وهو شديد الجعود: وقال الهروي: الجعد في صفات الرجال يكون مدحا ويكون ذما، فإذا كان ذما فله معنيان: أحدهما القصير المتردد، والاَخر البخيل. يقال: رجل جعد اليدين وجعد الأصابع أي بخيل. وإذا كان مدحا فله أيضا معنيان: أحدهما أن يكون معناه شديد الخلق، والاَخر يكون شعره جعدا غير سبط فيكون مدحا، لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. قال القاضي: قال غير الهروي الجعد في صفة الدجال ذم، وفي صفة عيسى عليه السلام مدح، والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم "أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية" فروي الهمز وبغير همز، فمن همز معناه ذهب ضوؤها، ومن لم يهمز معناه ناتئة بارزة، ثم أنه جاء هنا أعور العين اليمنى، وجاء في رواية أخرى أعور العين اليسرى، وقد ذكرهما جميعا مسلم في آخر الكتاب وكلاهما صحيح. قال القاضي عياض رحمه الله روينا هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همز وهو الذي صححه أكثرهم. قال: وهو الذي ذهب إليه الأخفش ومعناه ناتئة كنتوء حبة العنب من بين صواحبها، قال: وضبطه بعض شيوخنا بالهمز وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره، وقد وصف في الحديث بأنه ممسوح العين، وأنها ليست جحراء ولا ناتئة بل مطموسة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهذا يصحح رواية الهمز. وأما ما جاء في الأحاديث الأخر جاحظ العين وكأنها كوكب، وفي رواية: لها حدقة جاحظة كأنها نخاعة في حائط فتصحح رواية ترك الهمزة ولكن يجمع بين الأحاديث وتصحح الروايات جميعا بأن تكون المطموسة والممسوحة، والتي ليست بجحراء ولا ناتئة هي العوراء الطافئة بالهمز وهي العين اليمنى كما جاء هنا وتكون الجاحظة، والتي كأنها كوكب وكأنها نخاعة هي الطافية بغير همز وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية الأخرى، وهذا جمع بين الأحاديث والروايات في الطافية بالهمز وبتركه وأعور العين اليمنى واليسرى لأن كل واحدة منهما عوراء، فإن الأعور من كل شيء المعيب لا سيما ما يختص بالعين، وكلا عيني الدجال معيبة عوراء إحداهما بذهابها والأخرى بعيبها، هذا آخر كلام القاضي، وهو في نهاية من الحسن، والله أعلم. قوله: (حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي) هو بفتح الياء منسوب إلى جد له وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب بن أبي السائب أبو عبد الله المخزومي. قوله: (بين ظهراني الناس) هو بفتح الظاء وإسكان الهاء وفتح النون أي بينهم، وتقدم بيانه أيضا. قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تبارك وتعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى) معناه أن الله تعالى منزه عن سمات الحدث وعن جميع النقائص، وأن الدجال مخلوق من خلق الله تعالى ناقص الصورة، فينبغي لكم أن تعلموا هذا وتعلموه الناس لئلا يغتر بالدجال من يرى تخييلاته وما معه من الفتنة. وأما أعور عين اليمنى فهو عند النحويين من الكوفيين على ظاهره من الإضافة، وعند البصريين يقدر فيه محذوف كما يقدر في نظائره، فالتقدير أعور عين صفحة وجهه اليمنى، والله أعلم. قوله صلى الله عليه وسلم (كأشبه من رأيت بابن قطن) ضبطناه رأيت بضم التاء وفتحها وهما ظاهران، وقطن هذا بفتح القاف والطاء. قوله صلى الله عليه وسلم (فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته) روي فحلا بتشديد اللام وتخفيفها وهما ظاهران ومعناه كشف وأظهر، وتقدم بيان لغات بيت المقدس واشتقاقه في أول هذا الباب وآياته علاماته. قوله صلى الله عليه وسلم (ينطف رأسه ماء أو يهراق) أما ينطف فمعناه يقطر ويسيل، يقال نطف بفتح الطاء ينطف بضمها وكسرها. وأما يهراق فبضم الياء وفتح الهاء ومعناه ينصب. قوله: (حدثنا حجين بن المثنى) هو بحاء مهملة مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم ياء ثم نون. قوله صلى الله عليه وسلم (فكربت كربة ما كربت مثله قط) هو بضم الكافين، والضمير في مثله يعود على معنى الكربة، وهو الكرب أو الغم أو الهم أو الشيء. قال الجوهري: الكربة بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب، وكربه الغم إذا اشتد عليه. قوله صلى الله عليه وسلم (وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء صلوات الله عليهم فإذا موسى صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، فحانت الصلاة فأممتهم) قال القاضي عياض رحمه الله قد تقدم الجواب في صلاتهم عند ذكر طواف موسى وعيسى عليهما السلام قال: وقد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء وهي من أعمال الاَخرة. قال القاضي: فإن قيل: كيف رأى موسى عليه السلام يصلي في قبره وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس ووجدهم على مراتبهم في السموات وسلموا عليه ورحبوا به؟ فالجواب أنه يحتمل أن تكون رؤيته موسى في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وفي طريقه إلى بيت المقدس ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم رأى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم ثم سألوه ورحبوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى، والله أعلم. ا لغتان مشهورتان: الضم والإسكان، حكاهما ابن السكيت والجوهري وآخرون. وكذلك الخلب والخلب وهو الليف كما فسره هشيم، والله أعلم. وجدت في: باب قدر علي ابن آدم حظه من الزنى وغيره. حدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللّفْظ لإِسْحَقَ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ. حَدّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ بِاللّمَمِ مِمّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنّ اللّهَ كَتَبَ عَلَىَ ابْنِ آدَمَ حَظّهُ مِنَ الزّنَى. مُدْرِكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ. فَزنَى الْعَيْنَيْنِ النّظَرُ. وَزِنَى اللّسَانِ النّطْقُ وَالنّفْسُ تَمَنّىَ وَتَشْتَهِي. وَالْفَرْجُ يُصَدّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذّبُهُ ". قَالَ عَبْدٌ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ. سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ. حدّثنا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيّ. حَدّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" كُتِبَ عَلَىَ ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزّنَى. مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ. فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النّظَرُ. وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ. وَاللّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ. وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ. وَالرّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا. وَالْقَلْبُ يَهْوَىَ وَيَتَمَنّىَ. وَيُصَدّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذّبُهُ ". قوله: (ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) وفي الرواية الثانية" كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه" معنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا فمنهم من يكون زناه حقيقياً بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها، أو بالمشي بالرجل إلى الزنا أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب، فكل هذه أنواع من الزنا المجازي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه، معناه أنه قد يحقق الزنا بالفرج، وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك والله أعلم وأما قول ابن عباس: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة فمعناه تفسير قوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} ومعنى الاَية والله أعلم الذين يجتنبون المعاصي غير اللمم يغفر لهم اللمم كما في قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} فمعنى الاَيتين أن اجتناب الكبائر يسقط الصغائر وهي اللمم. وفسره ابن عباس بما في هذا الحديث من النظر واللمس ونحوهما وهي كما قال هذا هو الصحيح في تفسير اللمم، وقيل أن يلم بالشيء ولا يفعله، وقيل الميل إلى الذنب ولا يصر عليه، وقيل غير ذلك مما ليس بظاهر، وأصل اللمم والإلمام الميل إلى الشيء وطلبه من غير مداومة والله أعلم وجدت في: باب في حديث الإِفك، وقبول توبة القاذف. حدّثنا حِبّانُ بْنُ مُوسَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيّ. ح وَحَدّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيّ وَ مُحَمّدُ بْنُ رَافِعٍ وَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدّثَنَا. وَقَالَ الاَخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) عَبْدُ الرّزّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَالسّيَاقُ حَدِيثُ مَعْم َرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ و ابْنِ رَافِعٍ قَالَ يُونُسُ وَ مَعْمَرٌ. جَمِيعاً عَنِ الزّهْرِيّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ وَ عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ وَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقّاصٍ وَ عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، زَوْجِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا. فَبَرّأَهَا اللّهُ مِمّا قَالُوا. وَكُلّهُمْ حَدّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا. وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَىَ لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ. وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصاً. وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الّذِي حَدّثَنِي. وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدّقُ بَعْضاً. ذَكَرُوا أَنّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَراً، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا. فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي. فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ. فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ، مَسِيرَنَا. حَتّىَ إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرّحِيلِ. فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرّحِيلِ. فَمَشَيْتُ حَتّىَ جَاوَزْتُ الْجَيْشَ. فَلَمّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَىَ الرّحْلِ. فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ. فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ. وَأَقْبَلَ الرّهْطُ الّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي. فَرَحَلُوهُ عَلَىَ بَعِيرِي الّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ. وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنّي فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَتِ النّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافاً، لَمْ يُهَبّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنّ اللّحْمُ. إِنّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطّعَامِ. فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ. وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السّنّ. فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا. وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرّ الْجَيْشُ. فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلاَ مُجِيبٌ. فَتَيَمّمْتُ مَنْزِلِي الّذِي كُنْتُ فِيهِ. وَظَنَنْتُ أَنّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ. وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ السّلَمِيّ، ثُمّ الذّكْوَانِيّ، قَدْ عَرّسَ، مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادّلَجَ. فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي. فَرَأَىَ سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ. فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي. وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيّ. فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي. فَخَمّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي. وَوَاللّهِ مَا يُكَلّمُنِي كَلِمَةً وَلاَ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ. حَتّىَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ. فَوَطِئَ عَلَىَ يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا. فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرّاحِلَةَ. حَتّىَ أَتَيْنَا الْجَيْشَ. بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ. فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي. وَكَانَ الّذِي تَوَلّىَ كِبْرَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيَ ابْنِ سَلُولَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، شَهْراً. وَالنّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. وَلاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ يُرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنّي لاَ أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم اللّطْفَ الّذِي كُنتُ أَرَىَ مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي. إِنّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَيُسَلّمُ ثُمّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟" فَذَاكَ يَرِيبُنِي. وَلاَ أَشْعُرُ بِالشّرّ. حَتّىَ خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقِهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ. وَهُوَ مُتَبَرّزُنَا. وَلاَ نَخْرُجُ إِلاّ لَيْلاً إِلَىَ لَيْلٍ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيباً مِنْ بُيُوتِنَا. وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي التّنَزّهِ. وَكُنّا نَتَأَذّىَ بِالْكُنُفِ أَنْ نَتّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمّ مِسْطَحٍ، وَهْيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ. وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْن الْمُطّلِبِ. فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي. حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا. فَعَثَرَتْ أُمّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا. فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ. أَتَسُبّينَ رَجُلاً قَدْ شَهِدَ بَدْراً. قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. فَازْدَدْتُ مَرَضاً إِلَىَ مَرَضِي. فَلَمّا رَجَعْتُ إِلَىَ بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلّمَ ثُمّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟" قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيّ؟ قَالَتْ، وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا. فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَجِئْتُ أَبَوَيّ فَقُلْتُ لأُمّي: يَا أَمّتَاهْ مَا يَتَحَدّثُ النّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيّةُ هَوّنِي عَلَيْكِ. فَوَاللّهِ لَقَلّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ. إِلاّ كَثّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ قُلْتُ: سُبْحَانَ اللّهِ وَقَدْ تَحَدّثَ النّاسُ بِهَذَا؟. قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتّىَ أَصْبَحْتُ لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثُمّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي. وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ. يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَىَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِالّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ هُمْ أَهْلُكَ وَلاَ نَعْلَمُ إِلاّ خَيْراً. وَأَمّا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُضَيّقِ اللّهُ عَلَيْكَ. وَالنّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ. وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟" قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْها أَمْراً قَطّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِنْ أَنّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السّنّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَىَ الْمِنْبَرِ. فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيَ، ابْنِ سَلُولَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ علَىَ الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي. فَوَاللّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَىَ أَهْلِي إِلاّ خَيْراً. وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاّ خَيْراً. وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَىَ أَهْلِي إِلاّ مَعِي" فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيّ فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ. يَا رَسُولَ اللّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ قَتَلْنَاهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلاً صَالِحاً. وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيّةُ. فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللّهِ لاَ تَقْتُلُهُ وَلاَ تَقْدِرُ عَلَىَ قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللّهِ لَنَقْتُلَنّهُ. فَإِنّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَثَارَ الْحَيّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. حَتّىَ هَمّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا. وَرَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ عَلَىَ الْمِنْبَرِ. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُخَفّضُهُمْ حَتّىَ سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ. لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثُمّ بَكَيْتُ لَيْلَتِيَ الْمُقْبِلَةَ. لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. وَأَبَوَايَ يَظُنّانِ أَنّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا. فَجَلَسَتْ تَبْكِي. قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَىَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلّمَ ثُمّ جَلَس. قَالَتْ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ. وَقَدْ لَبِثَ شَهْراً لاَ يُوحَىَ إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ. قَالَتْ: فَتَشَهّدَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ جَلَسَ ثُمّ قَالَ: "أَمّا بَعْدُ. يَا عَائِشَةُ! فَإِنّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرّئُكِ اللّهُ. وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. فَإِنّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمّ تَابَ، تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ" . قَالَتْ: فَلَمّا قَضَىَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي حَتّىَ مَا أُحِسّ مِنْهُ قَطْرَةً. فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنّي رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا قَالَ: فَقَالَ: وَاللّهِ، مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لأُمّي: أَجِيبِي عنّي رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: وَاللّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السّنّ، لاَ أَقْرَأُ كَثِيراً مِنَ الْقُرْآنِ: إِنّي، وَاللّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتّىَ اسْتَقَرّ فِي نُفُوسِكُمْ وَصَدّقْتُمْ بِهِ. فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنّي بَرِيئَةٌ، وَاللّهُ يَعْلَمُ أَنّي بَرِيئَةٌ، لاَ تُصَدّقُونِي بِذَلِكَ. وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللّهُ يَعْلَمُ أَنّي بَرِيئَةٌ، لَتُصَدّقُونَنِي. وَإِنّي، وَاللّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلاّ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} . قَالَتْ: ثُمّ تَحَوّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَىَ فِرَاشِي. قَالَتْ: وَأَنَا، وَاللّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنّي بَرِيئَةٌ. وَأَنّ اللّهَ مُبَرّئِي بِبَرَاءَتِي. وَلَكِنْ، وَاللّهِ مَا كُنْتُ أَظُنّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَىَ. وَلَشَأنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلّمَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِيّ بِأَمْرٍ يُتْلَىَ. وَلَكِنّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَىَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النّوْمِ رُؤْيَا يُبَرّئُنِي اللّهُ بِهَا. قَالَتْ: فَوَاللّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مَجْلِسَهُ، وَلاَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ، حَتّىَ أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ عَلَىَ نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْي. حَتّىَ إِنّهُ لَيَتَحَدّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ، فِي الْيَوْمِ الشّاتِ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمّا سُرّيَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوّلَ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "أَبْشِرِي. يَا عَائِشَةُ أَمّا اللّهُ فَقَدْ بَرّأَكِ" فَقَالَتْ لِي أُمّي: قُومِي إِلَيْهِ. قَالَتْ: وَاللّهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ. لاَ أَحْمَدُ إِلاّ اللّهَ. هُوَ الّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي. قَالَتْ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ: {إِنّ الّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} (النور الاَية:) . عَشْرَ آيَاتٍ. فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ هَؤُلاَءِ الاَيَاتِ بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَىَ مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللّهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئاً أَبَداً. بَعْدَ الّذِي قَال لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللّهُ الاَية: {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىَ} (النور الاَية:) . إِلَىَ قوله: {أَلاَ تُحِبّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ} . قَالَ حِبّانُ بْنُ مُوسَىَ: قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَىَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللّهِ. فقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللّهِ إِنّي لأُحِبّ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَىَ مِسْطَحٍ النّفَقَةَ الّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَداً. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَمْرِي: "مَا عَلِمْتِ؟ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي. وَاللّهِ مَا عَلِمْتُ إِلاّ خَيراً. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَعَصَمَهَا اللّهُ بِالْوَرَعِ. وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا. فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ الزّهْرِيّ: فَهَذَا مَا انْتَهَىَ إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلاَءِ الرّهْطِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيّةُ. وحدّثني أَبُو الرّبِيعِ الْعَتَكِيّ. حَدّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيَ الْحُلْوَانِيّ وَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: حَدّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ كِلاَهُمَا عَنِ الزّهْرِيّ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ. بِإِسْنَادِهِمَا. وَفِي حَدِيثِ فُلَيحٍ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيّةُ. كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ. وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمَيّةُ كَقَوْلِ يُونُسَ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبّ عِنْدَهَا حَسّانُ. وَتَقُولُ: فَإِنّهُ قَالَ: فَإِنّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِيلِعِرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وزادَ أَيْضاً: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللّهِ إِنّ الرّجُلَ الّذي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللّهِ فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَىَ قَطّ. قَالَتْ: ثُمّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيداً فِي سَبِيلِ اللّهِ. وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرّزّاقِ: مُوغِرِينَ. قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرّزّاقِ: مَا قَوْلُهُ مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدّةُ الْحَرّ. حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَ مُحَمّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. قَالاَ: حَدّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا ذُكِرَ مِن شَأْنِي الّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيباً فَتَشَهّدَ. فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَىَ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمّ قَالَ: "أَمّا بَعْدُ. أَشِيرُوا عَلَيّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي. وَايْمُ اللّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَىَ أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطّ. وَأَبَنُوهُمْ، بِمَنْ، وَاللّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطّ. وَلاَ دَخَلَ بَيْتِي قَطّ إِلاّ وَأَنَا حَاضِرٌ. وَلاَ غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلاّ غَابَ مَعِي" . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصّتِهِ. وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتِي فَسَأَلَ جَارِيَتِي. فَقَالَتْ: وَاللّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْباً، إِلاّ أَنّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتّىَ تَدْخُلَ الشّاةُ فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا. أَوْ قَالَتْ خَمِيرَهَا (شَكّ هِشَامٌ) فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتّىَ أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ. فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللّهِ وَاللّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاّ مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَىَ تِبْرِ الذّهَبِ الأَحْمَرِ. وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ ذَلِكَ الرّجُلَ الّذِي قِيلَ لَهُ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ وَاللّهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَىَ قَطّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيداً فِي سَبِيلِ اللّهِ. وَفِيهِ أَيْضاً مِنَ الزّيَادَةِ: وَكَانَ الّذِينَ تَكَلّمُوا بِهِ مِسْطَحٌ وَحِمْنَةٌ وَحَسّانُ. وَأَمّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيَ فَهُوَ الّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ. وَهُوَ الّذِي تَوَلّىَ كِبْرَهُ، وَحِمْنَهُ. قوله: (حدثنا حبان بن موسى) هو بكسر الحاء وليس له في صحيح مسلم ذكر إلا في هذا الموضع، وقد أكثر عنه البخاري في صحيحه. قوله: (عن الزهري قال حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة إلى قوله: وكلهم حدثني طائفة من الحديث وبعضهم أوعى لحديثها من بعض إلى قوله: وبعض حديثهم يصدق بعضا) هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا منع منه ولا كراهة فيه، لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم وهؤلاء الأربعة أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين، فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضر وجاز إِلاحتجاج بها لأنهما ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز إِلاحتجاج به. قوله: "وبعضهم أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا" أي أحفظ وأحسن إيرادا وسردا للحديث. قولها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه" هذا دليل لمالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء في العمل بالقرعة في القسم بين الزوجات وفي العتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك، وقد جاءت فيها أحاديث كثيرة في الصحيح مشهور، قال أبو عبيد: عمل بها ثلاثة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن: يونس وزكريا ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن المنذر: استعمالها كالإجماع، قال: ولا معنى لقول من ردها، والمشهور عن أبي حنيفة إبطالها وحكى عنه إجازتها. قال ابن المنذر وغيره: القياس تركها لكن عملنا بها للاَثار، وفيه القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن، ولا يجوز أخذ بعضهم بغير قرعة، هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وآخرون وهو رواية عن مالك، وعنه رواية أن له السفر بمن شاء منهن بلا قرعة لأنها قد تكون أنفع له في طريقه والأخرى أنفع له في بيته وماله. قولها: (آذن ليلة بالرحيل) روي بالمد وتخفيف الذال وبالقصر وتشديدها أي أعلم. قولها: (وعقدي من جزع ظفار قد انقطع) أما العقد فمعروف نحو القلادة، والجزع بفتح الجيم وإسكان الزاي وهو خرز يماني، وأما ظفار فبفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وهي مبنية على الكسر، تقول: هذه طفار ودخلت ظفار وإلى ظفار بكسر الراء بلا تنوين في الأحوال كلها وهي قربة في اليمين. قولها: "وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري" هكذا وقع في أكثر النسخ لي باللام، وفي بعض النسخ بي بالباء واللام أجود، ويرحلون بفتح الياء وإسكان الراء وفتح الحاء المخففة أي يجعلون الرحل على البعير وهو معنى قولها فرحلوه بتخفيف الحاء، والرهط هم جماعة دون عشرة، والهودج بفتح الهاء مركب من مراكب النساء. قولها: "وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهلبن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام" فقولها يهبلن ضبطوه على أوجه: أشهرها ضم الباء وفتح الهاء والباء المشددة أي يثقلن باللحم والشحم. والثاني: يهبلن بفتح الياء والباء وإسكان الهاء بينما. والثالث: بفتح الياء وضم الباء الموحدة ويجوز بضم أوله وإسكان الهاء وكسر الموحدة، قال أهل اللغة: يقال هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه. وفي رواية البخاري لم يقلن وهو بمعناه وهو أيضا المراد بقولها ولم يغشهن اللحم وأيكلن العلقة بضم العين أي القليل ويقال لها أيضا البلغة. قولها: (فتيممت منزلي) أي قصدته. قولها: (وكان صفوان بن المعطل) هو بفتح الطاء بلا خلاف كذا ضبطه أبو هلال العسكري والقاضي في المشارق وآخرون. قولها: (عرس من وراء الجيش فادلج) التعريس النزول آخر الليل في السفر أو استراحة، وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان والمشهور الأول. قولها: (ادلج) بتشديد الدال وهو سير آخر الليل. قولها: (فرأى سواد إنسان) أي شخصه. قولها: (فاستيقظت باسترجاعه) أي انتبهت من نومي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. قولها: (خمرت وجهي) أي غطيته. قولها: (نزلوا موغرين في نحر الظهيرة) الموغر بالغين المعجمة النازل في وقت الوغرة بفتح الواو وإسكان الغين وهي شهدة الحر كما فسرها في الكتاب في آخر الحديث، وذكر هناك أن منهم من رواه موعرين بالعين المهملة وهو ضعيف، ونحر الظهيرة وقت القائلة وشدة الحر. قولها: (وكان الذي تولى كبره) أي معظمه وهو بكسر الكاف على القراءة المشهورة وقرئ في الشواذ بضمها وهي لغة. قولها: "وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول" هكذا صوابه ابن سلول برفع ابن وكتابته بالألف صفة لعبد الله، وقد سبق بيانه مرات وتقدم إيضاحه في كتاب الإيمان في حديث المقداد مع نظائره. قولها: (والناس يفيضون في قول أهل الإفك) أي يخوضون فيه والإفك بكسر الهمزة وإسكان الفاء هذا هو المشهور، وحكى القاضي فتحهما جميعا قال هما لغتان كنجس ونجس وهو الكذب. قولها: "وهو يريبني أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه" يريبني بفتح أوله وضمه يقال رابه