له المغيرة: قد جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذممني، وستبلو فتحمد أو تذم، فقال: بل نحمد إن شاء الله. وروى المدائني في كتاب الاحداث وقال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته، وكان أشد البلاء حينئذ أهل الكوفة. وكتب معاوية (٢٦٠) إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم، وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه، واسم أبيه، وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات، والكساء والحباء، والقطايع، ويفضيه في العرب * (هامش) (٢٥٩) في حوادث سنة احدى وخمسين من الطبري ٦ / ١٤١ وابن الاثير ٣ / ١٧٨، واللفظ لابن الاثير. (٢٦٠) قد نقل كتاب معاوية هذا أيضا أحمد أمين في فجر الاسلام ٢٧٥. [٣٧٢] منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حينا، ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر، وفشا في كل مصر، وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلي وأقر إلى عيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير والواسع، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك إلى ما شاء الله..، فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء، والقضاءة والولاة... الحديث (٢٦١) وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال: إن أكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم (٢٦٢) . وكانت لمعاوية قبل هذا سابقة في الوضع والدس، ومنها ما روى الطبري عنه، أنه لما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره، شق عليه ذلك، لما يعرف من حزمه وبأسه، وأظهر الناس قبله: أن قيس بن سعد قد تابعكم،