ابن (١) الاغاني ج ٤ / ١٢ - ١٣ ط. ساسي. [١٢٩] أبي، وليس للناس حديث إلا ما قال ابن أبي، وجعل الرهط من الانصار (١) يؤنبون الغلام ويقولون: عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل، وقد ظلمت وقطعت الرحم ! فقال زيد: والله لقد سمعت منه ! قال: ووالله، ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من عبد الله بن أبي، والله، لو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله (ص) ، وإني لأرجو أن ينزل الله تعالى على نبيه حتى يعلموا أنا كاذب أم غيري، أو يرئ رسول الله (ص) تصديق قولي. وجعل زيد يقول: اللهم أنزل على نبيك ما يصدق حديثي ! فقال قائل: يا رسول الله، مر عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره رسول الله (ص) هذه المقالة. ويقال قال: قل لمحمد بن مسلمة يأتك برأسه. ف قال النبي (ص) وأعرض عنه: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبي (ص) ورده على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبي فأخبروه، وقال أوس بن خولى: يا أبا الحباب، إن كنت قلته فأخبر النبي يستغفر لك، ولا تجحده فينزل ما يكذبك. وإن كنت لم تقله فأت رسول الله (ص) فاعتذر إليه واحلف لرسول الله (ص) ما قلته. فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئا. ثم إن ابن أبي أتى إلى رسول الله (ص) فقال: يابن أبي، إن كانت سلفت منك مقالة فتب. فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، ولا تكلمت به ! وكان في قومه شريفا، فكان يظن أنه قد صدق، وكان يظن به سوء الظن. ثم مشى إلى رسول الله (ص) وحلف بالله ما قال. وأسرع رسول الله (ص) عند ذلك السير، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها. ولم يشعر أهل العسكر إلا برسمول الله (ص) قد طلع على راحلته القصواء، وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا انه لما جاءه خبر ابن أبي رحل في تلك الساعة، فكان أول من لقيه، اسيد بن حضير، فقال: السلام عليك (١) في ب: "يقولون ويؤنبون" . [١٣٠] أيها النبي ورحمة الله ! فقال رسول الله (ص) : وعليك السلام ! فقال: يا رسول الله، قد رحلت في ساعة فنكرة ما كنت ترحل فيها ! فقال رسول الله (ص) : أو لم يبلغكم ما قال صاحبكم ؟ قال: أي صاحب يا رسول الله ؟ قال: ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل ! قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، فهو الأذل وأنت الأعز، والعزة لله ولك وللمؤمنين. ثم قال: يا رسول الله، ارفق به فو الله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي، قد أرب (١) بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوجوه، فجاء الله بك على هذا الحديث، فما يرى إلا قد سلبته ملكه. قال: فبينا رسول الله (ص) يسير من يومه ذلك، وزيد بن أرقم يعارض النبي (ص) براحلته، يريه وجهه في المسير، ورسول الله يستحث راحلته فهو مغذ في السير، إذ نزل عليه الوحي. قال زيد بن أرقم: فما هو إلا أن رأيت رسول الله (ص) تأخذه البرحاء ويعرق جبينه، وتثقل يدا راحلته حتى ما كاد ينقلها، عرفت أن رسول الله (ص) يوحى إليه، ورجوت أن يكون ينزل عليه تصديق خبري. قال زيد بن أرقم: فسري عن رسول الله (ص) ، فأخذ بأذني وأنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي ويرفعها إلى السماء، وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك ! ونزل في ابن ابي السورة من أولها إلى آخرها وحده: (إذا جاءك المنافقون...) (٢) . قال عمر: فأقبلت حتى جئت رسول الله (ص) وهو في فئ شجرة، عنده غليم أسيود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول الله كأنك تشتكي ظهرك. فقال: تقحمت بي الناقة الليلة. فقلت: يا رسول الله، إيذن لي أن أضرب عنق ابن أبي (١) أرب بهم: اشتد (القاموس المحيط ج ١، ص ٣٦) . (٢) سورة المنافقون. [١٣١] في مقالته. فقال رسول الله (ص) : أو كنت فاعلا ؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق ! قال رسول الله (ص) : إذا لأرعدت له آنف بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه. قلت: يا رسول الله، فمر محمد بن مسلمة يقتله. قال: لا يتحدث الناس أن محمدا قتل أصحابه. ومر عبادة بن الصامت بعبدالله بن أبي عشية راح النبي (ص) من المريسيع، وقد نزل على النبي (ص) سورة المنافقون فلم يسلم عليه، ثم مر أوس ابن خولى فلم يسلم عليه، فقال ابن أيي: إن هذا الأمر قد تمالأتما (١) عليه. فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع، وبما نزل من القرآن إكذابا لحديثه، وجعل أوس بن خولى يقول: لا أكذب عنك أبا حتى أعلم أن قد تركت ما أنت (١٢) عليه وتبت إلى الله، إنا أقبلنا على زيد بن أرقم نلومه ونقول له: "كذبت على رجل من قومك" حتى نزل القرآن بتصديق حديث زيد وإكذاب حديثك. وجعل ابن أبي يقول: لا أعود أبدا ! وبلغ ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي مقالة عمر بن الخطاب لرسول الله (ص) : "مر محمد بن مسلمة يأتك برأسه" فجاء إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا. والله، لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالد مني، وما أكل طعاما منذ كذا وكذا من الدهر، ولا يشرب شرابا إلا بيدي، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ومنك أعظم. قال رسول الله (ص) : يا عبد الله، ما أردت قتله وما أمرت به، ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا. فقال عبد الله: يا رسول الله، إن أبى