أبا الذيال يقول: (تعلم الصمت كما تتعلم الكلام) . فإن يكن الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خصلتان: تأخذ خصلة بها علم من هو أعلم منك، وتدفع به عنك جهل من هو أجهل منك). قال الحوطي: كان أبو الذيال يتكلم بالحكمة، ولم أسمع منه غير هذا في الصمت. وكان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات: يرى مستكينا وهو للهو ما قت ... به عن الحديث القوم ما هو شاغله وأزعجه علم عن اللهو كله ... وما عالم شيئا كمن جاهله عبوس عن الجهال حين يراهم ... فليس له منهم خدين يهاز له يذكر ما يبقى من العيش آجلا ... فيشغله عن عاجل العيش آجله أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون احفظ لسانك واحتفظ من عيه ... حتى يكون كأنه مسجون وكل لسانك وقل له ... إن الكلام عليكما موزون فزناه، وليك محكما في قلة ... إن البلاغة في القليل تكون لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... وكل امرى ء ما بين فكين مقتل إذا ما لسان المرء أكثر هذرة ... فذاك لسان بالبلاء موكل فكم فاتح أبواب شر لنفسه ... إذا لم يكن قفل على نفسه مقفل ومن أمن الآفات عجبا برأيه ... أحاطت به الآفات من حيث يجهل أعلمكم ما علمتني تجاربي ... وقد قال قبلي قائل متمثل إذا قلت قولا كنت رهن جوابه ... فحاذر جواب السوء إن كنت تعقل إذا شئت أن تحيا سعيدا مسلما ... فدبر وتميز ما تقول وتفعل قال أبو عمر: الكلام بالخير غنيمة وهو أفضل من السكوت؛ لأن أرفع ما في السكوت السلامة، والكلام بالخير غنيمة. وقد قالوا: من تكلم بالخير غنم ومن سكت سلم، والكلام في العلم أفضل من الأعمال، وهو يجري عندهم مجرى الذكر والتلاوة إذا أريد به نفي الجهل، ووجه اللّه تعالى، والوقوف على حقيقة المعاني.