لا تهلك أمتي حتى تقع في المقاييس، فإذا وقعت في المقاييس فقد هلكت" ٤. وقد ذكرنا من هذا المعنى زيادة في باب ذم الرأي من هذا الكتاب؛ لأنه معنى منه وبالله التوفيق. واحتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها وقالوا في حديث معاذ: إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة وتكلم داود في إسناد حديث معاذ ورده ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ ولم يسموا، وحديث معاذ صحيح مشهور رواه الأئمة العدول وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ انظر ما قبله. ٢ رواه الدارمي "١٠٨-١٠٩" ١/ ٦٠، وبشطره الأول "١٩٢" / ٧٦، والخطيب في الفقيه والمتفقه ١/ ١٨٣-١٨٤، والبيهقي في المدخل "٢٢٥" ص١٩٦-١٩٧، وسيأتي برقم "١٠٤٨" إن شاء الله تعالى. ٣ رواه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص٦٣-٦٤. ٤ روى الخطيب في الفقيه ١/ ١٧٩ عن أبي هريرة مرفوعا: "تعمل هذه الأمة برهة بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم ثم تعمل بالرأي، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا" . وأبو يعلى في مسنده "٥٨٥٦" ١٠/ ٢٤٠، وفي سنده عثمان بن عبد الرحمن الزهري: كذبه ابن معين. انظر مجمع الزوائد ١/ ١٧٩. ورواه الطبراني "٨٥٥٠" ٩/ ١٠٩ نحوه عن الشعبي عن ابن مسعود موقوفا عليه، والشعبي لم يسمع من ابن مسعود، وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف. انظر مجمع الزوائد ١/ ١٨٠. وسائر الفقهاء قالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ذم القياس: إنه القياس على غير أصل والقول في دين الله بالظن. ألا ترى إلى قول مَن قال منهم: أول من قاس إبليس: رد أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن، وإذا صح النص من الكتاب والأثر بطل القياس والنظر: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} الآية [الأحزاب: ٣٦] . وأي أصل أقوى من أمر الله تعالى لإبليس بالسجود، وهو العلم بما خلق منه آدم وما خلق منه إبليس، ثم أمره بالسجود له فأبى واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره الله بما يشاء؟ فهذا ومثله لا يحل ولا يجوز. وأما القياس على الأصول والحكم للشيء بحكم نظيره، فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من روى عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصا لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام.