إنَّ أخوَفَ ما أخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّركَ الأصْغِرُ: الرِّيَاءُ" . أخرجه أحمد بإسناد حسن. وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه هو محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلي ولد على عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وحدث عنه أحاديث، قال البخاري: له صحبة، وقال أبو حاتم: لا تعرف له صحبة، وذكره مسلم في التابعين، قال ابن عبد البر: الصواب قول البخاري وهو أحد العلماء مات سنة ست وتسعين، قال, قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر كأنه قيل: ما هو؟ فقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: الرياء. أخرجه أحمد بإسناد حسن الرياء مصدر راءي فاعل ومصدره يأتي على بناء مفاعلة وفعال وهو مهموز العين لأنه من الرؤية ويجوز تخفيفها بقلبها ياء وحقيقته لغة أن يرى غيره خلاف ما هو عليه وشرهعاً أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله أو يخبر بها أو يجب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه. وقد ذمه الله في كتابه وجعله من صفات المنافقين في قوله: {يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً} [النساء: ١٤٢] ، وقال: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} ، وقال: {فويل للمصلين} ـ إلى قوله ـ [اي [ {الذين هم يراءون} [الماعون: ٥] ، وورد فيه من الأحاديث الكثيرة الطيبة الدالة على عظمة عقاب المرائي فإنه في الحقيقة عابد لغير الله، وفي الحديث القدسي: "يقول الله تعالى: من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا عنه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك" . واعلم أن الرياء يكون بالبدن وذلك بإظهار النحول والاصفرار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد والحزن على أمر الدين وخوف الآخرة، وليدل بالنحول على قلة الأكل وبتشعث الشعر ودرن الثوب يوهم أن همه بالدين ألهاه عن ذلك وأنواع هذا واسعة وهو معنى أنه من أهل الدين ويكون في القول بالوعظ في المواقف ويذكر كحايات الصالحين ليدل على عنايته بأخبار السلف وتبحره في العلم ويتأسف على مقارفة الناس للمعاصي والتأوه من ذلك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحضرة الناس والرياء بالقول لا تنحصر أبوابه، وقد تكون المراءاة بالأصحاب والأتباع والتلاميذ فيقال: فلان متبوع قدوة والرياء باب واسع إذا عرفت ذلك فبعض أبواب الرياء أعظم م بعض لاختلافه باختلاف أركانه، وهي ثلاثة المراءى به والمراءى لأجله ونفس قصد الرياء فقصد الرياء لا يخلو من أن يكون مجرداً عن قصد الثواب أو مصحوباً بإرادته، والمصحوب بإرادة الثواب لا يخلو عن أن تكون إرادة الثواب أرجح أو أضعف أو مساوية فكانت أربع صور، الأولى أن لا يكون قصد الثواب بل فعل الصلاة مثلاً ليراه غيره، وإذا انفرد لا يفعلها وأخرج الصدقة لئلا يقال: إنه بخيل، وهذا أغلظ أنواع الرياء وأخبثها وهو عبادة للعباد، الثانية قصد الثواب لكن قصداً ضعيفاً بحيث إنه لا يحمله على الفعل إلا مراءاة العباد ولكنه قصد الثواب فهذا كالذي قبله، الثالثة تساوي القصدان بحيث لم يبعثه على الفعل إلا مجموعهما ولو خلى عن كل واحد منهما لم يفعله فهذا تساوي صلاح قصده وفساده فلعله يخرج رأساً برأس لا له ولا عليه، الرابعة أن يكون إطلاع الناس مرجحاً أو مقوياً لنشاطه ولو لم يكن لما ترك العبادة. قال الغزالي: والذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص ويعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب، وحديث "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك" محمول على ما إذا تساوى القصدان أو أن قصد الرياء أرجح، وأما المراءى به وهو الطاعات فيقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها وهو ثلاث درجات: الرياء بالإيمان وهو إظهار كلمة الشهادة وباطنه مكذب فهو مخلد في النار في الدرك الأسفل منها وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله} وقريب منهم الباطنية الذين يظهرون الموافقة في الاعتقاد ويبطنون خلافه، ومنهم الرافضة أهل التقية الذين يظهرون لكل فريق أنهم منهم تقية. والرياء بالعبادات كما قدّمناه، وهذا إذا كان الرياء في أصل المقصد وأما إذا عرض الرياء بعد الفراغ من فعل العبادة لم يؤثر فيه إلا إذا ظهر العمل للغير وتحدث به. وقد أخرج الديلمي مرفوعاً "إن الرجل ليعمل عملاً سراً فيكتبه الله عنده سراً فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السر ويكتب علانية فإن عاد تكلم الثانية محى من السر والعلانية وكتب رياء" . وأما إذا قارن باعث الرياء باعث العبادة ثم ندم في أثناء العبادة فأوجب البعض من العلماء الاستئناف لعدم انعقادها. وقال بعضهم: يلغو جميع ما فعله إلا التحريم، وقال بعض: يصح لأن النظر إلى الخواتم كما لو ابتدأ بالإخلاص وصحبه الرياء من بعده، قال الغزالي: والقولان الآخران خارجان عن قياس الفقه. وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول جواب جندب بن زهير لما قال للنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إني أعمل العمل لله وإذا اطلع عليه سرني فقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا شريك لله في عبادته" وفي رواية "إن الله لا يقبل ما شورك فيه" رواه ابن عباس، وروي عن مجاهد أنه جاء رجل إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني فيسرني وأعجب به. فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم له شيئاً حتى نزلت الآية يعني قوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} . ففي الحديث دلالة على أن السرور بالاطلاع على العمل رياء، ولكنه يعارضه ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حديث غريب قال: قلت: يا رسول الله بينا أنا في بيتي في صلاتي إذ دخل عليّ رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لك أجران" ؛ وفي الكشاف من حديث جندب أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: "لك أجران أجر السر وأجر العلانية" وقد يرجح هذا الظاهر قوله تعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} فدل على أن محبة الثناء من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تنافي الإخلاص ولا تعدّ من الرياء. ويتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله: "إذا اطلع عليه سرني" لمحبته للثناء عليه، فيكون الرياء في محبته للثناء على العمل وإن لم يخرج العمل عن كونه خالصاً، وحديث أبي هريرة ليس فيه تعرّض لمحبة الثناء من المطلع عليه. وإنما هو مجرد محبة لما يصدر عنه وعلم به غيره. ويحتمل أن يراد بقوله فيعجبه أي يعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أنتم شهداء الله في الأرض" وقال الغزالي: أما مجرّد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أمره بحيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد العبادة. وعنْ أَبي هُريرة رضي الله عنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "آيةُ المنافقِ ثلاثٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعدَ أَخلفَ، وإذا اؤتُمِنَ خانَ" مُتّفقٌ عَليه، ولهما منْ حديث عبد الله بن عَمْرو "وإذا خاصمَ فَجَرَ" . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "آية المُنافق) أي علامة نفاقه (ثلاثٌ: إذ حَدّثَ كذب، وإذا وعدّ أَخلفَ، وإذا ائتمنَ خان" متفق عليه) . وقد ثبت عند الشيخين من حديث عبد الله بن عمر رابعة وهي: "وإذا خاصَمَ فَجَرَ" والمنافق من يظهر الإيمان ويبطن الكفر. وفي الحديث دليل على أن من كانت فيه خصلة من هذه كانت فيه خصلة من النفاق، فإن كانت في هذه كلها فهو منافق وإن كان موقناً مصدّقاً بشرائع الإسلام. وقد استشكل الحديث بأن هذه الخصال قد توجد في المؤمن المصدّق القائم بشرائع الدين، ولما كان كذلك اختلف العلماء في معناه، قال النووي: قال المحققون والأكثرون ــــ وهو الصحيح المختار ــــ: أن هذه الخصال هي خصال المنافقين، فإذا اتصف بها أحد من المصدّقين أشبه المنافق فيطلق عليه اسم النفاق مجازاً، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام وهو يبطن الكفر، وقيل: إن هذا كان في حق المنافقين الذين كانوا في أيامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم تحدّثوا بإيمانهم فكذبوا، وأتمنوا على رسلهم فخانوا، ووعدوا في الدين بالنصر فغدروا وأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر وروياه عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، قال القاضي عياض: وإليه مال كثير من الفقهاء. وقال الخطابي عن بعضهم: إنه ورد الحديث في رجل معين، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وإنما يشير إشارة. وحكى الخطابي أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه منها أن تفضي به إلى حقيقة النفاق، وأيد هذا القول بقصة ثعلبة الذي قال فيه تعالى: فاعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله وما وعدوه وبما كانوا يكذبون فإنه آل به خلف الوعد والكذب إلى الكفر فيك ون الحديث للتحذير من التخلق بهذه الأخلاق التي تؤول بصاحبها إلى النفاق الحقيقي الكامل. [رح] ـــ وعن ابن مسعود رضيَ اللَّه عَنْهُ قال: قال رَسُولُ اللَّه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "سِبابُ المُسْلِمِ فُسوقٌ، وقِتالُهُ كُفرٌ" . متفق عليه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "سباب بكسر السين المهملة مصدر سبه المسلم فسوق وقتاله كفر" . متفق عليه السب لغة الشتم والتكلم في أعراض الناس بما لا يعني كالسباب والفسوق مصدر فسق وهو لغة الخروج وشرعاً الخروج من طاعة الله، وفي مفهوم قوله المسلم دليل على جواز سب الكافر، فإن كان معاهداً فهو أذية له وقد نهى عن أذيته فلا يعمل بالمفهوم في حقه، وإن كان حربياً جاز سبه، إذ لا حرمة له، وأما الفاسق فقد اختلف العلماء في جواز سبه بما هو مرتكب له من المعاصي، فذهب الأكثر إلى جوازه لأن المراد بالمسلم في الحديث الكالم الإسلام والفاسق ليس كذلك وبحديث: "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" ، وهو حديث ضعيف وأنكره أحمد، وقال البيهقي: ليس بشيء فإن صح حمل على فاجر معلن فجوره أو يأتي بشهادة أو يعتمد عليه، فيحتاج إلى بيان حالة لئلا يقع الاعتماد عليه انتهى كلام البيهقي، ولكنه أخرج الطبراني في الأوسط الصغير بإسناد حسن رجاله موثوقون، وأخرجه في الكبير أيضاً من حديث معاوية بن حيدة قال: خطبهم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: "حتى متى ترعوون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يحذره الناس" ، وأخرجه البيهقي من حديث أنس بإسناد ضعيف: "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له" ، وأخرج مسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون" ، وهم الذين جاهروا بمعاصيهم فهتكوا ما ستر الله عليهم فيبيحون بها بلا ضرورة ولا حاجة، والأكثر يقولون بأنه يجوز أن يقال للفاسق: يا فاسق، ويا مفسد، وكذا في غيبته بشرط قصد النصيحة له أو لغيره بيان حاله أو للزجر عن صنيعه لا لقصد الوقيعة فيه، فلا بد من قصد صحيح إلا أن يكون جواباً لمن يبدأه بالسب فإنه يجوز له الانتصار لنفسه لقوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} ولقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "المتاسبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم" أخرجه مسلم ولكنه لا يجوز أن يعتدي ولا سيبه بأمر كذب. قال العلماء: وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبريء الأول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء والإثم المستحق لله تعالى، وقيل: بريء من الإثم ويكون على البادي اللوم والذم لا الإثم. ويجوز في حال الغضب لله تعالى لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" وقول عمر في قصة حاطب دعني أضرب عنق هذا المنافق وقول أسيد لسعد: إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين ولم ينكر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم هذه الأقوال وهي بمحضرة. وقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "وقتاله كفر" دال على أنه يكفر من يقاتل المسلم بغير حق وهو ظاهر فيمن استحل قتل المسلم أو قاتله حال إسلامه، وأما إذا كانت المقاتلة لغير ذلك فإطلاق الكفر عليه مجازاً ويراد به كفر النعمة والأحسان وأخوة الإسلام لا كفر الجحود وسماه كفراً لأنه قد يؤول به ما يحصل من المعاصي من الرين على القلب حتى يعمى عن الحق فقد يصير كفراً أو إنه كفعل الكافر الذي يقاتل المسلم. [رح] ــــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إيَّاكُمْ والظَّنِّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ" .مْتَّفَقٌ عليه. وعن أبي هرية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" متفق عليه المراد بالتحذير من الظن بالمسلم شراً نحو قوله: {اجتنبوا كثيراً من الظن} والظن هو: ما يخطر بالنفس من التجويز المحتمل للصحة والبطن فيحكم به ويعتمد عليه، كذا فسر الحديث في مختصر النهاية. وقال الخطابي: المراد التهمة ومحل التحذير، والنهي إنما هو عن التهمة التي لا سبب لها يوجبها، كمن اتهم بالفاحشة ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. وقال النووي: والمراد التحذير من تحقيق التهمة والإصرار عليها وتقرّرها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به، كما في الحديث "تجاوز الله عما تحدثت به الأمة أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل" ونقله عياض عن سفيان. والحديث وارد في حق من لم يظهر منه شتم ولا فحش ولا فجور، ويقيد إطلاقه حديث "احترسوا من الناس بسوء الظنّ" أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي والعسكري من حديث أنس مرفوعاً، قال البيهقي: تفرد به بقية، وأخرج الديلمي عن عليّ رضي الله عنه موقوفاً: "يحرم سوء الظن" وأخرجه القضاعي مرفوعاً من حديث عبد الرحمن بن عائذ مرسلاً، وكل طرقه ضعيفة، وبعضها يقوي بعضاً ويدل على أن لها أصلاً، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أخوك البكري ولا تأمنه" أخرجه الطبراني في الأوسط عن عمر وأبو داود عن عمرو بن القفواء. وقد قسم الزمخشري الظن إلى واجب ومندوب وحرام ومباح، فالواجب: حسن الظن بالله، والحرام: سوء الظن به تعالى وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إياكم والظن" الحديث، والمندوب: حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين، والجائز: مثل قول أبي بكر لعائشة: إنما هو أخواك أو أختاك، لما وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته اثنان. ومن ذلك سوء الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم سوء الظن به، لأنه قد دل على نفسه، ومن ستر على نفسه لم يظن به إلا خير، ومن دخل في مداخل السوء اتهم، ومن هتك نفسه ظننا به السوء. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لا تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراماً واجب الإجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، ومن عرفت منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد والخيانة به محرم، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب فنقابله بعكس ذلك. ذكر معناه في الكشاف. وقوله: "فإن الظن أكذب الحديث" سماه حديثاً لأنه حديث نفس، وإنما كان الظن أكذب الحديث لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره، وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء، فيخفى على السامع كونه كاذباً بحسن الغالب فكان أكذب الحديث. وعَنْ مَعْقل بن يسار رضي اللّهُ عنهُ قالَ: سمعتُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ: "ما مِنْ عَبْدٍ يسترعيه الله رعيّةً يموتُ يومَ يمُوتُ وهُوَ غاشٌّ لِرَعيَّتهِ إلا حرَّمَ الله عليه الجنَّةَ" مُتّفقٌ عليهِ. أخرجه البخاري من رواية الحسن وفيه قصة: وهي أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، "وكان عبيد الله عاملاً على البصرة في إمارة معاوية وولده يزيد" أخرجه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن الحسن قال: قدم إلينا عبيد الله بن زياد أميراً أمره علينا معاوية غلاماً سفيهاً يسفك الدماء سفكاً شديداً وفيها معقل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك ثم خرج إلى المسجد فقال له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رءوس الناس فقال: إنه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم مرض فدخل عليه عبيد الله يعوده فقال له معقل بن يسار: إني أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؛ قال: "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحظها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة" ولفظ رواية المصنف أحد روايتي مسلم. وسبب الخلاف معارضة الأصول في هذا الباب بعضها لبعض، ومعارضة الأثر لها، وذلك أن من الأصول في هذا الباب أن الوقيذ محرّم بالكتاب والإجماع ومن أصوله أن العقر ذكاة الصيد فمن رأى أن ما قتله المعراض وقيذ منعه على الإطلاق ومن رآه عقراً مختصاً بالصيد، وأن الوقذ غير معتبر فيه لم يمنعه على الإطلاق، ومن فرق بينما خزق من ذلك وما لم يخزق نظر إلى حديث عدي هذا وهو الصواب. وأخرج مسلم "ما من أمير يلي أمر المسلمين لا يجتهد معهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة" ورواه الطبراني وزاد: "كنصحه لنفسه" ، وأخرج الطبراني بإسناد حسن "ما من إمام ولا والٍ بات ليل سوداء غاشاً لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة، وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً" وأخرج الحاكم وصححه من حديث أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "من وليَ من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم" وأخرج أحمد والحاكم أيضاً وصححه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" وفي إسناده واهٍ، إلا أن ابن نمير وثقه وحسن له الترمذي أحاديث، والراعي: هو القائم بمصالح من يرعاه. وقوله: "يوم يموت" مراده أن يدركه الموت وهو غاشٍ لرعيته غير تائب من ذلك. والغش: بالكسر ضد النصح، ويتحقق غشه بظلمه لهم وأخذ أموالهم وسفك دمائهم وانتهاك أعراضهم واحتجابه عن خلتهم وحاجتهم وحبسه عنهم ما جعله الله لهم من مال الله سبحانه، المعين للمصارف، وترك تعريفهم بما يجب عليهم من أمر دينهم ودنياهم، وإهمال الحدود، وردع أهل الفساد وإضاعة الجهاد وغير ذلك مما فيه مصالح العباد، ومن ذلك توليته لمن لا يحوطهم، ولا يراقب أمر الله فيهم، وتوليته من غيره أرضى لله منه مع وجوده. والأحاديث دالة على تحريم الغش، وأنه من الكبائر، لورود الوعيد عليه بعينه فإن تحريم الجنة هو وعيد الكافرين في القرآن كما قال تعالى: {فقد حرّم الله عليه الجنة} وهو على رأي من يقول بخلود أهل الكبائر في النار واضح، وقد حمله من لا يرى خلود أهل الكبائر في النار على الزجر والتغليظ، قال ابن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه الله عليهم أو خانهم أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟ ومعنى "حرم الله عليه الجنة" أي أنفذ عليه الوعيد ولم يرض عنه المظلومين. وعَنْ عائشةَ رضي الله عنْها قالت: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "اللّهُمَّ مَنْ وليَ مِنْ أَمْر أُمّتي شيئاً فَشَقَّ عليهمْ فاشْققْ عليْهِ" أَخرجهُ مُسْلمٌ. شق عليهم: أدخل عليهم المشقة أي المضرة. والدعاء عليه منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالمشقة جزاء من جنس الفعل، وهو عام لمشقة الدنيا والآخرة وتمامه "ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به" ورواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ "ومن ولي منهم شيئاً فشق عليهم فعليه بهلة الله" فقالوا: يا رسول الله وما بهلة الله؟ قال: "لعنة الله" . والحديث دليل على أنه يجب على الوالي تيسير الأمور على من وليهم والرفق بهم، ومعاملتهم بالعفو والصفح، وإيثار الرخصة على العزيمة في حقهم لئلا يدخل عليهم المشقة، ويفعل بهم ما يحب أن يفعل به الله. وعَنْ أَبي هُريرةَ رضي اللّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا قاتلَ أَحدكُمْ فَلْيَجْتَنب الوجْهَ" متّفقٌ عَلَيْهِ. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا قاتلَ أَحَدُكم) أي غيره كما يدل له فاعل (فلْيجتنب الوجْه "متفق عليه) . وفي رواية" إذا ضرب أحدكم "وفي رواية" فلا يلطمن الوجه ". وهو دليل على تحريم ضرب الوجه، وأنه يتقى فلا يضرب ولا يلطم ولو في حدّ من الحدود الشرعية، ولو في الجهاد، وذلك لأن الوجه لطيف يجمع المحاسن، وأعضاؤه لطيفة، وأكثر الإدراك بها، فقد يبطلها ضرب الوجه وقد ينقصها، وقد يشين الوجه والشين فيه فاحش، لأنه بارز ظاهر لا يمكن ستره، ومتى أصابه ضرب لا يسلم غالباً من شين، وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. وعَنْهُ رضي اللّهُ عنهُ أَنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللّهِ أَوْصِيني، قال:" لا تغضب "فردَّدَ مراراً قالَ:" لا تَغْضبْ "أَخرجه الْبُخَاريُّ. (وعنه رضي الله عنه أي أبي هريرة (أن رجلاً قال: يا رسول الله أوصني. قال:" لا تغضب "فردّد مراراً قال:" لا تغضب "أخرجه البخاري) . جاء في رواية أحمد تفسيره بأنه جارية ــــ بالجيم ــــ ابن قدامة، وجاء في حديث أنه سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي قولاً أنتفع به وأقلل. قال:" لا تغضب ولك الجنة" وورد عن آخرين من الصحابة مثل ذلك. والحديث نهى عن الغضب وهو كما قال الخطابي: نهى عن اجتناب أسباب الغضب وعدم التعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر جبلي. وقال غيره: وقع النهي عما كان من قبيل ما يكتسب فيدفعه بالرياضة، وقيل: هو نهي عما ينشأ عنه الغضب وهو الكبر، لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب، والذي يتواضع حتى تذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب. وقيل: معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب. قيل: إنما اقتصر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على هذه اللفظة لأن السائل كان غضوباً. وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يفتي كل أحد بما هو أولى به، قال ابن التين: جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: "لا تغضب" خيري الدنيا والآخرة، لأن الغضب يؤول إلى التقاطع، ومنع الرفق، ويؤول إلى أن يؤذي الذي غضب عليه بما لا يجوز، فيكون نقصاً في دينه انتهى. ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى لأن الغضب ينشأ عن النفس والشيطان فمن جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدّة المعالجة كان أملك لقهر نفسه عن غير ذلك بالأولى. وتقدّم كلام يتعلق بالغضب وعلاجه. وعنْ خَوْلَةَ الأنصارية رضي الله عَنْها قالتْ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنّ رجالاً يتخوَّضونَ في مال الله بغير حقَ فَلَهم النارُ يومَ القيامة" أَخرجه البُخاريُّ. الحديث دليل على أنه يحرم على من لم يستحق شيئاً من مال الله، بألا يكون من المصارف التي عينها الله تعالى أن يأخذه ويتملكه، وأن ذلك من المعاصي الموجبة للنار. وفي قوله: "يتخوّضون" دلالة على أنه يقبح توسعهم منه زيادة على ما يحتاجون، فإن كانوا من ولاة الأموال أبيح لهم قدر ما يحتاجونه لأنفسهم من غير زيادة؛ وقد تقدم الكلام في ذلك. وعنْ أَبي ذرَ رضي اللّهُ عنْهُ عن النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيما يرويه عنْ رَبّه قال: "يا عبادي إني حرَّمتُ الظلْمَ على نفسي وجعلتُهُ بينكمْ محرَّماً فلا تظالموا" أَخرجهُ مُسلمٌ. (وعن أبي ذرّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيما يرويه عن ربه) من الأحاديث القدسية (قال:) الرب تبارك وتعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) وأخبرنا بأنه لا يفعله في كتابه بقوله: {وما ربك بظلاّم للعبيد} (وجَعَلْته بينكم محرَّماً فلا تظالموا" أخرجه مسلم) . النهاية في غريب الحديث والأثر. الإصدار ٢.٠٤ - للإمام ابن الأثير المجلد الأول >> حرف الحاء >> باب الحاء مع الراء {حرم} [ه] فيه يقال إنه لمُحْرِم عنك: أي يَحْرم أذاك عليه. ويقال: مُسْلم مُحْرِم، وهو الذي لم يُحِلَّ من نفْسه شيئاً يُوقِع به. يريد أنّ المسلم مُعْتَصِم بالإسلام ممتَنِع بحُرْمته ممن أراده أو أراد مالَه. [ه] ومنه حديث عمر لاجتِناب الصائم ما يَثْلِم صَومَهُ. ويقال