إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" . أخرجه الجماعة من حديث هشام بن عروة، ورواه البخاري والنسائي من حديث مالك، وكذلك أبو داود محيلا على ما سبقه. ورواه مسلم في الأصول من حديث وكيع، وفيه: "فإذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" . ثم تابع برواية عبد العزيز بن محمد وأبي معاوية وجرير و [ابن نمير] وحماد بن زيد، وقال: "كلهم عن هشام بن عروة، بمثل حديث وكيع وإسناده" . قال: "وفي حديث حماد بن زيد حرف تركنا ذكره" . وهذا الحرف الذي ترك ذكره هو: الأمر بالوضوء، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقال ابن منده في "صحيحه" – بعد إخراج هذا الحديث من رواية مالك –: "هذا إسناد مجمع على صحته. ورواه أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وقال فيه:" ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي". وهذا حديث مشهور عن هشام بن عروة صحيح، رواه أيوب السختياني وسفيان الثوري وشعبة وزائدة وابن نمير وسعدان بن يحيى، وكلها مقبولة على رسم الجماعة. وقال أبو معاوية وحماد في حديثهما: قال عروة: يغتسل الغسل الأول، ثم يتوضأ لكل صلاة ". قلت: الكلام على هذا الحديث بعد ما تقدم من وجوه: أحدها: أن رواية مالك كما سقناه:" فإذا ذهب قدرها "بإسكان الدال المهملة، وقد حكينا رواية وكيع عند مسلم:" فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي ". وكذلك الذي وقفت عليه من الروايات التي ساقوا لفظها فيها تعليق الحكم بالإقبال والإدبار، إلا ما رواه الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق في" مسنده "من حديث ابن وهب قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي ومالك بن أنس وعمرو بن الحارث والليث بن سعد، أن هشام بن عروة أخبرهم عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم .... ، فذكر الحديث، وفيه:" فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ". وظاهر هذه الرواية موافقة من ذكر مع مالك في هذه اللفظة، ويحتمل أن يكون ابن وهب جعل اللفظ لمالك، وجعل الآخر متابعا لم يعتبر فيه اللفظ، والله عز وجل أعلم. الوجه الثاني: في اختلاف الألفاظ فيما أمرت به فاطمة بعد إدبار الحيضة، وفيه وجوه: منها: ما قال مالك:" فاغسلي عنك الدم، وصلي ". وكذلك خالد بن الحارث، عن هشام:" فاغسلي عنك الدم، ثم صلي". وكذلك قال الحميدي، عن سفيان: في غسل الدم والصلاة. ومنها: الأمر بالغسل. فلما أورد ابن منده رواية الحميدي بما ذكرناه، قال: "ورواه محمد بن إسماعيل البخاري عن عبد الله بن محمد المسندي، عن سفيان بن عيينة ، بإسناده نحوه، وقال في حديثه:" اغتسلي وصلي ". قال:" والأول أصح من حديث ابن عيينة ". قلت: قد رواه [عن] ابن عيينة كذلك بالأمر بالغسل: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في" مسنده "، وفيه:" فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ". وكذلك محمد بن الصباح، عن سفيان، وفيه:" وإذا أدبرت فلتغتسل ولتصل ". أخرجه أبو العباس السراج في" مسنده "، وأبو بكر الإسماعيلي في" صحيحه ". وستأتي رواية أخرى عن سفيان فيها الأمر بالغسل. فهذه جماعة عن سفيان وافقوا المسندي، وذكروا الأمر بالغسل من حديث سفيان، وهو مؤكد لما أخرجه البخاري. وعند الدارقطني من رواية أبي معاوية:" فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم اغتسلي ". ذكر أن هذا حديث أبي معاوية بعد أن قرن به رواية يحيى بن سعيد وأبي أسامة. قال:" وقال يحيى وأبو أسامة: أفأدع الصلاة؟ قال: "ليس ذلك بالحيض: أنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" ، [وقال يحيى: "وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي] ، زاد أبو معاوية: قال هشام: قال أبي:" ثم [توضئي] لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت ". ومنها: الأمر بالوضوء. فروى النسائي عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد بسنده، [وفيه] :" فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي [وصلي] ، فإنما ذلك عرق، وليس بالحيضة ". قيل له: فالغسل؟ قال: وذلك لا شك فيه. أخرجه البيهقي من حديث خلف بن هشام وأبي الربيع عن حماد بن زيد – جعل اللفظ لحديث أبي الربيع –، وفيه:" فإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم، وتوضئي وصلي، فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة ". قال البيهقي:" رواه مسلم في "الصحيح" عن خلف بن هشام دون قوله: "توضئي" ، وكأنه ضعفه لمخالفة سائر الرواة عن هشام ". قال:" ورواه أبو حمزة السكري عن هشام، إلا أنه أرسل الحديث، لم يذكر عائشة رضي الله عنها "، ثم أخرجه، وفيه:" فاغتسلي عند طهرك، وتوضئي عند كل صلاة ". قلت: هذه اللفظة التي في رواية حماد هي التي تقدم عن مسلم أن في حديث حماد حرفا ترك ذكره." وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة، عن هشام بن عروة الحديث، وقال فيه: "وتوضئي لكل صلاة" . قال البيهقي: "والصحيح أن هذه الكلمة من قول عروة بن الزبير" . ثم أخرج رواية أبي معاوية، عن هشام: "وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" . قال: قال أبي: "ثم [توضئي] لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" . وكأنه استدل بهذه الرواية، وبما وقع فيها من انفصال قول عروة من الحديث، على أنه من قول عروة، لا مسندا في الحديث، وفي ذلك نظر، وقد تقدم في غير هذا الموضع. وهذا الذي حكيناه من رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة قد يتوهم فيه أنه من انفراد الحسن عن أبي حنيفة، والحسن مطعون فيه عندهم، فيكون ذلك كالمؤكد للغلط في تلك الرواية، وليس الأمر كذلك، فقد رواه المقرئ وأبو نعيم عن أبي حنيفة بالأمر بالوضوء عند كل صلاة، وسيأتي مع الغسل. ورواه الحافظ أبو الشيخ عبد الله بن محمد في "فوائد الأصفهانيين" عن الحكم – هو ابن أيوب –، عن زفر، عن أبي حنيفة بسنده، وفيه: إني أستحاض، ولا ينقطع عني الدم، فقال: "دعي الصلاة أيام حيضتك، فإذا ذهبت أيام حيضتك فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة" . أخرجه عن سلم – هو ابن عصام –، عن عمه – هو محمد بن المغيرة –، عن الحكم. وقد تابع أبا حنيفة في هذا الحديث – في الأمر بالوضوء لكل صلاة –: يحيى بن هاشم، فروى الحارث بن أبي أسامة عنه، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت ... ، الحديث، وفيه: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي عند كل صلاة وصلي" . أخرجه أبو عمر في "التمهيد" . قال أبو عمر: "ورواية أبي حنيفة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها لهذا الحديث كرواية يحيى بن هاشم سواء، قال فيه:" وتوضئي لكل صلاة ". وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن هشام أيضا بإسناده مثله، وحماد بن [سلمة] في هشام بن عروة ثبت ثقة" . انتهى. ومن هذا الباب حديث محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق" . أخرجه بهذا اللفظ الدارقطني. وفي رواية له: "فإنما هو العرق" . وهي رواية خلف بن سالم، عن ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو. ومنها: الأمر بالغسل والوضوء معا، وذلك عند الإسماعيلي من رواية عبد الله بن محمد الزهري، عن سفيان، أخرجه في "صحيحه" مقرونا بغيره، وقال: "وقال الزهري: إن امرأة من نسائنا – فاطمة – استحيضت، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صلاة "" . وروى الحافظ الفقيه أبو جعفر الطحاوي عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، [ثنا أبو حنيفة] . ح، وعن فهد، عن أبي نعيم، عن أبي حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي صلى الله عليه وسلم، [فقالت] : إني أحيض الشهر والشهرين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ذلك ليس بحيض، وإنما ذلك عرق من دمك، فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة، وإذا أدبر فاغتسلي لطهرك، ثم توضئي عند كل صلاة" . ومن المشهور في ذلك: حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه من رواية وكيع، عن الأعمش: قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير" . لفظ رواية الدارقطني. وأخرجه أبو داود من حديث وكيع، وابن ماجه أيضا، ولفظ الحديث عند ابن ماجه: عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير" . رواه عن علي بن محمد وأبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش. والرجال ثقات عندهم. وقد نسب في هذه الرواية عروة [بن] الزبير، وهو يخالف ما قيل: إن عروة الذي روى عنه حبيب ليس ابن الزبير، وإنما هو عروة المزني. ومن ذلك أيضا: حديث قمير – امرأة مسروق –، عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم .... ، وفيه: "إنما ذلك عرق، فانظري أيام أقرائك، فإذا جاوزت فاغتسلي واستنقي، ثم توضئي لكل صلاة" . قال الدارقطني – بعد ما رواه من حديث عمار بن مطر، عن أبي يوسف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن قمير –: "تفرد به عمار بن مطر - [وهو ضعيف] –، عن أبي يوسف، والذي عند الناس عن إسماعيل بهذا الإسناد [موقوفا] :" المستحاضة تدع الصلاة أيام اقرائها، ثم تغتسل وتوضأ لكل صلاة "" . انتهى. و "قمير" : بفتح القاف، وكسر الميم. الوجه الثالث: روى سفيان، عن أيوب السختياني، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، [فقال] : "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر، فلتترك الصلاة لذلك، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، [ولتتوضأ] ، ولتستذمر، ثم تصلي" أخرجه الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عن أبي عبيد الله المخزومي، عن سفيان. ح، وأخرجه أيضا من حديث عبد الوارث، عن أيوب، عن سليمان بن يسار: أن أم سلمة رضي الله عنها استفتت النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش، فقال: "تدع الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل وتصلي" . هكذا ذكره من هذا الوجه مرسلا. قال: "ورواه وهيب، عن أيوب، عن سليمان [عن أم سلمة] بهذا، وقال:" تنتظر أيام حيضها وتدع الصلاة". ثم رواه بسنده إلى وهيب – وأدرج عليه سندا – عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سليمان بن يسار: أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، حتى كان المركن [ينقل] [من] تحتها، واعلاه الدم. قال: فأمرت أم سلمة رضي الله عنها تسأل لها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم [تغتسل] وتستذفر بثوب وتصلي" . ورواه أيضا من حديث إسماعيل، عن أيوب، عن سليمان بن يسار: أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فسألت [رسول الله صلى الله عليه وسلم – أو قال: فسئل لها النبي صلى الله عليه وسلم –، فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل فيما سوى ذلك وتستذفر بثوب وتصلي. فقيل لسليمان: أيغشاها زوجها؟ فقال: إنما نقول بما سمعنا. قلت: يحصل من هذا اختلاف في إسناده وإرساله. وحديث أيوب عند ابي داود، ودل هذا الحديث على أن الحوالة على الأيام والليالي كان لفاطمة بنت أبي حبيش، وذلك خلاف ما قيل: إن حديث فاطمة في مستحاضة مميزة وحديث الحوالة على الليالي والأيام في مستحاضة غير مميزة، فتنبه لذلك. واعلم أن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها في حديث فاطمة لا ينافي هذا – والله عز وجل أعلم –، فإن قوله: "فإذا أقبلت" ، و: "إذا أدبرت" لا يمتنع أن يراد به اعتبار أيام الحيض. نعم حديث محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش الذي فيه: "إذا كان دم الحيض أنه دم أسود يعرف" يدل على اعتبار التمييز، فانظر في ذلك، والله عز وجل أعلم. الوجه الرابع: في إيراد بقية روايات تتعلق بحديث فاطمة. روى أبو داود عن وهب بن بقية، عن خالد – هو ابن عبد الله –، عن سهيل – يعني ابن أبي صالح –، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس [قالت] : قلت: يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله ! هذا من الشيطان، لتجلس في مركن، فإذا رأت صفارة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا واحدا، وتوضأ فيما بين ذلك" . قال أبو داود: "ورواه مجاهد، عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين" . ورواه [الدارقطني] أيضا من حديث علي بن عاصم، عن سهيل بن أبي صالح، وفيه: "ثم تغتسل وتصلي، وتؤخر من الظهر، وتعجل من العصر، وتغتسل لهما غسلا، وتؤخر من المغرب، وتعجل من العشاء، وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتصلي" . وروى محمد بن بكر البرساني – وهو بضم الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة، وبالسين المهملة، وقبل ياء النسبة نون –، عن عثمان بن [سعد] الكاتب، أخبرني ابن أبي مليكة: أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فليثت زمانا لا تصلي، فأتت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فذكرت ذلك لها، فقالت: يا أم المؤمنين! – قد خافت أن تكون من أهل النار، ولا يكون لها في الإسلام حظ – ألبث زمانا لا أقدر على صلاة من الدم، فقالت لها: امكثي حتى يدخل النبي صلى الله عليه وسلم فتسألينه عما سألتني عنه، فدخل، فقالت: يا رسول الله! هذه فاطمة بنت أبي حبيش ذكرت أنها تستحاض فتلبث الزمان لا تقدر على صلاة، وتخاف أن تكون قد كفرت، أو ليس [عند الله] في الإسلام حظ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قولي لفاطمة: تمسك [من] كل شهر عن الصلاة عدد قرئها، فإذا مضت تلك الأيام فلتغتسل غسلة واحدة، تستدخل، وتنظف، وتستثفر، ثم الطهور عند كل صلاة وتصلي، فإن الذي أصابها ركضة من الشيطان، أو عرق انقطع، أو داء عرض [لها] " . قال عثمان بن سعد: "فسألت هشام بن عروة [فأخبرني] بنحوه عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها ". أخرجه الدارقطني عن القاضي الحسين بن إسماعيل، عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، وعن أبي ذر أحمد بن محمد بن أبي بكر، عن حماد بن الحسن بن عنبسة، كلاهما عن محمد بن بكر، قال أبو الأشعث في الإسناد:" أخبرني ابن أبي مليكة: أن خالته فاطمة بنت أبي حبيش ". ورواه أيضا من حديث عمر بن شبة، عن أبي عاصم، عن عثمان بن سعد القرشي، عن ابن أبي مليكة قال: جاءت خالتي فاطمة بنت أبي حبيش [إلى عائشة] ، فقالت: إني اخاف أن أقع في النار، إني أدع الصلاة سنتين - أو سنين – لا أصلي، وفيه:" قولي لها: تدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها، ثم لتغتسل في كل يوم غسلا واحدا، ثم الطهور بعد ذلك لكل صلاة، ولتنظف، ولتحتش .... "، الحديث. قال البيهقي بعدما أخرج حديث عثمان بن سعد من وجهين، ثانيهما رواية الدارقطني من جهة أبي الأشعث وحماد بن الحسن، فقال:" وروي عن الحجاج بن أرطاة، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة [معنى] الرواية الثانية عن عثمان بن سعد، والحجاج بن أرطاة غير محتج به، وعثمان بن سعد الكاتب ليس بالقوي، كان يحيى بن سعيد ويحيى بن معين يضعفان أمره ". كذا قال البيهقي في عثمان بن سعد! وقد خالف شيخه الحاكم أبا عبد الله، فإنه أخرج حديث أبي عاصم – عن عثمان بن سعد القرشي، عن ابن أبي مليكة قال: جاءت خالتي .... ، الحديث – في كتابه" المستدرك "، وقال:" صحيح، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث، يجمع حديثه". انتهى. حديث آخر: قرأت على أبي الحسين يحيى بن علي الحافظ، أنا أبو القاسم هبة الله بن علي بن سعود بن ثابت الأنصاري – قراءة عليه وأنا أسمع سنة اثنين وتسعين وخمسمائة بالجامع العتيق بمصر –، أنا أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني – قراءة عليه وأنا أسمع سنة سبع عشرة وخمسمائة –، أنا أبو الحسن محمد بن الحسين النيسابوري المعروف بابن القطان – قراءة عليه سنة أربعين واربعمائة –، ثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوية النيسابوري – لفظا –، ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها - [تعني -أن] امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل" . اختلف في إسناد هذا الحديث، فرواية مالك فيه كما تقدم: عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها، ليس بين سليمان بن يسار وأم سلمة أحد. وكذلك رواه أسد بن موسى، عن الليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. ورواه كذلك أسد أيضاً عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان عن الحجاج بن أرطاة عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة. وكذلك قال أيوب: عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، وقد قدمناه. أخرجه أبو داود. وقيل بإدخال رجل بين سليمان وأم سلمة، فروي عن الليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار: أن رجلا أخبره، عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة كانت تهراق الدم. أخرجه أبو داود من غير سياقه ألفاظه كلها. وكذلك رواه صخر بن جويرية، عن نافع. ذكره أبو داود، وأحال على رواية الليث، فقال: "بإسناد الليث ومعناه قال: "فلتترك الصلاة قدر ذلك، ثم إذا حضرت الصلاة فلتغتسل ولتستثفر بثوب، ثم تصلي" . وساقه الدارقطني، وابن الجارود بتمامه من حديث صخر بن جويرية، عن نافع، عن سليمان بن يسار: أنه حدثه رجل، عن أم سلمة. ورأيته في "مسند السراج" ليس بين سليمان وأم سلمة أحد. فرواه عن إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي قرة موسى بن طارق: أذكر موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقرأت عليه الحديث، وفيه: "فإذا خلفت ذلك وحضرت الصلاة فلتغتسل وتصلي" ، فأقر به، وقال: "نعم" . واختلف على عبيد الله بن عمر، فقيل عنه كما قال مالك، قاله ابن نمير وأبو أسامة عنه. أخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة عنهما، وأخرجه النسائي وابن ماجه، ثم الدارقطني، من جهة أبي أسامة، عن عبيد الله، واللفظ عند ابن ماجه: عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، ولكن دعي قدر الأيام والليالي التي كنت تحيضين – قال أبو بكر في حديثه: وقدرهن من الشهر – ثم اغتسلي، واستذفري بثوب وصلي" . رواه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وعلي بن محمد. وخالف أنس بن عياض، [فقال: عن عبيد الله] ، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل من الأنصار: أن امرأة كانت تهراق الدماء. أخرجه أبو داود، وقال: "فذكر معنى الليث، قال:" إذا خلفت فلتغتسل "" ، قال: "وساق معناه" . قلت: مقتضى عادتهم في مثل هذا: أن يحكم بالزائد، وذلك يقتضي أن سليمان لم يسمعه من أم سلمة، وإنما سمعه من رجل عنها، والرجل مجهول، فيكون ذلك علة في الحديث. حديث آخر: قرأت على أبي الحسين يحيى بن علي الحافظ، أن أبا القاسم هبة الله بن علي أخبرهم – قراءة عليه –: أنا أبو صادق مرشد بن يحيى: أنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد، ثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا، ثنا أحمد بن شعيب: أنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله! إني استحاض؟ فقال: "إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي" ، فكانت تغتسل عند كل صلاة. قال أبو الحسين: "رواه مسلم في" صحيحه "والترمذي في" جامعه "والنسائي هكذا في" سننه "، عن قتيبة بن سعيد كما رويناه" . قال: "وقد روى هذا الحديث أيضا عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها نحو رواية الزهري هذه التي أوردناها. ورواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها ورواه [عمرو] بن الحارث المصري، عن الزهري، فجمع فيه بين عروة وعمرة، عن عائشة رضي الله عنها، وكل ذلك محفوظ مخرج في" الصحيح"، وفي ألفاظهم اختلاف. فأما حديث عراك بن مالك، فأخبرناه أبو بكر محمد بن يوسف بن علي الطبري – قراءة عليه وأنا أسمع –، أنا أبو الفرج مسعود بن الحسن الثقفي – قراءة عليه وأنا أسمع بأصبهان –، أنا أبو عمرو ابن أبي عبد الله بن منده، أنا أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف القنطري – كتابة –، أنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج الثقفي، ثنا قتيبة بن سعيد. ح ". قال:" وأنا الشيخ أبو القاسم هبة الله بن علي الأديب، ثنا مرشد بن يحيى المقرئ، أنا محمد بن الحسين بن محمد النيسابوري – قراءة عليه –، ثنا محمد بن عبد الله بن زكريا – لفظا –، ثنا أبو عبد الرحمن النسائي، أنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم، وقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دما. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي" . قال النسائي: "أخبرنا قتيبة بن سعيد مرة أخرى، ولم يذكر جعفرا" ". قال أبو الحسين الحافظ:" رواه مسلم في "صحيحه" ، وأبو داود والنسائي في "سننهما" عن قتيبة كما رويناه. وأما حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، فأخبرناه سيد الأهل – ويسمى أيضا: هبة الله بن علي بن غالب الخزرجي –، أنا أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المعدل، أنا أبو الحسن محمد بن الحسين البزار، ثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله النيسابوري، ثنا أحمد بن شعيب بن علي الحافظ، أنا محمد بن المثنى، ثنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ليست بالحيضة: أنما هو عرق" . فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها، وتغتسل، وتصلي. فكانت تغتسل عند كل صلاة ". قال:" رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي موسى كما رويناه ". قال أبو الحسين:" وأما حديث عمرو بن الحارث، فأخبرناه أبو القاسم البوصيري رحمه الله تعالى – قراءة عليه –، أنا أبو صادق المديني – قراءة عليه –، أنا ابو الحسن محمد بن الحسين بن الطفال، ثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا – لفظا –، ثنا أحمد بن شعيب، أنا محمد بن سلمة، ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة – ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمن بن عوف – استحيضت سبع سنين، استتفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي، وصلي" ". قلت: في حديث الليث عند مسلم زيادة – بعد قوله: "فكانت تغتسل عند كل صلاة" –: قال الليث بن سعد: "ولم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي" . وفي "المسند" من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد، [عن الزهري. وثنا أبو كامل، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا ابن شهاب] ، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت أم حبيبة بنت جحش، - قال أبو كامل: "أم حبيب" – إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت استحيضت سبع سنين، فشكت ذلك إليه واستفتته فيه، فقال: "ليس هذا بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي، وصلي" ، فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، فكانت تجلس في مركن، فتعلو حمرة الدم [الماء] ، ثم تصلي. ورواية عراك أخرجها مسلم من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك، فيه بعد قوله: "ثم اغتسلي" : فكانت تغتسل عند كل صلاة. وحديث عمروبن الحارث رواه النسائي وابن ماجه، وفيه عند مسلم زيادة بعد قوله: "وصلي" : "قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء. قال ابن شهاب: فحدثت بذلك أبا بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: يرحم الله فلانة! لو سمعت بهذه الفتيا، والله! إن كانت لتبكي، لأنها كانت لا تصلي" . وروى ابن ماجه من حديث الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن: أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "استحيضت أم حبيبة بنت جحش " ، الحديث، وفيه: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" . وكذلك رواه أبو عوانة في "صحيحه" من جهة عمرو بن أبي سلمة و [بشر] بن بكر، عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة رضي الله عنها وفيه: "إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي، ثم صلي" . قالت عائشة رضي الله عنها فكانت تغتسل عند كل صلاة، وكانت تقعد في مركن .... ، الحديث. هكذا أورده من حديث [بشر] بن بكر، عن الأوزاعي، وقال عقيبه: "حدثنا إسحاق الطحان: أنا عبد الله بن يوسف، ثنا الهيثم بن حميد، ثنا النعمان بن المنذر والأوزاعي وأبو معيد، عن الزهري، بنحوه" . واعلم أن أبا داود قال: "زاد الأوزاعي في هذا الحديث: عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استحيضت أم حبيبة بنت جحش – وهي تحت عبد الرحمن بن عوف – سبع سنين، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي "" . قال أبو داود: "ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي. وقد رواه عن الزهري عمرو بن الحارث، والليث، ويونس، وابن أبي ذئب، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وسليمان بن كثير، وابن إسحاق، وسفيان بن عيينة، لم يذكروا هذا الكلام، وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها . قال: "وزاد ابن عيينة فيه أيضا: أمرها أن تدع الصلاة أيام اقرائها، وهو وهم من ابن عيينة، وحديث محمد بن عمرو، عن الزهري فيه شيء [يقرب] من الذي زاد الأوزاعي في حديثه" . قلت: وقد قدمنا من رواية أبي عوانة من حديث الهيثم بن حميد، حدثنا النعمان بن المنذر والأوزاعي وأبو معيد، عن الزهري بنحوه، فيظهر منه أن النعمان وأبا معيد وافقا الأوزاعي في روايته، على خلاف ما قال أبو داود: إنه "لم يذكر هذاالكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي" ، إلا أن أبا عوانة لم يسق اللفظ، بل قال: "بنحوه" . واحتمل أن لا يكون الموافقة في هذا اللفظ الذي ذكر أبو داود: أن الأوزاعي لم يذكره غيره، لأن قوله: "بنحوه" ليس صريحا في ذلك، فوقعت لنا تلك الرواية تامة اللفظ، تقتضي الموافقة للأوزاعي، فروى أبو عبد الرحمن النسائي، والحافظ الفقيه أبو جعفر الطحاوي – واللفظ للنسائي –، عن الربيع بن سليمان بن داود، عن عبد الله بن يوسف، عن [الهيثم] بن حميد، أخبرني النعمان والأوزاعي وأبو معيد – وهو حفص بن غيلان –، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استحيضت أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف – وهي أخت زينب بنت جحش –، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا [أقبلت] فاتركي لها الصلاة" . قالت عائشة رضي الله عنها "فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، وكانت تغتسل أحيانا في مركن في حجرة أختها زينب – وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم –، حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء، ثم تخرج فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعها ذلك من الصلاة" . وفي حديث الطحاوي: "ولكنه عرق فتقه إبليس" . قلت: وأخرج النسائي أيضا حديث الأوزاعي في "الأمثال والآثار" مختصرا لم يذكر فيه أم حبيبة. و "أبو معيد" في هذا الإسناد: بضم الميم، وفتح العين، وسكون الياء. وروى أبو داود من حديث أبي بشر، عن عكرمة: أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئا من ذلك توضأت وصلت. حديث آخر: روى زهير، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش [قالت] : كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصوم؟ قال: "أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب بالدم" ، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: "اتخذي ثوبا" ، قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم" ، قال: "إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين وليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، [فتغتسلين] وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخري المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك ".