من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرجل السلام. رواه عن جعفر بن مسافر، عن عبد الله بن يحيى البرلسي، عن حيوة. هكذا في هذه الرواية الثانية: "ثم مسح وجهه ويديه" ، ولم يقل: "ذراعيه" ، وقد تقدم حديث أبي الجهيم في الصحيح في هذه القصة: "ويديه" ، وليس فيه ذكر ذراعيه. ورواه الدارقطني – أعني حديث أبي الجهيم –، عن [أبي] عمر محمد بن يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن أبي صالح، حدثني الليث، وفيه: "فمسح بوجهه وذراعيه، ورد عليه السلام . قلت: اختلفوا في رواية محمد بن ثابت هذه، فمنهم من ردها بالكلام في محمد بن ثابت، ففي رواية عباس عن يحيى: "ليس بشيء" . وقال أبو حاتم: "ليس هو بالمتين، اكتب حديثه، وهو أحب إلي من أبي أمية ابن يعلى وصالح المري، روى حديثا منكرا ". وقال البخاري:" خالف في بعض حديثه "، وقال:" [وروى] محمد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوع في التيمم، وخالفه أيوب وعبيد الله والناس، فقالوا: عن نافع، عن ابن عمر، فعله ". وقال النسائي:" محمد بن ثابت بدري، يروي عن نافع، ليس بالقوي ". وقال أبو أحمد ابن عدي:" ولمحمد بن ثابت غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وعامة أحاديثه مما لا يتابع عليه ". وأما البيهقي فإنه ذكر في تقوية هذه الرواية أشياء نذكرها، ونذكر ما يمكن أن يقوله [مخالفوه] ، مع البراءة والاستعاذة بالله عز وجل من تقويه باطل أو تضعيف حق، فنقول: قال رحمه الله تعالى:" وقد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت العبدي، فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر، والذي رواه غيره عن نافع من فعل ابن عمر إنما [هو] التيمم فقط. فأما هذه القصة، فهي عن النبي صلى الله عليه وسلم مشهورة برواية أبي الجهيم ابن الحارث بن الصمة وغيره ". قلت: قد تقدم إنكار البخاري لرفعه هذا الحديث، وقول الرازي:" روى حديثا منكرا "، ولتنبيه به لما أنكره بعض الحفاظ المذكور، هل هو أصل القصة؟ أو روايتها من حديث ابن عمر؟ أو رفع محمد بن ثابت للمسح إلى المرفقين؟ وقد أشار البيهقي إلى أن جهة الإنكار كونه رواه جماعة، عن نافع من فعل ابن عمر، وقال بعد ذلك:" والذي رواه غيره عن نافع من فعل ابن عمر إنما هو التيمم فقط". وهذا يدلك على أن المنكر إنما أنكر رفع اليدين إلى المرفقين، لا أصل القصة، ولا رواية القصة من حديث ابن عمر، وكيف يمكن أن يتأتي رواية هذه القصة على هذا الوجه وهذا السياق موقوفة على ابن عمر رضي الله عنهما، فتعين أن يكون المنكر عنه من أنكر هو رفع المسح إلى المرفقين، وأن التعليل برواية غيره موقوفا، فليضبط هذا، فهو ينبني عليه كثير مما بعده، فإنه إذا كان المشهور أصل القصة من رواية أبي الجهيم وليس فيها ذكر المرفقين، فليس ينفع ذلك في تقوية رواية محمد بن ثابت، بل قد عده خصومه سببا للتضعيف، وأن الذي في الصحيح في قصة أبي جهيم: "ويديه" ، وليس فيه: "وذراعيه" . قال البيهقي: "وثابت عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا مر ورسو ل الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، إلا أنه قصر في روايته" . قلت: الضحاك بن عثمان لم يذكر القصة بتمامها، وإنما يثبت بها تقوية لرواية محمد بن ثابت إذا كان المنكر أصل رواية نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما للقصة في الجملة. فقد يقال حينئذ: إن رواية الضحاك – وإن قصرت –، فهي تدل على أن القصة في الجملة صحيحه من رواية ابن عمر، فأما إذا كان المنكر على محمد بن ثابت رفع المسح إلى المرفقين لم تفد رواية الضحاك تقويه لذلك. قال البيهقي: " [ورواية] يزيد بن الهاد، عن نافع أتم من ذلك" . ثم أخرجه من جهة أبي داود، عن جعفر بن مسافر، عن عبد الله – هو ابن يحيى [البرلسي] –، عن حيوة بن شريح، عن ابن الهاد: أن نافعا حدثه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، [فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحائط] ، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرجل السلام. قال: "فهذه الرواية شاهدة لرواية محمد بن ثابت العبدي إلا أنه حفظ فيها الذراعين، ولم يثبتها غيره، كما [ساق] هو وابن الهاد [الحديث بذكر] تيممه، ثم رده جواب السلام، وإن كان الضحاك بن عثمان قصر به" . قلت: فقال في هذا ما تقدم، وهو: أنه إنما تكون رواية ابن الهاد شاهدة لرواية محمد بن ثابت إذا كان المنكر أصل الرواية عن ابن عمر، وإن كان المنكر ذكر الذراعين مرفوعا، فلا شهادة لرواية ابن الهاد، ولا لرواية الضحاك بن عثمان. وقوله: "إلا أنه حفظ فيها الذراعين" ، هو الذي خالفه فيه غيره – والله عز وجل أعلم –، ورأى أنه لم يحفظ محمد بن ثابت، لأن غيره لم يذكر الذراعين مرفوعا، ولو قال: "إلا أنه ذكر الذراعين" لكان أسلم وأقرب إلى خلاص، فإن هذه الصيغة أعني قوله: "إلا أنه حفظ" – وما في معنى ذلك – يذكر كثيرا عند تصحيح ما رواه [الراوي] إذا خولف. قال البيهقي: "وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى المرفقين شاهد [لصحة] رواية محمد بن ثابت، غير مناف لها" . قلت: أما إنه غير مناف فصحيح، وأما إنه شاهد بصحة رواية محمد بن ثابت ففيه نظر، [لأنه] لم يوافق محمد بن ثابت في رفع الذراعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا هو العلة التي علل بها من علل رواية محمد بن ثابت، وهي الوقف على فعل ابن عمر، فكيف يكون المقتضي للتعليل مقتضيا للتصحيح؟! ثم إن البيهقي روى بسنده عن عثمان بن [سعيد] الدارمي قال: "سألت يحيى بن معين قلت: محمد بن ثابت العبدي؟ قال:" ليس به بأس "" . قال البيهقي: "كذا قال في رواية الدارمي عنه، وهو في هذا الحديث غير مستحق للنكير بادلائل التي ذكرتها" . قلت: قد تقدم ما قيل في محمد بن ثابت من غير رواية الدارمي. وقوله: "وهو في هذا الحديث غير مستحق للنكير بالدلائل التي ذكرتها" ، قد أشرنا إلى [ما ذكره] وما نبه عليه فيه، نعم لا يستحق النكير إذا كان عدلا على الطريقه الأصولية والفقهية. قال: "وقد رواه جماعة من الأئمة عن محمد بن ثابت، [مثل] يحيى بن يحيى، ويعلى بن منصور، وسعيد بن منصور، وغيرهم، وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم ورواه عنه، وهو عن ابن عمر مشهور" . قلت: قصد بذكر من رواه عن محمد بن ثابت من الأئمة تقوية أمره. وقوله: "وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم" أشار به إلى أن مسلم بن إبراهيم لما روى عنه قال: "حدثنا محمد بن ثابت العبدي، وكان صدوقا" ، وصدقه لا يمنع أن ينكر عليه منكر رفع هذا الحديث على حكم الغلط عنده بمخالفة غيره له على ما هو عادة كثير من أهل الحديث – أو أكثرهم –. وقوله: "وهو ابن عمر مشهور" قد يوهم من لم يفهم الصناعة أن الحديث على ما رواه محمد بن ثابت، عن نافع، عن ابن عمر مشهور مرفوعا، وليس المشهور إلا روايته عن ابن عمر من فعله فليعلم ذلك. نعم هاهنا شيء ننبه عليه، وهو أنه إنما يقوى تعليل رواية محمد بن ثابت المرفوعة برواية من روى موقوفا على ابن عمر إذا لم يفترقا إلا في الرفع والوقف. فأما إذا ذكر موقوفا، ثم ذكر بالقصة مرفوعا، فلا تقوى تلك القوة في التعليل عندي، وإنما قد يمكن أن يعلل برواية من روى القصة من غير ذكر المرفقين على مذهب بعض أهل الحديث – أو أكثرهم – إذا كان المخالف الراوي للقصة أحفظ أو أكثر. حديث آخر: روى الدارقطني من حديث علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" .