مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} >٢١١٤٣> قوله (إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) هو استثناء من أعم الأحوال بتقدير (قَدْ) وذو الحال فاعل (مَا ضَلَّ إلا) الضمير المستتر الذي في خبر كان كما توهمه الطيبي فإن فاسد معنى، وإن كان الضمير المذكور راجعًا إلى فاعل (مَا ضَلَّ) فليفهم، والمراد بالجدل: الخصام بالباطل، وضرب الحق به، وضرب الحق بعضه ببعض بما بدأ التعارض، والتدافع والتنافي بينهما لا المناظرة لطلب الصواب مع تفويض الأمر إلى الله تعالى عند العجز عن معرفة الكنه (ثُمَّ تَلَا) أي: توضيحًا لما ذكره بذكر مثال له لا للأب تشاد به على الحصر المذكور فإنه لا يدل عليه، فإن قلت قريش ما كانوا على الهدى فلا يصلح ذكرهم مثالًا. قلت: ينزل تمكينهم منهم بواسطة البراهين الساطعة منزلة كونهم عليهم فحيث دفعوا بعد ذلك الحق بالباطل وقدروا الباطل بقولهم (آلهتنا خير أم هم) يريدون أنهم يعبدون الملائكة وهم خير من عيسى وقد عبده النصارى، فحيث صح لهم عبادته صح لنا عبادتهم بالأولى صاروا مثالًا لما فيه الكلام، والله تعالى أعلم بالمرام. قوله (من كير مِنْ جَهَنَّمَ) كأنه أراد بالكير حفرة من حفر جهنم، وأصل الكفر ما بينه الحداد من الطين للنار، والمراد أنها آثار حارة تلك الحفرة.