ليردنَّ علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم ، ورفعوا إلي اختلجوا دوني ، فلأقولنَّ أي رب أصيحابي والإيمان بشفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمذنبين الخاطئين يوم القيامة ، وعلى الصراط ويخرجهم من جوف جهنَّم ، وما من نبيٍّ إلاَّ وله شفاعة وكذلك الصِّدِّيقون والشهداء ، والصالحون ، ولله بعد ذلك تفضُّلٌ كثيرٌ على من يشاء والخروج من النَّار بعدما احترقوا ، وصاروا فحماً [١] . أصيحابي ، فليقالن لي إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك (١) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم ، وفي رواية : { فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك ، فأقول سحقاً سحقاً } (٢) وبالله التوفيق . [١] وأقول : شفاعات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرة ، فله شفاعات اختصَّ بها وله شفاعات يشارك فيها غيره فالتي اختصُّ بها ثلاثٌ : ١. وهي المقام المحمود أي الشفاعة في فصل القضاء . ٢. الشفاعة في استفتاح باب الجنَّة أو شفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها . ٣. الشفاعة لأبي طالب ، وإخراجه من غمرة النَّار إلى ضحْضاحٍ منها . وهناك شفاعاتٌ أخرى يشاركه فيها غيره : ١. وهي الشفاعة في قومٍ استحقُّوا دخول النَّار فيشفع فيهم أن يعفوا من دخول النار . ٢. الشفاعة في أقوامٍ دخلوا النَّار وعذِّبوا فيها ، فيشفع فيهم أن يخرجوا من النَّار فيخرجون منها . والإيمان بالصراط يأخذ الصراط من شاء الله ، ويجوِّز من شاء الله ويسقط في جهنَّم من شاء الله ، ولهم أنوار على قدر إيمانهم [١] . ٣. الشفاعة في أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم أن يدخلوا الجنة ، والشفاعة هذه عامَّة . والشفاعات التي ذكرت وهي سبعٌ أو ثمان(١) ، فأمَّا الثلاث الأولى فهو يختص بها باتفاق والباقي يشترك فيها معه غيره من الملائكة ، والمرسلين والنبيين ، وسائر المؤمنين ، وحقيقة الشفاعة هي إكرام الله للشافع ، ورحمته بالمشفوع له ، ثم هي لاتكون إلاَّ للموحدين لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : أنه قال قيل يا رسول الله : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه (٢) رواه البخاري ، فنسأله سبحانه وتعالى أن يشفِّع نبيه فينا ، وبالله التوفيق . [١] أقول : وبالله التوفيق : الصراط هو جسرٌ ممدود على متن النَّار ، يمر عليه الموحِّدون المسلمون الذين ماتوا على الإسلام ، ولم يشركوا بالله شركاً أكبر يستوجب الخلود في النَّار ، أمَّا الكفَّار بجميع أنواعهم مشركون وثنيون وملحدون ، وأهل الكتاب اليهود والنصارى وغيرهم … من أنواع الكفَّار فهؤلاء يساقون إلى النَّار سوقاً وتفتَّح لهم أبوابها السبعة قال الله عزَّ وجل : { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } (الزمر: من الآية٧١) وقال في سورة الحجر : { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُوم ٌ } (الحجر:٤٤) ، فالذين كتبت عليهم الشقاوة الأبدية والخلود في النار نستجير بالله من ذلك هؤلاء يساقون إلى النار سوقاً تسوقهم خزنة جهنَّم سوقاً وتسوقهم الملائكة ويدخلون فيها من أبوابها كلِّ أهل ملَّةٍ وعقيدة يدخلون في النار من بابٍ واحد ، أمَّا المسلمون فهؤلاء يضرب لهم الصراط على متن جهنَّم ، فيمرُّون عليه على قدر إيمانهم وأوَّل من يمر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ يكون واقفاً عند الصراط يقول : {ربِّ سلِّم سلِّم } (١) رواه مسلم ، فيمر بعضهم كلمح البصر ، وكالبرق الخاطف وكالريح ، وكأجاويد الخيل وكسعي الرجال ومنهم من يهرول ، ومنهم من يمشي ، ومنهم من يزحف على بطنه ، وعلى الصراط كلاليب كشوك السَّعدان ، وهو شجر له شوكة معقوفة يقال لها العقيفاء تضرب من أمرت به ، وتلقه في جهنَّم ، وقد ورد : { أنَّها تشبك بين النَّاصية والقدم } (٢) قال تعالى : { يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ } (الرحمن:٤١) ، وهذا لا يكون إلاَّ بكسر الظهر نسأل الله السلامة ، فالذين يمرون على الصراط ، ويسقطون منه هؤلاء يخرجون من النار بشفاعة الشافعين ، وبرحمة أرحم الراحمين ويطرحون على نهر الحياة أو نهر الحيا بعد أن صاروا حمماً ، وتأخذ النار كلَّ جسم الإنسان المصلِّي ما عدا مواضع السجود ، فيأتي الشَّافعون فيعرفونهم بمواضع السجود منهم ، وحرامٌ على النار أن تأكل مواضع السجود من المسلمين أصحاب الكبائر ، فإذا طُرِحوا على ذلك النهر نبتوا فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : { ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية } (١) رواه البخاري وفي روايةٍ لمسلم : { ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر ، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض ، فقالوا يا رسول الله : كأنك كنت ترعى بالبادية . قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه } (٢) ثمَّ يدخلون الجنة ويتبوءون منازلهم منها بعد أن طُهْروا ونُقُّوا من دنس الذنوب ، ويكون لهم علامةً تبقى عليهم زمناً طويلاً فيعرفهم أهل الجنَّة ، ويقولون هؤلاء الجهنَّميون ، وقد ورد أنَّهم