لها:" إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الأحمر فتوضئي ". فقال أبي:" لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر ". قلت: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ثقة، متفق على الاحتجاج به في الصحيحن، ومحمد بن عمرو أخرج له مسلم، فالحديث على شرطه من جهة حال الرجال. وذكر أبو الحسن ابن القطان في كتاب "الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" هذا الحديث فقال: "وهو في رأيي منقطع، وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، فرواه عن محمد بن عمرو [ ] : محمد بن أبي عدي مرتين، إحداهما: من كتابه، فجعله عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تستحاض، فهو على هذا منقطع، لأنه قد حدث به مرة أخرى من حفظه، فزادهم فيه:" عن عائشة "فيما بين عروة وفاطمة فاتصل" . قلت: ليس في اللفظ ما يقتضى ما ذكر الحافظ أبو الحسن ابن القطان من قوله: "زادهم فيه: عن عائشة رضي الله عنها فيما بين عروة وفاطمة فاتصل" ، وإنما رواه على وجهين: أحدهما: عن عروة عن فاطمة. والثاني: عروة عن عائشة. وفاطمة في هذه الرواية ليست مرويا عنها، وإنما هي محكية قولها وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، وليس ما يحكيه الصحابي من قول صحابي آخر، وسؤاله للرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الباب الذي يجعل واسطة بين الراوي وبينه، وهذا واضح. نعم يحتمل أن يكون عروة أخذ الحديث عن عائشة رضي الله عنها إرسالا، ولكن ليس في اللفظ ما يقتضي ذلك، لا نصا ولا ظاهرا، وأريد بذلك اللفظ الذي وقفنا عليه في كتاب أبي داود والنسائي وغيرهما. قال أبو الحسن ابن القطان – بعد قوله: "فاتصل" –: "فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة - [أعني] : أن يحدث به من حفظه مرسلا، ومن كتابه متصلا –، فأما هكذا فهو موضع نظر، وأبو محمد إنما ساق الرواية المنقطعة، فإنه [ساقه] عن فاطمة، والمتصلة إنما هي عن عائشة رضي الله عنها، عن فاطمة، وإذا نظر هذا في كتاب أبي داود تبين منه أن عروة إنما أخذ ذلك عن عائشة، [لا] عن فاطمة" . قلت: قد يعارض هذا بتقديم روايته عن فاطمة من وجهين: أحدهما: أنه حدث به من كتاب، وحدث بذلك من حفظه، والرجوع إلى الكتاب أولى من الرجوع إلى الحفظ. ولذلك إذا أرادوا الاحتياط في تثبيت الرواية عند إغراب الراوي، قالوا: حدثنا فلان من أصله أو من كتابه، وقد قيل: الحفظ خوان. الثاني: أن الطريقة المعروفة: عروة عن عائشة، وعروة عن فاطمة نادر، والأقرب عند التحديث من الحفظ سبق الوهم إلى الغالب المشهور، فعدوله عنه إلى النادر أقرب إلى أن يكون عن تثبيت، وقد رجح بعض الروايات بمثل هذا. وقوله: "وإذا نظر [هذا في] كتاب أبي داود تبين منه " ، ليس يتبين ذلك على سبيل الظهور، بل على سبيل الاحتمال، ولا سيما على طريقته في كثير من تصرفاته، إذ يمكن أن يكون سمعه من عائشة رضي الله عنها فرواه، ثم شافهته فاطمة، فرواه عنها. قال ابن القطان: "وقد يظن به السماع منها بحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة: أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته: أنها سألت رضي الله عنه فشكت إليه الدم، فقال لها:" إنما ذلك عرق، فانظري .... "، الحديث، وهذا لا يصح منه سماعه منها للجهل بحال المنذر بن المغيرة. وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال:" مجهول ". ذكره هكذا أبو داود، وهو عند غيره معنعن لم يقل فيه إن فاطمة حدثته، وكذلك هو عند النسائي بالنص على أنها حدثته" . قلت: إذا ثبت إمكان لقاء عروة لفاطمة كفى ذلك في حمل الحديث على الاتصال على ما قرره مسلم في مقدمة كتابه، إلا أن يقوم دليل على خلافه، وتكون رواية المنذر مرجحة. وقال ابن القطان: "وكذلك حديث سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش" . وقال ابن القطان في مكان آخر: "وزعم أبو محمد ابن حزم أن عروة أدرك فاطمة بنت أبي حبيش، ولم يستبعد أن يسمعه من خالته عائشة، ومن ابنة عمه فاطمة" . قال ابن القطان: "وهذا عندي غير صحيح، ويجب أن يزاد في البحث عنه، وفاطمة هي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وعروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. فخويلد والمطلب أخوان، فهي في قعدد الزبير رضي الله عنه، ولا يعرف لها [حديث] غير هذا، ولم يتبين منه أن عروة أخذه عنها" . وعلل ابن القطان رواية سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بالشك في أنه سمع من فاطمة بنت أبي حبيش أو من أسماء. قال: "وفي متن الحديث ما أنكر على سهيل وعد مما ساء فيه حفظه، وظهر أثر تغيره عليه – وكان قد تغير –، وذلك أنه أحال فيه على الأيام، وذلك أنه قال:" فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد"، والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم والقرء، وعن عروة فيه رواية أخرى لاشك فيها: أن التي حدثته هي أسماء، رواها عن سهيل: علي بن عاصم، ذكرها الدارقطني، والمتقدم ذكره أبو داود ". قلت: هذا الشك الذي علل به الحافظ أبو الحسن ابن القطان لا ينبغي أن يؤخذ من غير تأمل، بل ينظر، فإن كان جاء بلفظ يمكن حمله على الراوي عن عروة، فالذي قاله أبو الحسن ابن القطان جيد، إذ يحتمل أن يكون سمعه من أسماء لا من فاطمة، فلا يثبت به لقاؤه لفاطمة. وإن كان جاء بلفظ يتعين حمله على عروة تعين أن يكون قد أمكن لقاؤه لفاطمة، لأنه لا يشك في سماعه لحديث واحد من إنسان لم يره، ولم يدركه أو من إنسان رآه وأدركه، وإنما يكون تردده بين شخصين أمكن سماعه منهما، فنظرنا فإذا الحديث من القبيل الثاني، ذكر الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب" التمهيد "هذا الحديث فقال:" وقال فيه سهيل بن أبي صالح: عن الزهري، عن عروة، حدثتني فاطمة ابنة أبي حبيش: أنها أمرت أسماء أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم – أو أسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم – عن الحيض، فأمرها أن تقعد أيامها التي كانت تقعد ثم تغتسل ". فهذا كما ترى قد حكى فيه لفظ عروة، وتردده في سماعه للحديث من فاطمة أو من أسماء، وهو مقتض لما ذكرناه من وجوب إمكان لقائهما معا، وأن التردد في تعيين المحدث منهما له، وأما ما قال: إن" في متن الحديث ما أنكر على سهيل .... "، إلى آخره، وقوله: "وذلك أنه أحال فيه على الأيام، وذلك أنه قال: فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم [والقرء] " ، فلقائل أن يقول: ليس في المعروف مناقضة لما رواه سهيل، فإن المعروف: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" ، وإذا ذهب قدرها أو إذا أدبرت، وهذا الإقبال يحتمل أن يكون لأمر يرجع إلى صفة الدم، ويحتمل أن يكون لمجيء الأيام التي كانت تعتادها، وإذا احتمل فتبين برواية سهيل أحد الأمرين، فلا يعارض ولا يناقض، كيف وقد روى أيوب – وأيوب أيوب –، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر، فلتترك الصلاة لذلك، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ولتتوضأ ولتستذفر، ثم تصلي" ؟ هذا لفظ رواية سفيان عن أيوب عند الدارقطني، وهذا رد لفاطمة إلى الأيام. وفي رواية عبد الوارث: فقال: تدع الصلاة قدر أقرائها ثم تغتسل وتصلي، وفي رواية وهيب عن أيوب: "تنتظر أيام حيضها فتدع الصلاة" . انتهى. وقال البخاري في "التاريخ" : "أخبرنا علي بن إبراهيم، ثنا محمد بن أبي الشمال العطاردي البصري، حدثتني أم طلحة قالت: سألت