المحيط في الاحاديث النبوية والسنن والاثار

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
المحيط في الاحاديث النبوية والسنن والاثار
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
لا إسناد مُحلَّل لهذه النسخة.

في حاجةٍ. فأَجْنَبْتُ، فلم أجدِ الماءَ، فَتَمَرَّغتُ في الصَّعيدِ كما تَتَمرَّغُ الدَّابَةُ، ثمَّ أَتَيْتُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فذَكَرْتُ لهُ ذلكَ. فقالَ: إنّما يكْفيك أن تَقُولَ بيَدَيْكَ هكذا ": ثمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأرضَ ضَرْبَةً واحِدةً، ثم مسَحَ الشِّمَال على اليمينِ، وظَاهرَ كَفّيْهِ وَوَجْهَهُ. متفقٌ عليه، واللفظ لمُسلم. وفي رواية للبخاريِّ: وضَرَبَ بكَفّيْهِ الأرضَ، وَنَفَخَ فيهمَا، ثمَّ مَسَحَ بهمَا وَجْهَهُ وكَفّيْهِ. (عن عمار) بفتح العين المهملة وتشديد الميم اخره راء، هو أبو اليقظان عمار (بن ياسر) بمثناة تحتية وبعد الألف سين مهملة فراء. أسلم عمار قديماً وعذب في مكة على الإسلام وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وسماه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الطيب والمطيب، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدراً، والمشاهد كلها، وقتل بصفين مع علي عليه السلام، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وهو الذي قال له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" تقتلك الفئة الباغية ". (قال: بعثني رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في حاجة فأجنبت) أي: صرت جنباً، وقدمنا أنه يقال: أجنب الرجل صار جنباً. ولا يقال: اجتنب، وإن كثر في لسان الفقهاء (فلم أجد الماء فتمرغت) بفتح المثناة الفوقية والميم وتشديد الراء فغين معجمة، وفي لفظ" فتمعكت" ومعناه: تقلبت (في الصعيد، كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فذكرت له ذلك فقال: إنما كانَ يكفيك أن تقول) أي: تفعل، والقول يطلق على الفعل، كقولهم: قال بيده: هكذا (بيديك هكذا) بينه بقوله: (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفّيْه وَوَجْهه. متفق عليه) بين الشيخين (واللفظ لمسلم) . استعمل عمار القياس، فرأى أنه لما كان التراب نائباً عن الغسل، فلا بد من عمومه للبدن. فأبان له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الكيفية التي تجزئه، وأراه الصفة المشروعة، وأعلمه أنها التي فرضت عليه. ودلّ على أنه يكفي ضربة واحدة، ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الاية مجملة، بيّنها صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالاقتصار على الكفين. وأفاد أن الترتيب بين الوجه والكفين غير واجب، وإن كانت الواو لا تفيد الترتيب، إلا أنه قد ورد العطف في رواية للبخاري للوجه على الكفين بثم، وفي لفظ لأبي داود: "ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه" ، وفي لفظ: للإسماعيلي، ما هو أوضح من هذا: "إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك؛ ودل على أن التيمم فرض من أجنب ولم يجد الماء. وقد اختلف في كمية الضربات، وقدر التيمم في اليدين: فذهب جماعة من السلف، ومن بعدهم إلى أنها تكفي الضربة الواحدة، وذهب إلى أنها لا تكفي الضربة الواحدة جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وقالوا: لا بد من ضربتين؛ للحديث الاتي قريباً، والذاهبون إلى كفاية الضربة: جمهور العلماء، وأهل الحديث؛ عملاً بحديث عمار، فإنه أصح حديث في الباب، وحديث الضربتين يأتي: أنه لا يقوى على معارضته. قالوا: وكل ما عدا حديث عمار فهو ضعيف، أو موقوف، كما يأتي. وأما قدر ذلك في اليدين: فقال جماعة من العلماء، وأهل الحديث: إنه يكفي في اليدين الراحتان، وظاهر الكفين؛ لحديث عمار هذا. وقد رويت عن عمار روايات بخلاف هذا، لكن الأصح ما في الصحيحين. وقد كان يفتي به عمار بعد موت النبي ــــ صلى الله عليه وآله وسلم ــــ: وقال اخرون: إنها تجب ضربتان، ومسح اليدين مع المرفقين، لحديث ابن عمر الاتي؛ ويأتي أن الأصح فيه أنه موقوف، فلا يقاوم حديث عمار المرفوع الوارد للتعليم. ومن ذلك اختلافهم في الترتيب بين الوجه واليدين، وحديث عمار كما عرفت قاض بأنه لا يجب، وإليه ذهب من قال: تكفي ضربة واحدة قالوا: والعطف في الاية بالواو لا ينافي ذلك. وذهب من قال: بالضربتين: إلى أنه لا بد من الترتيب بتقديم الوجه على اليدين، واليمنى على اليسرى. وفي حديث عمار: دلالة على أن المشروع هو ضرب التراب. وقال بعدم إجزاء غيره: الهادوية، وغيرهم: لحديث عمار هذا، وحديث ابن عمر الاتي. وقال الشافعي: يجزئ وضع يده في التراب؛ لأن في إحدى روايتي تيممه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من الجدار:" أنه وضع يده "، (وفي رواية) أي من حديث عمار. (للبخاري، وضَرَبَ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) أي: ظاهرهما كما سلف، وهو كاللفظ الأول، إلا أنه خالفه بالترتيب، وزيادة النفخ. فأما نفخ التراب: فهو مندوب. وقيل: لا يندب، وسلف الكلام في الترتيب. وهذا التيمم وارد في كفاية التراب للجنب الفاقد للماء، وقد قاسوا عليه الحائض، والنفساء، وخالف فيه ابن عمر، وابن مسعود. وأما كون التراب يرفع الجنابة، أو لا، فسيأتي في شرح حديث أبي هريرة، وهو حديث مائه وتسعة عشر. وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهمَا قالَ: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" التّيَمُمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ للْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ للْيَدَيْنِ إلى المرْفَقَيْنِ ". رواه الدارقطنيُّ، وصَحّحَ الأئمةُ وقْفَهُ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين: رواه الدارقطني) . وقال في سننه عقب روايته: وقفه يحيى القطان، وهشيم، وغيرهما، وهو الصواب اهـ، ولذا قال المصنف: (وصحح الأئمة وقفه) على ابن عمر. قالوا: وإنه من كلامه، وللاجتهاد مسرح في ذلك، وفي معناه عدة روايات كلها غير صحيحة، بل إما موقوفة، أو ضعيفة، فالعمدة حديث عمار، وبه جزم البخاري في صحيحه فقال:" باب التيمم للوجه والكفين". قال المصنف في الفتح: أي: هو الواجب المجزئ، وأتى بصيغة الجزم في ذلك، مع شهرة الخلاف فيه؛ لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعمار. وما عداهما فضعيف، أو مختلف في رفعه، ووقفه، والراجح عنده رفعه. فأما حديث أبي جهيم، فورد بذكر اليدين مجملاً. وأما حديث عمار، فورد بلفظ الكفين في الصحيحين، وبلفظ المرفقين في السنن. وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية، إلى الاباط. فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال. وأما رواية الاباط، فقال الشافعي، وغيره: إن كان وقع بأمر النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فبكل تيمم صح عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به. ويؤيد رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين: أن عماراً كان يفتي بعد النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد. وعن أبي هُريرة رضيَ الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله: "الصَّعيدُ وَضُوءُ المُسلم، وإن لم يجد الماءَ عشْرَ سنين. فإذا وَجَدَ الماءَ فلْيَتّقِ الله ولْيُمِسَّهُ بشرتَهُ" . رواه البزَّارُ وصحّحهُ ابن القطّان، لكنْ صَوَّبَ الدارقطني إرسالَهُ ". (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: الصعيد) هو عند الأكثرين التراب. وعن بعض أئمة اللغة: أنه وجه الأرض، تراباً كان، أو غيره، وإن كان صخراً لا تراب عليه. وتقدم الكلام في ذلك. (وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) فيه: دليل على تسمية التيمم وضوءاً (فإذا وَجَدَ) أي المسلم (الماء فليتق الله ولْيُمِسه بشرته. رواه البزار، وصححه ابن القطان) . تقدم الكلام على ضبط ألفاظهما والتعريف بحالهما (لكن صوب الدارقطني إرساله) قال الدارقطني في كتاب العلل: إرساله أصح. وفي قوله:" إذا وجد الماء "دليل على أنه إن وجد الماء وجب إمساسه بشرته، وتمسك به من قال: إن التراب لا يرفع ا لحدث، وإن المراد: أن يمسه بشرته لما سلف من جنابة، فإنها باقية عليه، وإنما أباح له التراب الصلاة، لا غير، وإذا فرغ منها عاد عليه حكم الجنابة؛ ولذا قالوا: لا بد لكل صلاة من تيمم. واستدلوا بحديث عمرو بن العاص؛ وقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم له:" أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ "، وقول الصحابة له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إن عمراً صلى بهم وهو جنب، فأقرهم على تسميته جنباً. ومنهم من قال:" إن التراب حكمه حكم الماء يرفع الجنابة، ويصلي به ما شاء، وإذا وجد الماء لم يجب عليه أن يمسه إلا للمستقبل من الصلاة، واستدلوا: بأنه تعالى جعله بدلاً من الماء، فحكمه حكمه، وبأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سماه طهوراً، وسماه وضوءاً، كما سلف قريباً. والحق أن التيمم يقوم مقام الماء، ويرفع الجنابة رفعاً مؤقتاً إلى حال وجدان الماء؛ أما أنه قائم مقام الماء، فلأنه تعالى جعله عوضاً عنه عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل. وأما أنه إذا وجد الماء اغتسل؛ فلتسميته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عمراً جنباً، ولقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "فإذا وجد الماء فليتق الله" ، فإن الأظهر أنه أمر بإمساسه الماء لسبب قد تقدم على وجدان الماء؛ إذ إمساسه لما يأتي من أسباب وجوب الغسل، أو الوضوء، معلوم من الكتاب والسنة، والتأسيس خير من التأكيد. وللترْمذيِّ عنْ أبي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وصححهُ. (وللترمذي عن أبي ذر) بذال معجمة مفتوحة فراء، اسمه جندب بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها أيضاً، ابن جنادة بضم الجيم وتخفيف النون بعد الألف دال مهملة. وأبو ذر من أعيان الصحابة، وزهّادهم، والمهاجرين؛ وهو أول من حيّا النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بتحية الإسلام، وأسلم قديماً بمكة يقال: كان خامساً في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه: إلى أن قدم المدينة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد الخندق، ثم سكن بعد وفاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الربذة، إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان، وصلى عليه ابن مسعود، ويقال: إنه مات بعده بعشرة أيام (نحوُه) أي: نحو حديث أبي هريرة، ولفظه: "قال أبو ذر: اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بإبل، فكنت فيها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقلت: هلك أبو ذر، قال ما حالك؟ قلت: كنت أتعرض للجنابة، وليس قربي ماء. قال: الصعيد طهور لمن لم يجد الماء، ولو عشر سنين" (وصححه) أي: حديث أبي ذر الترمذي، قال المصنف في الفتح: إنه صححه أيضاً ابن حبان، والدارقطني. وعنْ أبي سعيدٍ الْخُدْري رضي الله عنه قالَ: خرَجَ رجُلانِ في سَفَرٍ، فَحَضَرتِ الصَّلاةُ ــــ وليسَ مَعهُمَا ماءٌ ــــ فتَيمّما صَعيداً طَيِّباً، فصَلّيا، ثمَّ وَجَدَا الماءَ في الوقْتِ. فأعادَ أحَدُهُمَا الصلاة والوُضُوءَ، ولمْ يُعِدِ الاخَرُ، ثمَّ أتَيَا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فذكرا ذلك لهُ، فقالَ للذي لمْ يُعِدْ: "أصَبْتَ السُّنّةَ وأجْزأَتْكَ صلاتُكَ" وقالَ لِلآخَرِ: "لَكَ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ" . رواه أبو داود، والنّسائيُّ. (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمما صعيداً طيباً) هو الطاهر الحلال، وقد قيّد الله الصعيد به في الايتين في القران، فإطلاقه في حديث أبي هريرة مقيد بالايات، والأحاديث (فصليا ثم وجدا الماء في الوقت) أي: وقت الصلاة التي صليا (فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء) سماه إعادة تغليباً، وإلا فلم يكن قد توضأ، أو سمي التيمم وضوءاً مجازا (ولم يعد الاخر، ثم أتيا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصَبْتَ السُّنة" ) أي: الطريقة الشرعية (وأجْزَأتْكَ صلاتُك) لأنها وقعت في وقتها، والماء مفقود، فالواجب التراب (وقال للاخر) الذي أعاد: (لَكَ الأجْرُ مرَّتين) أجر الصلاة بالتراب، وأجر الصلاة بالماء (رواه أبو داود، والنسائي) . وفي مختصر السنن للمنذري: أنه أخرجه النسائي مسنداً، ومرسلاً. وقال أبو داود: إنه مرسل عن عطاء بن يسار. لكن قال المصنف: هذه الرواية رواها ابن السكن في صحيحه، وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه إسحاق في مسنده: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بال، ثم تيمم، فقيل له: إن الماء قريب منك، قال: فلعلي لا أبلغه" . والحديث دليل على جواز الاجتهاد في عصره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وعلى أنه لا يجب الطلب والتلوم له: أي الانتظار، ودل على أنه لا تجب الإعادة على من صلى بالتراب، ثم وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة. وقيل: بل يعيد الواجد في الوقت؛ لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته" . وهذا قد وجد الماء. وأجيب: بأنه مطلق فيمن وجد الماء بعد الوقت، وقبل خروجه، وحال الصلاة، وبعدها. وحديث أبي سعيد هذا فيمن لم يجد الماء في الوقت حال الصلاة، فهو مقيد فيحمل عليه المطلق، فيكون معناه: فإذا وجدت الماء قبل الصلاة في الوقت فأمسه بشرتك، أي: إذا وجدته، وعليك جنابة متقدمة، فيقيد به، كما قدمنا. واستدل القائل بالإعادة في الوقت: بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـ كِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} والخطاب متوجه مع بقاء الوقت. وأجيب: بأنه بعد فعل الصلاة لم يبق للخطاب توجه إلى فاعلها، كيف؟ وقد قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "وأجزأتك صلاتك" للذي لم يعد، إذ الإجزاء: عبارة عن كون الفعل مسقطاً لوجوب إعادة العبادة، والحق أنه قد أجزأه. وعن ابن عباس رضي الله عنهمَا في قوله عزَّ وجلَّ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} قال: إذا كانتْ بالرَّجُل الجراحَةُ في سبيلِ الله والقرُوحُ، فيجنِبُ، فيخافُ أن يموت إن اغتسل، تيمم. روَاهُ الدارقطني مَوْقُوفاً، ورَفَعَهُ البَزَّارُ، وصححهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ. (وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله) أي: الجهاد (والقروح) جمع قرح، وهي: البثور التي تخرج من الأبدان، كالجدري، ونحوه (فيجنب) تصيبه الجنابة (فيخاف) يظن (أن يموت إن اغتسل تيمم، رواه الدارقطني موقوفاً) على ابن عباس (ورفعه) إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (البزار، وصححه ابن خزيمة، والحاكم) . وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: أخطأ فيه علي بن عاصم. وقال البزار: لا نعلم من رفعه عن عطاء من الثقات إلا جريراً. وقد قال ابن معين: إنه سمع من عطاء بعد الاختلاط، وحينئذ فلا يتم رفعه. وفيه دليل على شرعية التيمم في حق الجنب إن خاف الموت. فأما لو لم يخف إلا الضرر، فالاية وهي قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً دالة على إباحة المرض للتيمم، سواء خاف تلفه، أو دونه، والتنصيص في كلام ابن عباس على الجراحة، والقروح، إنما هو مجرد مثال. وإلا فكل مرض كذلك. ويحتمل أن ابن عباس يخص هذين من بين الأمراض، وكذلك كونها في سبيل الله مثال. فلو كانت الجراحة من سقطة، فالحكم واحد، وإذا كان مثالاً، فلا ينفي جواز التيمم لخشية الضرر، إلا أن قوله: "أن يموت" يدل على أنه لا يجزئ التيمم إلا مخافة الموت، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي. وأما الهادوية، ومالك، وأحد قولي الشافعي، والحنفية، فأجازوا التيمم؛ لخشية الضرر، قالوا: لإطلاق الاية. وذهب داود، والمنصور: إلى إباحته للمرض، وإن لم يخف ضرراً، وهو ظاهر الآية. وعن عليٍّ رضي الله عنهُ قالَ: انْكَسَرَتْ إحدى زَنْديَّ فسألْتُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فأمَرَنِي أنْ أمْسحَ على الجبائر. رواهُ ابنُ ماجَه بسَنَدٍ واهٍ جداً. (وعن علي عليه السلام قال: انكسرت إحدى زنديَّ) بتشديد المثناة التحتية تثنية زند، وهو مفصل طرف الذراع في الكف (فسألت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) ، أي: عن الواجب من الوضوء في ذلك (فأمَرَني أنْ أمْسَحَ على الجبائر) هي ما يجبر به العظم المكسور ويلف عليه (رواه ابن ماجه بسند واه جداً) بكسر الجيم وتشديد الدال المهملة، وهو منصوب على المصدر، أي أجد ضعفه جداً. الجد: التحقيق، كما في القاموس، فالمراد أحقق ضعفه تحقيقاً. والحديث أنكره يحيى بن معين، وأحمد، وغيرهما، قالوا: وذلك أنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب. ورواه الدارقطني، والبيهقي من طريقين أوهى منه. قال النووي: اتفق الحفاظ على ضعف هذا الحديث. وقال الشافعي: لو عرفت إسناده بالصحة لقلت به، وهذا مما أستخير الله فيه. وفي معناه أحاديث أخر. قال البيهقي: إنه لا يصح منها شيء، إلا أنه يقويه قوله: وعن جابرٍ رضي الله عنه ــــ في الرَّجُلِ الذي شُجَّ، فاغْتَسل فمات ــــ "إنَّمَا كان يَكفيهِ أن يتيمّمَ، ويَعْصِبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثمَّ يَمْسَحُ علَيْهَا ويغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ" رواه أبو داود بسَنَدٍ ضعيفٍ وفيهِ اختلافٌ على روايه. (وعن جابر رضي الله عنه في الرجل الذي شج) بضم الشين المعجمة وجيم، من شجه يشجه بكسر الشين وضمها: كسره، كما في القاموس (فاغتسل فمات: إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثمَّ يمسح عليها، ويغسل سائر جسده، رواه أبو داود بسند ضعيف) . لأنه تفرد به الزبير بن خريق: بضم الخاء المعجمة فراء مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وقاف. قال الدارقطني: ليس بالقوي. قلت: وقال الذهبي: إنه صدوق (وفيه اختلاف على راويه) وهو: عطاء، فإنه رواه عنه الزبير بن خريق، عن جابر. ورواه عنه الأوزاعي بلاغاً عن عطاء، عن ابن عباس. فالاختلاف وقع في رواية عطاء، هل عن جابر، أو عن ابن عباس؟ وفي إحدى الروايتين ما ليس في الأخرى. وهذا الحديث، وحديث علي الأول: قد تعاضدا على وجوب المسح على الجبائر بالماء، وفيه خلاف بين العلماء. منهم من قال: يمسح لهذين الحديثين، وإن كان فيهما ضعف، فقد تعاضدا، ولأنه عضو تعذر غسله بالماء، فمسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياساً على مسح أعلى الخفين، وعلى العمامة، وهذا القياس يقوي النص. قلت: من قال بالمسح عليهما قوي عنده المسح على الجبائر، وهو الظاهر. ثم في حديث جابر دليل على أنه يجمع بين التيمم، والمسح، والغسل، وهو مشكل، حيث جمع بين التيمم والغسل. قيل: فيحمل على أن أعضاء الوضوء كانت جريحة، فتعذر إمساسها بالماء، فعدل إلى التيمم، ثم أفاض الماء على بقية جسده. وأما الشجة: فقد كانت في الرأس، والواجب فيه الغسل، لكن تعذر لأجل الشجة، فكان الواجب عليه عصبها، والمسح عليها، إلا أنه قال المصنف في التلخيص: إنه لم يقع في رواية عطاء عن ابن عباس ذكر التيمم، فثبت: أن الزبير بن خريق تفرّد به، نبّه على ذلك

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.