أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس مني (١) رواه مسلم ، فالغش في البيع بكتم العيب ، والغش في المشورة بأن تشاور على الإنسان ما يضرُّه في دينه أو دنياه . أمَّا النصيحة لله : فهي بالإيمان به تعالى ، وتوحيده ، وتقديم طاعة الله على طاعة المخلوقين والخوف من الوقوف بين يديه ، ومراقبته في السر والعلن ، وأمَّا النصيحة لكتابه : فهي تكون بقراءته ، وتدبر معانيه ، والعمل بما فيه واعتقاد ما يدل عليه من الأخبار . وأمَّا النصيحة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي بتصديقه فيما أخبر ، والامتثال لما أمر والانتهاء عمَّا نهى وإجلاله وتوقيره صلوات الله ، وسلامه عليه . وأمَّا النصيحة لأئمة المسلمين : فهي طاعتهم فيما لم يكن معصيةً لله وعدم خيانتهم وإرسال النصائح لهم ممن يقدر على ذلك سرَّاً ، لأنَّ ذلك أدعى للقبول ، وأمَّا النصيحة لعامة المسلمين : فبدعوتهم إلى الله وتعليمهم ما ينفعهم ووعظهم بالانتهاء عمَّا يضرهم ، وبالله التوفيق . [١] قَولُه : ( والله سميعٌ بصير عليم ) فيه إثبات صفة السمع ، والبصر والعلم ، وقَولُه : ( يداه مبسوطتان ) فيه إثبات اليدين لله تعالى ، وإثباتهما بالكتاب ، والسنَّة ، فأمَّا الكتاب : ففي قوله تعالى رداً على اليهود حين قالوا : { يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة } (المائدة: من الآية٦٤) قال تعالى : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء } (المائدة: من الآية٦٤) . وأمَّا السنَّة ففي قوله - صلى الله عليه وسلم - : يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، وقال أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يده ، وقال عرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع (١) رواه البخاري ومسلم ، وفي الحديث الآخر : { إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها } (٢) رواه مسلم . قَولُه : ( قد علم أنَّ الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم ) يؤخذ هذا من قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ … الآيات ( البقرة : ٣٠ وما بعدها ) ولم تقل الملائكة ذلك إلاَّ عن علمٍ علمهم الله إيِّاه ، ومع ذلك فإنَّ الله قد علم أنَّ في ذرية آدم الرسل والأنبياء ، والمؤمنون الصالحون أولياء الله ، وفيهم الكفار والمنافقون ، والعصاة الفسقة ، فقد خلقهم الله عزَّ وجل ليبلغ علمه فيهم ما قد كتبه لهم وعليهم ، فالمهتدون أعزَّهم الله بهدايته تفضُّلاً منه واعلم أنَّ البشارة عند الموت ثلاث بشارات يقال : أبشر يا حبيب الله برضى الله والجنَّة ، ويقال : أبشر يا عبد الله بالجنَّة بعد الانتقام(٣) ويقال : أبشر يا عدوَّ الله بغضب الله والنَّار ، هذا قول : ابن عبَّاس(٤) [١] . وكرماً ، وجوداً والكفار ، والمنافقون ، والفسَّاق خذلهم الله بسبب أعمالهم وإعراضهم عن دعوته ، ودعوة رسله ، وأوليائه المؤمنين ، وكلٌّ من هؤلاء وهؤلاء بلغ علمه فيهم ، ونفَّذ حكمه عليهم ، وله عليهم الحجَّة الدامغة وله فيهم الحكمة البالغة : { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } (الانبياء:٢٣) . [١] قَولُه : ( واعلم أنَّ البشارة عند الموت ثلاث بشارات ) يظهر أنَّ هذا التنوع بتنوع المقامات ، فالمؤمنون المتقون الأبرار ، وفوقهم السابقون وهم المقربون يبشرون بالجنَّة من دون وعيدٍ بالعذاب ( أبشر يا حبيب الله برضى الله والجنَّة ) وللعصاة من المسلمين بشارةً بالجنَّة بعد بلوغ الوعيد فيهم وهم الظالمون لأنفسهم ( أبشر يا عبد الله بالجنَّة بعد الانتقام ) وهاتين البشارتين لمن خصَّهم الله سبحانه وتعالى بمتابعة الأنبياء ، فمنهم من تابع الأنبياء متابعةً تامَّة ، وكان سبَّاقاً إلى الخير ، ومنهم من هو دون ذلك قليلاً لكنَّه لايدخل في أهل الوعيد : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } (فاطر:٣٢) . فالمقتصدون ، والسابقون بالخيرات بشارتهم خاصة واعلم أنَّ أوَّل من ينظر إلى الله تعالى في الجنَّة الأضرَّاء ، ثمَّ الرجال ، ثمَّ النساء ، بأعين رؤوسهم ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { إنَّكم سترون ربَّكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته } (١) والإيمان بهذا واجبٌ ، وإنكاره كفر [١] .