أبو الحسن، وإذا تنبهت لهذه الدقائق التي ذكرناها في هذا الحديث ظهر لك احتياج هذا الفن إلى جودة الفكر والنظر، فإن الأمر ليس بالهين، لا كما يظنه قوم أنه مجرد حفظ ونقل لا يحتاج إلى غيرهما فيه، وما ذكره ابن القطان من الكلام على رواية عمرو بن قيس ظاهر، وما ذكره من رواية قتادة عن عبد الحميد، فكأنه لم يقف على الرواية التي تثبت أن قتادة لم يروه عن عبد الحميد، وإنما رواه عن الحكم عنه، ولو وقف عليها لم يكن ذلك قادحا على طريقته، إذ الذي ظهر أنه بينهما: ثقة. وأما الوجه الثاني: وهو الاختلاف، فرواية مطر عن الحكم، عن مقسم، يؤخذ بالزيادة عليها في رواية شعبة وغيره، وهو إثبات عبد الحميد بينهما، وكذلك الروايات عن قتادة يحكم فيها بالزائد، فإنه كان يرسل، ويقطع، ويسند، فإذا تبين برواية أنه لم يسمع من عبد الحميد، وأنه سمع من الحكم، أخذ بها، وإذا تبين بأخرى أن الحكم لم يسمع من مقسم وسمعه من عبد الحميد، أخذ بها. وقد أتى حماد بن الجعد بالأمر بينا، وصرح بالتحديث فيما بين القوم. وأما ما قاله البيهقي في الرواية عن الأوزاعي: أنه اختلاف ثالث في إسناده ومتنه، فضعيف لوجهين: أحدهما: أنها رواية لو سلمت رواتها من الكلام لم يجزم بها الراوي، [إنما قال] : "أظنه عن عمر بن الخطاب" ، فلا يعترض بها على المتيقن. والثاني: ما قال ابن القطان في هذه الراوية، وقد قدمناه. وأما الوجه الثالث: فما قاله الشافعي رحمه الله تعالى: من كونه لم يثبت، لعله يشير به إلى رواية خصيف وعبد الكريم، وبالجملة فهو كلام مجمل، ومن صحح فقد فصل وبين ما عنده، والإثبات مقدم على النفي. أما قول أبي بكر ابن إسحاق في عطاء العطار وعبد الحميد وعبد الكريم: "فيهم نظر" ، فلا نعارضه في عطاء وعبد الكريم، ولكن أي نظر له في عبد الحميد وقد احتج به الشيخان في "الصحيح" ، ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في "ثقات أتباع التابعين" ؟ وأي دليل على العدالة أعظم من ولاية أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه له وتقديمه على الحكم في أمور المسلمين؟ ولم يبلغنا شيء يكدر إلا ما ذكر الخلال بعد ما تقدم من روايته عن الميموني، فقال: "وقال غير الميموني عنه – يعني عن أحمد –: لو صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كنا نرى عليه الكفارة. قيل له: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم، لأنه من حديث فلان – أظنه قال: عبد الحميد -" . انتهى. وهذا لا يلزم الرجوع، إليه الوجهين: أحدهما: أن ذلك الغير مجهول. وقد روى أبو داود عن أحمد بن حنبل أنه قال: "ما أحسن حديث عبد الحميد فيه!" قيل له: أتذهب إليه؟ قال: "نعم، إنما هو كفارة" . الثاني: أن ذلك الغير لم يجزم بأن فلانا هو عبد الحميد، بل قال: أظنه، وبالظن لا يقدح في من تيقن تعديله. ذكر من رد الأمر بالدينار ونصف الدينار إلى إقبال الدم وإدباره، لا إلى وجوده وانقطاعه قد تقدم حديث الترمذي من طريق عبد الكريم عن مقسم، وحديث أبي جعفر الرازي. كتب إلينا أبو الحجاج يوسف بن خليل الحافظ – ونقلته من أصل عليه خطه –، أنا أبو سعيد خليل بن أبي الرجاء بن أبي الفتح الراراني – بقراءتي عليه –، قلت له: أخبركم أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، أنا الإمام أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، ثنا عبد الله بن يزيد الشيباني، عن سفيان الثوري، عن عبد الكريم وعلي بن بذيمة وخصيف، عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: