا فتى صفة أهل محبة الله، من أهل المراقبة والحياء، والرضا والتوكل، فهم الأبرار من العمال، وهم الزهاد من العلماء، وهم الحكماء من النجباء، وهم المسارعون من الأبرار، وهم دعاة الليل والنهار، وهم أصحاب صفاء التذكار، وأصحاب الفكر والاعتبار، وأصحاب المحن والاختبار؛ هم قوم أسعدهم الله بطاعته، وحفظهم برعايته، وتولاهم بسياسته، فلم تشتد لهم همة، ولم يتسقط لهم إرادة، همومهم في الجد والطلب، وأرواحهم في النجاة والهرب، يستقلون الكثير من أعمالهم، ويستكثرون القليل من نعم الله عليهم، إن أنعم عليهم شكروا، وإن منعوا صبروا، يكاد يهيج منهم صراخ إلى مواطن الخلوات، ومعابر العبر والآيات، فالحسرات في قلوبهم تتردد، وخوف الفراق في قلوبهم يتوقد؛ نعم يا فتى هؤلاء قوم أذاقهم الله طعم محبته، ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته، فقطعهم ذلك عن الشهوات، وجانبوا اللذات، وداموا في رحمة من له الأرض والسماوات؛ فقد اعتقدوا الرضا قبل وقوع البلاء، ومنقطعين عن إشارة النفوس، منكرين للجهل المأسوس، طاب عيشهم، ودام نعيمهم، فعيشهم سليم، وغناهم في قلوبهم مقيم، كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب فقطعوا، وكان الله المنى والمطلوب، دعاهم إليه فأجابوه، بالحث يروي، ودوام السير؛ فلم تقم لهم أشغال، إذ استبقوا دعوة الجبار، فعندها يا فتى غابت عن الفتنة بدواهيها، وظهرت أسباب المعرفة بما فيها، فصار مطيتهم إليه الرغبة، وسائقهم الرهبة، وحاديهم الشوق، حتى أدخلهم في رق عبوديته، فليس تلحقهم فترة في نية، ولا وهن في عزم، ولا ضعف في حزم، ولا تأويل في رخصة، ولا ميل إلى دواعي غرة؛ قال السائل: أرى هذا مراداً بالمحبة، قال: نعم يا فتى، هذه صفة المرادين بالمحبة؛ فقال: كيف المحن على هؤلاء؟ فقال: سهلة في علمها، صعبة في اختيارها، فمنحهم على قدر قوة إيمانهم؛ قال: فمن أشدهم محناً؟ قال: أكثرهم معرفة، وأقواهم يقينا، وأكملهم إيماناً، كما جاء في الخبر: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» . (١٠/ ٩٩ - ١٠١) * سئل أبو عبد الله بن بكر عن أصول الدين، فقال: إثبات صدق الافتقار إلى الله، ولزوم الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٥) * عن سهل بن عبد الله يقول: أصولنا ستة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والإقتداء بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق؛ وقال: من كان إقتداؤه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في قلبه اختيار لشيء من الأشياء، ولا يجول قلبه سوى ما أحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ وسئل: هل للمقتدي اختيار بالاستحسان؟ قال: لا، إنما جعل السنة واعتقادها بالاسم، ولا تخلو من أربعة: الاستخارة، والاستشارة، والاستعانة، والتوكل؛ فتكون له الأرض قدوة، والسماء له علماً وعبرة، وعيشته في حاله، لأن حاله المزيد، وهو الشكر؛ وقال: أيما عبد قام بشيء مما أمره الله به من أمر دينه، فعمل به، وتمسك به، فاجتنب ما نهى الله تعالى عنه، عند فساد الأمور، وعند تشويش الزمان، واختلاف الناس في الرأي، والتفريق؛ إلا جعله الله إماماً يقتدى به، هادياً مهدياً، قد أقام الدين في زمانه، وأقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الغريب في زمانه الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ» . وما من عبد دخل في شيء من السنة، وكان نيته متقدمة في دخوله لله، إلا خرج الجهل من سره، شاء أو أبى، بتقديمه النية؛ ولا يعرف الجهل، إلا عالم فقيه، زاهد، عابد، حكيم. (١٠/ ١٩٠) * عن سوار بن عبد الله قال: مات صاحب لي كان يطلب معي الحديث، فجزعت عليه، فرأى أبي جزعي عليه، فقال: يا معتمر، كان صاحبك هذا على السنة؟ قلت: نعم، قال: فلا تجزع عليه، أو لا تحزن عليه. (٣/ ٣١) * عن محمد بن إبراهيم قال: حضرت وفاة الشبلي، فأمسك لسانه وعرق جبينه، فأشار إلى وضوء الصلاة، فوضأته، ونسيت التخليل تخليل لحيته، فقبض على يدي، وأدخل أصابعي في لحيته يخللها، فبكيت رجاء أي شيء يتهيأ أن يقال لرجل لم يذهب عليه، تخليل لحيته في الوضوء، عند نزوع روحه وإمساك لسانه وعرق جبينه. (١٠/ ٣٧١) * عن ليث قال: حدثت طلحة ـ بن مصرف ـ في مرضه الذي مات فيه: أن طاووساً كان يكره الأنين، قال: فما سمع طلحة يئن، حتى مات رحمه الله (٥/ ١٨) * عن الفضيل بن عياض قال: كان يقال: لا يزال العبد بخير، ما إذا قال: قال لله، وإذا عمل، عمل لله؛ سمعته يقول في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: ٧] ، قال: أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً، لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً، لم يقبل، حتى يكون خالصاً؛ والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة. (٨/ ٩٥) * سئل مالك بن أنس عن الرجل يدعو، يقول: يا سيدي؛ فقال: يعجبني أن يدعو بدعاء الأنبياء: ربنا، ربنا. (٦/ ٣٢٠) * حدثني إبراهيم بن يحيى الزبدي، قال: لما حمل ذو النون بن إبراهيم إلى جعفر المتوكل، أنزله في بعض الدور، وأوصى به زرافة، وقال: أنا إذا رجعت غداً من ركوبي، فأخرج إلي هذا الرجل؛ فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك، فلما رجع من الغد من الركوب، قال له: أنظر بأن تستقبل أمير المؤمنين بالسلام؛ فلما أخرجه إليه، قال له: سلم على أمير المؤمنين؛ فقال ذو النون: ليس هكذا جاءنا الخبر، إنما جاءنا في الخبر: أن الراكب يسلم على الراجل؛ قال: فتبسم أمير المؤمنين، وبدأه بالسلام، فنزل إليه أمير المؤمنين، فقال له: أنت زاهد أهل مصر؟ قال: كذا يقولون؛ فقال له زرافة: فإن أمير المؤمنين يحب أن يسمع من كلام الزهاد؛ قال: فأطرق ملياً، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إن الجهل علق بنكتة أهل الفهم، يا أمير المؤمنين: إن لله عباداً عبدوه بخالص من السر، فشرفهم بخالص من شكره، فهم الذين تمر صحفهم مع الملائكة فرغاً، حتى إذا صارت إليه ملأها، من سر ما أسروا إليه، أبدانهم دنياوية، وقلوبهم سماوية، قد احتوت قلوبهم من المعرفة، كأنهم يعبدونه مع الملائكة، بين تلك الفرج، وأطباق السماوات، لم يخبتوا في ربيع الباطل، ولم يرتعوا في مصيف الآثام، ونزهوا الله أن يراهم يثبون على حبائل مكره، هيبة منهم له، وإجلالا أن يراهم يبيعون أخلاقهم بشيء لا يدوم، وبلذة من العيش مزهودة؛ فأولئك الذين أجلسهم على كراسي أطباق أهل المعرفة، بالأدواء، والنظر في منابت الدواء؛ فجعل تلامذتهم أهل الورع والبصر، فقال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من تذكري فأدنوه، أو ناس لنعمتي فذكروه، أو مبارز لي بالمعاصي فنابذوه، أو محب لي فواصلوه؛ يا أوليائي: فلكم عاتبت، ولكم خاطبت، ومنكم الوفاء طلبت، لا أحب استخدام لجبارين، ولا تولي المتكبرين، ولا مصافاة المترفين؛ يا أوليائي وأحبابي: جزائي لكم أفضل الجزاء، وإعطائي لكم أفضل العطاء، وبذلي لكم أفضل البذل، وفضلي عليكم أوفر الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد مطالبة، وأنا مقدس القلوب، وأنا علام الغيوب، وأنا عالم بمجال الفكر ووسواس الصدور؛ من أرادكم قصمته، ومن عاداكم أهلكته. ثم قال ذو النون: بحبك وردت قلوبهم على بحر محبته، فاغترفت منه ريا من الشراب، فشربت منه بمخاطر القلوب، فسهل عليها كل عارض عرض لها عند لقاء المحبوب، فواصلت الأعضاء المبادرة، وألفت الجوارح تلك الراحة، فهم رهائن أشغال الأعمال، قد اقتلعتهم الراحة بما كلفوا أخذه عن الانبساط بما لا يضركن تركه، قد سكنت لهم النفوس، ورضوا بالفقر والبوس، واطمأنت جوارحهم على الدؤوب على طاعة الله عز وجل بالحركات، وظعنت أنفسهم عن المطاعم والشهوات، فتوالهوا بالفكرة، واعتقدوا بالصبر، وأخذوا بالرضا، ولهوا عن الدنيا، وأقروا بالعبودية للملك الديان، ورضوا به دون كل قريب وحميم؛ فخشعوا لهيبته، وأقروا له بالتقصير، وأذعنوا له بالطاعة، ولم يبالوا بالقلة، إذا خلوا بأقل بكاء، وإذ عوملوا فإخوان حياء، وإذا كلموا فحكماء، وإذا سئلوا فعلماء، وإذا جهل عليهم فحلماء؛ فلو قد رأيتهم لقلت عذارى في الخدور، وقد تحركت لهم المحبة في الصدور، بحسن تلك الصور التي قد علاها النور؛ إذا كشفت عن القلوب، رأيت قلوباً لينة منكسرة، بالذكر نائرة، وبمحادثة المحبوب عامرة، لا يشغلون قلوبهم بغيره، ولا يميلون إلى ما دونه؛ قد ملأت محبة الله صدورهم، فليس يجدون لكلام المخلوعين شهوة، ولا بغير الأنيس ومحادثة الله لذة؛ إخوان صدق، وأصحاب حياء ووفاء، وتقى وورع، وإيمان ومعرفة ودين؛ قطعوا الأودية بغير مفاوز، واستقلوا الوفاء بالصبر على لزوم الحق، واستعانوا بالحق على الباطل؛ فأوضح لهم الحجة، ودلهم على المحجة، فرفضوا طريق المهالك، وسلكوا خير المسالك، ودلهم أولئك هم الأوتاد، الذين بهم توهب المواهب، وبهم تفتح الأبواب، وبهم ينشأ السحاب، وبهم يدفع العذاب، وبهم يتسقي العباد والبلاد؛ فرحمة الله علينا وعليهم. (٩/ ٣٣٧ - ٣٣٨) * عن محمد بن ريان قال: رأى ذو النون علي خفاً أحمر، فقال: انزع هذا يا بني، فإنه شهوة، ما لبسه النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنما لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - خفين، أسودين، ساذجين. (٩/ ٣٦٣) * عن عبد الرحمن بن عمر قال: ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع، واجتهادهم في العبادة. فقال: لا يقبل الله، إلا ما كان على الأمر والسنة؛ ثم قرأ: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: ٢٧] ، فلم يقبل ذلك منهم، ووبخهم عليه؛ ثم قال: الزم الطريق والسنة. (٩/ ٨) * وعنه قال: ليس شيء أعز من شيئين: درهم طيب، ورجل يعمل على سنة. (٣/ ١٧) * عن الحميدي قال: كنت بمصر، فحدث محمد بن إدريس الشافعي بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال له رجل: يا أبا عبد الله، تأخذ بها؟ فقال: إن رأيتني خرجت من الكنيسة، أو ترى علي زناراً إذا ثبت عندي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث: قلت به، وقولته إياه، ولم أزل عنه؛ وإن هو لم يثبت عندي: لم أقله إياه، أترى علي زناراً حتى لا أقول به؟. (٩/ ١٠٦) * عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول، وذكر الشافعي، فقال: سمعته يقول: إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولوا لي، حتى أذهب به في أي بلد كان. (٩/ ١٠٦) * عن الربيع بن سليمان قال: سأل رجل الشافعي عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال له الرجل: فما تقول؟ فارتعد، وانتفض؛ وقال: أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ إذا رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقلت بغيره. (٩/ ١٠٦) * عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي ـ وذكر حديثاً ـ فقال له رجل: تأخذ بالحديث؟ فقال لنا ونحن خلفه كثير: اشهدوا، أني إذا صح عندي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم آخذ به، فإن عقلي قد ذهب. (٩/ ١٠٦) * عن حرملة بن يحيى قال: قال الشافعي كلما قلت، وكان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف قولي مما يصح؛ فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى؛ ولا تقلدوني. (٩/ ١٠٧) * عن الشافعي قال: إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت قولاً فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك. (٩/ ١٠٧) * وعنه قال: إذا وجدتم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة، فاتبعوها؛ ولا تلتفتوا إلى قول أحد. (٩/ ١٠٧) * قال إبراهيم بن هاني: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام، ثم قال: أطلب لي موضعاً حتى أتحول إليه؛ قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله؛ قال: إذا فعلت، أفدتك؛ فطلبت له موضعاً؛ فلما خرج قال لي: إختفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثة أيام، ثم تحول؛ وليس ينبغي أن نتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرخاء، ونتركه في الشدة. (٩/ ١٨٠) * عن إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني: حدثني أبي عن جدي، قال: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها، فوجدتها من أكبر البلاد سرقاً ونقباً؛ فكتبت إلى عمر، أعلمه حال البلد، وأسأله آخذ من الناس بالمظنة، وأضربهم على التهمة، أو آخذهم بالبينة؛ وما جرت عليه عادة الناس؛ فكتب إلي أن آخذ الناس بالبينة، وما جرت عليه السنة؛ فان لم يصلحهم الحق، فلا أصلحهم الله. قال يحيى: ففعلت ذلك، فما خرجت من الموصل، حتى كانت من أصلح البلاد، وأقلها سرقاً ونقباً. (٥/ ٢٧١) اتباع الجنائز * عن عمر بن عبد العزيز: أنه شيع جنازة، فلما انصرفوا، تأخر عمر وأصحابه ناحية عن الجنازة، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، جنازة أنت وليها، تأخرت عنها فتركتها وتركتها؟ فقال: نعم، ناداني القبر من خلفي: يا عمر بن عبد العزيز، ألا تسألني ما صنعت بالأحبة؟ قلت: بلى، قال: خرقت الأكفان، ومزقت الأبدان، ومصصت الدم، وأكلت اللحم؛ ألا تسألني ما صنعت بالأوصال؟ قلت: بلى، قال: نزعت الكفين من الذراعين، والذراعين من العضدين، والعضدين من الكتفين، والوركين من الفخذين، والفخذين من الركبتين، والركبتين من الساقين، والساقين من القدمين؛ ثم بكى عمر، فقال: ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وشبابها يهرم، وحيها يموت، فلا يغرنَّكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من إغتر بها؛ أين سكانها الذين بنوا مدائنها، وشققوا أنهارها، وغرسوا أشجارها، وأقاموا فيها أياماً يسيرة؟ غرتهم بصحتهم، وغروا بنشاطهم، فركبوا المعاصي؛ إنهم كانوا والله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع عليه، محسودين على كم، ما صنع التراب بأبدانهم، والرمل بأجسادهم، والديدان بعظامهم وأوصالهم؟ كانوا في الدنيا على أسرة مهدة، وفرش منضدة، بين خدم يخدمون، وأهل يكرمون، وجيران يعضدون؛ فإذا مررت فنادهم إن كنت منادياً، وادعهم إن كنت لا بد داعياً، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم التي كان بها عيشهم، وسل غنيهم ما بقي من غناه، وسل فقيرهم ما بقي من فقره، وسلهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانت إلى اللذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان؟ محت الألوان، وأكلت اللحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين حجالهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم ومكنوزهم؟ والله ما زودوهم فراشاً، ولا وضعوا هناك متكأ، ولا غرسوا لهم شجراً، ولا أنزلوهم من اللحد قراراً؛ أليسوا في منازل الخلوات والفلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليس هم في مدلهمة ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة؟ فكم من ناعم وناعمة، أصبحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم نائية، وأوصالهم ممزقة، قد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً، ودبت دواب الأرض في أجسادهم، ففرقت أعضائهم، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيراً، حتى عادت العظام رميماً، قد فارقوا الحدائق، فصاروا بعد السعة إلى المضايق، قد تزوجت نساؤهم، وترددت في الطريق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم، فمنهم والله الموسع له في قبره، الغض الناضر فيه، المتنعم بلذته؛ يا ساكن القبر غداً، ما الذي غرك من الدنيا؟ هل تعلم أنك تبقى، أو تبقى لك؟ أين دارك الفيحاء، ونهرك المطرد؟ وأين ثمرك الناضر ينعه؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك؟ وأين بخورك؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد نزل به الأمر، فما يدفع عن نفسه وجلاً، وهو يرشح عرقاً، ويتلمظ عطشاً، يتقلب من سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، جاء من الأمر والأجل ما لا تمتنع منه، هيهات هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفن الميت وحامله، يا مخليه في القبر وراجعاً عنه، ليت شعري، كيف كنت على خشونة الثرى؟ يا ليت شعري، بأي خديك بدأ البلاء؟ يا مجاور الهلكات، صرت في محلة الموتى، ليت شعري، ما الذي يلقاني به ملك الموت؟ ثم خروجي من الدنيا، وما يأتيني به من رسالة ربي، ثم تمثل: تسر بما يفنى وتشغل بالصبا…كماغر باللذات في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفلة…وليلك نوم والردى لك لازم وتعمل فيما سوف تكره غبه…كذلك في الدنيا تعيش ألبها يم ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة. (٥/ ٢٦١ - ٢٦٣) * عن هلال بن خباب قال: خرجنا مع سعيد بن جبير في جنازة، قال: فكان يحدثنا في الطريق ويذكرنا، حتى بلغ، فلما بلغ جلس، فلم يزل يحدثنا، حتى قمنا فرجعنا؛ وكان كثير الذكر لله عز وجل (٤/ ٢٨٠) * عن موسى بن عقبة قال: سمعت ابن محيريز ونحن معه في جنازة بالرملة، يقول: أدركت الناس، وإذا مات فيهم الميت من المسلمين، قالوا: الحمد لله الذي توفانا على الإسلام؛ ثم انقطع ذلك، فلست أسمع اليوم أحداً يقول ذلك. (٥/ ١٤٢) * عن مسعر قال: كان يكثر أن يتمثل بهذه الأبيات في جنازة: ويحدث روعات لدى كل فزعة…وتسرع نسياناً ولم يأتنا أمن فإنا ولا كفران لله ربنا…كما البدن لا تدري متى يومها البدن (٧/ ٢٢١) * عن داود بن المحبر عن أبيه قال: مر بنا الربيع بن برة، ونحن نسوي نعشا لميت، فقال: من هذا الغريب بين أظهركم؟ قلنا: ليس بغريب، بل هو قريب حبيب، قال: فبكى، وقال: ومن أغرب من الميت بين الأحياء؟ قال: فبكى القوم جميعاً. (٦/ ٢٧٩) * عن محمد بن سوقة قال: زعموا أن إبراهيم النخعي كان يقول: كنا إذا حضرنا الجنازة، أو سمعنا بميت، عرف فينا أياماً، لأنا قد عرفنا أنه قد نزل به أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار؛ قال: وإنكم في جنائزكم تتحدثون بأحاديث دنياكم. (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨) * عن حاتم بن سليمان الطائي قال: شهدت عبد الواحد بن زيد في جنازة حوشب، فلما دفن، قال: رحمك الله يا أبا بشر، فلقد كنت حذراً من مثل هذا اليوم؛ رحمك الله يا أبا بشر، فلقد كنت من الموت جزعاً، أما والله لئن استطعت لأعملن رحلي بعد مصرعك هذا؛ قال: ثم شمر بعد واجتهد. (٦/ ١٥٩) * دخل الضحاك بن قيس الكوفة يوم مات أبو إسحاق السبيعي، فرأى الجنازة وكثرة من فيها، فقال: كان هذا فيكم ربانياً. (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١) * عن ثابت قال: كنا نتبع الجنازة، فما نرى إلا متقنعاً باكياً، أو متقنعاً متفكراً. (٢/ ٣٢٢) * عن نعيم بن هند قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة يبكي، واضعاً يده على رأسه، وهو يقول: واعيشاه، واعيشاه. (٤/ ١٢٠) * عن أبي محمد صدقة الزاهد قال: خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة، قال: فقعد داود ناحية وهي تدفن، فجاء الناس فقعدوا قريباً منه، فقال: من خاف الوعيد، قصر عليه البعيد؛ ومن طال أمله، ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب؛ واعلم يا أخي: أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشئوم، واعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور، إنما يفرحون بما يقدمون، ويندمون على ما يخلفون مما عليه أهل القبور ندموا، وعليه أهل الدنيا يقتتلون، وفيه يتنافسون، وعليه عند القضاة يختصمون. (٧/ ٣٥٧ - ٣٥٨) * قال بشر بن الحارث - وأراد الدخول إلى المقبرة: الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور. (٨/ ٣٤٨) * عن إبراهيم النخعي قال: كانت تكون فيهم الجنازة، فيظلون الأيام محزونين، يعرف ذلك في فيهم. (٤/ ٢٢٧) * عن يحيى بن يمان قال: كثيراً ما كنت أرى سفيان ـ الثوري ـ مقنع الرأس، يشتد في جنازة العبد والأمة. (٧/ ٥٠) * قال أبو محمد لما مات أبو ميسرة: يا أصحاب عبد الله، امشوا خلف أبي ميسرة، فإنه كان يستحب أن يمشي خلف الجنائز. (٤/ ١٤٣) * كان عامر بن عبد الله بن الزبير يقف عند موضع الجنائز يدعوا، وعليه قطيفة، وربما سقطت عنه القطيفة، ولم يشعر بها. (٣/ ١٦٦) * عن أبي الدرداء: أنه أبصر رجلاً في جنازة، وهو يقول: جنازة من هذه؟ فقال أبو الدرداء: هذا أنت، يقول الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:٣٠] . (٦/ ١٢٠) * عن سفيان الثوري قال: ما رأيت جنازة تبعها من الناس، ما تبع جنازة الربيع بن أبي راشد. (٥/ ٧٧) * النضر بن إسماعيل قال: شهدت عمر بن ذر في جنازة، وحوله الناس، فلما وضع الميت على شفير القبر، بكى عمر، ثم قال: أيها الميت، أما أنت فقد قطعت سفر الدنيا، فطوبى لك إن توسدت في قبرك خيراً. (٥/ ١١٦) * عن يحيى بن عتيق قال: قلت لمحمد بن سيرين: الرجل يتبع الجنازة، لا يتبعها حسبة، يتبعها حياء من أهلها، له في ذلك أجر؟ قال: أجر واحد، بل له أجران، أجر لصلاته على أخيه، وأجر لصلته الحي. (٢/ ٢٦٤) * قال حفص بن غياث: خرجنا في جنازة، ومعنا داود الطائي، فلما صلينا عليه: وجيء بالميت ليوضع في قبره، ورفع الثوب، وبدت أكفانه، صرخ داود صرخة، خر مغشيا عليه. (٧/ ٣٥٥) * عن إبراهيم بن الأشعث قال: كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة، لا يزال يعظ ويذكر ويبكي، حتى لكأنه يودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس، فكأنه بين الموتى جلس، من الحزن والبكاء حتى يقوم، ولكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها. (٨/ ٨٤) * عن عبد الرحمن ابن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وسئل عن الرجل يتمنى الموت، قال: ما أرى بذلك بأساً، إذ يتمنى الموت الرجل، مخافة الفتنة على دينه؛ ولكن، لا يتمنى الموت من ضربه، أو فاقة، أو شيء مثل هذا؛ ثم قال عبد الرحمن: تمنى الموت أبو بكر، وعمر، ومن دونهما؛ وسمعته ونحن مقبلون من جنازة عبد الوهاب، فقال: إني لأشم ريح فتنة، إني لأدعو الله أن يسبقني بها؛ وسمعته يقول: كان لي أخوان، فماتوا، ودفع عنهم شر ما نرى، وبقينا بعدهم، وما بقي لي أخ، إلا هذا الرجل: يحيى بن سعيد، وما يغبط اليوم إلا مؤمن في قبره. (٩/ ١٣) الاحتضار * عن سوار بن عبد الله قال سمعت المعتمر ـ سليمان بن طرخان ـ يقول: قال أبي حين حضره الموت: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله عز وجل وأنا احسن الظن به. (٣/ ٣١) * عن سوار بن عبد الله قال سمعت المعتمر يقول: مات صاحب لي كان يطلب معي الحديث، فجزعت عليه، فرأى أبي جزعي عليه، فقال: يا معتمر، كان صاحبك هذا على السنة؟ قلت: نعم، قال: فلا تجزع عليه، أو لا تحزن عليه. (٣/ ٣١) * عن مجاهد قال: ما من ميت يموت، إلا عرض عليه أهل مجلسه: إن كان من أهل الذكر، فمن أهل الذكر؛ وإن كان من أهل اللهو، فمن أهل اللهو. (٣/ ٣٨٣) * عن عبد الرحمن بن الوليد قال: سمعت ابن حليس ينشد هذا البيت: عند الموت ذهب الرجال الصالحون…وأخرت نتن الرجال لذا الزمان المنتن (٥/ ٢٥١) * وقال أبو عبد رب لمكحول: يا أبا عبد الله، أتحب الجنة؟ قال: ومن لا يحب الجنة؟ قال: فأحب الموت، فإنك لن ترى الجنة حتى تموت. (٥/ ١٧٧) * عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحسنون شدة النزع للسيئة قد عملها، لتكون بها. (٤/ ٢٣٢) * عن محمد بن إبراهيم قال: حضرت وفاة الشبلي، فأمسك لسانه وعرق جبينه، فأشار إلى وضوء الصلاة، فوضأته، ونسيت التخليل تخليل لحيته، فقبض على يدي، وأدخل أصابعي في لحيته يخللها، فبكيت رجاء أي شيء يتهيأ أن يقال لرجل لم يذهب عليه، تخليل لحيته في الوضوء، عند نزوع روحه وإمساك لسانه وعرق جبينه. (١٠/ ٣٧١) * قال أبو عبد الله ـ محمد بن القاسم الطوسي خادم أسلم ـ، ودخلت على محمد بن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور، فقال: يا أبا عبد الله، تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد نزل بي الموت، وقد من الله علي أن ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه، وقد علم الله ضعفي، وأني لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيئاً يحاسبني به الله؛ ثم قال: اغلق الباب، ولا تأذن لأحد علي حتى أموت وتدفنوني، إني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثاً، غير كتبي وكسائي، ولبدي وإنائي الذي أتوضأ منه، وكتبي هذه، فلا تكلفوا الناس مؤنة، وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهماً، فقال: هذا لابني، أهداه إليه قريب له، ولا أعلم شيئاً أحل لي منه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنت ومالك لأبيك» . وقال: «أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وولده من كسبه» . فكفنوني فيها، فإن أصبتم لي بعشرة دراهم ما يستر عورتي، فلا تشتروا بخمسة عشر، وابسطوا على جنازتي لبدي، وغطوا على جنازتي كسائي، ولا تكلفوا أحداً ليأتي جنازتي، وتصدقوا بإنائي، أعطوه مسكيناً يتوضأ منه؛ ثم مات في اليوم الرابع، فعجبت أن قال لي ذلك بيني وبينه، فلما أخرجت جنازته، جعل النساء يقلن من فوق السطوح: يا أيها الناس، هذا العالم الذي خرج من الدنيا، وهذا ميراثه الذي على جنازته، ليس مثل علمائنا هؤلاء الذين هم عبيد بطونهم، يجلس أحدهم للعلم سنتين أو ثلاثاً، فيشتري الضياع ويستفيد المال. (٩/ ٢٤١) * عن فاطمة امرأة عمر ـ بن عبد العزيز ـ قالت: كنت أسمع عمر كثيراً يقول: اللهم أخف عليهم موتى، اللهم أخف عليهم موتى، ولو ساعة؛ فقلت له يوماً: لو خرجت عنك، فقد سهرت يا أمير المؤمنين، لعلك تغفى؛ فخرجت إلى جانب البيت الذي كان فيه، فسمعته يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:٨٣] ، فجعل يرددها؛ قالت: ثم أطرق، فلبثت ساعة، ثم قلت لوصيف له كان يخدمه: ادخل فانظر، قالت: فدخل، فصاح، فدخلت، فإذا هو قد أقبل بوجهه إلى القبلة، وغمض عينيه بإحدى يديه، وضم فاه بالأخرى. (٥/ ٣٣٥) * عن إبراهيم بن شيبان قال: سمعت إسماعيل ابن عبيد يقول: لما حضرت أبي الوفاة، جمع بنيه، وقال: يا بني عليكم بتقوى الله، وعليكم بالقرآن فتعاهدوه، وعليكم بالصدق، حتى لو قتل أحدكم قتيلاً، ثم سئل عنه، أقر به، والله ما كذبت كذبه منذ قرأت القرآن؛ يا بني، وعليكم بسلامة الصدور لعامة المسلمين، فوالله، لقد رأيتني وأنا لا أخرج من بابي، وما ألقى مسلماً، إلا والذي في نفسي له كالذي في نفسي لنفسي؛ أفترون أني لا أحب لنفسي إلا خيراً. (٦/ ٨٥ - ٨٦) * عن المعتم قال: انطلق الحسن، وانطلقت معه إلى أبي نضرة نعوده، فقال له أبو نضرة: ادن مني يا أبا سعيد، فدنا منه، فوضع يده على عنقه، وقبل خده؛ فقال الحسن: يا أبا نضرة، إنك والله، لولا هول المطلع، لسر رجالاً من إخوانك أن يكونوا فارقوا ما ها هنا؛ فقالوا: يا أبا سعيد، اقرأ سورة، وادع بدعوات؛ فقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:١] ، والمعوذتين، وحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: اللهم مس أخانا ضر، وأنت أرحم الراحمين؛ قال: فبكى، وبكى الحسن، فبكى أهل البيت رحمة لأخيهم، قال: فما رأيت الحسن بكى بكاء أشد منه؛ وقال أبو نضرة: يا أبا سعيد، كن أنت الذي تصلي علي. (٣/ ٩٨) * قال محمد بن عمرويه: قال لي عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت أبي الوفاة، فجلست عنده، وبيدي الخرقة وهو في النزع، لأشد لحييه، فكان يغرق حتى نظن أن قد قضى، ثم يفيق ويقول: لا بعد، لا بعد بيده، ففعل هذا مرة، وثانية فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبت إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ فقال لي: يا بني ما تدري؟ فقلت: لا، فقال: إبليس لعنه الله، قام بحذائي، عاضاً على أنامله، يقول: يا أحمد فتني وأنا أقول: لا بعد حتى أموت. (٩/ ١٨٣) * قال عبد ربه بن صالح: دخل على مكحول في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: أحسن الله عافيتك أبا عبد الله، فقال: ألا لحاق بمن يرجى عفوه، خير من البقاء مع من لا يؤمن شره. وزاد غيره: شياطين الإنس، وإبليس، وجنوده. (٥/ ١٧٧) * قال محمد بن مطرف: دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت، فقلنا: يا أبا حازم، كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، راجيا حسن الظن به؛ ثم قال: إنه والله، لا يستوي من غدا وراح، يعمر عقد الآخرة لنفسه، فيقدمها أمامه قبل أن ينزل به الموت، حتى يقدم عليها، فيقوم لها، وتقوم له؛ ومن غدا وراح في عقد الدنيا، يعمرها لغيره، ويرجع إلى الآخرة، لا حظ له فيها، ولا نصيب. (٣/ ٢٤١ - ٢٤٢) * عن الحسين بن الحسن الحناط قال: سمعت فرقداً ـ إمام مسجد البصرة ـ يقول: دخلوا على سفيان الثوري في مرضه الذي مات فيه، فحدثه رجل بحديث، فأعجبه، وضرب يده إلى تحت فراشه، فأخرج ألواحاً له، فكتب ذلك الحديث؛ فقالوا له: على هذه الحال منك، فقال: إنه حسن، فقد سمعت حسناً، وإن مت، فقد كتبت حسناً. (٧/ ٦٤) * عن ابن زيد قال: أتى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر وهو في الموت، قال فقال: يا أبا عبد الله، كأني أراك قد شق عليك الموت؟ قال: فما زال يهون عليه الأمر وينجلي عن محمد حتى إذ إن وجهه لكأنَّه المصابيح، ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك، ثم قضى رحمه الله (٣/ ١٤٧) * قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه: ماذا تشتهي؟ قال: ليلة بعيدة الطرفين، أحيي ما بين طرفيها. (٣/ ١١٨) * عن المغيرة بن حبيب قال: اشتكى بطن مالك بن دينار، فقيل له: لو عمل لك قلية، فإنها تحبس البطن؛ فقال: دعوني من طبكم، اللهم إنك تعلم أني لا أريد البقاء في الدنيا لبطني، ولا لفرجي، فلا تبقني في الدنيا. (٢/ ٣٦١) * عن عمر بن دينار قال: دخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل يبكي، فقال: ما شأنك؟ قال: علي دين، قال: كم هو؟ قال: خمسة عشر ألف دينار، قال: فهو علي. (٣/ ١٤١) * سئل عبد الله بن أحمد عقل أبوك عند المعاينة؟ فقال: نعم، كنا نوصيه، فكان يشير بيده، فقال صالح: إيش يقول؟ فقلت: أهو ذا، يقول: خللوا أصابعي، فخللنا أصابعه، ثم ترك الإشارة، فمات من ساعته. (٩/ ١٨٣) * عن أبي عيسى قال: دخلنا على مالك ـ بن دينار ـ عند الموت، فجعل ينظر، ويقول: لمثل هذا اليوم كان دؤوب أبي يحيى. (٢/ ٣٨٢) * عن عطاء بن السائب قال: ذهبنا نرجي أبا عبد الرحمن السلمي عند موته، فقال: إني لأرجوا ربي، وقد صمت له ثمانين رمضاناً. (٤/ ١٩٢) * عن الفضيل بن عياض أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ارحمني بحبي إياك، فليس شيء أحب إلي منك. (٨/ ١٠٩) * عن محمد بن ثابت البناني قال: ذهبت ألقن أبي وهو في الموت: لا إله إلا الله؛ فقال: يا بني، دعني، فإني في وردي السادس، أو السابع. (٢/ ٣٢٢) * عن مليح بن وكيع قال: لما نزل بأبي الموت، أخرج إلي يده فقال: يا بني، تري يدي، ما ضربت بها شيئاً قط. (٨/ ٣٧١) * عن أحمد بن إبراهيم قال: نظر يونس ـ بن عبيد ـ إلى قدميه عند موته، فبكى، فقيل له: ما يبكيك أبا عبد الله؟ قال: قدماي، لم تغبرا في سبيل الله. (٣/ ١٩) * ولما احتضر بشر بن منصور، قيل له: أوص بدينك، قال: أنا أرجو ربي لذنبي، أفلا أرجوه لديني، فلما مات، قضى عنه دينه بعض إخوانه. (٦/ ٢٤٢) * عن إبراهيم النخعي: أنه بكى في مرضه، فقالوا له: يا أبا عمران، ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي، وأنا انظر رسولاً من ربي يبشرني، إما بهذه، وإما بهذه؟ (٤/ ٢٢٤) * عن الربيع بن أبي راشد، ورأى رجلاً مريضاً يتصدق بصدقة يقسمها بين جيرانه الهدايا أمام الزيارة، فلم يلبث الرجل إلا أياماً، حتى مات؛ فبكى عند ذلك الربيع، وقال: أحس والله بالموت، وعلم أنه لا ينفعه من ماله، إلا ما قدم بين يديه. (٥/ ٧٧) * عن عبد الله بن عبيد قال: لما طعن عمر رحمه الله طعنته التي مات فيها، قال له بعضهم: لو شربت يا أمير المؤمنين لبنا، فلما شرب اللبن، خرج من جرحه، وعلموا أنه شرابه الذي شرب؛ قال: فبكى، وأبكى من حوله، وقال: هذا حين لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع؛ قالوا: وما أبكاك إلا هذا؟ قال: ما أبكاني غيره. (٣/ ٣٥٥) * لما حضرت مسعراً الوفاة، دخل عليه سفيان الثوري فوجده، جزعاً، فقال له: لم تجزع، فو الله، لوددت أني مت الساعة، فقال مسعر: أقعدوني، فأعاد عليه سفيان الكلام، فقال: إنك إذا لواثق بعملك يا سفيان، لكني والله، لكأني على شاهق جبل، لا أدري أين أهبط؛ فبكى سفيان، فقال: أنت أخوف لله عز وجل مني. (٧/ ٢١٢) * عن عبد الرحمن بن مهدي قال: مات سفيان الثوري عندي، فلما اشتد به، جعل يبكي؛ فقال له رجل: يا أبا عبد الله، أراك كثير الذنوب، فرفع شيئاً من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت. (٧/ ١٢) * عن يزيد بن عبد ربه قال: عدت مع خالي علي بن مسلم أبا بكر بن أبي مريم وهو في النزع، فقلت له: رحمك الله، لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده: لا، ثم جاء الليل، فقال: أذن؟ فقلت: نعم، فقطرنا في فمه قطرة ماء، ثم غمضناه، فمات رحمه الله؛ وكان لا يقدر أحداً ينظر إليه، من خوى فمه من الصيام. (٦/ ٨٩) * لما حضرت الحطيئة الوفاة، قيل له: أوص، قال: أوصي المساكين بالمسألة، قيل له: أوص في مالك، قال: مالي للذكور دون الإناث، قيل ليس هذا قضاء الله، قال: لكني أقوله، ثم قال: احملوني على حمار، فإنه من يموت عليه كريم. (٩/ ١٣٦) * عن الحسن بن صالح قال: لما احتضر أخي علي بن صالح، رفع بصره، ثم قال: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} [النساء: ٦٩] ، ثم خرجت نفسه؛ قال: فنظرنا إلى جنبه، فإذا ثقب في جنبه، وقد وصل إلى جوفه، وما علم به أحداً من أهله. (٧/ ٣٢٩) * عن مسمع بن عاصم قال: شهدت عبد الواحد بن زيد عاد مريضاً من إخوانه، فقال: ما تشتهي؟ قال: الجنة، قال: فعلام تأس من الدنيا إذا كانت هذه شهوتك؟ قال: آسى والله على مجالس الذكر، ومذاكرة الرجال بتعداد نعم الله، قال عبد الواحد: هذا والله خير الدنيا، وبه يدرك خير الآخرة. (٦/ ١٥٧) * عن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل لما طعن، فجعلت سكرات الموت تغشاه، ثم يفيق الإفاقة، فيقول: اخنقني خنقاتك، فوعزتك، إنك لتعلم أن قلبي يحب لقاءك، اللهم إنك تعلم: أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا، لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. (٥/ ١٠٣) * عن ثابت البناني قال: كان رجل عاملاً للعمال، فجمع ماله، فجعله في سارية، فلما حضرته الوفاة، أمر به، فنثر بين يديه، فجعل يقول: يا ليتها كانت بعراً، يا ليتها كانت بعراً. (٢/ ٣٢٥) * عن حزم القيطعي قال: دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه، وهو يكيد بنفسه، فرفع رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهم إنك تعلم: أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لفرج، ولا لبطن. (٢/ ٣٦١) * عن ليث بن أبي مرقية عن عمر بن عبد العزيز: أنه لما كان في مرضه الذي مات فيه، قال: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن: لا إله إلا الله؛ ثم رفع رأسه، وأحد النظر، فقالوا له: إنك لتنظر نظراً شديداً! قال: إني لأرى حضرة، ما هم بأنس ولا جن، ثم قبض. (٥/ ٣٣٥) * عن سعيد بن عامر قال: مرض سليمان التيمي، فبكى في مرضه بكاء شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكن مررت على قدري، فسلمت عليه، فأخاف أن يحاسبني ربي عز وجل عليه. (٣/ ٣٢) * قال عبد الواحد بن زيد: دخلنا على عطاء السليمي وهو في الموت، فنظر إلي أتنفس، فقال: مالك؟ فقلت: من أجلك، فقال: والله لوددت أن نفسي بقيت بين لهاتي وحنجرتي تتردد إلى يوم القيامة، مخافة أن تخرج إلى النار. (٦/ ٢٢٤) * عن ثابت قال: لما ثقل جابر بن زيد، قيل له: ما تشتهي؟ قال: نظرة إلى الحسن، قال: فأتيت الحسن، فأخبرته، فركب إليه، فلما دخل عليه، قال لأهله: أرقدوني، فجلس، فما زال يقول: أعوذ بالله من النار، وسوء الحساب. (٣/ ٨٩) * أبو بكر بن عياش قال: دخلت على الأعمش في مرضه الذي توفي فيه، فقلت: أدعو لك الطبيب؟ قال: ما أصنع به؟ فو الله لو كانت نفسي بيدي، لطرحتها في الحش؛ إذا أنا مت، فلا تؤذنن بي أحداً، واذهب بي، واطرحني في لحدي. (٥/ ٥١) * عن بلال بن سعد قال: لما حضرت أبي الوفاة، قال لي: يا بني، ادع بنيك، فأمرت أهلي، فألبسوهم قمصا بيضاً، فقال: اللهم إني أعيذهم من الكفر، وضلالة العمل، ومن السباء والفقر إلى بني آدم. (٥/ ٢٣٢) * عن أبي بكر الزجاج، قال: قيل لمعروف الكرخي في علته: أوص، فقال: إذا مت، فتصدقوا بقميصي هذا، فإني أحب أن أخرج من الدنيا عرياناً، كما دخلت إليها عرياناً. (٨/ ٣٦٢) * عن عبد الرحمن بن حيان المصري قال: قيل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، ما بال الميت ينزع نفسه وهو ساكت، وابن آدم يضطرب من القرصة؟ قال: لأن الملائكة توثقه ثم قرأ: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: ٦١] . (٨/ ١١١) * عن عمرو بن علي قال: كان هجير يحيى بن سعيد إذا سكت ثم تكلم: {نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} [قّ: ٤٣] ، قال: فقلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه: يعافيك الله إن شاء الله، فقال: أحبه إلى أحبه إلى الله. (٨/ ٣٨١) * عن مالك بن إسماعيل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول ـ وأعانه على بعض الحديث أخوه محمد ـ قال: آلى صفوان ابن سليم أن لا يضع جنبه إلى الأرض، حتى يلقى الله عز وجل، فلما حضره الموت وهو منتصب، قالت له ابنته: يا أبت، أنت في هذه الحالة، لو ألقيت نفسك، قال: يا بنية، إذا ما وفيت له بالقول. (٣/ ١٥٩) * عن شبابه قال: دخلت على شعبة في يومه الذي مات فيه وهو يبكي، فقلت له: ما هذا الجزع يا أبا بسطام؟ أبشر، فإن لك في الإسلام موضعاً، فقال: دعني، فلوددت أني وقاد حمام، وأني لم أعرف الحديث. (٧/ ١٥٦) * عن أبي يحيى الزهري قال: قال عبد الله بن عبد العزيز العمري عند موته: نعمة ربي أحدث: أني لم أصبح أملك على الناس إلا سبعة دراهم ملكتها يدي، ونعمة ربي أحدث: لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي، لا يمنعني من أخذها، إلا أن أزيل قدمي ما أزلتها. (٨/ ٢٨٣) * عن محمد بن المنكدر: أنه جزع عند الموت، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أخشى آية من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: ٤٧] ، وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب. (٣/ ١٤٦) * عن عمران الخياط قال: دخلنا على إبراهيم النخعي نعوده وهو يبكي، فقلنا له: ما يبكيك يا أبا عمران؟ قال: انتظر ملك الموت، لا أدري، يبشرني بالجنة، أم بالنار. (٤/ ٢٢٤) * عن الحماني قال: لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة، بكت أخته، فقال: لا تبك، ـ وأشار إلى زاوية في البيت ـ فقد ختم أخوك في تلك الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة. (٨/ ٣٠٤) * عن حماد بن سعيد قال: لما حضر أبا عطية ـ بن قيس المذبوح ـ الموت، جزع منه، فقالوا له: أتجزع من الموت؟ قال: مالي لا أجزع؟ وإنما هي ساعة، ثم لا أدري أين يسلك بي. (٥/ ١٥٤) * عن ليث قال: حدثت طلحة ـ بن مصرف ـ في مرضه الذي مات فيه: أن طاووساً كان يكره الأنين، قال: فما سمع طلحة يئن، حتى مات رحمه الله (٥/ ١٨) * عن أبي مصعب قال: قال لي ابن أبي حازم: دخلت أنا وأبي نسأل عنه ـ يعني صفوان بن سليم ـ وهو في مصلاه، فما زال به أبي، حتى رده إلى فراشه؛ فأخبرتني مولاته: أن ساعة خرجتم مات. (٣/ ١٥٩)

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.