ليْس الشديد بالصُّرعةِ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالعين المهملة على زنة همزة صيغة مبالغة أي كثير الصرع (إنّما الشّديدُ الذي يملك نفسه عِنْد الغَضَبِ" متفق عليه) . المراد بالشديد هنا: شدّ القوّة المعنوية وهي مجاهدة النفس وإمساكها عند الشر ومنازعتها للجوارح للانتقام ممن أغضبها، فإن النفس في حكم الأعداء الكثيرين، وغلبتها عما تشتهيه في حكم من هو شديد القوّة في غلبة الجماعة الكثيرين فيما يريدونه منه. وفيه إشارة إلى أن مجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة العدوّ لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوّة. وحقيقة الغضب حركة النفس إلى خارج الجسد لإرادة الانتقام. والحديث فيه إرشاد إلى أن من أغضبه أمر وأرادت النفس المبادرة إلى الانتقام ممن أغضبه أن يجاهدها ويمنعها عما طلبت. والغضب غريزة في الإنسان فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمّر الوجه والعينان من الدم، لأن البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفّر اللون، وإن كان على النظير تردّد الدم بين انقباض وانبساط فيحمرّ ويصفرّ، والغضب يترتب عليه تغير الباطن والظاهر كتغير اللون والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال على غير ترتيب، واستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه في حالة غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، هذا في الظاهر، وأما في الباطن فقبحه أشدّ من الظاهر، لأنه يولد حقداً في القلب وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل قبح باطنه متقدم على تغير ظاهره، فإن تغير الظاهر ثمرة تغير الباطن، فيظهر على اللسان الفحش والشتم، ويظهر في الأفعال بالضرب والقتل وغير ذلك من المفاسد. وقد ورد في الأحاديث دواء هذا الداء. فأخرج ابن عساكر موقوفاً "الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار، والماء يطفيء النار فإذا غضب أحدكم فليغتسل" وفي رواية "فليتوضأ" وأخرج ابن أبي الدنيا "إذا غضب أحدكم فقال: أعوذ بالله سكن غضبه" وأخرج أحمد "إذا غضب أحدكم فليسكت" وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان: "إذا غضب أحدكم فليجلس فإذا ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" وأخرج أبو الشيخ "الغضب من الشيطان فإذا وجده أحدكم قائماً فليجلس وإن وجده جالساً فليضطجع" . والنهي متوجه إلى الغضب على غير الحق؛ وقد بوب البخاري "باب ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله" وقد قال تعالى: {جاهد الكفار والمشركين واغلظ عليهم} وذكر خمسة أحاديث في كل منها غضبه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أسباب مختلفة راجعة إلى أن كل ذلك كان لأمر الله، وإظهار الغضب فيه منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليكون أوكد وقد ذكر تعالى في موسى وغضبه لما عبد قومه العجل وقال: {ولما سكت عن موسى الغضب} . وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يوْمَ القيامة" متفق عليه. الحديث من أدلة تحريم الظلم وهو يشمل جميع أنواعه، سواء كان في نفس أو مال أو عرض، في حق مؤمن أو كافر أو فاسق. والإخبار عنه بأنه ظلمات يوم القيامة فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً حيث يسعى نور المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم، وقيل: إنه أريد بالظلمات الشدائد وبه فسر قوله تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} أي من شدائدها، وقيل: إنه كناية عن النكال والعقوبات. وعنْ جابر رضي اللّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "اتّقُوا الظُّلم فإن الظلم ظُلُمات يوم القيامة واتّقُوا الشُّحَّ فإنه أَهلكَ مَنْ كانَ قبلَكم" أَخرجهُ مُسلمٌ. في الشح وفي التفرقة بينه وبين البخل أقوال، فقيل في تفسير الشح: إنه أشدّ من البخل وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل في بعض الأمور والشح عام، وقيل: البخل بالمال خاصة والشح بالمال والمعروف وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. وقوله: "فإنه أهلك من كان قبلكم" يحتمل أن يريد الهلاك الدنيوي المفسر بما بعده في تمام الحديث وهو قوله: "حملهم على أن يسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" وهذا هلاك دنيوي، والحامل لهم هو شحهم على حفظ المال وجمعه وازدياده وصيانته عن ذهابه في النفقات، فضموا إليه مال الغير صيانة له، ولا يدرك مال الغير إلا بالحرب والغصيبة المفضية إلى القتل واستحلال المحارم، ويحتمل أن