مَنْ صُنعَ إليْهِ معروفٌ فقالَ لفاعلهِ: جزاكَ اللّهُ خيْراً فَقَدْ أَبلغَ في الثناء" أَخرجهُ الترمذي وصحّحهُ ابنِ حِبّان. المعروف: الإحسان، والمراد من أحسن إليه إنسان بأي إحسان فكافأه فقد بلغ في الثناء عليه مبلغاً عظيماً، ولا يدل على أنه قد كافأه على إحسانه بل دل على أنه ينبغي الثناء على المحسن. وقد ورد في حديث آخر "إن الدعاء إذا عجز العبد عن المكافأة مكافأة" ولا يخفى أن ذكر الحديث هنا غير موافق لباب الأيمان والنذور وإنما محله باب الأدب الجامع. وعن ابنِ عُمر رضي اللّهُ عنهما عن النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَنّه نهى عنِ النّذر وقال: "إنّهُ لا يأتي بخير وإنّما يُسْتخْرَجُ بهِ مِنَ البخيلِ" مُتّفقٌ عليهِ. هذا أول الكلام في النذور. والنذر لغة: التزام خير أو شر، وفي الشرع التزام المكلف شئاً لم يكن عليه منجزاً أو معلقاً، واختلف العلماء في هذا النهي، فقيل: هو على ظاهره، وقيل: بل متأوّل. قال ابن الأثير في النهاية: تكرّر النهي عن النذر في الحديث وهو تأكيد لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال لحكمه وإسقاط للزوم الوفاء به، إذا كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك الأمر لا يجرِ لهم في العاجل نفعاً؛ ولا يصرف عنهم ضراً ولا يردّ قضاء فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدّره الله تعالى لكم، أو تصرفون به عنكم ما قدّر عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم ا هـ. وقال المازري بعد نقل معناه عن بعض أصحابه: وهذا عندي بعيد عن ظاهر الحديث. قال: ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقرب مستثقلاً لها لما صارت عليه ضربة لازب، فلا ينشط العقل نشاط مطلق الاختيار، أو لأن الناذر يصير القربة كالعوض عن الذي نذر لأجله فلا تكون خالصة ويدل عليه قوله: "إنه لا يأتي بخير" . وقال القاضي عياض: إن المعنى أنه يغالب القدر، والنهي لخشية أن يقع في ظن بعض الجهلة ذلك. وقوله: "لا يأتي بخير" معناه أن عقباه لا تحمد. وقد يتعذر الوفاء به وأن لا يكون سبباً لخير لم يقدر فيكون مباحاً. وذهب أكثر الشافعية ــــ ونقل عن المالكية ــــ إلى أن النذر مكروه لثبوت النهي. واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضرراً بما التزم. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية أنها كراهة تحريم، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم من الصحابة. وقال ابن المبارك: يكره النذر في الطاعة والمعصية، فإن نذر بالطاعة ووفى به كان له أجر. وذهب النووي في شرح المهذب إلى أن النذر مستحب، وقال المصنف: وأنا أتعجب ممن أطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي الصريح فأقل درجاته أن يكون مكروهاً. قال ابن العربي: النذر شبيه بالدعاء فإنه لا يردّ القدر لكنه من القدر، وقد ندب إلى الدعاء ونهى عن النذر لأن الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله والخضوع والتضرع، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول، وترك العمل إلى حين الضرورة ا هـ. قلت: القول بتحريم النذر هو الذي دل عليه الحديث، ويزيد تأكيداً تعليله بأنه لا يأتي بخير، فإنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال، وإضاعة المال محرمة، فيحرم النذر بالمال كما هو ظاهر قوله: "وإنما يستخرج به من البخيل" . وأما النذر بالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحوها من الطاعات فلا تدخل في النهي، ويدل له ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: {يوفون بالنذر} قال: كانوا ينذرون طاعات من الصلاة والصيام وسائر ما افترض الله عليهم. وهو وإن كان أثراً فهو يقوّيه ما ذكر في سبب نزول الآية. هذا وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها. لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ويجلب الخير ويدفع الشر، ويعافي الأليم، ويشفي السقيم، وهذا هو الذي كاني فعله عباد الأوثان بعينه، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن. ويحرم قبضه، لأنه تقرير على الشرك. ويجب النهي عنه وإبانة أنه من أعظم المحرّمات، وأنه الذي كان يفعله عبّاد الأصنام، لكن طال الأمد حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور على الأموات، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات. وينحر في بابه النحائر من الأنعام. وهذا هو بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد أشبعنا الكلام في هذا في رسالة "تطهير الاعتقاد عن درن الإلحاد" . والحديث ظاهر في النهي عن النذر مطلقاً، ما ينذر به ابتداء كمن ينذر أن يخرج من ماله كذا، وما يتقرّب به معلقاً، كأن يقول: إن قدم زيد تصدّقت بكذا. وعنْ عُقْبةَ بن عامر رضي الله عنهُ قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "كَفّارة النّذْر كفارة يمين" رواه مسلمٌ، وزاد الترمذي فيهِ "إذا لمْ يُسمَّ" وصححهُ. الحديث دليل على أن من نذر بأي نذر من مال أو غيره فكفارته كفارة يمين ولا يجب الوفاء به، وإلى هذا ذهب جماعة من فقهاء أهل الحديث كما قال النووي. وقد أخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها في رجل جعل ماله في المساكين صدقة قالت: "كفارة يمين" وأخرج أيضاً عن أم صفية أنها سمعت عائشة رضي الله عنها وإنسان يسألها عن الذي يقول: كل ماله في سبيل الله أو كل ماله في رتاج الكعبة، ما يكفر ذلك؟ قالت عائشة: "يكفره ما يكفر اليمين" وكذا أخرجه عن عمر وابن عمر وأم سلمة، قال البيهقي: هذا في غير العتق، فقد روي عن [اث] ابن عمر [/اث] من وجه آخر أن العتاق يقع، وكذلك عن [اث] ابن عباس [/اث] ؛ ودليلهم حديث عقبة هذا. وذهب آخرون: إلى تفصيل في المنذور به فإن كان المنذور به فعلاً، فالفعل إن كان غير مقدور فهو غير منعقد، وإن كان مقدوراً فإن كان جنسه واجباً لزم الوفاء به عند الهادوية ومالك وأبي حنيفة وجماعة آخرين، وقول للشافعي إنه لا ينعقد النذر المطلق بل يكون يميناً فيكفرها، ذكر هذا الخلاف في البحر. وذهب داود وأهل الظاهر وذكر النووي في شرح مسلم أنه أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن كان معصية أو مباحاً كدخول السوق لم ينعقد النذر ولا كفارة عليه عندنا وبه قال جمهور العلماء. وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين. وقال في نهاية المجتهد: إنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال إذا كان في سبيل البر وكان على جهة الجزم، وإن كان على جهة الشرط فقال مالك: يلزم كالجزم ولا كفارة يمين في ذلك، إلا أنه إذا نذر بجميع ماله لزم ثلث ماله إذا كان مطلقاً، وإن كان المنذور به معيناً لزمه وإن كان جميع ماله، وكذا إذا كان المعين أكثر من الثلث، وذهب الشافعي إلى أنها تجب كفارة يمين، لأنه ألحقها بالأيمان، ثم ذكر أقاويل في المسألة لا ينهض عليها دليل، وذكر متمسك القائلين بأدلة ليست من باب النذر ولا تنطبق على المدعي، وحديث عقبة أحسن ما يعتمد الناظر عليه. وقد حمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة يمين، ذكره النووي في شرح مسلم، وهو الذي دل عليه إطلاق حديث عقبة. ولأبي داودَ منْ حديث ابنِ عبّاس مَرْفوعاً "من نَذَرَ نذْراً لمْ يُسَمّهِ فَكفّارتُه كفارةُ يمين، ومَنْ نَذَرَ نذْراً في معْصية فكفّارتهُ كفّارَةُ يمين، ومَنْ نَذَرَ نذْراً لا يطيقُهُ فَكفَّارَتُهُ كفّارةُ يمين" وإسْنادُهُ صحيحٌ إلا أَنَّ الحفّاظَ رَجّحُوا وقْفَهُ. أما النذر الذي لم يسم كأن يقول: لله عليّ نذر. فقال كثير من العلماء: في ذلك كفارة يمين لا غير، وعليه دل حديث عقبة وحديث ابن عباس، وأما النذر بالمعصية فكفارته كفارة يمين، كما صرح به الحديث، سواء فعل المعصية أم لا، وكذلك من نذر نذراً لا يطيقه عقلاً ولا شرعاً كطلوع السماء وحجتين في عام، لا ينعقد وتلزمه كفارة يمين. وعند الشافعي ومالك وداود وجماهير العلماء: لا تلزمه الكفارة لما دل عليه الحديث الآتي وهو قوله: وللبخاريِّ مِنْ حديث عائشة "ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصيَ اللّهَ فلا يَعْصِهِ" . ولم يذكر كفارة، وحديث عمر "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الله" أخرجه ابن ماجه. وذهبت الهادوية وابن حنبل إلى وجوب الكفارة، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وأجيب عنه بأن الأصح أنه موقوف. وأما الزيادة في حديث عمران بن حصين "وكفارته كفارة يمين" فقد أخرجها النسائي والحاكم والبيهقي، ولكن فيه: محمد بن الزبير الحظلي وليس بالقوي، وله طريق أخرى فيها علة، ورواه الأربعة من حديث عائشة وفيه راوٍ متروك، ورواه الدارقطني وفيه أيضاً متروك. ولا يلزم الوفاء بنذر المعصية لقوله: "فلا يعصه" ولما يفيده قوله: ولمُسلم من حديث عمران "لا وفاءَ لِنذر في مَعْصيةٍ" . فإنه صريح في النهي عن الوفاء، كالذي قبله. وعنْ عُقْبة بن عامر رضي اللّهُ عنهُ قال: نذَرَتْ أُخْتي أَنْ تمْشيَ إلى بيت الله حافية فأَمَرتني أَنْ أَستفتي لهَا رسولَ اللّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فاسْتَفْتَيْتُهُ فقالَ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لِتَمْشِ ولتركَبْ" مُتفقٌ عليهِ واللفظُ لمسْلمٍ، ولأحْمدَ والأربعةِ فقال: "إِنَّ الله لا يصنعُ بشقاءِ أُختِكَ شيئاً، مُرْهاً فلتختمِرْ ولتركب ولتصمْ ثلاثةَ أَيّام" . دل الحديث على أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله لا يلزمه الوفاء، وله أن يركب لغير عجز، وإليه ذهب الشافعي. وذهبت الهادوية: إلى أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشي، فإذا عجز جاز له الركوب ولزمه دم، مستدلين برواية أبي داود لحديث عقبة بأنه قال فيه: "إن أختي نذرت أن تحج ماشية وإنها لا تطيق فقال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إن الله تعالى لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة" فتقييد رواية الصحيحين بأن المراد ولتمش إن استطاعت وتركب في الوقت الذي لا تطيق المشي فيه أو يشق عليها. وقوله: "فلتختمر" ذكر ذلك لأنه وقع في الرواية أنها نذرت أن تحج لله ماشية غير مختمرة قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "مرها. الحديث" ولعل الأمر بصيام ثلاثة أيام لأجل النذر بعدم الاختمار، فإنه نذر بمعصية، فوجب كفارة يمين، وهو من أدلة من يوجب الكفارة في النذر بمعصية، إلا أنه ذكر البيهقي أن في إسناده اختلافاً، وقد ثبت في رواية أبي داود عن ابن عباس بعد قوله: فلتركب "ولتهد بدنة" قيل: وهو على شرط الشيخين إلا أنه قال البخاري: لا يصح في حديث عقبة بن عامر الأمر بالإهداء، فإن صح فكأنه أمر ندب وفي وجهه خفاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهُما قال: استْفتى سعْدُ بنُ عُبادةَ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في نَذْر كانَ على أُمِّه توفِّيت قبلَ أَنْ تقْضيَهُ فقال: "اقضهِ عنها" مُتّفقٌ عَليه. لم يبين في هذه الرواية ما هو النذر، وجاء في رواية "أفيجزئ أن أعتق عنها؟ فقال: أعتق عن أمك" فظاهر هذه الرواية أنها نذرت بعتق، وأما ما أخرج النسائي عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم" . قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء" فإنه في أمر آخر غير الفتيا، إذ هذا في سؤاله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن الصدقة تبرعاً عنها. والحديث دليل على أنه يلحق الميت ما فعل له من بعده من عتق أو صدقة أو نحوهما، وقد قدّمنا ذلك في آخر كتاب الجنائز. وهل يجب ذلك على الوارث؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب على الوارث أن يقضي النذر عن الميت إذا كان مالياً ولم يخلف تركة، وكذا غير المالي. وقالت الظاهرية: يلزمه ذلك لحديث سعد. وأجيب بأن حديث سعد لا دلالة فيه على الوجوب، والظاهر مع الظاهرية إذ الأمر للوجوب. وعن ثابت بن الضَّحّاك رضي اللّهُ عنهُ قالَ: نَذَرَ رجلٌ على عَهْد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَنْ يَنْحَر إبلاً ببُوانةَ فأَتَى رسولَ اللّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَسَأَله فقال: "هلْ كانَ فيها وثنٌ يُعْبدُ؟" قالَ: لا، قالَ: "فهلْ كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟" فقال: لا، فقال: "أوفِ بنذركَ فإنّهُ لا وفاءَ لِنَذر في معصيةِ الله ولا في قطيعة رَحِمٍ ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدمَ" رَواهُ أَبو داودَ والطبرانيُّ واللفظُ له وَهُوَ صحيح الإسنادِ، ولهُ شاهدٌ مِنْ حديث كَرْدَمٍ عَنْدَ أَحْمدَ. (وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه هو ثابت بن الضحاك الأشهلي. قال البخاري: هو ممن بايع تحت الشجرة حدّث عنه أبو قلابة وغيره (قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينحر إبلاً ببوانة) . بضم الموحدة وبفتحها وبعدها واو ثم ألف وبعد الألف نون موضع بالشام، وقيل: أسفل مكة دون يلملم (فأتى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فسأله، فقال: "هل كان فيها وثنٌ يُعْبَدُ؟" قال: لا. قال: "فهل كانَ فيها عيدٌ مِنْ أعيادهم؟" فقال: لا. فقال: "أوْفِ بنذركَ فإنّهُ لا وفاءَ لنذر في معصية الله تعالى ولا في قطيعة رحمٍ ولا فيما لا يملك ابنُ آدمَ" . رواهُ أبو داود والطبراني واللفظ له وهو صحيح الإسناد وله شاهد من حديث كَرْدم) بفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة (عند أحمد) . والحديث له سبب عند أبي داود وهو: أنه "قال: يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أذبح على رأس بوانة ــــ في عقبة من الصاعد عنه ــــ الحديث" وهو دليل على أن من نذر أن يتصدق أو يأتي بقربة في محل معين أنه يتعين عليه الوفاء بنذره ما لم يكن في ذلك المحل شيء من أعمال الجاهلية، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الهادوية. وقال الخطابي: إنه مذهب الشافعي، وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان ا هـ. ولكنه يعارضه حديث "لا تشد الرحال" فيكون قرينة على أن الأمر هنا للندب، كذا قيل، ويدل له أيضاً قوله: وعنْ جابر رضي اللّهُ عنهُ أنَّ رَجُلاً قال يومَ الْفتح: يا رسول اللّهِ إني نذرت إنْ فَتَحَ الله عَليك مكّة أَنْ أُصلي في بيتِ المقْدس؟ فقالَ: "صلِّ ها هُنا" فسأَلهُ فقال: "صلِّ ها هُنا" فسألهُ فقال: "فشأنكَ إذنْ" رواهُ أَحمدُ وأَبو داود وصححهُ الحاكمُ. وعَنْ جابر رضي الله عنهُ قالَ: جيءَ بسارقٍ إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: "اقتلوه" فَقَالوا: يا رسول الله إنما سرق؟ قال: "اقطعُوهُ" فقُطع، ثمَّ جيءَ بهِ الثّانية فقال: "اقتُلوهُ" فذكرَ مِثلهُ: ثم جيء به الثالثة فذكر مثله، ثم جيء به الرابعة كذلك، ثمَّ جيءَ بهِ الخامسة فقالَ: "اقتلوهُ" أَخرجهُ أَبو داودَ والنسائي واستنكره. (وعن جابر رضي الله عنه أن رجلاً قال يوم الفتح:) أي فتح مكة. (يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال: "صَلِّ ها هُنا" فسأله فقال: "صلِّ ها هنا" فسأله فقال: "فَشأنك إذن" رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم) . وصححه ابن دقيق العيد في الاقتراح، وهو دليل على أنه لا يتعين المكان في النذر ــــ وإن عين ــــ إلا ندباً. وعَنْ أَبي سعيد الخدري رضي اللّهُ عَنْهُ عنِ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مَسْجد الحرام، ومَسْجد الأقصى، ومسجدي هذا "مُتّفقٌ عَلَيهِ واللفظ للبخاريِّ. تقدم الحديث في آخر باب الاعتكاف، ولعله أورده هنا للإشارة إلى أن النذر لا يتعين فيه المكان إلا أحد الثلاثة المساجد. وقد ذهب مالك والشافعي إلى لزوم الوفاء بالنذر بالصلاة في أي المساجد الثلاثة وخالفهم أبو حنيفة فقال: لا يلزم الوفاء، وله أن يصلي في أي محل شاء وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان لحج أو عمرة، وأما غير الثلاثة المساجد فذهب أكثر العلماء إلى عدم لزوم الوفاء لو نذر بالصلاة فيها إلا ندباً. وأما شدّ الرحال للذهاب إلى قبور الصالحين والمواضع الفاضلة فقال الشيخ أبو محمد الجويني: إنه حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره. قال النووي: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شدّ الرحال إلى الثلاثة خاصة، وقد تقدم هذا في آخر باب الاعتكاف. وعَنْ عُمَرَ رضي اللّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ الله إني نذرتُ في الجاهلية أَنْ أَعتكف لَيْلةً في المسجد الحرام؟ قال:" فأَوْف بنذرك "متفقٌ عليه، وزادَ البُخاريُّ في روايةٍ" فاعتكفْ لَيْلةً ". دل الحديث على أنه يجب على الكافر الوفاء بما نذر به إذا أسلم. وإليه ذهب البخاري وابن جرير وجماعة من الشافعية لهذا الحديث. وذهب الجماهير إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر. قال الطحاوي: لا يصح منه التقرّب بالعبادة، قال: ولكنه يحتمل أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهم من عمر أنه سمح بفعل ما كان نذر فأمره به، لأن فعله طاعة وليس هو ما كان نذر به في الجاهلية. وذهب بعض المالكية إلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما أمر به استحباباً، وإن كان التزمه في حال لا ينعقد فيها. ولا يخفى أن القول الأول أوفق بالحديث، والتأويل تعسف. وقد استدل به على أن الاعتكاف لا يشترط فيه الصوم إذ الليل ليس ظرفاً، وتعقب بأن في رواية عند مسلم" يوماً وليلة "وقد ورد ذكر الصوم صريحاً في رواية أبي داود والنسائي" اعتكف وصم" وهو ضعيف. »»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»» ) وجدت في الملف: البداية والنهاية، للإمام ابن كثير، وجدت في: طريق اخرى عنه. روى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم ثنا عباس بن محمد الدوري ثنا حمدان بن الأصبهاني ثنا يزيد عن عمرو بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده قال رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي كنت معه في طريق مكة فمر بامرأة معها ابن لها به لمم ما رأيت لمما أشد منه فقالت يا رسول الله ابني هذا كما ترى فقال إن شئت دعوت له فدعا له ثم مضى فمر على بعير ناد جرانه يرغو فقال علي بصاحب هذا البعير فجيء به فقال هذا يقول نتجت عندهم فاستعملوني حتى إذا كبرت عندهم ارادوا أن ينحروني قال ثم مضى ورأى شجرتين متفرقتين فقال لي إذهب فمرهما فليجتمعا لي قال فاجتمعتا فقضى حاجته قال ثم مضى فلما انصرف مر على الصبي وهو يلعب مع الغلمان وقد ذهب ما به وهيأت أمه أكبشا فأهدت له كبشين وقالت ما عاد إليه شيء من اللمم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما من شيء إلا ويعلم أني رسول الله إلا كفرة أو فسقة الجن والإنس فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة وقد تفرد بهذا كله الامام أحمد دون أصحاب الكتب الستة ولم يرو أحد منهم شيئا سوى ابن ماجه فانه روى عن يعقوب بن حميد بن كاسب عن يحيى بن سليم عن خيثم عن يونس ابن خباب عن يعلى بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد وقد اعتنى الحافظ ابو نعيم بحديث البعير في كتابه دلائل النبوة وطرقه من وجوه كثيرة ثم أورد حديث عبد الله بن قرط اليماني قال جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بست زود فجعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ وقد قدمت الحديث في حجة الوداع قلت قد اسلفنا عن جابر بن عبد الله نحو قصة الشجرتين وذكرنا آنفا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أن يكون غير هذا فالله أعلم وسيأتي حديث الصبي الذي كان يصرع ودعاؤه عليه السلام له وبرؤه في الحال من طرق أخرى وقد روى الحافظ البيهقي عن أبي عبد الله الحاكم وغيره عن أبي العباس الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم ولا شجر فقال لي يا جابر خذ الأداوة وانطلق بنا فملأت الأداوة ماء وانطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى فاذا شجرتان بينهما أذرع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر انطلق فقل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما ففعلت فرجعت فلحقت بصاحبتها فجلس خلفها حتى قضى حاجته ثم رجعنا فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما على رؤسنا الطير تظلنا وإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناوله فجعله بينه وبين مقدمة الرحل فقال اخسأ عدو الله أنا رسول الله وأعاد ذلك ثلاث مرات ثم ناولها إياه فلما رجعنا وكنا بذلك الماء عرضت لنا تلك المرأة ومعها كبشان تقودهما والصبي تحمله فقالت يا رسول إليه أقبل مني هديتي فوالذي بعثك بالحق ان عاد إليه بعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خدوا أحدهما وردوا الآخر قال ثم سرنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا فجاء جمل ناد فلما كان بين السماطين خر ساجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس من صاحب هذا الجمل فقال فتية من الأنصار هو لنا يا رسول الله قال فما شأنه قالوا سنونا عليه منذ عشرين سنة فلما كبرت سنه وكانت عليه شحيمة أردنا نحره لنقسمه بين غلمتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيعونه قالوا يا رسول الله هو لك قال فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله قالوا يا رسول الله نحن أحق أن نسجد لك من البهائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن وهذا إسناد جيد رجاله ثقات وقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفراء عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله كان إذا ذهب المذهب أبعد ثم قال البيهقي وحدثنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق أنا الحسين بن علي بن زياد ثنا أبو حمنة ثنا أبو قرة عن زياد هو ابن سعد عن أبي الزبير أنه سمع يونس بن خباب الكوفي يحدث أنه سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في سفر إلى مكة فذهب إلى الغائط وكان يبعد حتى لا يراه أحد قال فلم يجد شيئا يتوارى به فبصر بشجرتين فذكر قصة الشجرتين وقصة الجمل بنحو من حديث جابر قال البيهقي وحديث جابر أصح قال وهذه الرواية ينفرد بها زمعة ابن صالح عن زياد أظنه ابن سعد عن أبي الزبير قلت وقد يكون هذا أيضا محفوظا ولا ينافي حديث جابر ويعلى بن مرو بل يشهد لهما ويكون هذا الحديث عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي عن جابر وعن يونس بن خباب عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه والله أعلم وروى البيهقي من حديث معاوية بن يحيى الصيرفي وهو ضعيف عن الزهري عن خارجة ابن زيد عن أسامة بن زيد حديثا طويلا نحو سياق حديث يعلى بن مرة وجابر بن عبد الله وفيه قصة الصبي الذي كان يصرع ومجيء أمه بشاة مشوية فقال ناوليني الذراع فناولته ثم قال ناوليني الذراع فناولته ثم قال ناوليني الذراع فقلت كم للشاة من ذراع فقال والذي نفسي بيده لو سكت لناولتيني ما دعوت ثم ذكر قصة النخلات واجتماعهما وانتقال الحجارة معهما حتى صارت الحجارة رجما خلف النخلات وليس في سياقه قصة البعير فلهذا لم يورده بلفظه وإسناده وبالله المستعان وقد روى الحافظ ابن عساكر ترجمة غيلان بن سلمة الثقفي بسنده إلى يعلى بن منصور الرازي عن شبيب بن شيبة عن بشر بن عاصم عن غيلان بن سلمة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأينا عجبا فذكر قصة الشجرتين واستتاره بهما عند الخلاء وقصة الصبي الذي كان يصرع وقوله بسم الله أنا رسول الله اخرج عدو الله فعوفي ثم ذكر قصة البعيرين النادين وأنهما سجدا له بنحو ما تقدم في البعير الواحد فلعل هذه قصة أخرى والله أعلم